الروح الخالدة وتعدد الوسيط في في رواية ليلى وفرانس لمحمد علي إبراهيم
الروح الخالدة وتعدد الوسيط في
في رواية ليلى وفرانس لمحمد علي إبراهيم
عادل ضرغام
في رواية (ليلى وفرانز) للكاتب محمد علي إبراهيم هناك اتكاء على الحكاية للوصل بها إلى الأسطورة، واتكاء على الأسطورة للوصول إلى تنضيد خاص للحكاية، تنضيد نابع من اللحظة بكل اختلافها عن السابق، بحيث يتم تقديم الحكاية بنعومة لافتة، ولم تقلح كل المحاولات المعرفية الموجودة في النص الروائي في التأثير سلبا على براعة الحكي، فهي رواية الإشكاليات الكبيرة التي يسهل حلّها للوصول إلى الانتصار، ولكنها تفصح سريعا عن أن النهاية الحتمية سوف تحدث وتتمّ بهدوء.
ما تقدمه الرواية نسخة معاصرة للمآسي وويلات الحياة، والبداية الدورية نزوعا للخلود، فالأساطير والتراجيديات الكبرى في هذه الرواية تتجلى بصورة معاصرة، فالقارئ قد يأخذ الرواية على أنها حكاية عادية تتكرّر كثيرا على فترات متباعدة، ولكنها عند التأمل الدقيق تتجلى مساوية لتراجيديا الوجود الكاشفة عن صراع الإنسان ووجوده الناقص، ونزوعه نحو الخلود، من خلال التكرار الدوري وبقاء الروح التي تتناسل تدريجيا من جسد إلى جسد. تشكل الرواية هنا تعديلا مستمرا للحكايات الشبيهة فقد غيّرت من طريقة سردها للقارئ، فهي آلية تنتمي للحظة الآنية بمنجزاتها العلمية واكتشافاتها.
في نسخة المأساة التي بين أيدينا يتحول الصراع، ويأخذ أشكالا مختلفة من خلال مناح معرفية تطرحها الرواية ملتحمة مع بنيتها السردية وفق هدف محدد. وفي ظل ذلك تتولد الأسطورة، فالكاتب هنا لا يحيي أساطير قديمة بقدر اشتغاله على توليد أسطورته الكتابية الخاصة، وذلك من خلال الإصغاء للمناحي المعرفية السابقة وإعادة تشغيلها وإنتاجها. هي رواية الحياة والموت، والتجدد والتكرار الدوري في ظل صراع مستمر، يتخللها لحظة انتصار جزئي، ولحظات للنهاية والبداية في آن. هي أقرب إلى الروايات أو الأعمال الكلاسيكية العظيمة التي تكمن قيمتها في إعادة واستعادة الصراع الدائم، لأن القارئ لا يملّ من تكراره، من خلال اكتشاف شيء جديد، شيء يرتبط بالروح التي تتناسل من كل الحكايات السابقة.
الرواية قد تظهر للقارئ- اهتبالا للقراءة والتأويل- موزّعة إلى مناح معرفية عديدة، منها الصراع مع الآخر المغاير، أو الصراع مع الآلهة والمقدس، أو من خلال الآليات الفنية التي تجلّت مشكلة العمل، ولكن كل ذلك يتمّ تقديمه بشكل بعيد عن العمد والـتأسيس المبالغ فيه، وكأنها بهذا البساطة والهشاشة لطبيعة الحياة، بالإضافة إلى أن كل الجزئيات السابقة-بالرغم من أهميتها-لا تشكل إلا عرضا أو مظهرا لجوهر شديد الخصوصية يكتنف العمل، وتمّ التخطيط لها بشكل لافت، وإشارات دامغة موزعة على جزئيات العمل.
