الرواية العربية والأفق المغلق
الرواية العربية والأفق المغلق
عادل ضرغام
المتأمل للرواية العربية يدرك أن اقترابها من الأفق المغلق، نابع من دورانها داخل بنيات ثابتة بفعل التكرار بوصفه الملحظ الأكثر كشفا عن مدارات الثبات، والأكثر تدليلا على مساحات التصحر الخاص بهذه البنيات نتيجة لكثرة الاستخدام، فالبنية أو الآلية مثلها مثل أي كائن حي يولد وينمو ويزدهر، ويصل إلى بدايات نهايته بفعل الشيوع والانتشار. والأفق المغلق ليس معناه نهاية النوع، ولكن معناه أن هذا الفن أو ذلك النوع قد وصل إلى مرحلة تحتم البحث عن شكل جديد، أو عن حركة أو تحوير في اتجاه جديد، أو عن آلية فنية تعيد إليه بعضا من البهاء المفقود بفعل التكرار دون تفعيل أو تخصيب، فالاستناد إلى السائد والمكرر يغيب جمالية الظاهرة أو الآلية بالتدريج. والثبات في الشكل لا يفضي فقط إلى بنية شكلية ثابتة، وإنما يؤدي بالضرورة إلى تأويلات شبه ثابتة، ففي كثير من المقاربات تأتي التأويلات من مناح مستمدة من الشكل.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن الرواية العربية عامة والمصرية خاصة تأثرت كثيرا بفعل تكرار البنيات وثبات التأويلات، وأن هذا التأثر قد وصل إلى مدى خاص، يستطيع من يتأمله أن يضع يديه على علامات واضحة تشير إلى متغير حقيقي قد يصيب منظومة الأنواع بالرغم من تداخلها، وأن هناك تراتبية جديدة، قد تلقي بظلالها داخل الأنواع بشكل عام، وداخل الأنواع السردية بشكل خاص. فقد أشار بعض المراقبين إلى قيمة القصة القصيرة وجدارتها، في احتلال مساحة من الرواج والانتعاش بجانب الرواية، وأن صعودها يجاوبه هبوط للكتابة الروائية التي يمكن أن يكون الوهن قد أصاب بنياتها بفعل أشياء عديدة، فهناك مساحة من التكلّس البنائي، يصيب في غالب الأحيان الظاهرة الفنية بالضمور والانكماش، فقد أشارت نادية هناوي إلى أن تراجع مكانة الرواية بين الفنون الأخرى- ومنها القصة القصيرة- التي أخذت تتقدم عليها بخطة حثيثة ــ لم يعد غريبا؛ بل هو طبيعي ذلك أن القصة القصيرة هي الفن المستقبلي الذي سيتقدم على الرواية شيئا فشيئا. وإذا كان القرن العشرون هو عصر الرواية؛ فإن القرن الحادي والعشرين سيكون عصر القصة القصيرة.
في اللحظة الآنية يتجلى للمتأمل أن هيمنة الأنواع أو الأشكال الأدبية أو هامشيتها وثيق الصلة بما تقدمه في معاينة إشكاليات الوجود الإنساني بالنسبة للبشر. فدور الشكل الروائي قد يتأثر، لأن محور فنه قائم على الوضوح والفهم، والعالم الآن من خلال تشابكاته غير المبررة تبريرا واضحا، يدخل في طور واسع من الإبهام وعدم الفهم، وهذا وثيق الصلة بفن القصة القصيرة، لأن هذا الفن- وهذا جزء من بنية تكوينه- يظل ناقصا ومشحونا بالغموض، وإن كان هذا الفن يكافح دائما للتعاظم على هذا النقص، وعلى هذه الجزئية للوصل إلى فهم كلي. وهذه الحال أقرب للقبول وللشيوع بين الكتّاب والمبدعين. فالقصة القصيرة فن الغموض الذي دائما ما يشير إلى أن معرفة الإنسان لوجوده، وللأحداث المحيطة به معرفة تعاني الكثير من النقصان. القارئ بعد قراءة القصة القصيرة يصبح أقرب إلى الدهشة، وينفتح ذهنه على التفكير لاستكمال الناقص الذي لم تكشف عنه القصة ارتباطا بطبيعتها البنيوية.
