عادل ضرغام

قلق الهوية والخروج من البشري في مارستان الأقنعة لأنيس الرافعي

غلاف كتاب  قلق الهوية والخروج من البشري   في  مارستان الأقنعة لأنيس الرافعي
قلق الهوية والخروج من البشري في مارستان الأقنعة لأنيس الرافعي عادل ضرغام في قصص (مارستان الأقنعة إعادة اختراع البهلوان) لأنيس الرافعي محاولة لخلخلة الحدّ الفاصل بين الحقيقي والزائف، وإعطاء هذا الزائف قيمة، فعودة أو خروج البهلوانات إلى الصورة الآدمية الحقيقية بعد نزع الأقنعة، تأتي مصحوبة بالحزن، لأن حالة البهلوان وتقنّعه يمنحانه نوعا من الانعتاق والحرية، وخروجا من الواقعي الذي يأنف منه، فالواقعي باب إلى التحلل والنهاية، في مقابل البهلوان الذي تفتح له أبواب الديمومة والأبدية، والتكرار في أشكال وفصائل ووسائط جديدة. الخروج من البشري وما يرتبط به من زمنية ومحدودية انفتاح على الأبدي واللانهائي المتكرر دائما في طبقات جديدة. قيمة المجموعة تتمثل في ارتباطها بمنحى عام يجمع شتاتها، ويشكل البؤرة أو الدائرة الأولي التي تتوزّع إلى دوائر متكررة لا تكف عن التوالد والانشطار. فالمنحى العام يوجه نحو تلق مغاير، ويمنح الفكرة نوعا من الصلابة، بالرغم من اختلاف وتعدد مآلات أبطالها الكاشفة عنها. والفكرة لا تنفصل عن الشخصيات أو صور البهلوان بالإلحاح على دائرية الزمن من جانب، وعلى التمدد والاستمرار في التوالد من جانب آخر، حيث يتسع مفهوم كلمة البهلوان ليصبح موازيا للوجود البشري أو الإنساني في تقلبات أحواله وأشكاله، وامتداد طبقاته التي تأخذ في كل مرة شكلا وتجليا مغايرين. فالبهلوان في القصص كيان يتعاظم على المحدودية الوجودية في اندراجها داخل حدود الزمن الطبيعي المرتبط بالبداية والنهاية، لتصبح معه كل نهاية بداية جديدة. الكتابة القصصية- بالرغم من ذلك- تنطلق من الواقع، وتصبح وثيقة الصلة به، لكنها لا تدخل إليه بشكل مباشر، فهي تؤسس وجوده من مدخل جانبي أقرب إلى المدخل المتروك أو المهدّم. والقارئ- بسبب عناوين أعماله، وربما بسبب تلقيه لأعمال الكاتب السابقة المنفتحة على مساحة زلقة بين الواقع والمتخيل، وهدم الجدار الفاصل بينهما بآليات عديدة- يظلّ يقظا حاضر الانتباه لمعاينة النقلة العجائبية الخيالية التي لا تؤسس انفصالا عن الواقع بقدر ما تؤكد ارتباطها به. فقيمة الأعمال الأدبية المهمومة برصد النقلة أو التحوّل، أو مساحة الريب بين الواقعي والخيالي، تتجلّى في القدرة على تأسيس ارتباط قوي بالواقع، حتى في لحظة تفلّتها منه، وخروجها عنه. التحوّل من الواقعي إلى الخيالي أو من الحقيقي إلى العجائبي يحدث في قصص المجموعة بهدوء ودون جلبة، ويظلّ دائم الإشارة والحضور داخل مساحة الواقع، خاصة إذا كان هذا التحوّل لا يتمّ بشكل حاد وقطعي، بل بشكل تدريجي يهدهد إنكار القارئ، ويعمل على تجذير القبول بهذا التحوّل والاقتناع به. فكثير من قصص المجموعة تشتغل على الحقيقي والزائف، وتخلخل انفصالهما من خلال المساواة بينهما، والتشكيك في الحقيقي مقابل الزائف، لخلق أهمية موازية لهذا الزائف. وفي ظل ذلك تتوجّه بعض القصص إلى تذويب الهوية الفردية والشك في نصاعتها وثباتها، لتحويلها إلى هوية منفتحة هجينة غير نهائية، مما يفتح الباب لوجود هويات عديدة للذات نفسها، وكأن هذه القصص تشتغل