فالقارئ في هذه الرواية أمام ديدن وطبيعة الحياة التي لا تستجيب بسهولة لآمالنا وتطلعاتنا، وهي إن استجابت فهي تكشف لنا عن أحابيلها العديدة في سرقة الفرح. فالرواية مهمومة بذلك الصراع الأبدي بين الإنسان والكون، فهناك شخصيات متوترة بإحساسها ومقاربتها للوجود، فالأول (فرانز) ملحد عن قناعة، والأخرى (ليلى) تولد توترها بالوجود والآلهة بعد وفاة أخيها وأمها في ليلة واحدة. الإلحاد والعلاقة التي تعاني سوء التكيف مع الإله تضعان الرواية في إطار فكري جديد، تؤسس له فكريا ومعرفيا من خلال رموز وإشارات، وبنائيا من خلال التخطيط للعمل.
ففي الرواية هناك ذكر لمجموعة من المصادر المؤسسة لجوهره، ربما يكون أهمها ماثلا في كتاب (مسخ الكائنات) لأوفيد، أو كتابات عبدالرازق جبران، وكتب الساغا وثيقة الصلة بالثقافة الآيسلندية. ويحقق كتاب أوفيد حضورا لافتا في التأثير على (فرانسوا)، أو على (ليلى)، ويكشف ذلك عن كونهما- بالإضافة إلى الطرف المكمل للثالوث (تاليا)- أبطالا لمسرحية كبيرة مرتبطة بالخلود والتكرار الدوري والتناسخ، فالرواية إعادة اشتغال على فكرة امتداد الروح من وسيط إلى وسيط آخر بشكل مختلف، داخل حكاية حب عادية تنتصر على إشكالياتها المحدودة في ظل فكرة الدين والعرق.
خلود الروح وتعدد الوسيط
القارئ للرواية يدرك أن هناك أسانيد عديدة تدعم هذا التوجه في تلقي الرواية، المرتبط باعتبارها نموذجا للتناسخ أو استمرار الروح وأبديتها، وانتقالها من وسيط إلى آخر. وربما يكون السند الأول لهذا التوجه ماثلا في حضور حالة من المساواة بين البشر والآلهة في حالة فرانسو، في كونه ملحدا، وإن كان مسيحيا إنجيليا، وفي حالة التبرم التي نراها لدى ليلى، سواء كان إله أبيها أو الإله آمون، مما يولد لديها نوعا من الخطاب الكاشف عن المساواة، وربما التحدي والنزال، وتعبر الرواية عن ذلك على لسانها (هل خلعي للحجاب، وتركي للصوم والصلاة، ثم زواجي من رجل هو الحقيقة ملحد، يحقق لي انتصارا على الإله الذي يؤمن به أبي).
ويمكن أن يؤسس القارئ فارقا بين توجهي (فرانسوا) و(ليلى) في هذه الجزئية الخاصة بخلخلة قداسة الإله، فلديه إلحاد تمّ بناؤه على إشكالية ذاتية، تكاتفت الظروف والنشأة لتجعله قائما على قناعة، تتجلى الإشكالية الذاتية في أنفه الكبير في رده على والده حين طلب منه أن يصحبه إلى الكنيسة، فقال له (حين يصلح المسيح أنفي)، ويتواتر هذا التوجه لديه في أجزاء عديدة من النص الروائي، فيقول لصديقه في مصنع الألومنيوم بنجع حمادي حين طلب تغيير موعد راحته الأسبوعية (أنا لا أذهب إلى الكنيسة، لأنني لا ديني). ويتأسس موقفه ليصبح موقفا عاما من الأديان، فحين غير شهادته واعتنق الإسلام، تسأله ليلى (بماذا شعرت بعد نطقك للشهادتين، فقال: هززت كتفي قبضت على يدها، وقبلت باطنها، وقلت لا شيء).
على الجانب الآخر تبدو إشكالية ليلى مع الألهة إشكالية مولدة من حدث آني، يتمثل في موت شقيقها وأمها في ليلة واحدة، فيتأسس في خطابها نوع من النفور يفضي إلى تحدّ، فنراها تخاطب الإله مخاطبة الواقف على بساط متساو معه، في قولها (ألا تعلم أن العالم به الكثير من القاذورات، فلماذا أخذت حسن وتركتهم، أنت قاس جدا أيها الإله). وقد ترتب على هذا الخطاب منعطفات أخرى تؤكد هذا النفور، وتؤسس لجرح القداسة، فنراها تقول (إن آمون أكثر حقيقة من إله الشيخ حسن (والدها))، وتقول (متى أستطيع البوح بعجزي عن الإيمان بإلهك ياشيخ محمد، لم أستطع أن أتكيف مع فكرة وجوده).
