عادل ضرغام

الناطور

غلاف كتاب الناطور
صناعة النموذج وحكاية التأويل في رواية الناطور للأزهر الزنّاد عادل ضرغام ارتبطت صناعة النماذج الأدبية بفن الشعر في شعرنا العربي الحديث، وربما يكون صلاح عبد الصبور شاعرا مهما في هذا التوجه في عنايته بصناعة النماذج من خلال المراقبة والرصد والتأمل في قصائد كثيرة، وتابعه شعراء كثيرون من جيله ومن أجيال لاحقة. ولكن صناعة النماذج في الكتابة الروائية ليست مشهورة، ولم تلفت النظر في التناول النقدي، لأن الرواية فن الكشف والتمدد والنمو حيث تصنع فرشة واسعة على العالم للإمساك به، في مقابل الشعر الذي يعنى بالسفر إلى الداخل والحفر والتمدد الرأسي المرتبط بالاختزان والتغييب. في روايته (الناطور) ثمة كتابة خاصة يقدمها الأزهر الزنّاد، يصنع من خلالها ويشكل نموذجا بشريا بسيطا، لا يخلو من معرفة حياتية قائمة أو مبنية على تجربة ليست علمية أو ثقافية، بل تمثل تجربة وجودية قائمة على النزال، او النزالات العديدة التي تترسب معرفتها بالتدريج، فتظهر في الحركة أو الصمت أو في طبيعة النظرة أو الإيماءة أو في الجملة المقتضبة التي تغادر- بالرغم من بساطتها- دلالتها الأولى، لتغوص في معارف، تشكلها بنية مقطرة أو مقطبة، تجعلها أقرب إلى الحكمة أو المثل في معانقتها تجربة خاصة بالكون والوجود، بشكل داخلي قائم على الاختزان والرصد الصامتين، والبناء المعرفي الخاص بعيدا عن تحصيل العلوم والمعارف المتاحة بوسائلها المعهودة، فيصبح هذا النموذج البسيط أقرب إلى العارف أو إلى المتصوف. والرواية في ظل هذا التوجه لا تقدم لنا نموذجا خارقا في قدرته، أو في أفعاله الأسطورية، ولكن قيمته تكمن في عاديته أو في تشابهه مع ناس آخرين، وتكراره بناء على ملاحظة أو تأمل ممتد لسياقات عديدة مشابهة. وهي- أي الرواية- ليست معنية بشخوص عديدة، أو أحداث نامية، ولكن بشخص وحيد تفتح بعضا من نوافذه المغلقة بالصمت، بداية من الصراع إلى التوحد التدريجي بنمط حياتي خاص، فالواحدية الشخصية سمة شعرية، وليست روائية، لأنها مرتبطة بالكشف والعمق، فالصراع- في وجود سيطرة الواحدية- صراع داخلي بين االذات والوجود، ففي صراعها- حتى في ظل هزيمتها بالتسليم- انتصار على الوجود بصناعة حياة مكتفية بذاتها ومعاركها الداخلية، وتحصل معارفها بارتكانها إلى الذات، وليس بارتكانها إلى القراءة وتجارب الآخرين. يخايل القارئ دائما أنه يواجه نصّا يعنى بشخصيتي (الناطور) و(مراقبها) السارد الذي لا يخلو من سمات شخصية مشابهة، دفعت كليهما إلى الاقتراب من الآخر، فكأننا عند التدقيق نعاين صورة لشخص- إذا حذفنا الاختلافات الشكلية والثقافية- تمعن النظر إلى صورتها في المرآة، ولا تكفّ عن التطلّع إليها، وكأن الرواية تلحّ في الكشف عن شبيهين أو عن نص وتأويل مستمر، ويصل كل واحد منهما إلى هذه المشابهة من طريق مختلفة، ولكن النهاية واحدة ترتبط بالفهم والوعي والعمق، ويتشكل كل ذلك داخل زمان ومكان، وكأن الناظر أو المتأمل يمثل طبقة عاكسة للحدث المروي أو المسرود، وكل ذلك يفتح النص الروائي على مساحات التأويل، وصناعة النموذج التأويلي. النموذج في لحظته الراهنة الخاصة بالنهاية يولّد حالة ضرورية لإعادة النظر والتأويل، مما يفترض عودة مغايرة للمراقِب أو للمتأمل، عودة تصنع