على تهشيم الفرادة الهوياتية، وتنفي محدوديتها، وتؤسس نوعا من التعدد. فالأقنعة في النصوص تصبح جزءا من الوجه الحقيقي، ويصبح هناك وجهان، أحدهما حقيقي واقعي مغيّب، لأن القناع الذي التهم البشرة الحية، وتداخل مع لحمها وجزئياتها، يمثل هوية جديدة، أصبح لها الحضور الفاعل، وعملت في إطار ذلك على تعطيل الحقيقي وإخفائه، ليطل مكانه وجه يثبّت حدوده بشكل تدريجي. وفي كل ذلك هدم لفكرتي الحقيقي والثبات. تعدد الأقنعة وقلق الهوية القناع تغييب للإنسان ولواقعه، ولشبكة علاقاته، ويتساوق مع استخدامه في قصص المجموعة الخروج عن المنطق الإنساني من خلال الآليات السردية المعهودة، مثل الحلم أو تيار الوعي أو الآليات الشامانية للتحوّل من سياق إلى سياق. والتحوّل الذي تمارسه القصص يتعلق غالبا بوجه الإنسان الكاشف الأساسي عن هوية محددة، وهذا يجعل القلق الهوياتي حاضرا، ويجعل فكرة الانتقاص من الآني الواقعي مهيمنة في جزئيات ليست قليلة. فالاتكاء على منهجية (بوتيرو) في الرسم أو النحت يوجهنا نحو هذا الأفق التغريبي الانتقاصي، لأنه لا يقدم جزئيات الواقع- أو الشخصيات الإنسانية- كما هي، بل يرصدها انطلاقا من رؤيته ووعيه. ففي إبداعه كشف عن جسد الإنسان بأسلوب كاريكاتيري، وكأنه نوع من التعرية للهوية المكتملة المستقرة. المتأمل لهذه اللوحات الضخمة مستديرة الشكل للجسد الإنساني أو منحوتاته سواء للجنرالات أو للأساقفة أو للبغايا أو للشخصيات العادية مثل ربّات البيوت، يدرك أن هناك توجها انتقاصيا، لا يخلو من التشويه الفني للإيمان والقناعة بالهوية المكتملة، ولا يخلو في الآن ذاته من الشفقة. والشفقة هنا في قصص المجموعة ليست وثيقة الصلة بالسياق السردي للجزئيات التي تتوجّه إليها في كل قصة، بل يتجلّى الأمر أكثر تعقيدا في كل مرة، وذلك من خلال انغماس السارد في تجليات التحوّل على تنوّعها، وكأن السرد يوجهنا نحو الوجود المنقوص في حريته للإنسان، فهو لا يملك ترف الخروج من سياقه أو الثورة ضده أو عليه، فيكتفي بالانضواء داخله متأثرا بغياب القدرة والفاعلية. اختيار منهجية بوتيرو في الرسم والنحت، في قصة (هلوسات متجر ماوكلي) اختيار للانزواء داخل هوية بديلة، تستجيب للمتغيرات المحيطة بالفرد من جانب، وتحمل توجها فنيا للكشف والتعرية من خلال فعل التشويه الذي يمارسه ذلك الفنان من جانب آخر. فالبدانة المكتنزة وقصر القامة في مقابل الأيدي النحيفة والرفيعة في البهلوانات السبعة تشير إلى فقدان الاتساق والاستواء والهدوء الكاشف عن القلق الهوياتي الذي يتجلى في حركة السارد الفعلي في النص. حركة السرد في معظم قصص المجموعة تمثل تعرية للاتساق المزعوم، وطريقا للانخراط داخل الإطار البهلواني المقنّع في كل قصة، فكأن الوجود الراسخ المزعوم وجود زائف، يغضّ الطرف عن التحويرات القلقة التي تصيبه دون أن يستجيب لها. تأتي الاستجابة في القصص منطلقة من التأمل ومداومة النظر إلى شبيه يخايلها على البعد، ومن خلال التأمل يعاين الانحراف عن الشكل الذي تمّ التواطؤ حول ثباته واستقراره. فالهوس أو مداوامة تأمل البهلوانات السبعة على الحائط، هوس بمعاينة القلق أو التغيير الذي يؤدي إلى استجابة واحتذاء في الحركة والتوجّه. من خلال فعل التخيّل أو التوهّم الذي يورّطه في المشابهة، يتولّد