وقد توقف البعض عند الظلال الجديدة للشعر، وأن هذه الظلال- خاصة ظلال الشعر المصري- في طريقها لاكتساب مساحات تصل به إلى مدى مرتفع، وذلك من خلال منجز مجموعة من الشعراء الذين لم ينصتوا كثيرا لدعوات الحداثة المفرّغة من الداخل، بل يمكن القول بشكل قد يكون أكثر صحة ومقبولية إن هؤلاء الشعراء في كتاباتهم الشعرية، ظلّوا قادرين على تقديم نص يتأرجح بين المحافظة على الإيقاع، والانفتاح على الفكري والمعرفي، والوعي اللافت بقيمة البنية الشعرية.
هذه الملاحظات الخاصة بالتراتبية الجديدة للأنواع، لا تخلو من خطأ، ولا تخلو من صواب، لأن معظمها يرتبط بمراقبة الظاهرة الفنية في عمومها، وقد تكون مزدانة بانحيازات أيديولوجية فنية، أو موجهة نتيجة ما يقع في أيدي أصحابها من أعمال، ولكن كل ذلك- على تنوّع الأسباب- يشير إلى أن منظومة الأجناس الأدبية في حالة قلق تراتبي، وأن هناك همهمات من آن لآخر تشير إلى تصحر ما قد أصاب- أو سيصيب- النوع الروائي، بسبب دخول كثيرين إلى حدوده، مشدودين إلى شيوعه ورواجه، أو بسبب انغلاق الأفق بكثرة السير في الدروب البنائية المتواترة، مما أدى إلى ثباتها، دون القدرة على ارتباد أو قتح دروب جديدة مولّدة ومتعالقة بالسابقة.
وفي كل ذلك لا نميل لرأي دون آخر، لأن ذلك يشكل مغامرة غير محسوبة، ففن الرواية باستطاعته أن يغيّر من جلده بسرعة، ويستعيد عافيته، خاصة إذا أحس كتّاب الرواية بالخلل الرئيس بغياب العنصر المعرفي في كثير من منجزهم، وإن وجد فهو شائه لا يخلو من تهافت ومحدودية. وعلى الطرف المقابل يمكن أن يزداد هذا التراجع الذي بدأت بوادره في الظهور حدّة، ويحدث التراجع المتوقّع، ويحلّ بكل أركانه على النوع الأدبي، ومن ثم سيفتح المجال حتما لنوع آخر لتصدر المشهد، يكون قادرا في التعبير عن حاجة الفرد والمجموع، في التطلع للوصول إلى إجابة عن أسئلته الوجودية، يستطيع هذا النوع الجديد التقاط بوادر التغيير.
فالأنواع الأدبية على تنوّعها، ليست متساوية في التقاط روح العصر، والتعبير عن أطره المعرفية وإشكالياته الوجودية الكبرى، فمع كل نظرية من النظريات الأولى القديمة، بداية بالكلاسيكية ومرورا بالرومانسية وانتهاء بالواقعية، هناك – بالرغم من تعدد الفنون الأدبية ووجودها في اللحظة وتآزرها مع فنون أخرى- نوع وحيد شديد الارتباط بكل نظرية منها، تُبني عليه النظرية من خلال منجزه الإبداعي الخاص، حدودها وأطرها ومنطلقاتها. فبالنسبة للكلاسيكية- على سبيل المثال- هناك شعر كلاسيكي، ورواية كلاسيكية، ولكن الفن الأساس في تشكيل ملامح النظرية هو فن المسرح. وهكذا يمكن تحديد فن وحيد لكل نظرية من النظريات القديمة، وإن تصادت مع هذا الفن الوحيد فنون أخرى، لكنها لا تكون تامة أو كاملة في الكشف عن ملامح هذه النظرية التي أسست وجودها في ارتباطها بفن محدد.
هناك توجهات تعمل على تفعيل وجود أنواع فرعية من خلال منظومة النقد المؤثرة بأساليبها المختلفة في تغيير أو تشكيل الوجهة الإبداعية داخل نوع سردي محدد، ويمكن أن نجد صدى لذلك على سبيل المثال في تيار أو توجه الرواية التاريخية الجديدة، خاصة مع وجود مبدعين كبار صنعوا تداخلا بين التاريخي والبوليسي مثل (إيكو)، ومنظرين (مثل ليندا هتشون)، ولهذا جاء هذا التوجه الكتابي فاعلا في الحصول على الجوائز، مدشنا لنماجه الشبيهة في دول ولغات عديدة.
