أحمد شمس الدين الحجّاجي المشروع النقدي والدوائر المتداخلة
أحمد شمس الدين الحجّاجي
المشروع النقدي والدوائر المتداخلة
عادل ضرغام
يعدّ أحمد شمس الدين الحجّاجي ناقدا ومفكّرا وفنّانا، له إسهامات مهمة جدا في مجال السيرة الشعبية والأسطورة والمسرح، والتأسيس لكل ذلك بشكل وأسلوب خاص في الأدب العربي، وجعله هذا الاهتمام المرجعي مغايرا في تناوله للرواية العربية استنادا إلى ذلك المنزع الذي يتوزّع إلى اهتمامات عديدة. ومنجزه في الدراسة النقدية يتأسس حول مرتكزات ثابتة، تولّد دوائر متداخلة، يتمثل المرتكز الأول في الأسطورة، والمرتكز الثاني في المسرح، ومع هذين المرتكزين قد يخامر المتأمل شكّ حول أيهما يأتي أولا، وأيهما يطلّ ثانيا، فهناك نوع من التناسب بين ورودهما في منجزه.
وهذان المرتكزان قد يستدعيان مرتكزا ثالثا يتمثل في طبيعة التوجه والاختيار، في اهتمامه بلحظات البداية في كل الجزئيات العلمية والنقدية التي اقترب منها، فالحجّاجي مشغول دائما بمناطق البداية غير الواضحة تمام الوضوح، لو لم يكن لدى هذا الرجل نزوع كبير نحو المعرفة، وجلد الباحث، وحدس الفنّان، ما كان لهذه المشروعات النقدية المتعانقة أن تكتمل، فهي ملتصقة دائما بالبداية التي تتشكل طبيعتها في عدم الاكتمال استنادا إلى عدم الوضوح الكامل، وربما تستند أيضا إلى طبيعة مادة الاشتغال، فمعظم هذه المادة لا تأتي على هيئة كتب بشكل كامل، وإنما هي في معظمها موزّعة في الدوريات القديمة في شكل مقالات وأبحاث.
وقد ساعده ذلك المنحى نحو بدايات كل موضوع يطرقه، إلى نتيجة لم ينتبه إليها الكثيرون في معاينة منجزه الكتابي والنقدي، فقد تمكن بطريقته وعنايته بمرحلة البدايات المشدودة دائما إلى الشعبي أن يزيل الفجوة بين الأدب الرسمي والشعبي، فقد خلق دائرة مهمة توحّدالنظرة إليهما. فقد كان في كل ما كتب يؤسس للرسمي من خلال الشعبي، بل وصل إلى فكرة مؤداها أن الجذر الأول للآداب الرسمية متأصل في الفنون والأنواع التي كان ينظر إليها على أنها شعبية. فاهتمامه بالسيرة والمسرح في الأدب العربي، جعله مدركا للبدايات الأولى للأنواع الأدبية في تراثنا، ففي رأيه أن الأنواع الحديثة- ومنها المسرح والرواية- لها أصول شعبية في تراثنا العربي.
أولى سمات مقاربة الحجّاجي تتمثل في صناعة هذه المساحة التخصصية لاشتغاله، حيث يجوّد فيها، وتنمو تدريجيا، ويصل من خلال الاشتغال عليها إلى نتائج مهمة فارقة، وهي مساحة منفتحة الدوائر، فهي تبدأ بالمسرح أو بالأسطورة أو السيرة، وتصنع من خلالها دوائر متداخلة. ويشعر القارئ أنه داخل دوائر متجاورة ومنفصلة في آن، لا يستطيع أن يحدد البداية أو النهاية، أو يحدد الدائرة الأصل والدائرة الفرع، فهو فقط يجد نفسه داخل حالة معرفية مؤسسة. ولكن بالرغم من كل ذلك يظل المسرح والأسطورة مكوّنين أساسيين في كل ما كتب، ويتماس معهما جزئية ذاتية ترتبط بالتكوين الشخصي للحجّاجي، وهي جزئية التصوّف الذي شدّته إلى فكرة الولي، وانفتاح هذه الفكرة على أسطورة التكوين أو على أسطورة النيل، خاصة في كتابه عن الطيب صالح، وفي أبحاثه التالية عن نجيب محفوظ وآخرين من الكتّاب والروائيين.
