المقولات المعرفية وجدل المتن والهامش في رواية هجمة واعدة للروائي علوان السهيمي
المقولات المعرفية وجدل المتن والهامش
في رواية هجمة واعدة للروائي علوان السهيمي
عادل ضرغام
في روايته (هجمة واعدة) يشتغل الروائي السعودي علوان السهيمي على علاقة وطيدة بين كرة القدم والحياة، وهي علاقة تأسست على نحو ما، مع اهتمام أدباء أمريكا اللاتينية بهذه اللعبة بوصفها ظاهرة ثقافية ترتبط بالسياسي والاجتماعي. وقد تجلّى ذلك الاهتمام أيضا في مقالة محمود درويش عن ماردونا، حيث يرى أن كرة القدم مسرح واقعي، لتعديل موازين القوى، أو للمحافظة عليها لخلق مستوى آخر للواقع. في هذه الرواية تتماهى كرة القدم مع الحياة في منطق الصراع والهدف المتخيل. فالإنسان في صراعه مع الحياة يتوجّه نحو هدف متخيل يشكل أفق انتظار للذات، واللاعب من لحظة نزوله إلى الملعب يتخايل أمامه هدف واحد، يتمثل في النصر والوصول إلى مرمى الخصم.
ينقل هذا التماهي الذي تؤسسه الرواية بين الحياة وكرة القدم، طبيعة النظرة إليها، من نظرة تقلل من قيمتها، وتؤسسها في إطار اللعبة، إلى ظاهرة يمكن أن ندخل منها لقراءة السياقات بكل عللها وأمراضها، ومعاينة استمرار هذه العلل بأشكال مغايرة. فقد بدأ كثير من الكتّاب ينظر إليها بوصفها ظاهرة تحمل دلالات ثقافية، تستطيع أن تقدم تأريخا للطبقات، وللنقلات التراتبية القليلة من طبقة دنيا إلى طبقة أعلى، وتكشف عن أن خلخلة هذا التراتب- حتى لو أصاب في كثير من الحالات بعض النجاح في تذليل الفارق- يعيدنا في لحظات مفصلية إلى التراتب السابق.
تحاول هذه الرواية- مع كتابات أخرى سابقة- إعادة الاعتبار لتلك اللعبة، وتخرجها من هامشية النظرة، والابتعاد عن القضايا الكبرى، إلى ظاهرة ثقافية يتشارك فيها أصحاب السلطة والمال، لإيهام الجميع بمساحة من الحرية مفقودة في مجالات أخرى. في الرواية تتداخل قصص الحياة بكرة القدم، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، تكشف عن ذلك التصديرات المعرفية التي تأخذ موقعها في صدر أو بداية كل فصل، بوصفها موجّها إلى مساحات أخرى خارج النص، تنفتح على الإنساني العام، أو المقولات المعرفية التي تتسرّب داخل النص، وكأنها تحيل إلى تجارب جمعية أو ذاتية، لا تكفّ عن الإشارة إلى التماهي بين الخارج الحياتي العام إلى الداخل النصي في حدود الرواية.
في سردها لقصة شاب وحركته من الهامش إلى المتن، ثمّ عودته إلى الهامش بفعل سلطة المتن، تؤسس الرواية لتراتب مستمر، قد تحدث له زلزلة جزئية، لكنه في لحظات مفصلية يحافظ على وجوده واستمراره، ويمارس بقسوة عملية فرز للشخصيات التي تحرّكت من الهامش إلى المتن، ليؤكد على أن ما حدث لم يكن إلا خروجا جزئيا عن القاعدة للتأكيد على مشروعية وجودها واستمرارها. وفي ظل ذلك يشير النص الروائي على امتداده إلى كرة القدم على أنها محاولة تنميط وتسييج للطبقات الفقيرة في مشروعية الحلم، مع الحفاظ على التراتب الدائم الذي لا يتخلخل إلا تخلخلا جزئيا.
لا تسرد الرواية أو تسرد قصة بطل لمع وانطفأ كالبرق لذاتها، وإنما لتجعل منها نافذة على الحياة بمتنها وهامشها، وتراتبها الصلد الذي لا يفلح الأمل المشروع والنبوغ الخلّاق في إزالته، وإسدال نوع من المساواة. فالنص يعاين مساحة وعي للبطل، وتحوّله من وعي تهويمي إلى تجريبي، ويعاين طموحاته وآماله، ويقف عند انكساره الأخير، ليشير إلى سطوة السلطة ورأس المال في استمرار النسق التراتبي وهيمنته.