حين نتوقف عند الرواية ذات الإطار والبنية الخاصة المستندة إلى نمط تاريخي به شيء من الجاهزية نجد أنها قد أصابها الاختلاف، والكثير من التصحر، والاستنفاد الشكلي، بداية من البنيات المرتبطة بالمخطوطات واللفائف على تنوّعها إلى تقديم الحكايات التاريخية في إطارها التقليدي، فكأن الأمر قائم عند حدود قصّ الحكاية أو روايتها بشكل جديد، دون وجود رؤية نقدية معاصرة للتاريخ، تعطيه وتأخذ منه في آن. ففي رواية (ملك اللصوص- لفائف إيونوس السوري)(2) للكاتب تيسير خلف يأتي البناء كاشفا عن حكاية عادية لحادثة تاريخية عرفت باسم (ثورة العبيد الأولى 135-132). تشتغل الرواية على الحكاية في تراتبها، وما تثيره من أطر معرفية لا يتولّد إلا في مدى تأويل القارئ الخاص، في إطار السلطة وتحولاتها من مقموع إلى قامع، بالإضافة إلى الإشارة إلى ميراث دموي للسوريين ممتد عبر التاريخ، فكأنه يشكل مساحة للهوية، ولكن كل ذلك ليس محسوما إلى بنية سردية، تجعلنا نعيد قراءة الماضي، وفق وجهة نظر حداثية.
الرواية تسيّج تلقينا بالحكاية، فهي لا تناوش هذا الماضي، ولا تقدمه برؤية ناقدة نافذة، ولا ترفده بطرق وأساليب جديدة لإعادة القراءة. والتأويلات التي يمكن أن يقف أمامها القارئ تعود إلى طبيعته المهمومة بعقد التشابكات والمقارنات. فالنص الروائي يقدم لك الحكاية دون توجيه، ودون جرّها إلى إطارات معرفية وثيقة الصلة باللحظة الآنية. ففي فترة شيوع هذه الآلية البنائية بداية من رواية (الزيني بركات) للغيطاني، و(العلّامة) لبن سالم حميش، ومرورا بروايات واسيني الأعرج، خاصة رواية (كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد)، وانتهاء بروايات أجيال لاحقة، كانت هناك مساحة من التداخل بين الآني والماضي ليست على سبيل الإسقاط، أو قراءة الحاضر بمنطق الماضي، وإنما كان هناك نوع من التبادل المعرفي، حيث يرفد الحاضر الماضي، ويرفد الماضي الحاضر بأشياء متشابكة وشديدة التعقيد.
الفيصل في نجاح مثل هذه الروايات التي تستند إلى جاهزية تاريخية، يتمثل في تغييب الزمن، واندياحها إلى أية لحظة زمنية سابقة أو آنية أو مستقبلية. فرواية الغيطاني (الزيني بركات) تقدم إطارا سرديا مشدودا لزمن محدد، لكن إطارها التأويلي أو الدلالي لا يقف عند حدود هذا الزمن القديم في العصر المملوكي، فطبيعة السرد تولّد التعاظم على الحدود الزمنية للحكاية، وتجعلها منفتحة على الأفكار التجريدية شديدة الصلة بالوجود الإنساني. والأمر نفسه ينطبق على رواية (العلّامة) فابن خلدون في النص الروائي يصبح رمزا لكل مثقف وعلاقته بالسلطة، متجاوزا بذلك الحدود الزمنية للحكاية أو للرواية، ويغدو في الوقت ذاته فكرة مجردة يمكن تأملها في تجليات عديدة. فالروائي الذي يلجأ إلى البنية ذات الإطار التاريخي مطالب في كتاباته الروائية أن يخلّص نصه من ثقل الحدث التاريخي وزمنه، ليضعه في إطار إبداعي جديد، يظل مشدودا بشكل ما إلى القديم، لكنه يحلّق في آفاق فكرية، تشكّل طبقة جديدة، تختلف في إطارها عن السابقة واللاحقة، لأنها أفكار ضرورية، ووثيقة الصلة بوضع الإنسان داخل الحيز الوجودي، فهي أفكار محورية عن الخير والشر، والإنسان والكون، والظلم والعدل، والسلطة والرعية.
