عادل ضرغام

بنية التغييب ومدى التأويل في رواية حجر في زغرب لإيثار غراب

غلاف كتاب بنية التغييب ومدى التأويل في رواية حجر في زغرب لإيثار غراب
بنية التغييب ومدى التأويل في رواية حجر في زغرب لإيثار غراب عادل ضرغام في روايتها (حجر في زغرب) تقدم إيثار غراب نصّا متعدد الطبقات منفتحا على التأويل، فمداخله عديدة، منها ما يتصل بالتصديرات التي تسبق كل فصل، ودورها في تجذير الشعور بالحنين إلى الهدوء والانسجام المفقودين داخل الرحلة المكانية في النص الروائي التي لا تكفّ عن الإشارة إلى رحلة روحية للوصول إلى حالة من حالات المغايرة، ومنها ما يتصل بحالات وأشكال التغييب في أسماء الشخصيات الذي يحتاج إلى تأويل، يرتبط بخصوصية الحالة وعمومية التجربة، لأنها مشدودة إلى وجود الإنسان بشكل عام، وتحولاته المعرفية من فترة إلى أخرى. في سياق هذا التغييب هناك حكايات جانبية غير مكتملة مبتورة عن قصدية، لطرح حالة من غموض شفيف، يقلل من هذا الغموض الإصرار على تشكيل تقابلات كاشفة ونماذج متوازية، تشير إلى جزء من المسكوت عنه في هذه الحكايات، فيكتمل جزء من نقصانها، وإن ظلت محافظة على غموضها الرهيف. وهذه الحكايات غير المكتملة أو الإشارات ربما تشكل مفتاحا لقراءة العمل. فالرواية قائمة على جزئية أساسية ترتبط بالتخاطر مع الموتى والطيور، ولكن تأسيس هذا المنحى لا يتمّ إلا من خلال إشارات خافتة ترتبط بحتمية الموت، وترتبط – أيضا- بإثارة أسئلة حول الموت بوصفه صورة ممتدة للحياة بشكل أو بآخر لا يغيّب الوجود السابق، لكن يجعله يتجلى في إطار مغاير. فمفاتيح التأويل لا تتولّد إلا من خلال هذه الحكايات الجانبية، بل وتغدو هذه الحكايات جزءا أساسيا للتوجه نحو فكّ مغاليقه، وتوجيه التلقي في ظلّ استحضار طبقاتها وتوازياتها إلى وجهة معينة مشدودة إلى الرمز والتمثيل أولا، ومسدلة أخيرا نوعا من المقبولية والمشروعية إليه. فالنص الروائي يمكن تلقيه عند حدوده العادية في إطار فكرة التخاطر مع الموتى كتخاطر الشخصية الرئيسة مع شخص من خارج حدود وطنها، لم تره من قبل، أو مع الطيور مثل الغراب أو الحيوانات مثل القطط، وهي فكرة بالرغم من غرابتها أو عجائبيتها لها مشروعية إلى حد ما. لكن هناك قراءات لا تقف عند حدود الحكاية في مداميكها الهيكلية الأولى، من خلال الاستقواء بالبحث عن مفاتيح فاعلة في إنتاج تأويل خاص. مثل هذه القراءات سوف تصغي إلى النص إنصاتا خاصا، منطلقة من فكرة النهاية لفعل القتل المتخيل والعودة من الرحلة بهيئة وتكوين جديدين، وتصبح الرواية في ظل هذا الفهم والتأويل رحلة ذاتية روحية تتأمل فيها الذات وصعها الوجودي داخل سياقها، وتراقب تحولاتها من نمط إلى نمط آخر، متخلّصا من أعباء الماضي ومن فكرة الخوف والتردد والأحاسيس المطاردة التي تلازمنا على الدوام، وتجعلنا واقفين في مساحة مكانية لا نغادرها، غير قادرين على الحركة أو الفعل. تتأسس مثل هذه التأويلات من خلال مجموعة من الإشارات والرموز التي تتكرر في الرواية بشكل دوري، مثل الغراب، حيث يرد في البداية من خلال التخاطر محرّضا على الحركة والتوجيه، ويستمرّ حضوره مع كل