يمثل خطاب ليلى تجريحا لسلطة المقدس، ونزع القدرة والقداسة عنه، لأن فكرة الإله في منطقها، بما يتجاوب معها من صراع متهافت بين الأديان هي سبب أساس في الحروب، وفي موت البشر نظرا للحالة الشوفونية الي يستند إليها أصحاب الديانات، وهي تستند إلى تجارب واقعية تثبت مشروعية هذا التوجه، فهي لم تنطق بالتسمية أثناء ذبحها لدجاجتين، ومع ذلك لم يشعر أبوها وعمها وابنة عمها باختلاف في المذاق، تقول (بعدها أقلعت تماما عن التسمية، واعتبرته انتصارا عظيما على إله أخذ مني حسن وعائشة في ليلة واحدة).
إن هذا البناء المتوازي لتكوين البطلين يتجذّر في إطار عملية التجهيز، وإسدال التشابه داخل الاختلاف الديني، والتمهيد لأفكار التحول والتناسخ، وذلك من خلال الاستناد إلى قيمة لا ترتبط بالأعراق أو الأديان في صنع الاندماج والتعايش. فاللقطة الأخيرة في الرواية التي تكشف عن تحول فرانسوا إلى الشيخ محمد حسن من خلال تسرب (تاليا) إلى قلبه كاشفة عن قيمة الحب في هدم الحواجز بين الثقافات، بوصفه القيمة البديلة عن الأديان لإحداث هذا التعايش.
أما السند الثاني الذي يساعد في مشروعية الفكرة، فيتمثل في وجود الإسهام الثلاثي في النص الروائي بداية من الاستهلال، والوجود الثلاثي جرح للثنائية والازدواجية. فالرواية تسير وفق نسق أوفيد في كتابه، فهناك حكاية أصلية يتعاقب على سرد حبكتها الفعلية رواة ثلاثة، كما جاء في الاستهلال (فرانسوا، وليلى، وتاليا)، بالرغم من أن الكاتب أعطى منصة السرد لشخصيات كثيرة، ولكن الرواة الفاعلين في حبكة العمل، وفي خلق منحاه الفكري يتشكلون وفق هذا الوجود الثلاثي الذي نجده في كتاب أوفيد، وكل راو يحكي الحكاية الأصلية، ويبرّر نزوعه بشكل مختلف.
هذا الوجود الثلاثي في السرد وتقديم الحكاية، يؤسس للانقسام والاستمرار الخاص للروح، وهذا هو المنحى الأساسي لكتاب أوفيد، فيذهب إلى أن الروح تنقسم على نفسها، وينصب كل جزء منها في كائن آخر غير الذي انتهي، وهذا يدلّ على وحدة الروح وخلودها. ولم تتركنا الرواية عند هذه الإشارة الكاشفة عن التجزئة الثلاثية في الرواة بعيدا عن الثنائية، ولكنها توجهنا من خلال إشارات دامغة لتجعل هذه المشروعية في التفسير مقبولة، وذلك من خلال الحجر الجيري في أكثر من مكان في الرواية، ولكن أهمها حين تقول الرواية على لسان فرانسوا (ليلى أرسلت صورتين لقالب من الحجر الجيري، قبل وبعد الترميم، لرسم يحمل وجه امرأة فرعونية، كان هناك خط واه يقطع ثلث وجهها، ونصف رقبتها تقريبا، الحقيقة كما صارحت ليلى أنني لم أتبينه إلا عندما قمت بتكبير الصورة).
إن الجزء المقتبس السابق يشير إلى الوجود المتواري للجزء الثالث الكاشف عن الكمون الساكن الذي يفضي في لحظة معينة إلى استمرار وتوالد، ليصبح قانونا أساسيا للوجود، وتتأكد الفكرة ذاتها، حيث تقول الرواية على لسان ليلى (لا أستطيع أن أنسى عندما احتضنني فرانز في السفارة الدنماركية، كمن كسر حجر جير إلى قطع متناثرة بمطرقة حديدة، لن يستطيع أستاذ التصوير الجداري، أن يفعل شيئا ليعيدني إلى ليلى القديمة). وفي لقطة أخرى تشير ليلى إلى أمنيتها -حين حاول قصّ شعر صدره- في نموه ليصبح شجرات ثلاث، تقوم بالتهام ثمارها كل يوم.