الدخول إلى النسق الجديد مع البهلوانات العديدة، حيث تكشف عن تحلل نسق القديم المزعوم، يقول النص (بهلوانات غفيرة مخبوءة كما يجب بين طيّات أعماقي المنشطرة، خرجت ربما من مجرى السخط المتفجّر بالدرك الأسفل من قلبي مثل عين ماء جامحة). يشير النص السردي في جزئيات كثيرة إلى فكرة الاتزان بعد الخروج من نسق إلى نسق جديد، نسق زمني محدود بالنهاية إلى نسق أبدي دائري لا ينتهي، بل يتوالد بشكل مستمر، وفي انفتاح دائم على هويات متغايرة في كل طبقة، فالانعتاق من سلطة الزمن انعتاق من النهاية المحتومة، وتوق إلى الأبدي المستمر، ولهذا نجد النص يقول في نهاية القصة، مصورا هذا التوالد والتمدد الخارق للمحدودية والزمنية (استرجعت من جوف ورق التغليف حيوات باطنية سابقة أو قادمة، وكشفت الحجاب عن أفكارها ومكنوناتها. صنعت في غمرة الرقص الممسوس نسخا عديدة من جسمي). وتأخذ هذه الفكرة حيّزا واضحا كاشفا عن حضور خاص ولافت في قصّة (قاموس الآلات الأدبية الخيالية)، حيث يلحّ البهلوان فيها بوصفه وجودا متكررا في أزمنة مختلفة، فالبهلوان- مثل الإنسان في المنطق الخيالي للنصوص- يتناسخ بشكل دائم، بلا بداية أو نهاية، فهناك وجود دائري لا ينتهي في مرحلة إلا ليبدأ مرحلة جديدة وفق تشكّل جديد. فالحركة بين الدولابين اللذين يشكلان الآلة، ويمثلان الحياة والموت في حركة مستمرة، قد تنتج مسخا أو قزما، أو شبحا لا مرئيا، أو مخلوقا بهوية جديدة، لا يستطيع التعرّف على نفسه في طبقته أو في وجوده السابق. والتغيير في الهيئة والشكل بين المتجلي للذات في كل طبقة، يتجاوب معه تغيير في البيئة أو المكان الذي يستعيد وجوده فيه بعد قياماته المتعددة، أو في الوسيط البديل، مثل الحيوانات الوضيعة، كالجرذ والجربوع والصرصور. وتبدو حدّة القلق بين الفرد وسياقه أو هويته تامة الوضوح في قصة (متحف السيمولاكر)، وتصبح القصة حفرا وانتقاصا، وتشويها لكل الكيانات الثابتة شكليا، ولكل الهويات التي يبدو التواطؤ حولها مستقرّا، خاصة حين يضاف إليها كلمة (الوطني)، فتنمو الدلالة من منحى ذاتي إلى منحى عام جمعي، فدلالة السيمولاكر مشدودة إلى الزائف وغير الحقيقي. ما يقدمه النص السردي يتمثل في الخلخلة المتعمدة بين الأصل والصورة، أو بين الحقيقي والزائف، فكلاهما- على نحو ما فعل إيكو في إعطاء قيمة خاصة للزائف والمقلّد- وجود واحد وعلى الدرجة ذاتها من الموثوقية. ولكن الشيء اللافت الذي اشتغلت عليه النصوص القصصية يتمثل في اعتبار القناع طبقة جديدة، فهي لا تغطي بالتصاقها على الوجه أو الوجوه أصلا أو وجودا واقعيا حقيقيا، بل تحوّلت إلى أصل، وإلى طبقة جديدة تمثل لحظة مغايرة، القناع في ظل ذلك الفهم أو التلقي كاشف عن وجود حقيقي لاهتزازات أرواحنا وتبدلاتها من لحظة إلى لحظة أخرى، يقول النص (حينما نبدّل جوهرنا الأصلي، صافي السريرة إلى بهلوانات مستحوذة تستأثر بمصائرنا، فتعيرنا أقنعتها المحنطة، ثم تطلّ بشعوذاتها من دخيلة أرواحنا الممسوخة إلى تاريخ ذاتي للقبح). القناع الخاص بالبهلوان كشف عن التشوّه الداخلي لذواتنا، وتؤسس الكتابة القصصية في هذه المجموعة من خلال العناية بالأقنعة والبهلوانات مساحة من المساواة أو التوازي بين الوجه الواقعي والقناع، فيها تتساوق الفكرة المعرفية المهيمنة