حضور للشخصية التي يتمّ قتلها في نهاية العمل الروائي خيالا. وفي ذلك تخصيب للأسطورة من خلال إحالة الواقعي البشري إلى أسطوري، وتأسيس لفكرة الصراع، ولكن من خلال بعض الاستبدالات والتغييرات والتوازيات، يمكن تحويل فهم الصراع من صراع بين نموذجين بشريين –رجل وامرأة- إلى صراع داخل ذات ناقمة على العالم فقدت انسجامها وبوصلتها، تحاول أن تعود إليهما في نهاية الرحلة. يكشف عن ذلك الوقوف أمام التصديرات السردية، حيث تتآزر كلها لوصف نقصان وسعي للاكتمال. البنية وسياق التحول تؤسس البنية الخاصة للرواية وجودا وتشكيلا متساوقين مع حركة المعنى النامية تدريجيا في النص، ومع الأفكار المشدودة لمقاربة العالم وتحولاته بمنظور ذات أنثوية وحيدة، تحيل إلى تجربة عامة يمرّ بها الجميع، فبداية من الإهداء، ومرورا بالتصديرات في كل فصل من الفصول، وانتهاء بالآليات السردية تتكوّم الدلالات المرتبطة بلحظة السأم والتوزّع والوقوف، سواء على مستوى الذات المسرود عنها، أو على مستوى العالم المحيط وتحولاته، ذلك العالم أو الكون الذي يحتوينا، ويكيّف حركتنا، ولكننا نخضعه – بالرغم من ذلك- للمراقبة والتأمل. ففي الإهداء (إلى الغاليتين: نينة ومصر الجديدة)، هناك إلحاح على مكان وزمان، يمارس الأول ثباتا وحضورا، بالرغم من التغييرات التي تصيبه، ويعاني الأخير من التبدد والتلاشي، لارتباطه بلحظة ماضية، وهذا يجعل الرواية في كل نمو أو تمفصل مشدودة للحركة والثبات، وكأنها تمثل مرثية أو حنينا إلى زمن ماض، ومكان أصابه التحوّل والعجز. فالإهداء- في ظل حضور تغييرات المكان والزمان- حنين إلى طبقة متلاشية، وكل المحاولات التالية تجنح إلى استعادة الذات لانسجامها مع عالمها وزمانها القديمين، فمعهما تتولد القدرة على الفعل والحركة بدلا من السكون والثبات. وربما يجدي الوقوف أمام كل تصدير من تصديرات الفصول المكوّنة للعمل في ترجيح هذا التوجه في تلقي العمل، فالملاحق أشبه بالمؤطر أو الموجّه لحركة كل فصل، ولتجلياته الدلالية النامية، فهي تفتح براحا للتأويل، وخاصة تلك التصديرات التي تحدث فارقا في نقل التأويل من سياق إلى سياق، من خلال ما تمارسه من زحزحة لدلالة فعل القتل، من فعل يتمّ ممارسته على شخص محدد فيزيائيا، إلى فعل يرتبط بفكرة تجريدية وثيقة الصلة بالذات، فالصراع في هذا العالم ليس صراعا بين أفراد وبشر أو شخصيات، بقدر ما هو صراع داخلي بين وعيين وإدراكين، يمثلان صورتين متقابلتين للذات. يتجاوب مع هذه التصديرات الكاشفة عن نقصان، وعن محاولة للاكتمال، التشكيل الخاص للشخصية المسرود عنها بضمير الغياب، فقد تجلّت في نسق مغاير كاشف عن القدرة على التخاطر، ومخاطبة الموتى والإنصات إليهم مثل الجدة والأب والأم، ومع شخصية من بلد آخر لا تعرفه ولم تره قبل ذلك، بالإضافة إلى التخاطر مع الطيور، مثل الغراب الذي يعيدنا حضوره المتكرّر- شئنا أم أبينا- إلى قصة قابيل وهابيل في النصوص الدينية وفي الأساطير التي سبقت وجودها، فالغربان -على حد تعبير الجدة- تحمل رسائل من العالم الآخر. والتخاطر الذي تقوم به الشخصية الرئيسة المسرود عنها في النص الروائي، لا