يمثل السند الأخير في توجيه التلقي هذه الوجهة في الجزئيات الكاشفة عن التغيير والتحول والبداية من جديد، مثل قوس قزح والبركان أو الطوفان، فقد حملت الرواية ارتباطا خاصا بينها وبين فرانسوا وليلى، فقوس قزح- بعيدا عن الدلالات الآنية التي تسهم في الانتقال والاستمرار داخل مشابه أو مغاير نوعيا- يرتبط برمزية الأمل والنجاة، والعبور من عالم إلى عالم آخر. أما البركان- حيث يأتي في حلم فرانسوا مرتبطا بالفرعونة السمراء مما يكشف عن ارتباط روحي قديم- فتكشف الرواية عن كونه مأسورا به، تقول الرواية معبرة عنه (وقال لليلى بألا تسأله عن سبب إعجابه بهذا البركان، فالأسئلة تفسد أحيانا سرّ العلاقات الخفية، فرانز كاد يقول لها، وهل هناك سبب لتحبيني، ولماذا أحببتك، فكرة أنك كنت تبحثين عن فرصة للهروب من مصر تشبه فكرة عدم استهزائك بأنفي الضخم، كلها إجابات وهمية، لنصنع مبررات للنشاط غير الطبيعي لقلبينا).
وجود قوس قزح والبركان أو الطوفان يؤكد على فكرة التحول أو التناسخ أو البداية الجديدة، بعد البركان أو المطر، والتحول ليس في النوع، وإنما في آلية التفكير والمشاعر، فهما- أي البركان وقوس قزح - رمزان للتحولات النفسية المهمة. تاليا في الرواية- الخلية السرطانية- تمثل الغريب الذي يهزّ استقرار الذات، وتحيل هذا الاستقرار إلى سلسلة من المعاناة، فالغريب هنا مرض يتحوّل إلى قاتل يبرّر قتله. وقد أعطي الكاتب لتاليا الخلية السرطانية منصة السرد في أكثر من فصل، وهذا يجعل دورها محوريا في تسويغ فكرة التناسخ وخلود الروح.
ولتسويغ هذا الدور أسدل الكاتب مجموعة من التوازيات شديدة الخصوصية بين الحب والحياة والخلية السرطانية، فالحياة في منطق الرواية مجموعة أفعال غير منطقية، ومرض السرطان خلل في الخلايا، حيث يُحدث مشكلة في نواة الخلية (ليلى تحارب ليلى)، والحب في نص الرواية (نمو غير طبيعي للمشاعر الإنسانية غير مفهوم من جانب العقل، يبدأ الإنسان بعدها في تبرير حدوث الحالة ببعض الأشياء الحمقاء). فتاليا –في ظل هذا الفهم – تتوحّد بالحب والمرض، حين قفزت بين خلايا ليلى عندما قبض فرانز على كفها أمام الصوت والضوء، وولدت من عينيه، واستقرت في نهدها الأيسر. ولتأكيد المنحى الفكري المقترح يؤسس الكاتب في حوارهما لمشروعية الفكرة، ووجودها منذ أزمنة سحيقة من خلال الديناصورات.
والتحول أو الاستساخ الأولي الذي تمّ انتقل من عين فرانسوا إلى صدر ليلى، يؤيد ذلك قول فرانسوا الكاشف عن قيمة استمرار الروح، ودورها في التأطير والحركة (لليلى ثديان ككل النساء، لكن ثديها الأيسر أشعر به دائما، وكأنه سيقفز من بين ملابسها، حتى يرقد بين كفّي. هل هذا بسبب أن القلب يرقد تحته تقريبا، أم هي أفكار مجنونة تحتويني؟). يكشف عن ذلك الارتباط دفنه لهذا الثدي بعد استئصاله بجوار خنصره عند البركان. وكل ذلك يكشف عن مشروعية التأويل، وقيمته.