التماهي: المقولات المعرفية وموقعها
هناك فكرة أساسية يلحّ عليها النص الروائي، تتكشف من خلال توزيعات البناء، وتتمثل في كون كرة القدم يمكن أن تصبح أداة أو إطارا للمعرفة والإدراك، وبناء الارتباط بالواقع والحياة. فهناك تصديرات يتجاذبها شيئان: الأول منهما أن قائلها له علاقة بكرة القدم، والثاني يتمثل في كون مجالها المعرفي لا يتوقف عند حدود كرة القدم، فدلالاتها وصياغتها الموضوعية منفتحتان على الإنساني في مجاله الرحب العام، وكأن النص من خلال هذه الآلية يلفتنا إلى انتماء هذه التجربة أو اللعبة إلى المهم من تجربتنا الإنسانية، ويمكن أن تكون سبيلا لخلق التطور الذاتي من خلال هذا الوعي وهذا الإدراك.
وثمة جانب آخر في مقولات التصدير، فهي لا تنسب إلى شخص محدد متعيّن، وإنما تنسب إلى شخص يمتهن وظيفة لها علاقة بكرة القدم، مثل (مدير فني)، أو (حارس مرمى)، أو (ظهير أيسر)، أو (زوجة لاعب كرة)، وينهي هذه المقولات بكلمة (بتصرف)، وهذا التعدد دال على اتساع التجربة وقدرتها في بناء وعي له خصوصية. في واحدة من هذه المقولات يقول النص (في أوقات الخوف في المعارك الكبيرة، في لحظات الترقب، يتحوّل الإنسان إلى عين ضخمة جدا- حارس مرمى بتصرّف). عند التأمل ندرك أن هذا التصدير الموضوعي ينفتح على التجربة والإدراك العام، فالإنسان في الجزئيات الثلاث المتوالية بالتجاوب يصبح في أقصى درجات الانتباه، ومن ثم يتحوّل الإنسان بكل أعضائه إلى أداة للإدراك والمراقبة، لأن الأمر لا يتعلّق بفعل الصراع المعهود في مباريات كرة القدم، لكنه الصراع الوجودي المنفتح على الحياة في مساربها العديدة وزواياها المختلفة.
موقعية التصدير الخاصة بهذه المقولات المعرفية لها دور في انفتاح الدلالة على الداخل والخارج في آن، فهذا الموقع في بداية كل فصل يجعلها منغمسة في هذا التوزّع. في أحيان أخرى تأتي المقولة منسوبة بذكاء إلى شخص يجعل التلاحم بين النص الروائي والخارج المعرفي متماهيا وداخلا في إطار شبكة دلالية من التنازع بينهما، يقول النص في تصدير منها (لا تنتظر أن يقف الجميع إلى جانبك إذا كنت قابعا في المؤخرة- قلب دفاع آخر بتصرّف). فهذا التصدير يشير إلى تراتب في الشهرة، فقلب الدفاع في كرة القدم لا يهتم كثيرون لأمره، مثلما يهتمون بالمهاجم أو الهدّاف. هنا يتوجّه التصدير بدلالته نحو النص الروائي، ويلتحم كأنه أيقونة بارقة عن الفصل ذاته الذي يشير إلى تحولات العلاقة بين البطل وهداف الفريق من التراتب بين الأدنى والأعلى.
والتصدير السابق في الآن ذاته لا يكفّ عن الإشارة إلى دلالة معرفية عامة ترتبط بمساحة الاهتمام بالبشر، وتوزّع الاهتمام بين موقع كل واحد منهم. فهذه المقولات التصديرية مؤسسة في مجالات كرة القدم، بوصفها مقولات كاشفة عن خبرة متراكمة، لأنها تنسب- كما جاء في صدر كل فصل من النص- إلى شخص له علاقة بكرة القدم. ولكن وجودها في هذا المكان يزحزح ارتباطها بالنص الروائي المحدد بتجربة لاعب كرة قدم، وكأن هناك تماهيا بين العام والخاص، فكرة القدم- في محاولات إعادة مقاربتها داخل النسق الثقافي والاجتماعي- قادرة على صناعة الإطار المعرفي لممارسيها والداخلين في مجالها.