يقف عند حدود الحوار أو الاستحضار، لكنه يكشف- طالما هذا التخاطر مع الموتى- عن خلخلة لبنية الزمن ارتدادا أو استباقا من جهة أولى، ومن جهة أخرى يؤسس إطارا معرفيا خارقا لبنية الزمن، فالشخصية الرئيسة لديها قدرة على خرق المحدودية للارتداد للخلف أو الاستباق إلى لحظات زمنية لم تعشها، وإلى أشخاص لم تعرفهم. فالبطلة تمتلك معرفة ارتدادية حين تشير إلى أن الهانم زوجة البرنس كانت تملك قبعة بترولية في شبابها، أو حين تتخاطر مع البرنس، وتدرك لحظات أو مواقف لم تكن موجودة. فقد قدمت موقفا بين (البرنس) و(الطبيب) يفضي إلى علاقة ملتبسة وحكاية مبتورة الأجزاء، للإشارة إلى البون الشاسع بين الصورة اللامعة المصقولة المختزنة داخل الجميع آنيا، والتشوهات التي تبعد صورته الآنية عن نموذجيتها (فقد انتقلت إلى لمحة من مشهد قديم، رؤيا مطعم أو حانة ما، مملوء بالأثاث الخشبي الداكن، ووجدت جارهم الطبيب في شبابه يجلس في مواجهته، وعيناه ممتلئتان بالدموع، ثم يحني راسه، ويقوم منصرفا). إن هذا التشكيل للشخصية جعلها تمتلك قدرات خاصة، وتغدو في النص الروائي رمزا للشاهد أو العارف الذي يؤمن- في منطق النص الروائي- بتلاقي الأرواح، حتى وإن عاشوا في قرون مختلفة، فهي في رأي خطيبها صوت الخيال والعالم الآخر والغرابة والبراءة. ويتكشّف هذا المنحى التكويني المغاير في حوارها مع البرنس، فجسدها- كما يقول- على الأرض، وروحها في مكان آخر، بل يرصد تشابها خاصا بينها وبين جدتها في ذلك الإطار الخارق للنسق في القدرة على المعرفة حين يقول (ياه كثيرا ما تقولين أشياء لا يعرفها أحد، سوى أصحابها، بعضها أسرار، حتى في طفولتك مثل جدتك). وهذا التخاطر مع شخصيات تنتمي إلى لحظات زمنية سابقة وثيق الصلة بالمعرفة، ووثيق الصلة –في حضوره – بالمنعطفات الحادة التي تستدعي حضور هذه الشخصيات لتوجيه الحركة أو الاختيار من الشخصية الرئيسة، سواء تعلّق الأمر بشأن ذاتي أو بسياق عام فحضور الجدة أو الجد والتخاطر معهما تتجلى فاعليته في العلاقة الملتبسة بالشخص الوحيد الذي يحمل اسما، وهو (ماركو بترسو) الذي يقع عليه فعل القتل المتخيل، وفي علاقتها بخطيبها الذي لا يحمل سوى هذه الصفة. وفي ظل هذا التخاطر يتجلى رصد السياقات من خلال الآليات السردية الكاشفة عن هذه السياقات وتحولاتها، وذلك من خلال تقنيتي المونولوج السردي المبتور جزئيا بفعل المراقبة للواقع المحيط، والحوار العادي الممتد مع خطيبها أو ماركو بترسو، أو الحوار التخاطري مع الجدة أو الأب أو الأم. فالمونولوج الطويل في النص الروائي الذي يكشف عن شهوة وعظية، يمثل إشارة فاعلة وغالبة لسمة على الذات المسرود عنها من خلال ضمير الغياب، تتمثل في المراقبة التي تصبح بابا أو وسيلة لعقد التشابهات والتباينات بين الماضي والحاضر، ورصد حجم الاختلاف أو التحولات في العالم الروائي من فترة إلى أخرى، فالمونولوج هنا أداة للكشف عن التشوهات التي أصابت العالم أو الكون المحيط، أو تلك التشوهات التي أصابت الفرد أو الأفراد. إن المونولج في هذا النص الروائي له طبيعة خاصة، فهو- نظرا لاعتماد البناء السردي على الغياب- يستمر