ولكن هذه الآلية انطلاقا من كثرة الإلحاح عليها، بالإضافة إلى غياب الإطار المعرفي الذي يذيب المساحة الزمنية بين الماضي والحاضر، ليكتسب السرد سمته وإطاره التكويني، بعيدا عن الحدود الزمنية، تبدأ في التصحر والإنهاك. فالإطار المعرفي عامل مهم في ذوبان الحدود بين الماضي والحاضر، وجعل السرد مشدودا إلى الفكرة أو إلى الأفكار التجريدية. ففي مثل هذه النماذج الروائية العالية في استخدام هذه الآلية، لا يطالع القارئ حكاية بسيطة ناتئة، لكن تمتزج بأفكار ومعارف تتجسد وتتلبس بها، وتصبح جزءا أساسيا من تشكيلها.
ففي نتاج كاتب له مشروع روائي يتجلى بشكل لافت في ظل هذه الآلية، مثل ناصر عراق، في اهتمامه بإنتاج روايات ذات إطار تاريخي مرتبط بالقرن التاسع عشر، بوصفه الأكثر تأثيرا في تشكيل ملامح وبداية الشعور بهوية خاصة للمصريين من خلال انفتاحهم على ما يدور حولهم، نجد أن هناك اختلافا واضحا بين روايته الأولى في ذلك الإطار المهموم بالتاريخ (الأزبكية) وروايته التالية في ذلك الإطار مثل (اللوكانده)، أو (الانتكخانة)، أو (أنا وعمي والإيموبليا). ففي الأولى (الأزبكية) هناك حكاية، ولكن هذه الحكاية تتعاظم على فرادتها، من خلال التوجيهات السردية الخاصة بالشخصيات والحدث، لتنفتح على محاورة فكرية معرفية ترتبط بالهوية، وتخليص هذه الهوية من الزائف الذي يمكن أن يلحق بها، مدعوما بطول بقائه، ولكن النص الروائي من خلال هذه التوجيهات والإطار السردي يقوّض وجودها، ويخلص الهوية منها. والنص الروائي في كل ذلك يشتغل- بالرغم من وجود الحكاية-على مناح معرفية خاصة وثيقة الصلة بالوعي، وتلبّسه بالزائل الزمني المرحلي، وتخلصه من هذا الزائف بالتدريج، فالفارق هنا بين الماضي الذي يذوب في ظل صعود وهيمنة الفكرة التجريدية.
ولكن في الروايات التالية تتجمع أسباب عديدة لتحلل الآلية البنائية، منها الاستعجال في تدشين اتجاه كتابي، والاستسهال في التعامل مع الإطار التاريخي، وبروز الحكاية بشكلها الصلب، ولم تكن هناك عناية كافية بتليين هذه الصلابة بتفتيح مسارب للأفكار الجامعة شدا وجذبا بين الزمنين، أو شحنها من خلال التعاظم على محدوديتها بأطر معرفية. فالسرد أو الكتابة السردية الروائية في التحليل الأخير ليست حكاية أولا وأخيرا، لكنها حكاية تذوب وتنصهر بفعل المساءلة المعرفية المستمرة عن ارتباط الإنسان بوجوده وعالمه المحدود والواسع في آن.
ويتكرّر الأمر ذاته لدى روائيين كثيرين، شدتهم شهوة الكتابة في إطار الرواية التاريخية، ولكن منجز معظمهم لم يستطع تحويل هذا التاريخي إلى فكري أو معرفي، ولم تكن لدى كثيرين منهم قدرة على تحويل الزمني أو التاريخي موضع التركيز والاهتمام إلى معرفي ثقافي، فالمعرفي يستند إلى التاريخي، لكنه لا يبقي عليه، فثمة تحويرات واشتغالات ضرورية يحتاج إليها التاريخي للتحول إلى نسق معرفي تبغيه الرواية التاريخية الجديدة، لتوليد رؤية بالغة النفاذ تجعل المتلقي يبصر الماضي بشكل مغاير، يتمّ رفده بنظرة حداثية، تشكل جدلا دائما للفكرة أو للأفكار التجريدية.