أسسها ومنطلقاتها الخاصة، وهي أسس ومنطلقات لا تخلو من ذاتية في المواجهة، ومن حركة دائبة بين الماضي والآني، لتفتيت الطبقات المترسبة السابقة للوصول إلى أسس للفرضية الآنية المغايرة. فالرواية تطلّ وكأنها درس في التأويل، ومعاينة وصناعة النموذج التأويلي. النموذج والانتصار بالهزيمة تقوم حركة البطل في النص الروائي على فرضية مضادة للخطاب الرسمي والأوراق التي تقرّ بانتحار (الناطور)، بافتراضه- وكأن ذلك عمل تأويلي- أنه قُتل. وفي سياق هذه الفرضية تبدأ مقاربة السابق والآني، من خلال قراءة الجلسات والحوارات السابقة مع الناطور، والتعرف على تاريخه وطبقات تكوينه الذهنية والمعرفية شديدة الخصوصية، وفي الوقت ذاته يعاين الوقائع والعلامات المحيطة بعملية موته، للبحث عن مرشدات دالة يمكن أن تكون ناجعة في إثبات الفرضية الخاصة بهذا المقارب أو المتأمل لحياته. تتحوّل شخصية (الناطور) في ظل هذا الاهتمام إلى نموذج بشري، يظلّ مهيمنا في كونه نقطة الانطلاق والمتابعة والتأمل، فيغدو عم حفيظ- الاسم الأصلي للناطور- أكثر الشخصيات حضورا، ويقلّ بالضرورة حضور الشخصيات الأخرى المتعلقة بالمراقب أو المتأمل، فهي لا تعدو أن تكون عناصر مكمّلة للشكل السردي، تؤدي وظيفة منسجمة مع وجودها التكويني الجزئي، مثل الزوجة (أحلام) أو الابنة (فاطمة)، بالإضافة إلى شخصيات المقهى بالقرية، مثل (يوسف) مدير المدرسة أو سمسار الكراء، أو عامل المقهى، وهي شخصيات توجد في فترات إقامة المتأمل أو المراقب في القرية واقترابه من الناطور نموذجه، قبل وبعد مقتله أو انتحاره. شخصية الناطور أو عم حفيظ التي تشكل هيمنة لافتة الوجود في النص الروائي قدمت بطريقة، تجعل منه شخصية مغايرة للسائد، فالأشياء التي تشد الآخرين من البشر لا تستهويه، فتجلى في النص الروائي صاحب فلسفة تتولّد من الخبرة الحياتية والنزال مع الوجود. وسماته الشكلية تندرج داخل إطار المشابهة مع الكثيرين، فهي سمات ترتبط بالعموم والتكرار، فقيمة أي نموذج تأتي من كونه يعبر عن آخرين مشابهين، ينضوون في إطاره الشكلي. تتبدى أولى هذه السمات في خصوصية التكوين، فهو ليس صاحب تجربة ساكنة في مقرّها، بل صاحب تجربة قائمة على الحركة والتجوال، ومعاينة أماكن أخرى، والانفتاح على آخرين ينتمون إلى أعراق عديدة. وقد أسس النص الروائي تجارب كاشفة عن الاغتراب والتجوال الفردي، والانفتاح على العالم انطلاقا من خصوصية التجربة، وفعل المطاردة الذي تعاني منه الشخصية الرئيسة الموضوعة في بؤرة المراقبة والتأمل، في كل مكان تنتقل إليه. استناد الرواية إلى ضمير المتكلّم للإشارة إلى المراقِب، وانفتاحه وارتباطه الخاص بالمراقَب مهم لإضافة نوع من المشابهة، وتشكيل حالة من التجاوب. فالنص يؤسس مساحات واسعة لهذا التشابه بالرغم من اختلاف الثقافات، وكأن تحصيل المعارف والوعي بالحياة والوجود، يتمّ بطرق متباينة، لكنها تنتج في النهاية كيانات أو شخصيات متشابهة في السلوك الخاص بالانزواء، والابتعاد عن الضجيج، واعتبار الهزيمة لدى كثيرين من البشر انتصارا، لأن النصر في منطق هؤلاء يرتبط بالوصول إلى فلسفة خاصة تقنع بالمتاح، يتجلى ذلك في قول السارد عن نفسه (فصيد السمك الوفير ليس غايتي الأولى. وكل ما أريد موقع للتأمل والراحة والسكينة، أما صيد