وقد أدت نزعته إلى مقاربة البدايات في كل موضوع يقترب منه، إلى انفتاح مقاربته على الفهم والتأصيل والمعرفة، فالباحث الذي يجمع عيسى وبوذا وزرادشت في سياق واحد في تأصيله لفكرته عن الأسطورة وتكوينها وعملها، ليس باحثا عاديا، وإنما هو باحث يعرف ويعي مساحات الاختلاف ومساحات التجاوب والتطابق بين هذه الشخصيات، ودور كل شخصية منها في زحزحة دلالة الأسطورة إلى مسافة جديدة من الدلالة، وتكوين السرديات المغايرة لكل أسطورة يتنوّع المصدر، فيحررها من ثباتها وقاعديتها المؤسسة لتصبح انفتاحا نصيّا.
الباحث الذي يقرأ مسخ الكائنات بلغته في هذه الفترة المبكرة باحث – بالضرورة- لديه نهم للمعرفة. فمشروع الحجّاجي مشروع معرفة، والمعرفة لديه متنوعة، أولها المعرفة بالأديان، وثانيها المعرفة بالمسرح، وآخرها المعرفة بالفلسفة، وكلها تشكّل في التحليل الأخير ضفيرة متداخلة، تتيح له وعيا مغايرا بالنصوص، لأن الأسطورة بتاريخها الدلالي المختزن، والمغاير والمختلف في كل طبقة من الطبقات، تلقي وتسلّط مساحة من الضوء، تجعل النصوص تتكشّف في شكل مغاير، وتكتسب الشخصيات في إطار هذا الضوء مدى أيقونيا يخلصها من سيولتها المعيشة، ويدمجها بصلابة المؤسس في أذهاننا، وكأنها تعيد اتصالها بماضيها المتواري في تلافيف الذاكرة الثقافية، فتغدو متجلية في مسوح قديمة وجديدة في آن.
وهناك سمة أخرى متولّدة من النزوع السابق، وهي سمة تتعلّق بالفهم. فالحجّاجي لا يكتب عن شيء إلا إذا فهمه فهما تاما، ولا يتوجه نحو فكرة إلا إذا استوثق منها واختبرها وجرّبها، وأدخلها إلى عقله ممتحنا إياها، مدركا لكل جوانبها، وتداعيات وجودها في مقاربته. وهذا قد يشدّنا إلى جزئية لافتة في كل ما كتب، حتى في بدايته الأولى. ففي كتابته يظلّ هو الموجّه لحركة المعنى، لا تقوده الاقتباسات، بل يقودها، وتصبح هذه الاقتباسات، وكأنها- في سياقها- مرشدات للفكرة التي يصنعها وتأكيد لها، فالاقتباسات لا تصنع سياقا يخلخل قدرته وسطوته، أو يذيب فكرته، ويجعلها تدخل مسارب متباينة، أو تتمدد في نتوءات خارجة عن سياق الفكرة الأساسية، بل يصنع لها الحجّاجي سياقا خاصا بها، يجعل وجودها ضروريا.
يؤيد ذلك أن اقتباسات الحجّاجي في معظم ما كتب- خاصة في كتبه أو في منجزه الأخير- قليلة، ويمكن الاستغناء عنها، لكنه يثبتها كشفا عن مسارات التكوين، وعن حركة الفكرة في تشكلّها معرفيا، وتحوّلها من حالة إلى حالة، ومن فكرة مطروحة للإثبات إلى فكرة مؤسسة بالدليل المرجعي. ففكرته في ظل ذلك الاستناد إلى الاقتباسات تتجلى محميّة ومبرّرة بالاكتشاف والنمو التدريجي داخل الإطار المعرفي الذي يصنعه بفرديته اللافتة واختياراته المقنعة، ومن ثمّ تتحول كتابته وتتشكّل كاشفة عن حضور ذاتي مهيمن في رصده للمعنى أو الدلالة الموجهة والمبنية بهدوء وروية، للوصول إلى الفهم.