في نظرية ما بعد الحداثة بنفي الأصل الخالص، حيث يكتسب الزائف وجودا حقيقيا، يفقد معه الأصل الواقعي الكثير من مركزيته وهيمنته. ويظل الصراع بينهما حاضرا، كما يتجلّى في قصة (تنويعات على أقنعة اليرقات) التي تسرد عن البهلوان الذي لم يكشف عن وجهه بعد انتهاء العرض، لأن القناع تحوّل إلى وجه مساو للوجه الحقيقي، في إشارة إلى تغيرات الداخل الباطني واهتزازات الروح. تغييرات الأقنعة جزء أساس من اللعبة السردية، في اتحادها بالمنحى الفكري المعبر عن الطبقة ولحظتها الزمنية، في حدود صورة البهلوان المختارة. فالبهلوان بأقنعته تعاظم على المحدودية الوجودية بالامتداد والتشكّل في صور وأشكال قناعية تناسب الفترة أو الطبقة الزمنية. في قصة (الحمار النطّاط)- وهي جزء من نص تنويعات على أقنعة اليرقات- نجد أن هناك قناعا استشرافيا، لديه القدرة على الحركة والقفز من مكان إلى مكان، وقد تمّ طلاؤه بالأسود، ويعرف لغة البشر للتواصل معهم. وهو بهذا التأطير والتوجيه السردي مناسب للحظة الزمنية في منتصف الألفية الثالثة للحرب الأهلية. القناع في بعض الجزئيات الأخرى من هذه القصة يتحوّل إلى جزء حي، له القدرة أن ينمو ويتكاثر ذاتيا بعد اجتثاثه أو هروبه بعد عملية البتر الذاتي. ففي جزئية (البتر الذاتي) نجد أن الجزء المبتور المبتور المتبقي من البهلوان (ماوكلي) يستطيع أن ينمو، ويتوالد ذاتيا، ويستعيد كامل هيئته السابقة قبل فراره. وبهذا التصور يصبح البهلوان فكرة ذات وظيفة، تتطلب وجوده الحتمي بأشكال تتجدد تلقائيا في سياقاتها المختلفة. وإذا كان التوالد والامتداد اللانهائي في تشكيل طبقة جديدة من البهلوان في النص السابق قد تأسس في إطار الانقسام أو التوالد الذاتي، فإنه في قصص أخرى يأتي التوالد من خلال الانتقال من بهلوان آني إلى بهلوان في طور التجهيز، خاصة أن البهلوان في نص (الشيطان ذو الجناحين المشارك في مسرحيتين لنفس المؤلف) لا يخلو من قدرة على الحركة والانتقال من جسد إلى جسد آخر. ويكشف النص من خلال ازدواجية القيام بدورين في عرضين للبهلوان عن نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، أو عن نهاية صورة للبهلوان، تردفها وتتولد منها صورة جديدة. وفي كلتيهما لا تنفصل عن القناع وفاعليته، ففي الأولى يحضر حضورا كليا، ووجوده ملموس، وفي الثانية يتمّ الاستعاضة بشخصيات تشير وتدلّ عليه. وهذا الاختلاف يمنح النص دلالة تكوينية خاصة، تختلف باختلاف درجة ظهور الشيطان أو اختفائه وبقاء أثره، فهل تلمح القصة من خلال قناع الشيطان الجديد المتواري إلى حالة جديدة من الشر، وإلى صورة جديدة من البهلوانات، يتأسس وجودها على نواة الشر أو الشيطان في تجسّدها وتشكيلها الجديد؟ خاصة حين نعاين عملية الانتقال من بهلوان إلى آخر في النص القصصي، يقول النص مصوّرا هذا التنقل بعد فعل التصادم بين البهلوان الذي يتقنع بالشيطان ورجل الشارع العادي (لكن قبل أن يلفظ الشيطان (هولاند) أنفاسه الأخيرة، وتمسي عيناه فارغتين كصحراء موحشة من مادة الجبص، انتبه بعض الفضوليين إلى هالة السواد الناصعة، الشبيهة بالقطران، تلك التي خرجت من جسده على شاكلة زفرة الروح بالضبط، ثمّ انسلت إلى جسد رجل الشارع العمومي الذي عاد إلى الحياة). القناع في قصص المجموعة، في تشكيله