السمك فسبب من الأسباب). كل ذلك يفتح مسارب التشابه بينهما، يكشف عن ذلك انفتاح الناطور عليه، والكشف بشكل متقطع عن جزئيات من حياته، وتعذّر ذلك وغيابه في تعامله مع الآخرين. فاختيار الدعة والهدوء، والارتباط بالحياة من أيسر جوانبها، يشكلان سبيلا أساسيا لكل واحد منهما، وسببا لاختيار كل واحد منهما للآخر. وتشكيل النموذج من خلال الإشارة إلى اختلافه ووعيه ومعارفه المرتبطة بالتجربة والنزال لا يتمّ في فراغ، وإنما يؤسس له النص الروائي تاريخا ممتدا. فهذا النموذج الذي لا يخرق مواضعة وجودية، أو يحمل أي ملمح أسطوري يكوّن اختلافه من عاديته، ومن ثم يعيد النص بناء الوعي بتاريخه، وبالحوادث التي أحدثت في وجهه الكثير من الأخاديد، وجعلت وعيه أكثر حدة وانتباها في الارتباط بالأشياء والبشر، وفي ظل هذه السمة العادية يتحوّل إلى نمط في تحديد لوكاتش، ويصبح في معرض دائم للمعاينة والرصد. تتكوّن لهذا النموذج معرفة خاصة، بداية من الخروج من القرية، تطارده أشباح الخوف بعد قتله زوجته وعشيقها، وانفتاحه على السفر والتجوال، وانتهاء بعودته إلى القرية ذاتها، وأخذه مكان شخص كبير يسكن ويقوم بالعمل في المنارة. تقدم الرواية إطارا لتاريخه وتشكيله الخاص، وارتباطه بالبحر في كل البلدان التي سافر إليها، وكأنه يستجيب إلى ندائه. وتقديم ماضيه سرديا لا يأتي في إطار متنام متواصل النمو، ولكنه يأتي مشتّتا موزعا بفعل الاستعادة والذاكرة، وقانونها الخاص وآليات استدعائها، فيتجلى هذا الماضي بشكل مفتت، فالمتحكم فيه الحركة الذهنية المشدودة إلى تيار الوعي الخاص بالسارد المتأمل المراقب في نسق تشكيله للذاكرة باستعادة الحوارات بينه وبين الناطور. ومن بين كلّ التجارب التي مرّ بها، وأثرت في تشكيله ووعيه، تأتي تجارب الخيانة التي عاشها في قريته من خلال زوجته وقريبها، وفي غربته وتجواله حين قام بالفعل ذاته مع زوجة زميله في الفنار، أكثر تأثيرا، بالإضافة إلى تجربة الوحدة على حدود المحيط، وارتباط ذلك بالصمت الذي استطاع تحويله إلى تجربة فكرية وجودية، فقد أضافت تجربة الوحدة وعيا جديدا جعلته ينفتح على الإنساني، ويستحضر حاجات الآخرين. تمثل هذه الارتدادات المشدودة إلى الانبثاقات الذهنية التي تعيد تشكيل الحوارات بين المراقِب والمراقَب وعيا بالتاريخ القديم الذي لا يقدم منفصلا، بل يقدم وفق حركة آنية، ووفق تذكر يكشف عن مشروعية تأسيس وجود خاص للنموذج، فالسفر أو التجوال الذي يتجلى بفعل الذاكرة له دور تفسيري في إسدال وعيه بلغة البصر وحركة الشفتين، فيصبح نموذجا عميق الوعي والأسرار. والرواية في ظل هذا التوجه أسدلت في صناعتها للنموذج مجموعة من الصفات التي لا تجعله خارقا بالمفهوم الأسطوري المعهود، لكنها صفات تؤسسه رجلا عاديا، وعاديته مع وجود معرفة تجعل وجوده شبيها بوجود الفلاسفة والمتصوفة. فقد أجرت الرواية على لسانه مجموعة من المقولات الكاشفة عن فلسفة في مقاربة الحياة، لا تخلو من خصوصية، مثل قوله (أنا لا أفكر بالحياة... أعيشها كما هي.. ذاك سرّ الانتصار على الحياة). وما يعطي هذه المقولات المملوءة بالفلسفة الحياتية المرتبطة بالتجربة والنزال مع الحياة قيمة ارتباطها بشخص هامشي، لا يأبه لوجوده أحد. وهذا يؤسس له قيمة أقرب إلى الوجود الصوفي بالرغم من هذه