وفي ظلّ هذا النزوع الخاص بالفهم في اتجاه مباين لكثير من الدارسين والباحثين الذين يحتمون بالمصطلحات الجوفاء، وكأنها وسيلة من وسائل الهروب أو تأجيل المواجهة مع النصوص، يمكن أن نبرّر ظاهرة لافتة تجلّت واضحة في كل منجز الحجّاجي. فكتبه مملوءة بالتساؤلات العديدة التي ينثرها في جزئيات محددة، فالأسئلة في كتبه تأتي وكأنها الطريق الوحيدة والمهمة للمعرفة، لأن الأسئلة تسهم في تقليب أية ظاهرة على كل جوانبها. يتجلى ذلك في كتابه عن الطيب صالح (صانع الأسطورة)، لأن شخصية (الزين) تمثل في منطقه حالة مثيرة للغرابة والدهشة، ومن ثم تتولّد الأسئلة في نقده تلقائيا للتفريق بين الولي المؤسس، والولي الذي لا يزال في طريقه إلى التأسيس، من خلال التكوين التدريجي بإزالة التناقضات، وتجهيزه للمكانة التي يستحقها.
فكل سؤال ومحاولة الإجابة عنه تؤطران جانبا من جوانب (الزين)، في إطار المشابهة المرحلية أو الاختلاف المرحلي مع (الحنين)، وفي إطار الصراع مع ممثلي اتجاه الشرّ في النص الروائي، وتصنعان عالما من عوالمه التي قد تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكن الإجابة عنها تزيل هذا التناقض أو هذا التباين. فالأسئلة التي يقدمها ويطرحها أثناء المقاربة النقدية تمثل وسيلة استيقاف، وكسر للتمدد الكتابي، ومدى للتأمل، لكي يصل إلى إجابة مقنعة له أولا بوصفها وسيلة من وسائل الإلزام الذي يستدعي وجوب إعمال العقل والتفكير، ومن ثم يطرحها في خطوة تالية على القارىء في سياق هذا الاقتناع، وكأنه يورّط القارئ معه في حتمية التفكير داخل حيّز الأسئلة التي يركّز عليها، ويموضعها داخل كتابته النقدية.
وكل ما سبق من الفهم والتساؤلات المستمرة في نقده ينفتح على رغبته الأكيدة في نقل المعرفة للقارئ، وهذا واضح في طريقته السهلة في عرض فكرته دون معاظلة، ودون محاولة لتصنّع التغريب والغموض، ولا يقدمها مجمعة دون تفصيل، بل يقف بشكل محتشد عند كل جزئية، ويكون الغرض من هذا الاحتشاد المحسوب نوعا من التوضيح والاستمالة نحو نوع من التفسير أو الإجابة عن التساؤلات. في حديثه عن مصادر الكتّاب المسرحيين في كتابه جهير الصوت الذي جاء بعنوان (الأسطورة في المسرح المصري المعاصر من 1933- 1970)، لا يتحدث عن المصدرين، نصّ (بلوتارك) ونصّ المخطوطة التي ترجمها سليم حسن، بشكل بسيط، ولا يقف عمله عند حدود الذكر أو الرصد الخاص بالتشابه، بل نجده- إمعانا في التوضيح ونقل المعرفة للقارئ- يقارن بينهما، كاشفا عن عناصر مهمة، يمكن أن تكون- من وجهة نظره- ذات جدوى إذا تنبّه إليها توفيق الحكيم في مسرحيته (إيزيس)، مثل الجزئية التي أشار إليها (بلوتارك) الخاصة بعودة أوزيريس من العالم الآخر لتدريب حورس. ففي رأيه أن هذه الجزئية لو تنبّه الحكيم إليها لتغيّرت الفكرة جذريا في المسرحية.
وفي تقديمه لأصول أو مصادر كتّاب المسرحيات، لا يكتفي بتصنيفها إلى فصائل، لكنه يُعنى بعرض محكم، يظهر من خلاله مساحات التشابه بين سرد الأسطورة في مصادرها وتجلياتها العديدة، وسرد الأسطورة في النص المسرحي. ففي مقاربته للمصادر لا يتوقف أمامها بوصفها أطرا فارغة أو جاهزة، بل بوصفها إطارات جاهزة للاشتغال والتخصيب، ومن ثمّ يتحرّك حركة مستمرة بين هذه المصادر والمسرحيات موضوع الاشتغال، لكي يقدم للمتلقي- فضلا عن مساحات التشابه والاختلاف- القوة المعرفية الممكنة المختزنة داخل هذه المصادر، وكأنه لا يفصل بين المصدر والتجلي التعبيري الذي يتمثل في المسرحيات، ويقف في إطار ذلك عند الجزئيات التي اعتمد عليها الكاتب- تجاوبا أو اختلافا مع سرد المصدر- في بناء وتشكيل نصّه، مفسّرا أسباب هذا الاختيار، ودوره في بناء فكرته داخل إطاره المعرفي في ابتعاده أو انحرافه عن المصدر أو المصادر القديمة. وقد أفادته تلك الطريقة في تلمّس اختراع من اختراعاته في مجال الأسطورة، يتمثل في تحرير الأسطورة من نسخها المكبّلة بالقدم والقداسة، ليجعلها صناعة بشرية، لها قدرة على التكرار والتجلّي في نسخ عديدة دافقة الحضور بالبشري والواقعي البسيط.