لصفحات طويلة في بعض الأحيان، لكنه في توالده واستمراره يظل منفتحا على جزئيات الواقع في السرد التصاعدي المتنامي، لأن هذه الجزئيات هي التي تحمي السرد من الوقوع في المباشرة والوعظية، فتتحوّل هذه المونولوجات بفضل تلك الجزئيات المصاحبة إلى ارتدادات جزئية، تعود فيها الذات إلى ماضيها من خلال فعل مراقبة آني، ومن خلال حركة ذهنية تحدث زلزلة للأمكنة والأزمنة. يشعر القارئ أن هذه الارتدادات الجزئية الكاشفة عن البتر في السرد المتنامي قد تحدث بعضا من القلق البنائي، لأنه قد يتولّد لدى القارئ أن النص ليس سوى سلسلة طويلة من هذه المونولوجات، خاصة أن النص يشكل وجوده البنائي من خلال راوٍ عليم، من طبيعته أن يكون عالما بالهواجس الداخلية للشخصية أو للشخصيات المسرود عنها في النص. لكن حضور المونولوج على هذا النحو المرتكز على مراقبة الأشياء في حيّزها الآني ووجودها، وعلى الصورة المختزنة لها في لحظات سابقة، ربما يكون أكثر تساوقا مع حالة التيه أو التوزع التي تمر بها الشخصية المسرود عنها، ومع حجم التغييرات التي أصابت الأشياء والأماكن، فجزء كبير من توجه النص الروائي يرتبط بمعاينة ومراقبة الآني من جهة، ومقارنته بماضيه من جهة أخرى، ومن هنا تتوغّل الرواية في عقد التشابهات والتباينات بين الماضي والحاضر، ورصد حجم الاختلاف في كل ما يخص العالم الروائي. فالاعتماد على المونولوج الجزئي المنقطع بالآني كان له أثره في صناعة جوّ من الحنين في أجزاء كثيرة من النص الروائي، منها ما يرتبط ببعض الشخصيات وعوالمها، ومنها ما يرتبط بالجزئيات التي لم تعد حاضرة، وتشكل متخيلا حاضرا، مثل مترو مصر الجديدة أو حي الكوربة. فحين يقول النص الروائي عن المترو بوصفه وسيلة نقل لا تخلو من رومانسية في زمنها (ماذا نفعل بعدك يا غالي؟)، يشعر القارئ بالحنين الممتد إلى ذلك العالم. وإذا كان الحنين يطل فاعلا مع الماضي قرين الانسجام والاكتمال، فإن هذه الآلية من خلال فعلي المقارنة والمراقبة قد أسهمت في تقديم نقد حاد ولافت للآني بكل تجلياته، بداية من الشخصيات التي تتدخل فيما لا يعنيها أو النسوة المتصابيات، أو طريقة لبس الفتيات، وطريقة نطقهن للأصوات العربية وترقيقها كلها، مرورا بنقدها المستمر للطاقة الذكورية التي تحاول ترهين المرأة داخل إطار عام، وتثبيت النظرة إليها، من خلال المونولوج الخاص بنظرة البواب لحظة خروجها ليلا التي تنفتح على مونولوج ممتد كاشف عن طريقة تعامله مع زوجه. ولا يخلو الأمر في ظل المقارنة من نقد عام للتحوّل في طبيعة المصريين، وارتباط حياتهم بالتقليد الذي لا يمنح سوى الفهم السطحي والقشور، وذلك من خلال وقوف الرواية عند بعض النماذج الخاصة ببابا نويل أو الهالوين أو عيد الإله الكلتي الذي يذوب فيه الحد الفاصل بين الأحياء والأموات، بالإضافة إلى البعد عن الحقيقي والجوهري، فهم يتحدثون عن بابا نويل ولا يتحدثون عن القديس نيكولاس أسقف ميرا. آلية المونولوج تظلّ فاعلة في إحالة النص إلى حالة من حالات التيه والانقسام بين الماضي والحاضر، فالشخصية المسرود عنها تتحرّك وفق هذين القسيمين، وتظل موزّعة بينهما، لكن