الهامشية أو العادية، يقول النص الروائي (والناطور رجل شيخ، هامشي لا يأبه له أحد. لا ينظر الناس إليه إن حضر، ولا يسأل عنه منهم أحد إن غاب، لكنه يراهم جميعا، ويرصد حركاتهم وسكناتهم). تتجلى فلسفته الحياتية المبنية على تجربة معيشة في مجموعة من المقولات التي تعكس وعيا حادا بالوجود، وقد استند إليها النص الروائي في تجذير المغايرة، وبناء الاختلاف، مثل قوله في حواره مع السارد (السبارص لذته في مذاقه.. لا في كثرة لحمه)، أو في قوله (السمكة حيوان خوّاف شرود، لا يسبح بعيدا عن الصخور في النهار خاصة). وتتجاوب مع هذه المقولات التي تتجلى في صورة حكمة في بنيتها المشدودة، جزئية تتمثل في طريقة إخباره أو إفضائه بهذه المقولات، فطريقته لا تتبع آلية أو أسلوبا مباشرا، فغالبا ما يتمّ ذلك في شكل فيه الكثير من الإلغاز والبناء المقطّر المحكم الذي يوحي ويومئ ولا يحدد بشكل قاطع. وفي ارتباط وجوده بالبحر أو بالمنارة الحاضنة للبحر في أكثر من مكان في تجواله، تتجلى معرفته ومقولاته مشدودة إلى ذلك العالم، لأن البحر بطول المصاحبة أو الممارسة والدربة، يمثل المجال الذي خبره، وأدرك حدوده، فمقولاته عنه تتجلى بصورة واضحة لا نتوء فيها، وتأتي في شكل وصايا كاشفة عن خبرة، مثل قوله ( البحر، يا ولدي، مثل العذراء الفاتنة الجميلة، لا تحب من يضيّق أنفاسها أو يحبسها)، أو قوله (يعلمك البحر بأن الحياة قصيرة تافهة، لا معنى لها، ويجعلك تدرك أن الموت يحاصرك، ويحدق بك في كل لحظة، فلا تأمن من البحر صحوا أو هدوءا). وقد تأخذ هذه المقولات الكاشفة بعدا أكثر ارتباطا برؤية نافذة، لا تقنع بالظاهر الواضح، وإنما تنفذ إلى رؤية وجودية، تكشف عن قلق الإنسان الوجودي في مقاربته وارتباطه بالحياة، وعن الأسئلة التي تلازمه على الدوام، مثل توسيعه لمفهوم الخيانة الجسدية، ليصل إلى التلبس أو التوحّد بفكرة الإثم والسقوط، في قوله (مجيئنا إلى هذا الوجود خيانة، خيانة لصفائنا الأول، وطهرنا البدئي). وهذه الفلسفة الحياتية القائمة والمبنية على التجربة، ولدت له معرفة مزدانة بالصمت الكاشف عن عمق الوعي بالحياة بالرغم من وجوده الواقعي الهش والهامشي، وبساطته الشكلية، وأدخلته في الوقت ذاته في شريحة الفلاسفة أو المتصوّفة الجوالين، ويتجلى ذلك في مقولات كاشفة عن الوجود الإنساني العابر، منها- على سبيل المثال- قوله (في ذلك القنال- يقصد قناة بنما- نتعلم الفلسفة... تدرك أن الكائن عابر لا يدوم، وأن الكينونة عبور وسفر). هذا النموذج الذي يخضع للمراقبة والتأمل، وكأن حياته مجال بحث واشتغال، يتجلى نموذجا منتصرا بالرغم من الهزيمة والتسليم، فالرضوخ أو التسليم لديه تسليم كاشف عن معرفة، وعن تجربة طويلة من النزال والصراع، جعلته يختزنها، ويقدمها في إطاره وسمته الخاصين، فهي أقرب إلى الفيض أو النضوح، لأنها معرفة مسيّجة بالصمت، ومملوءة بالانتصار الداخلي في تأسيس وتشكيل حدود ارتباطه بالحياة، وتسكين نفسه في مساحة الهامش الذي يفتح له بابا من المعرفة الساكنة الواعية بكل المتغيرات المحيطة، ويراقبها في صمت العارفين. الشخصية والمكوّن التأويلي يتعامل النص الروائي مع الفرضية المضادة كأنها تأويل، يبحث عن أسس ومرشدات، تؤسس له مشروعية، فالتأويل- خاصة حين يكون مضادا للسائد، وفعل التأويل