للحجّاجي قدرة لافتة على مقاربة موضوعاته، في اختراع التبويبات أو التقسيمات المنهجية المرنة في تناول أية ظاهرة، خاصة الكيفية التي تتشكّل بها الأنواع الأدبية، وهي قدرة كاشفة عن الفهم الدقيق. وهناك جزئيات عديدة يمكن أن تدلل على هذه القدرة في التبويب المنهجي في كتبه. ففي حديثه عن المسرحية الشعرية في الأدب العربي الحديث، وضع ميلاد هذا النوع وتأسيسه في حلقات متوالية، الأولى يمثلها شوقي، وأسماها (مرحلة التأصيل)، والمرحلة التالية- في منطقه- مرحلة التطوّر لفارسيها باكثير والشرقاوي، والأخيرة هي مرحلة (النضج) التي ظهرت متخلصة من أغلب العيوب على يد صلاح عبدالصبور.
هذا التقسيم يشير إلى وعي لافت، ومقدرة نادرة تستطيع أن تحلل وتستنبط الإضافات التي تؤسس لها كل مرحلة، بل وتكشف عن فكرة محورية في تأصيله للأنواع الأدبية الحديثة، وآليات استيلادها. ففي تأصيله لهذه الأنواع يركّز على قيمة السياق الثقافي المحلي، وهذا السياق- في منطقه- ليس آنيا، فالسياق مشدود إلى لحظات زمنية سابقة، ومملوء بتوجهات ثقافية وإرث إبداعي له خصوصية، يؤثران بالضرورة في تشكيل وتكييف العناصر المنقولة من ثقافات أخرى أجنبية. وهي عناصر تشكل عماد النوع الأدبي الجديد، فكلاهما- الثابت والمنقول- له قيمة في تجلّي هذه الأنواع على نحو مغاير في كل فترة زمنية، لأن هذا التجلّي يرتبط بآلية الثقافة وتلقيها لهذا المنقول، وتوزّع هذا التلقي بين النقل والتمثّل والحوار.
إن صفة الباحث الجيد تتمثل في استطاعته بالاعتماد على منطلقاته الأولى أن يظلّ- حتى قبل فورة النظريات الحديثة والمناهج وتقسيماتها ومنطلقاتها- موجودا وقادرا على الحركة، ويقدم مقاربات نقدية فارقة، تمكّنه من التواجد والتأثير في فترات وأزمنة تالية لها مناهجها الجديدة، لأن تكوينه العلمي يمكنّه من التعاظم على الجديد وآلياته الفاعلة، ويجعل منجزه مساويا وموازيا لمن يطبقون هذه المناهج من الأساتذة والباحثين، ويزيد عليهم بوضوح الرؤية والهدف وبساطة التعبير.
المتأمل لمنجزه النقدي يدرك أنه يستطيع الوصول بالاستناد إلى هذه المنطلقات الأولى التي تتولّد ذاتيا إلى النتائج ذاتها، فكأن لديه أسسا صالحة للاشتغال أسهم في بنائها أو تبنّاها، هذه الأسس تمكنّه من أن يتعاظم على معطيات الزمن الجديد واكتشافاته العلمية والنقدية. فالمتأمل للتقسيمات الثلاث يمكن أن يدرك أنها آلية قادرة على مقاربة نشأة المسرحية الشعرية، وطبقات وجودها من فترة إلى فترة، تبدأ بالنقل، ثمّ التوطين، وتُختم بالمغايرة أو الحوار والاختلاف من خلال إيجاد أو تشكيل مساحة من الاختلاف، تكشف عن الهوية الفنية لفن المسرح.