تبدو تقنية (تيار الوعي) من الآليات التي تلقفها الكتّاب العرب من الرواية الأجنبية لدى أعلامها المعروفين، في محاولاتهم المستمرة لتجديد الشكل الروائي في بدايات القرن العشرين، مثل جيمس جويس ووليم فوكنر وآخرين. وقد سجلّت هذه الآلية في الرواية العربية حضورا لافتا، ويمكن مراجعة استخدام هذه الآلية في روايات عديدة، منها على سبيل المثال (النيل الطعم والرائحة) للكاتب الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل، فقد حاول الكاتب أن يكشف عن الحضور الباطني للبطل وهو في لحظة مفصلية بين توجه قديم تكوّن في إطاره، وتوجه حديث ينفر منه، ومن ثم فقد كان تيار الوعي طريقا وآلية مهمة لمعاينة هذا التحوّل وأثره الباطني في إسدال نوع من الذهول، ونوع من الثبات الجزئي لم يؤثرا على الحركة السردية، وتوجهها إلى الأمام، وإن كانت بطيئة، نظرا لانفتاح السرد من خلال آليات الارتداد على الخلفيات المعرفية للبطل، للكشف عن تكوين خاص يؤثر بالضرورة على الحدث القادم.
ولكن استخدام هذه الآلية السردية في السنوات الأخيرة لدى بعض الروائيين أخذ منحى مغايرا فيه الكثير من الإفراط، حتى أصبحت الرواية مشدودة للثبات، وفيها فقدت العملية السردية أي مؤشر للحركة والانتقال والنمو التدريجي وثيق الصلة بكل سرد. فالإفراط في استخدام هذه الآلية دون تحويرات أو توازيات مساوية للكشف عن الحركة للأمام، ودون إحداث نوع من التوزان بين الحركة للخلف في مقابل الحركة للأمام، مما يؤدي إلى تغيير في طبيعة تجليها بشكل مستمر، ينتج نوعا من الاحتباس والثبات. هذا الثبات يفقد الظاهرة الفنية والسردية تجددها المستمر. يظل المتلقي رهين الارتباط بالماضي، خاصة إذا كان هذا الارتداد أداة لتأمل صور عديدة للذات دون أن تكون ثمة علاقة بين هذا الماضي المشيّد من خلال تيار الوعي بلحظة النمو السردي المؤجلة بشكل عمدي لانتفاء تلك العلاقة.
فالوقوف عند روايات وحيد الطويلة بداية من (حذاء فليني)، مرورا برواية (جنازة جديدة لعماد حمدي)، وانتهاء برواية (كاتيوشا)، سوف يثبت مشروعية هذا التوجه الكاشف عن حضور وفاعلية هذه الآلية، حتى يشعر القارئ أن هناك ثباتا لافتا يوقف عملية النمو السردي. فالرواية– أية رواية- يمكن أن يكون بها جانب من تيار الوعي، ولكن في التحليل الأخير لا يمكن أن تسلم قيادها إلى هذا الآلية التي تفضي إلى الثبات الذي يوقف حركية الزمن. فقيمة هذه الآلية لا ترتبط بالعودة إلى الماضي، أو الارتداد لذاته، لكنها في الأساس وثيقة الصلة بالحدث النامي أو الفعل الاستقبالي المنتظر، فكأن هذه العودة فعل تسويغ وتبرير. ففي مثل هذه الروايات تنتفي وتغيب هذه الوظيفة، وتبدو العودة للوراء تأملا ممتدا لصورة الذات المسرود عنها في ماضيها دون فاعلية لافتة في الحركة أو في النمو السردي.
فاستخدام هذه الآلية يرتبط بوظائف تؤديها في البناء السردي السردي التصاعدي المنفتح على الحركة والنمو. وإذا زادت نسبة ومساحة الارتداد إلى الماضي دون وجود حركة تتساوق مع السرد النامي، ويتطلب حضوره في التعويل عليه لإضاءة فجوات غائبة، فإن القارئ سوف يشعر أن هذه الآليات تخطت- بل لم تنسجم- مع الوجود الوظيفي، وتحركت نحو الوجود المتراكم، حيث تغيب حركة السرد النامية أو يخفت حضورها، وهي تشكل مناط العملية السردية، وتشكل الجزء الأساس في بناء الكون الروائي في وجوده العام الذي يشمل ويكيف كل الآليات السردية.