دائما فعل مضاد للفهم السائد لدى غالبية الجمهور والقرّاء- مقاربة متعالية مخاتلة، تعيد البحث والطرح للحركة في اتجاه مغاير، وفي حركتها تحاول أن تؤسس شيئا من الصواب في تعانقها مع بنية الحكاية أو مع قراءة لها، وفي ارتباطها بالزمن الواحد أو بالأزمنة الكثيرة. فالتأويل في منطق الرواية فعل لا ينفصل عن الزمن، لأنه طبقة مشدودة إلى طبقات سابقة، ومنفتح بالضرورة على طبقات تالية. يؤيد ذلك أن القارئ، أثناء القراءة، تنبثق أسئلة كثيرة في ذهنه، تتعلق بالتوزّع بين اعتبارها حكاية كاشفة عن نموذج خاص وتشكيل حدوده، واعتبارها حكاية تمثل نموذجا يتجاوب أو يتساوق مع نظرية التأويل، وصناعة النموذج- في ظل وجود هذا التساؤل الذي أبرقنا إليه سابقا- ليست إلا محاولة اقتراب وتدشين وإثبات لعملية التأويل بكل أطوارها وطبقاتها. فالنسق البوليسي الذي يلح وكأنه حالة تحرّ ليس مقصودا لذاته، وإنما هو آلية أو طريقة، لتشكيل وتجذير طبقة من طبقات التأويل للتواجد والانتظام في سلك طبقات متوالية، وفق التنبه الى نهاية النص وبنياته. فالاكتفاء بالوصول إلى مشروعية للتأويل المضاد في نهاية الرواية بعد البحث الطويل لأسانيد مشروعيته يوجّه نحو حالة ضرورية لإعادة النظر في النص الروائي، وهذا يفترض عودة مغايرة للمراقِب أو للمتأمل، عودة تصنع أسسها ومنطلقاتها وفق توجه ذاتي في المواجهة، وحركة دائبة بين الماضي والآني، لتفتيت الطبقات السابقة المترسبة للوصول إلى أسس للفرضية الآنية. فالرواية تطلّ وكأنها درس في التأويل، ومعاينة وصناعة النموذج التأويلي. والمكوّن التأويلي الذي تؤسس له الرواية يرتبط بالسير على خطوات هذا المكوّن، والاقتراب منه، والمرور بكل الظروف المحيطة. فالتأويل او بناء المكوّن التأويلي لا يتم في فراغ، فهو فعل استعادة، وفعل تخيّل للحدث أو للحياة بكل ظروفها، مثل معاينة الأماكن التي يتحرك في إطارها، والوصول إلى تاريخه، وإلى التركيبة النفسية للشخصية في مقاربتها للحياة والوجود. بناء التأويل جزء من بنية الرواية، فالتأويل حركة ذهنية من القديم الموغل في القدم إلى الآني لحظة المعايشة والمرور بالتجربة. وبنية الرواية تتساوق مع هذا التوجه، فليس هناك خطوط واضحة بين الماضي الذي مرّ، أو الماضي تستعاد مقاربته ورؤيته واللحظة الآنية، ولن يتم التفريق بينهما إلا بتركيز وانتباه شديدين. ويتجاوب ذلك مع الآلية الأكثر حضورا وهيمنة في النص الروائي، وهي آلية تيار الوعي التي تفتح الراهن على الماضي داخل حركة ذهنية لا تؤسس فارقا أو تبني حوائط بينهما، فالمساحة الفاصلة بينهما ليست موجودة، وهذه سمة وثيقة الصلة باجتراح التأويل أو الوصول إليه، فالتأويل في منطق السرد دائم الصلة بالماضي بالتجاوب أو بالاختلاف، أو بالتوسّع بالإضافة، أو بالحذف بالمحو. والمتأمل للنص الروائي يدرك أن هناك جزئيات وثيقة بكل تأويل تجلت في إطاره، منها- على سبيل المثال- الإشارة في ثنايا النص إلى فكرة التبدّل والتغيير، فالتأويل مقاربة، والمقاربة تتغير ويصبح وجودها حتميا بتغير السياقات، وفي هذا النص الروائي إشارات دامغة إلى فكرة تغيّر السياقات أو تبدلها. ففي حوار البطل الذي يقوم بفعل المراقبة أو التحرّي، نراه يقول (لقد تبدلت القرية كثيرا، يا سي يوسف). وفي السياق ذاته لا