وتظهر المقدرة البحثية ذاتها في تناوله لإشكالية وجود المسرح في السياق العربي، وتفسير غيابه في التراث. وإسهامه في هذه الجزئية يمارس نوعا من الإلحاح على فكرة مهمة، ترتبط بالتفاعل بين الموروث والمجلوب. فالمأخوذ أو المنقول من الآخر- في منطقه- لن يكون مؤثرا ما لم يكن هناك تراث فاعل، يشير إلى بدايات الوجود بأشكال مختلفة، ويسهم في تجهيز السياق الحضاري، لتقبل العنصر المجلوب من سياق ثقافي آخر، لأنه لو لم يكن هناك تجهيز للسياق سيظل العنصر المجلوب دائرا في مساحة التأثر والنقل، دون وجود تربة أو جذور تسهم في تغييره أو تحويره.
في مقاربته لنشأة المسرح العربي، تطلّ هذه المراحل فاعلة في مقاربته، من خلال النقل والاستنبات والتطوّر الذي يحتوي في مضمونه على الحوار والاختلاف. فالباحث الجاد يستطيع بمداومة الاشتغال والتأمل الوصول إلى معرفة بعض الاكتشافات الحديثة، دون أن تكون مطروحة في كتابات السابقين أو مطروحة في سياقه التاريخي لدى مجايليه. يتجلى ذلك في كتابه (مولد البطل في السيرة الشعبية العربية)، ففيه نجد الحجّاجي يصل إلى مجموعة الوظائف المنوطة بالحكاية الشعبية، والمنوطة بأشكالها وببنياتها ووظائف الأطر والشخصيات التي تتكرر في كل حكاية، بأسلوب وشكل مختلف في تجلياتها عبر العصور، دون اتكاء أو استناد على المنجز البنيوي، أو على مفهوم الوظائف كما أسس له بروب في كتابه الشهير.
وثمة جزئية دامغة الدلالة على أن الحجّاجي قد يصل إلى آليات مقاربة نقدية ليست مطروحة في سياقه الزمني، بمداومة النظر والتأمل في مجال اشتغاله، دون أن يكون مستندا في مقاربته إلى الآليات المؤسسة في التناول النقدي في النظرية النقدية الغربية. يتجلّى ذلك حين يتوقف الباحث عن كتابه (الأسطورة في الأدب العربي). فالتأمل في هذا الكتاب يكشف عن أنه تعامل مع الفكرة كأنها طبقات متوالية، تعتمد على بعضها، وتتمدد مع كل طبقة، لكي تأخذ شكلا مغايرا ناميا قائما على الحوار بين السابق واللاحق. في هذا الكتاب تظهر فاعلية وجدّة مقاربته شديدة الخصوصية في التعامل مع الأسطورة، بوصفها ميلادا ممتدا، لا يقف عند فترة زمنية موغلة في القدم، فهي معطى دائم الحضور بأشكال وتجليات عديدة.
الفكرة في طبقتها الأولى التي وصلت إلينا تشير إلى أن لكل شاعر شيطانا، يقول الشعر أو يجريه على لسانه، وتشكّل هذه الفكرة التي وردت في كتب التراث والأدب، في شكل أخبار بروايات مختلفة، مساحة أو طبقة أولى لتجلّي الفكرة، ينتقل بعدها لتجلي الأسطورة في طبقة تالية، تقدم الفكرة بشكل مغاير في مقامتين لبديع الزمان الهمذاني، وهما (المقامة الأسودية)، و(المقامة الإبليسية)، وهي الفكرة التي تأخذ شكلا مغايرا في رسالة (التوابع والزوابع) لابن شهيد في طبقة ثالثة. ويتوقف الحجّاجي عند تجل رابع، يتمثل في (قصيدة الحكم بن عمرو البهراني)، ثم في طبقة أخيرة في مسرحية (مجنون ليلى). هذا التناول يفتت الثبات، ويخلخل التشكّل النهائي بقداسته المختزنة داخل الذهن، فتبدو في كل مرة، وكأنها تشكّل جديد.
التوقف عند هذا الكتاب بهذه الآلية التي تضارع النظريات الحديثة بهدوء وروية، ودون جلبة مفتعلة، يكشف عن كونه تعامل مع مجال اشتغاله الممتد معتمدا- دون أن يشير إلى ذلك- على آليات التناص في صورته الكلية الكبرى بعيدا عن التقسيم أو التفتيت اللذين يبتعدان بهذه الآلية عن فحواها وقيمتها الحقيقية. فطريقته ذات المنزع المعرفي في معاينة التشابهات والاختلافات تمثل الطريقة الأقرب للقبول في التعامل مع هذه الآلية بعيدا عن التناول القائم على التوظيف لشيء ساكن من جهة، وعلى البحث عن المصدرية من جانب آخر، وهو النمط الذي نراه شائعا غالبا في كتابات المحدثين عند تطبيقها.