آلية الحوار التي تشير إلى انفتاح ثقافات وعقليات وقناعات مختلفة على بعضها البعض، تمثل منبها وحضورا لحركة الواقع وتأثيرها، خاصة تلك الحوارات التي تتم بينها وبين خطيبها، ومحاولة الانتصار للنسوي في مقابل الذكوري. فالحوار- في كل أشكاله في النص الروائي- تخلّص من حالة التيه التي يؤسس لها المونولوج الداخلي، وكأن الحوار فعل من أفعال الإفاقة والانشداد إلى الواقع. التغييب ومدى التأويل في الرواية هناك حضور للتغييب المتعمد بأشكاله المختلفة، ويتجلى هذا التغييب بصورة أولى واضحة في غياب كل أسماء الشخصيات، بما فيها الشخصية الرئيسة المسرود عنها، وهناك في مقابل ذلك حضور للصفة أو صلة القرابة والارتباط مثل الجدّة أو الجد أو الأب أو الأم أو الخطيب، أو الجارات على تنوّع أشكالهن وصفاتهن، أو الوظيفة مثل الخادمة أو البوّاب أو الطبيب، أو اللقب مثل البرنس، ولا ينجو من هذا التغييب على مستوى التسمية والتحديد سوى الشخص (الأوكراني) الذي يقيم في (زغرب). تغييب الأسماء لا ينفصل عن الرؤية العامة للوجود، ففي ظل إيمان كامل باتساق الوجود المكوّن من جزئيات، ووجود وظيفة لكل شخصية أو جزئية في إطار متناغم متنام، لا مجال للفرادة طالما الوظيفة البنائية للكل هي الحاضرة، ومنطق الرواية يتمثل في إعادة الهدوء والتخلص من القلق والتيه لبعض جزئيات البناء أو شخصياته، خاصة إذا تأملنا الحضور الجسدي العيني لكل الشخصيات في مقابل تغييب الأسماء، وحضور الاسم لشخصية (ماركو بتروسو)، وهي الشخصية التي يفصح التأويل المقترح عن غيابها وذوبانها وتحوّلها إلى فكرة يجب التخلص منها لاستعادة الاتساق والانسجام. التغييب لم يقف عند حدود الأسماء لتجسيد الوظيفة أو القيمة التي تمثلها كل شخصية، لكنه يطال أشياء عديدة، فالشخصيات تظل في حالة مزاوجة ومراوحة بين الوضوح والغموض، فهي لا تقدم كاملة واضحة الملامح والسمات، بل ناقصة مبتورة، مثل شخصية الخطيب. فالرواية تشير إلى أهمية عمله، لكنها لا تفصح عن طبيعته الخاصة، وكذلك شخصية الطبيب الذي يقطن في العمارة المقابلة أو المجاورة، فحضورها لا يغدو- ارتباطا بحركة المعنى أو المنحى المعرفي- سوى تشويه الصورة اللامعة والمصقولة للبرنس، من خلال وجود سابق أو صورة ماضية، لم تفصح عنه الرواية بشكل كامل استنادا إلى طبيعة الأحلام والتخاطر. فالمشهد المستدعى لا يكشف عن شيء بشكل نهائي إلا من خلال استحضار سياق العمل الفني بكامله، وارتباطه من خلال الإشارة إلى أعمال عالمية أخرى تكشف عن التباين بين صورتين، مصقولة ومتفسخة بالاختلاف معها. فهذه الصورة المصقولة واللامعة التي يكشف عنها لقب (البرنس) لم تظل مغيبة بماضيها تغيبا تاما، ولم تظل أحادية التشكيل، فقد ألقى النص الروائي من خلال بنيته ببعض المفاتيح التي تصلح لبناء تأويل لا يخلو من إسدال نوع من التوازي بين البرنس بصورته اللامعة، وماركو بترسو بصورته الواضحة والفاقعة من خلال فعل الاغتصاب المتخيل، وكذلك القتل المتخيل من خلال الحجر الذي تستخدمه الشخصية الرئيسة في قتله والقضاء عليه. فتغييب ماضي شخصية البرنس لا يتمّ بشكل كامل، فصورته النموذجية