وحين ننظر بشيء من التأمل إلى الكيفية التي تعامل بها كتاب الرواية مع آلية تعدد الأصوات ندرك أنه تعامل غير دال وغير كاشف عن التعدد. فهي آلية وثيقة الصلة بغياب اليقين، وبحضور التوجه الديمقراطي في مقاربة أي موضوع وأية إشكالية مطبقة، من خلال وجهات نظر عديدة ارتباطا بالمناحي الفكرية والثقافية والمذهبية. ولكن استخدام بعض الروائيين- ربما بسبب غيات التشكيلات المذهبية الناجزة في تجليها القديم-لا يجعلها دائرة في سياق التعدد، وإنما في سياق تضخم وإعادة وتكرار، خاصة إذا كان هذا التعدد مرتبطا بإكمال عناصر الكون الروائي، وهنا يتمّ تشويه الآلية، أو على الأقل تجريدها من قيمتها الكاشفة عن التباين في الأسلوب ووجهة النظر واللغة ففي روايات عديدة نجد أن اللغة المستخدمة- بالرغم من هذا التعدد الصوتي- لغة واحدة ثابتة، كأنها لغة أحادية مع كل الأصوات في النص الروائي، وهذا يباين فكرة التعدد في أصل وجودها، وفي قيمتها الوظيفية في الكشف عن التنوّع الأيديولوجي، والتنوّع في الأسلبة اللغوية لكل صوت سردي.
ففي رواية (غواية ظلّ) للكاتب المصري محمد عطية، ثمة تواز ثنائي بين صوتين، يحتمه موضوع الرواية الفكري، بين رجل وامرأة، ورؤية كل منهما للآخر، ورؤية كل واحد منهما لمجموعة من القيم الحاضرة في النص الروائي، بالإضافة إلى طبيعة النظرة إلى الحب. ولكن هذه الآلية بالرغم من حضورها الطاغي الذي يضعنا داخل رواية الأصوات أو التعدد الصوتي، تكشف عن أن اللغة المستخدمة في حضور الصوتين بما لها من ثبات ومشابهة وصبغة صوفية، داخل التوجه المقابل، فالآلية هنا تأتي أكثر ارتباطا بالأحادية الصوتية من جانب، وتجعلها- أيضا- ناقصة الحضور بعيدة عن الاكتمال.
فهذه الرواية بالرغم من كونها أكثر إحكاما وتماسكا واحتشادا ومعرفة في توظيف آلية التناوب الصوتي بين الصوتين، تظلّ اللغة المحتشدة الممسوسة بلغة قصص العشّاق في التراث العربي ممزوجة بوهج آني حاضرة في الجانبين، مما يلقي ظلالا حتمية بإعادة التفكير في قيمة فاعلية الآلية الفنية. يبدو ذلك واضحا حين نتأمل النمط البنائي التناوبي للصوتين. فالإطار المعرفي اللافت وانشداده إلى الظل والحقيقي أو الواقعي، وارتباطه بامرأة حاضرة وأخرى غائبة لم يفلح في زحزحة التشابه بين الصوتين، وتشابهما في المدى الثقافي الموغل في مدى صوفي خاص، فلغة الصوتين عند التأمل الدقيق في النهاية، لا تؤسس فارقا كبيرا في الأساليب، ولا نمطا ثقافيا مقابلا للآخر.
وفي رواية (بلاص ديسكا) نجد أن هذا الأمر لافت في الكشف عن الواحدية اللغوية، وتجاوب الرؤية وثباتها في إطار التعدد الشكلي. في رواية الأصوات تتشكل القيمة من اختلاف وجهات النظر واختلاف اللغة والمنظور في مقاربة وتشكيل الحدث السردي، ولكن في هذه الرواية ليس هناك كبير اختلاف في مقاربة أحداث الرواية بين الأصوات السردية التي تحرّكت وتشكلت جميعها في إطار المتكلم، فلو جمعنا الخلفيات المعرفية والعرقية لهذه الأصوات الثلاثة (حمودة بن إسماعيل- وجليلة بابا- وإيفات صرفاتي)، سنجد أن لها خلفية تكوينية معرفية متقاربة، خاصة أن النظرة تجاه اليهود لم تكن قد تغيّرت في السياق الذي تؤسس فيه الرواية طبقتها الأولى.