وسوف يكشف التأمل- أيضا- عن أن الحجّاجي قارب المنحى الفكري بطبقاته المتوالية، دون كبير عناء بالوقوف عند النوع الأدبي، وحصره في إطار نوع إبداعي واحد. فهو يرصد طبقات تجليات الأسطورة في الأدب العربي، مشيرا إلى المتغيرات الدلالية والمناحي الفكرية التي تتولّد وتنمو في كل مرحلة وفي كل طبقة عن سابقتها. فالأمر هنا يرتبط بالدلالات التي تكتسبها الأسطورة انشدادا إلى سياق حضاري، بعيدا عن فكرة النوع وخصوصيته التكوينية المهمة، لأن مناط الاهتمام يتأسس في حركة نحو الطبقة الجديدة لتشكيل الأسطورة وتجليها.
يرصد الكتاب وجود الفكرة الجنينية العامة من خلال الروايات الواردة في كتب الأدب، ثم تجليها بشكل أكثر حضورا في المقامتين، ثم في نوع ثان هو الرسائل، وينهي حديثه عن تجليات الأسطورة بحديث مفصل عن نص الشعري لدى (البهراني)، وعن مسرحية (مجنون ليلى) لأحمد شوقي. إن العمل على النصوص على هذا النحو المتباعد، غير المشدود إلى النوع الأدبي وخصوصيته، يجعله يصل- وإن لم يشر على نحو مباشر- إلى أن الأسطورة كيان متجدد، يخلقه الإنسان، ويغيّر في سردياته، بل ويمتلك- أي الإنسان- القدرة على إعطائها الاسم المناسب لها في كل تجلّ، وكأنه بهذا الفعل يسيّج حدودها في إطار معرفي مع كل طبقة، ويعيد تشكيلها من جديد.
إن كلّ الطبقات السابقة وضعها الحجّاجي- بالرغم من التنوّع في الشكل السردي وفي النوع الأدبي- تحت مسمّى أسطورة الخلق الفني، لأنها في كل التشكلات أو الطبقات تتوجّه إلى الأخبار أو الروايات الأولى المرتبطة بتفسير العملية الإبداعية، ففكرة (القرين) تجلت في كل النصوص بشكل مختلف عن الآخر. هذا التوجه في التناول يكشف عن وعي تام بآلية الحوار البنيوي للأفكار في معناها الواسع التي تؤدي إلى التوالد المستمر للفكرة، وقدرة اللاحق على اجتراح فكرة أو أفكار السابق، دون سفسطة نراها عند كثيرين. ففي هذا التوجه انفتاح على الفكرة في كل مراحلها وطبقاتها، وفيه مراعاة لخصوصية البنية النصية في توليد الفكرة المعرفية في تجلياتها المختلفة.
ورود المنحى الأسطوري، والوصول إلى فهم دلالاته المبطّنة يؤديان إلى فهم مغاير لهذه النصوص على اختلافها وتنوّعها. فتلمّس هذه الأسطورة في مسرحية (مجنون ليلى) يؤدي إلى الوصول إلى دلالات ترتبط بالقدرة أو السطوة غير المبررة في التوجيه نحو الفعل أو الحدث، لا يكتمل إدراكها إلا باستحضار قوة عليا تسهم في تخطيط وتشكيل سردية المسرحية. وقد مكّنه ذلك التوجه في مقاربة طبقات تجلّي الأسطورة في الأدب العربي، من الوعي ببشريتها واستمرار وجودها وآلية خلقها بواسطة الإنسان المبدع، ومن جانب آخر جعله يقارب النصوص بشكل وفهم مغايرين، حيث يحفر في طبقاتها البعيدة والغائرة التي لا تظهر لأي باحث لا يستحضر هذه المعارف.