يركّز النص الروائي على التغيير البسيط المرتبط (بالناطور)، بل ينفتح الأمر في كثير من الحوارات على التغييرات التي تمسّ الهوية، وكأن التأويلات الجديدة لا يصبح وجودها حتميا إلا في إطار تغييرات تفتت الوجود الهوياتي المستقرّ، وتصل في كثير من الأحيان إلى عصب الروح. فالمنارة وما يحيط بها من متغيرات وسياقات، تمثل إشارة إلى تبدلات واختلافات بين ماض وحاضر. في النص الروائي دائما نجد في معرض الحديث عن مشروعية التأويل الجديد حديثا عن تبدّل الأحوال، وتبدّل أخلاق البشر، وعن ظهور منعطفات جديدة، يقول النص الروائي (تغير كل شيء، وتغيرت البضاعة، وتغيّر البائع... فقدت الأكداس خضرتها ونضارتها على مرّ الأيام، وصارت معلبة في كراتين، لا يُعرف مصدرها). فالنص في اشتغاله على تجذير تأويل جديد، يؤسس طبقة حياتية مغايرة، تتطلب حتمية التأويل، مثل زيادة عدد الغرباء، ووجود المهربين، وانتشار زراعة الحشيش، ووجود التجارة في الهيروين، وسيطرة زراعة البصل، لأن رائحته تخفي رائحة الحشيش. ثمة جزئية أخرى لها حضور دوري في النص الروائي، جزئية ضرورية لكل مقاربة، أو لكل محاولة من محاولات التأويل، تتمثل في وجود الغموض الذي يحيط بالحالة أو بالمكوّن التأويلي، بالرغم من الحركة في إطار الزمن الماضي، وتأمّل الطبقات التكوينية لهذا المكوّن أو لتلك الشخصية، أو في إطار الحركة المرتبطة بالتخيل الآني، من خلال توقع ما حدث بشكل مغاير التصاقا بالفرضية الجديدة التي يطرحها البطل المقارب أو المتأمل. فبالرغم من وجود هذين التوجهين، بالإضافة إلى مساحات الكشف التي يتيحها المكوّن التأويلي بالإفصاح الذاتي، تظلّ هناك مساحة من الغموض الملتبس بالتغييب. وهذا الغموض يمثل الأساس لكل محاولة مقاربة إبداعية أو نقدية، فالإبداع يتولّد في سياق قراءة ما سبق في مساحات القراءة الخاطئة أو الضالة بتعبير هارولد بلوم، وسوف يظل هذا الغموض حاضرا بالرغم من الأسس التي يبثها ويشكلها المؤول، وتتجلى بشكل لافت في نهاية النص. ومن منطلقات أو أسس التأويل فعل المراودة، حيث يقوم دائما بعمليات فحص متكرر للمكان أو للنص، ففي تكرار البحث والتأمل محاولة للوصول إلى دليل، أو إلى مدخل يؤسس وجودا لفهم أو لتأويل جديد. ويكشف عن هذه المراودة بالمعنى الفني الانشغال بالموضوع، وقد ظلّ التساؤل المتكرّر على مسافات متباعدة في النص الروائي (هل انتحر الناطور؟) يمثل حضورا متكررا، وشغفا خاصا بجزئيات الموضوع الخاص بالتأويل، وكأنه انتباه دائم إلى تقليب الحكاية على جميع وجوهها دون اعتساف. ويتماس أو يتجاوب مع فعل المراودة التعامل مع المكوّن التأويلي بهدوء دون عنف، لأن العنف في العمليات التأويلية قد يؤدي إلى نتائج غير جيدة، قد تقتل روح الفن، وتغلق منافذ البوح والعطاء التدريجي في تأسيس تأويل جديد، ينهض على أنقاض تأويلات ماضية قديمة، يقول النص على لسان السارد (وكان من عادتي أن أحرك في ذهنه الأفكار، فلا أبدي له عناية كبيرة بما يقول... فأخشى ما كنت أخشاه أن يتفطّن إلى اهتمامي البالغ بما يقول، فينفر مني). فالتأويل فعل يدرك لحظات الكشف والبوح، ويدرك- أيضا- لحظات الصمت التي تتولّد على مسافات متباعدة، فتتطلب أو تستدعي حركة جديدة، أو توجها مغايرا. تقوم الفرضية التأويلية على نقض تأويل