للبهلوان أو في إعادة تشكيله يخرج من ماديته، ويصبح كائنا حيّا، يكشف عن أفكار مهمة تتعاظم على محدودية الوجود الإنساني، وأفقه المغلق بالنهاية أو الموت أو التلاشي، ليرتبط بدائرية وأبدية الزمن، تتجلى في فعل التوالد المستمر. وفي توالده وتكرار هيئاته يشتغل على الهوية المغلقة، ويخلخلها ويجعلها هوية تعاني من الهجنة، ومنفتحة على الحذف والإضافة، وعلى تعالقها بالسابق واللاحق. فقناع الشر- أو الشيطان كما رأينا سابقا- يمكن أن يكون مجسّدا واضحا، ويمكن أن يكون في طبقة تالية غائبا غير ملموس، لكنه يتجلى ذا تأثير وفاعلية من خلال تلمّس آثاره. التحوّل المتدرج والحضور المعرفي هناك في النصوص القصصية آلية في عملية تحويل الواقعي إلى خيالي، فالملاحظ في أغلب قصص المجموعة أن الانتقال من الواقعي إلى الخيالي، يتم بشكل تدريجي لا يفصح عن قطع أو بتر قد ينكرهما المتلقي. هذا التدرّج في عملية التجهيز لقبول النقلة، وإضفاء نوع من المشروعية على حدث يباين المنطق الطبيعي للأشياء. فالمجسّم المصغر لمدينة ملاهٍ، وسكّانها من البهلوانات المجهزة بالبطاريات، يتعرض لحالات وانتقالات تدريجية تبدأ بالنمو الذي يلفت النظر. فهذه المرحلة توقعنا في مرحلة الريب التالية، لتأتي بعدها مرحلة الهيمنة والاستبدال، يقول نص (حقيبة الأبدية) راصدا هذه المرحلة، ومُدخلا السارد نفسه في إطارها (في اليوم التالي نظرت من شرفة الشقة، فشاهدت ما جمّد الماء في ركبتيّ. فالمدينة الحقيقية انمحت تماما، واستبدلت بها مدينة المجسمات الملونة). بعد هذه المرحلة المهيمنة يحدث الانتقال، ويصبح السارد نفسه داخل اللعبة السردية، وكأن هذه السردية تتساوق مع سرديات ما بعد الحداثة التي تذيب الحدود بين العوالم. فقد حيّته جموع المهرجين والبهلوانات كما لو كان كبيرهم. يبدأ القارئ للنص بعد ذلك في معاينة العالم الجديد الذي يظلّ على علاقة بالعالم الماضي، ولا يكفّ عن إحداث نوع من التوزاي والتناظر معه. الجديد في العالم السردي لأنيس الرافعي- فضلا عن ثقافته المنفتحة على كل التوجهات الثقافية- أن عوالمه المفارقة أو العجائبية، تظلّ وثيقة الصلة بالعالم الواقعي، فالإشارة إلى مسرح (النو) الياباني- وكذلك إلى أفلام المانجا الأسطورية- تكشف عن أن البشر في العالم الواقعي، قد تحولوا إلى بهلوانات أو مهرجين يرتدون أقنعة، فليس هناك يقين أو وضوح في الصورة التي نراها. الخروج من الواقعي إلى الخيالي لم يكن فعلا فارغا من الدلالة، وإنما كان تعرية لفعل التقنّع الذي يمارسه الجميع، فرؤية أناس ماتوا، حضر السارد جنازتهم بشكل شخصي بالإضافة إلى عدم دهشته من وجودهم في مدينة المجسّم بملاهيها وبهلواناتها، وقتلهم للقطط السمينة، ربما تكون إشارة إلى سيادة نسق لا يغيب بغياب ممثليه، فهناك حضور لممثليين يقومون بالوظيفة ذاتها، ومن ثم يتأسس دوره في تكريس التشابه، وزحزحة الاختلاف لصالح فاعليته وحضوره. التدرّج في التحوّل أو الانتقال من عالم إلى عالم آخر في قصص هذه المجموعة يرتبط بمراحل أو انتقالات شبيهة بالحركات الانتقالية الوظيفية الكاشفة عن تداخل سياق في سياق، أو لتوطين العجائبي على نحو تدريجي. ففي قصة (هلوسات متجر ماوكلي) نجد أن التدرج حاضرا من بداية تأثر السارد بالمشابهة من خلال معاينة وملاحظة