تُخدش، ولا يستند النص الروائي في الكشف عن هذا الخدش أو التشوه المرحلي السابق من خلال المعرفة المختزنة التي تمتلكها الشخصية الرئيسة من خلال التخاطر والمراقبة لوجوده في شرفته في لحظة محددة، وإنصاته الدائم لأغنية (تضحية) لإلتون جون وهي المعرفة التي لم تفصح عنها بشكل كامل، لكنها تمرّر ذلك من خلال إشارات دامغة الدلالة على وجود شيء ما. تتمثل أولى هذه الإشارات في التوقف عند صورة دوريان جراي لأوسكار وايلد، والمقارنة بين الشكل اللامع المصقول والحقيقة، أو بين الصورة التي يؤسسها البشر آنيا وصورهم القديمة الكاشفة عن التشوّه والتفسخ التي تتحوّل إلى ثنائية للظاهر والباطن، مما يؤيد الاختلاف بين الصورة الجميلة المعلقة على الحائط، وصورة الرجل المبهم المشوّه على الأرض. والشخصية الرئيسة في تمريرها لهذا التباين المرحلي للشخصية لا تتطوّع في الإفصاح عنها بشكل مباشر، ولكنها تترك ذلك لحديث شخصية أخرى، دون تفصيلات، فقط تكشف عن الدهشة المنتظرة. فالرواية في تجذير ذلك التباين تترك ذلك لخيال المتلقي ولقدرته في قراءة الباطني المخفي، فنجد ذلك ماثلا في تساؤل الشخصية الرئيسة حول رأي وردّ فعل البواب الذي كان له دور في إطلاق لقب البرنس على هذه الشخصية، بعد أن يعرف المخبوء. هناك حضور لافت لمشهد كاشف في النص الروائي عن التوازي بين البرنس وماركو بترسو، وعن تأصيل وتأسيس هذا المنحى، فبعد أن رسمت الشخصية الرئيسة صورة لماركو من خلال التخاطر بينهما، ورسمت بعد ذلك بفترة لوحة للبرنس، وضعتهما بجوار بعضهما، لتكشف عن توازيهما في ظل لحظتين زمانيتين مختلفتين، يؤيد ذلك مساحات التشوّه التي ظهرت في اللوحة بالرغم من الوجه النموذجي المنمط المصقول، وكأن التفسخ والخراب الداخلي- حتى لو كانا ماضيين يظهران بقوة شئنا أم أبينا. وجود اللوحتين معا في مرسم الشخصية الرئيسة، يكشف بالضرورة عن ترابط ما، ويجعل المتلقي يعيد النظر والتفكير في شخصية ماركو بترسو، هل هو شخص من لحم ودم؟ أم هو مجرد فكرة تلازمنا على الدوام، وأن الحركة في النص الروائي أو الرحلة، لا تمتد للتخلص منه وقتله، وإنما تمتد للتخلص من هذه الفكرة أو الأفكار التي تلازمنا على الدوام، وتجعلنا موزعين في توجهاتنا، وثابتين مكبلين في حركتنا دون حسم. لكن القتل المتخيل لم يأت بغتة على أنه فعل عادي، فقد تمّ التأسيس له من لحظة الاتصال الأولى والبناء عليها، وذلك لإحالة الواقعي المعيش إلى أسطوري، أو للإشارة إلى استمرار الفعل الأسطوري بالرغم من تباعد المسافات، وفي ذلك زحزحة للحدود بين الأسطوري والواقعي. حين نتأمل حضور الغراب في البداية، وحضوره مع كل ذكر أو إشارة لماركو بترسو، ندرك أن هناك مساحة من التأويل سوف تتولّد، خاصة حين يستحضر القارئ الحكايات أو الإشارات الجانبية في النص الروائي، مثل الإشارة إلى قصة (موعد في سامراء) لسومرست موم. حين يعود القارئ إلى قصة سومرست موم، سوف يجد نفسه أمام توظيفات وتعديلات مستمرة للنص العربي للقصة، من خلال رواية جون أوهارا، أو قصة ماركيز القصيرة، أو رواية خورخي بوكاي الأرجنتيني، وكل هذه التعديلات مشدودة للحكاية