وتستمرّ هذه التصديرات مكتسبة قيمتها الدلالية والحركية من موقعها، ففي التصدير الخاص بالفصل الواحد والعشرين الذي يقول (ليس صعبا أن تدخل منافسات شرسة، بل الصعب أن تدير هذه المنافسات- رئيس اتحاد كرة قدم بتصرّف) هناك توجّه دلالي داخل موضوع الفصل السردي، في اهتمامه بقيمة وأهمية وكيل اللاعبين، للقيام بالأعمال الخاصة بهم. ولكنه- أي هذا التصدير- يصلح أن يكون نتيجة تجربة حياتية ممتدة، خاصة أن بداخل هذا الفصل بداية لتشكيل وعي جديد خاص بالصحو، وبداية تشكّل مساحة جديدة بعلاقة البطل (وليد) (بثريا)، باكتشافه أشياء تجرح هذا النموذج الأنثوي، وهذا الاكتشاف يحتاج إدارة مغايرة من الذات في التعامل معها.
ويستمر بناء هذا الوعي التجريبي في علاقته بها، وزوال الفطري التهويمي، من خلال معاينة التصديرات المعرفية، وكأنها تجهيز للقادم داخل الفصل السردي، يقول التصدير في الفصل السادس والعشرين (لا نستطيع أن نخبىء مشاعرنا إذا تعلّق الأمر بانتصارنا أو هزيمتنا- مذيع تلفزيوني بتصرّف). يدرك القارئ هنا أنه أمام تصدير أو مقولة معرفية تشتغل على مساحة الأعراف بين النص السردي وإطاره الدلالي والفكري، في ظل الحركة بين النصر في كرة القدم، والهزيمة في الحب، بانتهاء أو قرب انتهاء علاقة البطل (بثريا)، وبين الخارج الذي يشكّله التصدير في الإشارة إلى حالة معرفية عامة دون تخصيص، ترتبط بالتجريد دون تحديد.
يمارس النص الروائي في إطار تثوير الحكاية من قصة مرتبطة بكرة القدم- بالرغم من قيمتها- إلى قصة مرتبطة بالحياة والوجود والإدراك، نوعا من تمرير المعرفة، أو جعلها مقبولة، خاصة إذا كنا أمام بطل (وليد) ترك تعليمه من أجل الهوس بكرة القدم. ولهذا تحتاج الجزئيات المعرفية داخل النص الروائي- بعيدا عن التصديرات بموقعها في بداية كل فصل- إلى آلية تمرير، حتى تصبح مقبولة، وغير ناتئة خارج السياق الثقافي للبطل. فحين يعرض السرد للحياة التي انتقل إليها البطل، ووجد نفسه داخلا فيها، كاشفا عن معاينته لعوالم جديدة، بداية من الطائرة التي أقلته إلى الرياض، ومرورا بالسيارة إلى الفندق، وختاما بتأمله لضخامة الفندق، يقول (إننا لا نعرف قيمة المال حتى نقترب من أصحابه).
يدرك القارئ بعد قراءة هذه الجملة المعرفية أن هناك تحوّلا، لتمرير هذه الجملة الأخيرة دون نتوء، يتعلّق الأمر بضمير السرد، في تحوّله من المتكلّم الفرد إلى الجمعي، لكي لا تكون تلك الجملة مؤسسة على الوعي الفردي، بل منفتحة على تجربة جمعية مرصودة سابقا، فهو يقوم فقط بالتعبير عنها. في بعض الأحيان نجد النص الروائي يجعل هذه المعرفة- إشارة إلى مشروعية اكتسابها بعد الانفتاح الجديد على عالم المدينة- مؤسسة ومشدودة إلى أفق مستقبلي، وتحوّل إدراك البطل من التهويم إلى التجريب، فنراه يقول عن زميله نجم الفريق حين أطلق نكتة سمجة عن زميل آخر، وخوفه من الرد لحظتها (أيقنت فيما بعد بأن وراء كل مشهور فضيلة ميتة).