سابق، وتثبيت تأويل جديد، في ظل جدل فرضيتي الانتحار أو القتل، فيبدأ النص من خلال المراقب أو السارد في الاتكاء على مرشدات لدحض وتفتيت فرضية الانتحار، ويراكم أشياء مباينة، منها محبته للحياة، فمن خلال معاينة حياته، من خلال البنية النصية، يتوجه إلى زحزحة الخطاب الرسمي (الانتحار)، وإسدال مشروعية مبدئية لفعل (القتل)، يقول النص (كنت أفكّر في تعلقه بالحياة، رغم الحرمان، وقلّة ذات اليد، فأجد الجواب عنده، في أقواله وأعماله ونمط عيشه، فهو يعيش على هوى البحر). ومن المعرفة الشخصية التي تنفي فعل الانتحار- حيث يمكن أن تشكّل انحيازا- يتوجّه المنحى التأويلي إلى جزئيات مادية في مسرح الحدث، يمثل وجودها بداية لتأسيس النفي المبني على أدلة جزئية، حين يقول (واستغربت أن يكون الناطور قد شرب قارورة فودكا، فقد كانت قنينة فارغة منها ملقاة على الأرضية.. الناطور لا يشرب الفودكا ولا الويسكي). وتتجاوب مع العلامة السابقة علامات أخرى في تأسيس تأويله أو تفسيره للحادثة، في الانتباه إلى الأثر أو الطروس، مثل أثر الحذاء على الأرضية، الحذاء الكبير من نوع البرودكان، حيث يبدو واضحا، ثم يقلّ أثر انطباعه على الأرضية بالتدريج. وفي ظل التنبه إلى أسانيد النفي المادية، يتولد بفعل الحركة الذهنية والتذكر، انبناء لأحداث ماضية تسهم في نمو التأويل الجديد المضاد للرسمي، وذلك من خلال تذكر حوارهما، والإشارة إلى مركب (البية)، أو إلى صاحب المركب باسمه (حمادي الريس) أو بكنيته (ولد البرانية). ويأتي كل ذلك التذكر مندمجا آنيا مع مظاهر التحول في القرية من ذوبان نسق وظهور نسق جديد. التأويل في النص الروائي أشبه بعملية تحرّ واستكشاف، فهناك مداخل تصلح في تأسيس مشروعية الشك، ومداخل أخرى قد تؤسس بداية للحركة الجديدة، لكنها في النهاية لا تفضي بمفردها إلى النهاية المأمولة، فيتم الانتقال إلى مدخل جديد. والمدخل الأكثر نجاعة بعد استعراض المداخل الذاتية الجزئية السابقة أو علامات الأثر والطروس، يتمثل في الصور التي كان الناطور يقوم بالتقاطها، ويخزنها البطل في جهازه. فإذا كانت الأدلة أو الأسانيد السابقة توجّه نحو مشروعية التأويل (القتل)، فإن الصور يمكن أن تكون دامغة من وجهة نظر النص الروائي، لأنه يتعامل معها على أنها رسالة مشفرة من الناطور، والتأويل في ظل ذلك أخذ وعطاء، وانتباه إلى الرسائل التي يمررها النص بأساليبه المعروفة. تأتي دراسة الصور، والاشتغال عليها من خلال المحو والانتقاء، وترتيبها حسب التاريخ والموضوع، ثم العدول عن ذلك، وترتيبها مرة أخرى حسب المراكب والسفن من جهة، وحسب الوجوه من جهة أخرى، وسيلة دامغة على تأسيس فعل القتل والتأويل الجديد، وتقاطع الصور مع الأدلة الجزئية السابقة، حيث يظهر الشخص صاحب حذاء البرودكان، فيتجاوب مع الأثر المنطبع في مسرح الحدث، وذلك في اكتشافه لوجود الناطور، والإشارة إليه، والتيقن من خطورة فعله في تصويرهم أثناء قيامهم بأفعال التهريب الخارجة عن القانون. لكن كل ذلك في نهاية النص الروائي يحدث له نوع من التغييب أقرب إلى التعمد، فالناطور قد ذهب، منتحرا أو مقتولا، ليس هناك فرق، فالأهمية للنص تتمثل في العناية بصناعة وصياغة مكوّن تأويلي عام كاشف عن طبقة زمنية، لا تكفّ عن الإشارة إلى السابق، والارتباط باللاحق.