العربية الأم، كما وردت في كتاب (المنصف) لابن أبي شيبة، أو (الحبائك في أخبار الملائك) للسيوطي، أو (الإبانة الكبرى) لابن بطة. لكن بالرغم من كثرة التحويرات العديدة للقصة التي تشير إلى حتمية الموت وارتباطه بمكان محدد، يظل التحوير الأساسي في القصة مرتبطا بجعل الموت أو القتل، وتصويره في هيئة امرأة. وهو تحوير حاضر في رواية (حجر في زغرب) من خلال جعل الشخصية الرئيسة المرأة الفنانة التي تعمل عملا حرا التي تزوجت لفترة قصيرة وطلقت، وخطبت ولم تعلن في محيطها عن خطبتها، إشارة إلى الخوف والقلق من الفعل، وتكرار تجربة الفشل، تتواصل من خلال التخاطر مع شخصية (ماركو بترسو)، وهو شخص لا تعرفه، ولم يسبق لها أن رأته، وتحاول أن تحذره من فعل القتل الذي يمكن أن يطاله في لحظة ما. وتسافر إليه في زغرب للمشاركة في عمل تجهيز لوحات لأحد الفنادق، ويحاول الاعتداء عليها واغتصابها، ومن ثمّ تحدث عملية القتل المتخيل الذي رأته حلما قبل أن تتواصل معه، ذلك القتل الذي لم تثبته الرواية واقعيا أو تنفيه. ففي ظل وجود الغراب، وحضوره الدوري المتكرر، والتحويرات التي أضيفت على الحكاية أو الإشارة الجانبية الخاصة بحتمية الموت، يستطيع القارئ من خلال الوقوف عند بعض الجزئيات وتجميعها أن يجد طريقا له شبه مشروعية للتأويل، مثل توازي اللوحتين للبرنس ولماركو بترسو، بالإضافة إلى نزعة تأجيل الزفاف والخوف من الفشل، ونبرة الاستجابة السريعة لإتمام الزواج، بعد فعل القتل المتخيل في حوار الشخصية الرئيسة مع خطيبها. هنا في ظل استحضار كل ذلك تتجلى لنا مساحات التأويل الخاصة بماركو بترسو الذي يتحرك مقتله بين الواقعي والخيالي، ويتراوح وجوده بين الوجود المادي وتمثيل الأفكار التجريدية، مثل الخوف من الماضي، والتردد الذي يفضي إلى التوزع والسكون، واليقين القاطع بما لدى كل شخصية، وإيمانها الجامد بأفكارها ووجهة نظرها. لقد كانت رحلة الانتقال من القاهرة إلى زغرب رحلة جسدية وروحية في آن، يستعيد فيها الجسد القدرة على استئناف الحياة دون إرهاق أو خوف من الماضي، أو من حضوره الذي يكبّل الحركة، ويشعر الشخصية بالكثير من العجز، وتستعيد فيها الروح وصل انسجامها مع المتخيل القديم قبل التدنيس، وكأن هذه الرحلة تمثل ولادة جديدة. وفي الرواية من الإشارات ما يجعل ذلك التأويل به نوع من المشروعية، فالإنسان لا يولد مرة واحدة، بل يولد مرات عديدة، ترتبط بعدد التحولات، وإعادة الاتصال بالصفاء الروحي القديم الذي يلحّ حاضرا في كل تصدير من تصديرات العمل بوصفه أملا منشودا أو إكمالا لنقصان. ففي لحظة الغضب من خطيبها بسبب الفيديو الكاشف عن احتضانه لإحدى النساء، تقول له (أتريد أن يكون وجودك الثاني مشابها لوجودك الأول). ويلح في السياق ذاته بشكل لافت طبيعة النظرة إلى الموت، وهي الفكرة التي أسست من خلالها الرواية المنحى الفكري ومنطلقاتها الدلالية، فالموت - في ظل حركة الشخصيات التي غادرت الحياة مثل الجدة والجد والأب والأم- ليس إلا وجودا واستمرارا للحياة بشكل مغاير، يكشف عن ذلك حضور هذه الشخصيات في النص الروائي مخترقة حدود الزمن التواصلي، وحدود المكان.