وإذا كان الأمر في هذه المقولات داخل النص مرتبطا بآلية تمرير هذه المقولات، حتى لا يكون هناك نتوء بين منطوق الشخصية ومستواها الثقافي، من خلال الاتكاء على الضمير المتكلم الجمعي بدلا من المتكلم الفرد، فإنه في أحيان أخرى يحدث ما يمكن أن نسميه التحوّل الجزئي في الضمير السارد من المتكلم إلى الغائب، لأن الحكم- لحظة هذا التحوّل- يصبح مشدودا إلى منحى عام، وليس مرتبطا بذات متكلمة ساردة أو بحكمها على الأشياء. ففي قول النص الروائي على لسان البطل مصوّرا قسوة المدرب (فكنت أسوّغ قسوته أحيانا، وأعاملها بشيء من الرضا، لأن العمل العظيم يتطلب منا أن نكون قساة). فالمقولة في نهاية الاقتباس تنفتح على نسق موضوعي يلتحم بالغياب، وبالمتكلم الجمعي في الآن ذاته، ليجعل الحكم موضوعيا جمعيا.
إن مساحة حضور المعرفي في النص الروائي تأخذ وجودها الأعلى، في سياق الأزمات، حيث المرور بالتجارب التي تزلزل المستقر، وتجلّى ذلك في البداية في تعرّفه على حياة المدن (الرياض) والمدن الأخرى، وانضواء الهامش أو ممثله في سياق جديد، وتجلّى- أيضا- في سياق الأزمة الأخيرة الكاشفة عن وعيه بطبيعة المدينة والمحيطين به، بوصفهم يمثلون أذرعا لسلطة المال أو لرئيس النادي، فالوعي في الحال الأخيرة لم يعد مستقرّا في مساحة الانبهار التهويمي، وإنما أصبح قائما على التجريب الفعلي، حيث كشف النص عن تهشّم وزوال مساحة الاندماج بين الهامش والمتن التي صنعتها الشهرة، ليتكشّف لنا الوجه الحقيقي القائم على التراتب الصلد بينهما. فهذا الاندماج كان جزئيا، وقائما على المصلحة الوقتية، ليطلّ التأكيد على حركة كل قسيم في اتجاه مضاد للآخر.
لا تتشكّل المقولات المعرفية، أو تطل بشكلّ لافت، إلا في لحظة توحّد مع الذات، وتأتي كأنها وسيلة من وسائل التعرّف أو الإدراك، أو لتقريب ولتشكيل آلية الارتباط بالعالم الذي نقترب منه، والعالم الذي يتفلّت منا في لحظتين متقابلتين. المقولات المعرفية- في موقعها داخل النص- مثلها مثل التشبيه والاستعارة والرمز- تلحّ وكأنها وسيلة من وسائل التقريب، أو محاولة للإمساك بإحساس أو شيء، لا يمكن الاقتراب منه أو تكديسه في شكل ناجز، إلا من خلال هذه المقولات التي تعتني بالمؤسس أو المقرر في تجربة ذاتية أو جماعية، يتمّ رصدها في شكل تقريري موضوعي قائم على الغياب.
هذه المقولات تأتي غالبا لتبرير الإحساس الجديد، أو للتعبير عن التحوّل في المشاعر الذي نشعر به في لحظة ما عن السابق، ونحاول أن نبحث عن تفسير له. فبعد لقاء البطل (وليد) و(ثريا) في لندن، وطلبها في لحظة التجلي العاطفي السباحة- أو التمتع بينهما- في مكان آخر، وما جاور ذلك من اكتشافات أخرى، بدأت العلاقة تتعرّض لكثير من الهزات، وبدأت الصورة المثالية المختزنة بداخله لها تتنزّل من عليائها، وتصبح غائمة غير كاملة الملامح، ليحلّ محلها نوع من التغيير المبطّن بالخوف. تطلّ المقولات المعرفية كاشفة عن ذلك التغيير في المشاعر، بانضوائها داخل مساحة التخفي والرعب من الإعلان عنها، يقول النص الروائي على لسان البطل (إننا حين نرتبط بالآخرين، فنحن نفتخر بهم، ونظهرهم إلى العلن). والفاعلية هنا للضمير الجمعي، يأتي بعده ضمير المتكلّم (لكنني لم أفكّر يوما أن تظهر ثريا إلى العلن).