في كتابه المهم (صانع الأسطورة) عن الطيب صالح، ومن خلال وقوفه عند رواية (عرس الزين) يتجلّى استمرار التوالد الأسطوري في أزماننا المعاصرة، وتطلّ وكأن لها فاعلية موجهة لحركة الإنسان وردود أفعاله وخياراته، وذلك في اشتغاله على أسطورة (الولي) وتقلبات حياته المتناقضة التي تحتاج إلى وعي خاص لفهمها، ويطل في الكتاب ذاته تداخل هذه الأسطورة مع أسطورة النيل في منجز الطيب صالح. وقد أفاد من هذه التوجّه في دراسته عن نجيب محفوظ، وهي دراسة أضاءت جزئيات خافتة، لم يكن الوصول إليها سهلا إلا من خلال استحضار الوجود الأسطوري المتواري الخافت داخل الذهن الثقافي دون أن يشعر به أو يستحضره في أغلب الأوقات.
في كتابته النقدية من كتابه الأول حتى الأخير، لا يتورّع- ويبدو أن هذا جزء من شخصيته- عن إبداء رأيه بشكل واضح، إذا تبيّن له صواب مشروعية هذا الرأي، فمثلا في بداية كتابه عن الأسطورة (الأسطورة في المسرح المصري المعاصر 1933-1970)، نراه يقول عن كتاب (الأساطير) لأحمد كمال زكي (لقد استمده من لويس سبنس). وهذا كاشف عن سمات الحجّاجي، وقدرته على إصدار الحكم دون خوف أو وجل، حتى لو كان في بدايته، خاصة في مناقشته لآراء أساتذته المباشرين. ففي مناقشته لطريقة اشتباك سهير القلماوي مع نص (ألف ليلة وليلة)، أو ملاحظاته عن عمل عبدالحميد يونس، أو عن كتاب البطل لشكري عيّاد، ثم الإشارة إلى الدخول المباشر في الموضوع عند حديثه عن كتاب عزّ الدين إسماعيل (قضايا الإنسان في الأدب المسرحي)، كلها أشياء تكشف عن قدرته على الحكم، وقدرته على التصريح به في كتابته بشكل واضح.
كل مؤلفات الحجّاجي بلا استثناء تكشف عن كونه باحثا ينقّب دائما عن المجال الصعب، وعن الطريق الوعرة غير الممهدة، فكل مجالات اختياره واشتغاله بها حلقة أو حلقات ناقصة، وتحتاج إلى حدس وإلى جهد، وتحتاج في النهاية إلى مزاج فنّان، لديه القدرة على التخيّل. وربما يتجلّى ذلك واضحا عند تأمل كتابه (الأسطورة في المسرح المصري المعاصر)، فهناك مشاكل يمكن أن تدفع أي باحث إلى التوقف عن الاستمرار في العمل، خاصة في هذه الفترة الباكرة التي لم تكن الاكتشافات العلمية مزدهرة كما نشعر بها الآن، وكان الوصول إلى المعلومة أو الكتاب شيئا صعبا.
هذا الموضوع- الأسطورة في المسرح المصري- ومعه موضوع كتابه- الأسطورة في الأدب العربي- يحتاجان من أجل الاكتمال إلى روح وحدس فنان، وإلى التآزر مع صفات الباحث الجاد، فما قدمه الحجّاجي فيهما يجعلهما متكاملين، ففي الأول نجد الإطار المعرفي الجاد المستند إلى البحث والتنقيب والجهد الكبير، وفي الآخر يقدم لنا اكتشافاته غير المسبوقة في هذا المجال، وهي اكتشافات ناتجة عن روح الفن، وعن المداومة في التفكير في موضوعه. وبوسع أي باحث أن يقف عند هذا الكتاب (الأسطورة في الأدب العربي)، ويضيف إليه كتابه عن (مولد البطل في السيرة الشعبية العربية) لكي يبني تصوّرا شاملا وفارقا، يعتمد على البحث الجاد، وعلى الاهتداء بروح الفن للوصول إلى نتائج جديدة ولافتة.
تتبقّى جزئية تتمثل في كون اكتشافات الحجّاجي العلمية في كتاباته النقدية، لا تجعله أبدا يهمل منجز السابقين أو يقلّل منه، بل على العكس يقف عند هذا المنجز موقف المتأمل الناقد الذي يحترم أصحابه، ولديه رغبة شديدة في البناء على هذا المنجز. ففي كتابه (النقد المسرحي في مصر 1876-1923)، يقف مصنّفا ومتأملا ومعلّقا على المؤلفات التي سبقته إلى مقاربة هذا الموضوع، ومن خلال هذا التناول- متجاوبا أو معارضا- يتكشّف للقارئ المساحات والتوجهات أو المناحي التي يحاول الاقتراب منها، لكي يتمكّن من ارتيادها.