ولكن هناك تحولا أو استنساخا أخيرا أو استمرارا للروح في لحظة النهاية الخاصة بموت ليلى، فمع لحظة الموت هناك ميلاد جديد، بوصفه قانونا للحياة وخلود الروح، تقول الرواية على لسان تاليا (حملها إلى السرير، وأنا أتاهب للحظة وصول شفتيه إلى نهدها، بذلت جهدا خارقا حتى أغادر مكمني، وأسافر نحو باب حلمتها، فرانز كان كالجائع وهو يلتهم حلمتها التي بدت كحبة عنب حمراء، يمكن أن يعصرها لتحصل على كأس مسكرة من النبيذ. خرجت من حلمتها، وحاولت أن ألملم أنفاسي فوق لسان فرانز، قبل أن انزلق إلى داخل جسده... داخل قلبه تماما).
فالتحول الأول نقلها –أي ليلى- إلى آيسلندا، والتحول التالي نقله إلى جزيرة دندرة، ويقوم بدور مغاير لدوره الذي سيّج حدوده ووجوده في البداية، حيث نراه من خلال خطابه لجابر عمّ ليلى يتساوق مع خطاب الشيخ محمد حسن، فهل يحمل ذلك التحول أو الاستنساخ - بالرغم من رائحة الموت التي تلوح من خلال التقرّح في القلب والتأسيس للتناسخ القادم من خلال صفاء بنت جابر عم ليلي- إشارة إلى أن استيعاب الآخر وقبوله لن تتحقق إلا عن طريق الحب، المقسم إلى خلايا سابحة في الكون من بداية الخليقة.
بنية الرواية
جاءت بنية الرواية بنية ذات خصوصية ارتباطا بمنحاها الفكري، فالاستهلال يضع المتلقي داخل إطار مبدئي في تلقي الحكاية، داخل سرد ثلاثي، فهناك عاشقان، وهناك سارد ثالث غير محدد الهيئة، ولكن يتمّ التعرف عليه من خلال فاعليته، حتى لو كان مخفيا غير ظاهر، وقد يتشكل تلقيه الأولي في حدود الحياة التي تظلّ على هيئة واحدة. فتاليا الخلية السرطانية ذات وجود ناقص، ومساوية للروح التي تحتاج للجسد، لكي يكون لها وجود ملموس.
تستند الرواية بعد فصول غير مرقّمة للأصوات الثلاثة الفاعلة لوضع القارئ داخل بؤرة السرد والمنظور السردي إلى مجموعة من الآليات السردية، أولى هذه الآليات تتمثل في التوزع بين ضميري السرد المتكلم على تعدد هيئاته وشخصياته من جانب، والغياب من جانب آخر. ويدرك القارئ أن كلّ إطار من الإطارين السرديين مؤثر في الآخر فالغياب بكونه إطارا عاما يشدنا نحو الخاص لدى المتكلم، ويغير في طبيعته وتجليه، فالغياب هنا وسيلة من وسائل المعرفة.
يتكفل ضمير المتكلم حين يستولي على منصة السرد بالرغم من اختلاف الأصوات الساردة بوضع المتلقي داخل كل شخصية والانتباه إلى هواجسها وإشكاليتها الخاصة، فيدرك القارئ التكوين النفسي لكل شخصية من خلال ضمير المتكلم، فيشعر بيقينها، وفقدان ذلك اليقين من خلال معوقات اختلاف الأعراق والديانات. فمع السرد بضمير المتكلم لدي ليلى وفرانس، والسرد القائم على الغياب يستطيع القارئ أن يكشف عن هواجس كل شخصية، وعن قوة السياق العام وحضوره مع ضمير الغياب. ويكشف- أيضا- عن كيفية انتصار الفردي والشخصي والذاتي في مقابل العام المرتبط بالأعراف والتقاليد في تلبسهما بالديني. فالمتكلم مع كل الشخصيات يعبر عن الفاعلية الذاتية، بينما يعبر الغياب عن سطوة النسق، وعن غياب إرادة أمام أخرى، وعن قيمة توجيهية للحركة السردية داخل النص الروائي، فالنسق القائم على الغياب يؤثر بالضرورة في نسق المتكلمين على اختلاف مشاربهم، والعكس أيضا له مشروعية في ذلك السياق.