التجاوب بين الأطر المعرفية والأيديولوجية للأصوات يؤثر بالضرورة على مناحي الاختلاف، ومن ثم جاءت آلية التعدد كاشفة عن التجاوب، وليس عن التباين أو التناقض، بالإضافة إلى أن الأصوات في هذه الرواية كانت جزئيات مكملة للحكاية السردية، فكل شخصية بخطابها تسدّ نقصا، وتكمل جزءا في الحكاية، لن تكتمل إلا بهذا الصوت بعيدا عن تفرده.
ونجد هذا التوجه في التعامل مع آلية تعدد الأصوات ماثلا حتى في الروايات التي تقف عند حدود الثنائية المتقابلة، في تجلّ مغاير للنماذج الروائية في فترات سابقة التي كانت تحفل بالتعدد في تجليه الواسع، فقد أسست هذه الروايات وجودا لافتا للأصوات التي تزيد عن هذا الوجود الثنائي. ففي رواية (لعبة النوافذ) للكاتبة رباب كسّاب، يجد القارئ نفسه أمام بناء تناوبي قائم على التبادل بين صوتين: صوت رجل وصوت امرأة، للإشارة إلى وجهتي نظر تتناوبان في الحضور، ولكن الأسلبة والفروق اللغوية لا تبدو حاضرة في النص الروائي، وكأن هذه المغايرة والانقسام بين الصوتين ظلت شكلية، ولم تفصح عن أسلبة كاشفة عن الاختلاف، فقد جاءت اللغة أحادية، في كل الفصول، فلا يستطيع القارئ أن يقف عند فروق جوهرية بين الصوتين على امتداد النص الروائي.
في الفروق الدقيقة بين استخدام الآلية القديمة ونصاعتها وشبه اكتمالها، واستخدامها في الآني يمكن للقارئ المتأمل أن يلمح فروقا بين واقعين وسياقين، فالكتّاب في الفترات والأجيال السابقة مثل محفوظ أو أميل حبيبي، أو حتى كتّاب جيلي الستينيات والسبعينيات، تجمعهم مناح ساسية واجتماعية فكرية بها الكثير من التعدد في الأشكال الفكرية والمذهبية، وكان هناك انحياز لهذه الأشكال والمذاهب، ولهذا تبدو الأسئلة التالية منطقية بالنسبة لمنجز الكتّاب الذين ينتمون إلى اللحظة الآنية، وهي على الترتيب: هل هناك - في ظل عصر يموج بالتشكيك وغياب اليقين- وجهات نظر تستند إلى انتماءات أيديولوجية ومذهبية؟ وهل هناك تكوينات ومناح فلسفية ونظرية متباينة بشكل حاد؟ أم أن الأمر في العقود الأخيرة أقرب إلى نتف فلسفية، واختلافات ليست جوهرية أقرب إلى التجاور والتكامل منها إلى الاختلاف والتباين؟.
في الإجابة عن الأسئلة السابقة يجب أن نضع في وعينا بالأمر مجموعة من الجزئيات الأساسية في تناولنا لتحلل هذه الآلية أو لبداية تلاشيها، السياقات الحضارية، ففي العقود الأخيرة ذابت الحدود والفواصل الحادة والراكزة بين الأيديولوجيات المختلفة التي تشكل أساس آلية الأصوات، واختلافها من شخصية إلى أخرى، وذابت في الوقت ذاته فكرة اليقين أو الحقيقة التي يمكن أن يؤمن بها، ويجليها كل صوت سردي داخل فكره الأيديولوجي وقناعاته السياسية والاجتماعية. وهذا السياق يجعل آلية التعدد الصوتي مخذولة أو مقهورة، فنجدها في كثير من الروايات في العقود تتجلى بشكل خاص، لا يكشف في عمقه عن التباين الذي يشكل أساس التعدد الصوتي، بل يكشف عن المشابهة التي تؤدي إلى أن تصبح الأصوات أقرب إلى الظلال المتشابهة، دون وجود فروق جوهرية، تحتم المغايرة على مستوى الأيديولوجيا المذهبية أو على مستوى الأسلبة اللغوية، فتصبح الأصوات العديدة مساحة للاكتمال الموحّد، وليس للتباين والاختلاف.