التغييرات التي لحقت بجسمه في مشابهته للرسوم المستوحاة من لوحات (بوتيرو)، ثم تأتي المرحلة الثانية في الانخراط في الفعل المتخيل المشدود إلى الرقص من السارد، في مشابهته للبهلوانات السبعة في لوحة بوتيرو التي تشكل ورق الحائط، وكأن هذا الانخراط خطوة نحو فعل الانتقال من الواقع إلى العجائبي، مما يؤسس للخروج من البشري، وما يعتور وجوده من زمنية. فالانعتاق من الواقع انعتاق من الزمن. يتحوّل الزمن- والحال تلك- إلى زمن دائري، يدرك من خلاله السارد/ البهلوان الأحداث السابقة التي لم يرها، واللاحقة التي لم تحدث بعد، حين يغادر طبقته وآدميته ملتحما بطبقة جديدة، ويصبح البهلوان الثامن في لوحة بوتيرو. إن آلية التدرّج في رصد التحوّل والانطلاق من سياق إلى سياق، لها علاقة بعملية التلقي والتجهيز للإدراك والوعي بالعوالم التي تصنعها وتشكلها السردية القصصية. وليس هناك في ذلك السياق أفضل من المعرفة الخاصة، باستحضار نصوص أو شخصيات أدبية فاعلة، تسهم في تهيئة الذهن، للتوجه نحو الفكرة، أو نحو التأطير لوجودها من الناحية الأسلوبية، أو من الناحية التصويرية، لأن المعرفة بورودها في النص السردي تؤطر سياقا جاهزا بالدلالة والفكرة، بالرغم من أن الكتابة الجديدة، تعمل على تطوير أو تخصيب حضور القديم، ولكن يظل هذا الحضور المعرفي- أو حتى المعلوماتي- مهما في التوجيه والكشف عن حركة المعنى أو الدلالة النامية في النص. يستند أنيس الرافعي في كتابة القصة القصيرة إلى معرفة واسعة بالآداب العربية والأجنبية، وقد مكنّه هذا من التوسع في هذا الفن، وخلق أساليب كتابية ليست مألوفة لدى كثيرين من الكتّاب، بل يمكن الإشارة إلى أنه استطاع أن يطوّر من خلال التجريب أشكالا قصصية ليست مشدودة إلى المتراكم الإبداعي الجاهز، وقد ساعدته هذه المعرفة الأدبية في تأسيس توجه إبداعي في الكتابة القصصية له فرادته وتميّزه. فهو لا يكتفي بإدراج هذه المعرفة داخل نصوصه، والوقوف بها عند حدود الرصد المعلوماتي، بل يحيلها إلى معرفة، حيث تصبح جزءا من نسيج النص وتكويناته. في (متحف السيمولاكر) نجد النص يرصد حالة الدهشة التي تجعل السارد يتابع حركته داخل هذا المتحف الغريب الذي يقوم بعمل صور مزيفة للبشر، يقول النص لتأسيس توجه ما في التلقي، أو لتقريب الحالة المصوّرة (وجدتني أتعقّب كالمسرنم تماما أرنبا آليا أبيض، ناطقا بلغات شتى، شبيها بأرنب أليس في بلاد العجائب). يشير النص إلى أرنب (أليس في بلاد العجائب) الذي يظهر في الفصل الأول من الرواية، وهو يسرع متمتما (يا إلهي! ياإلهي! لقد تأخرت)، وكأنه يوازي في النص السردي بين السارد البطل وشخصية أليس في الرواية، فكلاهما يتحرّك في إطار الفضول، وطلب المعرفة الناتجة عن الدهشة، على اختلاف أدوات تشكّلها في كل عمل منهما، ليصبح الأرنب في النصين المدخل إلى معاينة المغامرات العجائبية. فالرصد أو الوعي المعلوماتي تحوّل إلى معرفة نصية، حيث غدت جزءا من النسيج السردي، وسبيلا لبناء المنحى الفكري أو المعرفي في القصة. وقد يمتدّ هذا المنحى المعرفي في إطار جزئيات متجاوبة مع الفكرة الأساسية للقصة أو للقصص، مثل إشارته في القصة ذاتها إلى (كهف أفلاطون الأسطوري) للتدليل على الظلال الغريبة والمرعبة لهيئات وأشكال البهلوانات التي ترسمها