هناك آلية سردية أخرى تتجاوب مع آلية التعدد في الضمير السردي السابقة، تتمثل في السرد المتوازي، وكأن المتلقي يطالع حركتين سرديتين تنموان في الصفحة الواحدة، وجاء هذا السرد المتوازي مع ضميري المتكلم والغياب. فالكاتب يقسّم الصفحة إلى إطارين سرديين، فبعد تقديمه للقاء ليلى وفرانسوا للمرة الأولى في معبد هاتور ينفتح السرد على إطارين متوازيين، كل واحد ينمو في اتجاه، حتى في شكل الكتابة على الصفحة، وعلى القارئ أن يقرأ كل إطار بشكل منفصل. وتبرير ذلك فنيا يمكن أن يتجلى في أشكال عديدة، مقاربة أثر اللقاء في كل جانب بشكل متساو ومتواز، ومقاربة التحولات الداخلية.
ولكن التبرير الأهم يتمثل في إحداث حالة من المساواة، وتفكيك مركزية البطل، وهنا يتحوّل النص الروائي إلى نص يسدل مساواة بين الرجل والمرأة من جانب، وبين المصري والآخر المغاير من جانب آخر. فالنص الروائي في ظل هذا التوازي السردي، يتمحور حول شخصين، وليس شخصا واحدا، حول رجل وامرأة لهما المساحة نفسها من الاهتمام والسيطرة على حركة السرد. فهذا التقسيم المتوازي في السرد-خاصة في حضور الغياب- له دور في مراقبة التحوّل، ورصد مدارات الارتباط والانشغال، وخلخلته بشكل تدريجي من سياق مطبق إلى سياق يحاول الانفتاح على الحرية. فهذه الآلية مهمة في معاينة التوزاي في التحوّل، وفي اختيار كل قسيم للآخر والانشغال به، خاصة حين نجد أنها قد تتكرّر في الفصل الواحد أكثر من مرة.
التوازي السردي في بعض الفصول لا يقف في دلالته عند حدود الجزئيات السابقة بوصفها كاشفة عن عمليات التجهيز المملوءة بالتوقع والانتظار، وبشيء أقرب إلى النبوءة في الإطارين السرديين، فهناك ثمة إضافة يشكلها هذا السرد المتوازي تتمثل في المقارنة بين سياقين، سياق جزيرة دندرة بأعرافها وتقاليدها، وسياق الغريب القادم من آيسلندا، فهناك أبوة فاعلة ومطبقة في النسق المصري، وهناك غياب للأبوة في النسق الآخر الموازي
فالتعدد في الضمائر السردية، بالإضافة إلى التوازي السردي بين قسيمين متقابلين، كوّنا إطار مهما لمعاينة الآخر، من خلال تقديم سردية قائمة على التناقض والاختلاف. هذا الاختلاف الذي يتجلى في مبدأ أساسي يتمثل في فرض الوصاية الدينية على الآخرين، يتجلى في قول فرانسوا في رسالته إلى صديقه (أستطيع أن أقول لك إن المجتمعات الشرقية غريبة تماما عنا، ليست سيئة، لكن عقولهم مريضة بهاجس الدين).
ويمكن أن نجد هذا التباين بين العالمين واضحا، سواء في خطاب ليلى أو صفاء أو خطاب جابر أو خطاب الشيخ محمد حسن، فكلها خطابات مقموعة بأعراف اجتماعية وتأسيسات دينية. ففي لحظة مرض ليلى، يتجلى في النسق المصري من خلال خطاب صفاء وأفعالها اليقين بالغيبي، وقدرته على الفاعلية، والإيمان بالحسد والأعمال الخاصة بالسحر، فقد استخدمت الطقوس المعهودة لذلك، في سبيل الوصول إلى الشفاء من الجن الذي سخرته إحدى النساء بالرقى المعهودة.
يتجلى هذا الأمر بشكل مباين حين نعاين على الجانب الآخر الإيمان بالعلم ومقتضياته واكتشافاته في علاج المرض بعيدا عن الأساليب المعهودة في الإطار المصري، لدرجة أن بعض الشخصيات التي لا تؤمن بهذه الطقوس، لديها بعض يقين في مشروعيتها، وذلك من خلال قول ليلى بعد أن وافقت على ممارسة طقوس الرقية مع صفاء بالفيديو كول (عندما قام الطبيب بمصافحتي أنا وفرانز تمنيت أن تكون صفاء قد أفلحت بما فعلته)
وإذا كانت الآليات السردية فاعلة في تشكيل اختلاف القسيمين، للإشارة إلى الذات وتقلباتها وإشكالياتها في مقابل الآخر، وإثبات المغايرة وتنضيد الاختلاف، فإن المقارنة تثبت وجود قيم أساسية في الجانب الغربي مثل قيمة الوقت والاعتناء به، ففرانسوا لا يستطيع أن يوصي شركته بالتعاقد مع خالد الضوي بالرغم من تمكنه من عمله، لأن المصريين لا يحترمون الوقت، ولا يحددونه بشكل دقيق كاشف عن أهميته، فتجدهم يقولون: يومان أو ساعتان. ولكن القيمة الأكثر أهمية هي قيمة الحرية التي تتجلى لدي أهل آيسلندا بشكل لافت في الاحتفاظ بحقوق المثليين. يقابل ذلك قول ليلى في سياق محاولة إجبار عمها لابنته صفاء بالزواج ( لو كّتا في فرنسا أو آيسلندا لم يكن ليحدث كل هذا، هناك الكل حر، حر في زواجه وطلاقه، حر في ملبسه ومأكله، حر في اختيار إلهه).
ولكن الرواية في تقديمها الكل هذه التباينات بين السياقين، خاصة التباينات المرتبطة بقيم الحرية وغياب التلصص على الفرعونة السمراء الغريبة القادمة مع فرانسوا، والعناية بقيمة الوقت، لم تقدمها-ربما لوجود هدف أكثر أهمية- بشكل يكشف عن التعسف أو التركيز التجميعي لها، وكأنها موضوعات أساسية للنص الروائي والنمو السردي، وإنما رصدتها في سياقها العادي، وربما تكون قيمة الرواية وآلياتها السردية في كونها تركتها للسياق السردي القائم على الغياب، دون وجود بنية تجميعية أو تركيز على هذه الجزئيات.
وقد استندت الرواية في أجزاء كثيرة من فصولها، وبعض فصولها بشكل كامل على رسائل الواتساب، لدرجة أن القارئ يعاين حضورا لافتا لها، وهي آلية سردية فاعلة في إطارين: الأول منهما يتمثل في انتفاء وجود الرواي، مما يصل بالنص الروائي إلى حالة أقرب إلى العرض المباشر المسرحي إلى حد ما، ويصل بالقارئ إلى المعاينة دون وسيط. أما الأخرى فتتمثل في كون وجود هذه الآلية في النص الروائي له تأثير كبير على اللغة الروائية، فجعلها لغة محكية مباشرة في إصابة الهدف، وفي ارتباطها بالوظيفة النفعية، فخلصها من الفائض الجمالي، وجعلتها هذه الآلية أيضا بسيطة وأكثر ارتباطا بالأفعال ودلالتها على الحركة والتمدد والنمو السردي السريع.
لكن هذه الآلية السردية بالرغم من قيمتها، تحتاج إلى وعي لافت بتاريخ الشخصيات المقدمة في فصول سردية سابقة، حيث حملت شيئا من وجودها وكيانها السردي، فهي آلية قائمة على تأسيسات سابقة، وعلى المعرفة بالصراعات الموجودة في النص، وعلى لغة كل شخصية، لأن الرواية في الفصل المعنوّن (بواتساب) لم تشر إلى اسم أية شخصية، فقط يتولّد لدى القارئ معرفة بصاحب الهاتف الذي يتلقى هذه الرسائل، ولهذا تبقى القيمة الأساسية هنا مرهونة بوعي القارئ في الوصول إلى اسم صاحب الرسالة انطلاقا من المنحى أو الإطار الذي تتأسس فيه كل شخصية من الشخصيات.