الأضواء والليزر على الجدران الداخلية للمتحف. إن كهف أفلاطون الأسطوري يشير إليه في كتابه (الجمهورية) لشرح نظريته في المعرفة، حيث هناك أناس مقيدون منذ الولادة، يدركون العالم من خلال ظلال الأشياء، بسبب نار خلفهم، فالعالم في منطق أفلاطون ظاهري وحقيقي، والحقيقي يتمثل فيما تعرضه الظلال، ويقع خارج الكهف. وقصص أنيس الرافعي- باستحضار هذه الفكرة- تفكك المستقر، وتخلخل حيواتنا، فما نعيشه- في منطقها ومنطق أفلاطون- ليس حقيقيا، فالحقيقي يتمثل في التمدد والاستمرار، وفي التشكّل المستمر دون نهاية محتومة. يقول النص مصوّرا وصول السارد إلى صورته أو أيقونته التي تحمل من خلال الظلال السوداء والبيضاء تاريخه السابق، و تاريخه القادم الذي لم يحدث بعد، ولا يزال في طيّ الغيب (بل أكثر من ذلك، تلاحقت أمام رؤيتي أشرطة بنفس اللونين الأبيض والأسود، تتذكّر ماضيا لم يحدث بعد، وهو على الأرجح مقتطع من معيشي القادم ومستقبل أيامي). المعرفة في السرد القصصي في هذه المجموعة تتخلله، وتصبح ذات أهمية بالغة في تأطير الإطار المعرفي والتوجّه الفكري، وتوجيه القارئ نحو تلق خاص، بصناعة إشارات دالة تنثرها على مسافات متباعدة من النص. في قصة (المقامة البهلوانية) يبدو الاشتغال على التعدد والاستمرار بشكل مغاير في كل طبقة أو فترة حاضرا. فالراوي المحتال الذي يحدث المتفرجين الحاضرين بعشرة أقنعة، وعشرة أصوات، وعشرة ألسنة يسلم قياده والمقامة أو الحكاية إلى بطل مطلق بصوت ولسان وقناع واحد، وكأن النص- هنا- يوجّه نحو بداية مرحلة أو طبقة من الطبقات العديدة، تضاف إلى الطبقات العشر السابقة، حيث تأخذ هذه الطبقة منحى جديدا، وتزرع في سياق جديد. يدخلنا النص إلى الطبقة الجديدة من خلال التحام البطل بسياق الحيتان وزفرتها الأخيرة قبل الموت، حيث يصبح واحدا منها في تنقلاته العديدة، وتشكلاته المختلفة في كل طبقة، ويظلّ بعد نفوقها يقصّ سرديتها، ويكمل الحكاية كاشفا عن طبقة ذات خصوصية تدرج وتضاف إلى الطبقات العشر السابقة الحافلة بتاريخ الروح الكاشفة عن الديمومة والوجود الدائري اللانهائي. ما يلفت النظر في قصة المقامة البهلوانية في الإطار ذاته، إشارته إلى سيمفونية (القداس الأخير) لموتسارت، حيث بدأ في تأليفها حين شعر بدنو أجله، لكنه مات قبل أن يكملها، فأكملها فرانز خافير سوسماير، وكأن طبقة الروح الجديدة للبطل مع الحيتان موازية للتمدد والتوالد الإنساني. والإشارة هنا تعزز المنحى الفكري، وتوجّه عملية الاقتراب من النص، وتنبّهه إلى التوالد المستمر دون نهاية بالرغم من اختلاف الوسيط الحامل للروح، يقول النص (لا أدري لم أحسست لحظتها بأن طبائعها من طبائعي، وبأن قدرها شطر من أقداري). تتكرر هذه الجزئيات المعرفية في نصوص كثيرة من القصص، منها- على سبيل المثال- الإشارة إلى طائر (القطرس) في تواز مع لاعب السيرك الذي يؤدي وصاحبته لعبة الترابيز، فكلاهما- اللاعب والطائر- يستمر طائرا لوقت طويل، فهذا الطائر يقضي معظم حياته في الهواء، ولا ينزل إلى اليابسة إلا للتزاوج. أو الإشارة في القصة ذاتها إلى رواية (موعد في سامراء) لجون أوهارا، أو لقصة سومرست موغام القصيرة، أو إلى أصولها العربية، وكلها تشير إلى حتمية الموت، وإلى أفق الإنسان المغلق بالنهاية المحتومة.