بنية الرواية وجدل المتن والهامش
تستند الرواية إلى ضمير المتكلّم في سرد قصة لاعب كرة قدم من الفقر إلى الغنى، ومن الوعي التهويمي القروي البسيط إلى الوعي المديني. تبدأ الرواية من لحظة النهاية بموت الأم حزنا على اتهامه بتعاطي المنشطات ظلما، لكنها تستعيد الحكاية على لسانه، بشكل قائم على التراتب، وعلى النمو التصاعدي، باستثناء بعض الجزئيات التي تشير فيها إلى استباقات سردية، مما يجعل عنصر التشويق حاضرا، وفعل الإغواء بالقراءة مهيمنا إلى حدّ بعيد.
تشكل الاستباقات السردية مساحة واسعة من التشويق في النص الروائي، لأنها تزلزل البنية الزمنية للبناء السردي النامي، فبعد الجزئية الكاشفة عن دائرية النص بالبداية من النهاية بموت الأم، يعود النص للسير بنسق تراتبي متوال ومتنامٍ. ولكن هذا السرد النامي- دفعا للملل- مملوء بالاستباقات التي تفتح ذهن المتلقي إلى الإرجاء أو إلى الإرجاءات العديدة، مثل الحديث عن مجيء شقيقته إلى الرياض بشكل استباقي قبل المرور بالحدث، أو الحديث عن مجيء ثريا وترتيبها شقته، قبل اللقاء بها في السرد النامي الطبيعي. فهذا التلاعب بالزمن أو الفجوة الزمنية، لها دور مهم في المحافظة على الإغواء بالقراءة، وتكشف عن آلية ارتباط الشخصيات بالبطل. فالاستباقات تظل جزئيات دلالية مفتوحة غير مكتملة، إلى أن تكتمل تدريجيا بالسرد.
والكشف عن اكتمال هذه الاستباقات، والتحامها بالنص في حركته العادية، لا يتمّ بشكل قطعي ونهائي، ولكن من خلال نسق تدريجي في شكل حضور متناسل متعدد، وفي كل مرة يكشف لنا جانبا من جوانبه، فبعد الإشارة إلى أثر وجود ثريا في تعديل شقته قبل سرد لقائه بها، تأتي الإشارة الثانية إليها، في معرض حديثه عن مساحة التحوّل من قروي إلى مديني، في قول النص (في وقت قصير تحوّلت من شاب موهوب في حيّ فقير في تبوك، إلى لاعب يلعب في أهم اندية المملكة، ويحب فتاة تعيش في لندن للدراسة، من أسرة ثرية ومرموقة).
فشخصية ثريا- بالرغم من هذه الاستباقات التي تلتحم بحركة السرد في مساحة ما من خلال النص الروائي- في معرض دائم لتكشّف تدريجي لجزئيات لم تكن مطروحة طوال النص الروائي، منها ما يتعلّق برغباتها وسلوكها الجنسي، ومنها ما يتعلّق بقرابتها من رئيس النادي، وهي القرابة التي لم يكشف عنها إلا في آخر الرواية، وكأنها جزء من أذرع السلطة التي تحيط بالبطل/ الهامش، وتعوده على الانحناء، أو تعيده إلى طاعته الأولى في الاستمرار في النادي، ووتفقده حرية الاختيار بين النادي البرتغالي وناديه.
ويتجاوب مع الاستباقات الحاصة بالشخصيات في تشكيل المفارقة الزمنية، الاستباقات بالبطل وخياراته، وبالمآل الأخير نتيجة مقاربته للحياة. فحين عرض عليه زميله في الفريق الخروج في نزهة للقاء فتاتين، يرفض في البداية، ثم يقول (ويا ليتني بقيت على موقفي)، ويكمل بعدها السرد النامي في شكل تصاعدي، إلا من هذه الخروقات الزمنية الجزئية التي تأتي داخل النص السردي، بوصفها عاملا من عوامل التيقظ والانتباه الدائمين، لانتظار القادم من النص، وتبرير هذا الندم. ذلك الندم الذي تكرر في جزئيات أخرى في النص، قبل أن يكشف عن تبرير له (لكنني الآن أتمنى لو أنني لم أجبها بتلك الطريقة... فلو كنت فظّا أو وقحا، لكان أفضل).
في إطار هذه البنية الروائية المعتمدة على الخروقات الزمنية العديدة، يتشكّل في النص الروائي قسيمان، أحدهما يشكل متنا، والآخر هامشا، مما يجعل كرة القدم- فوق كونها لعبة شعبية- ظاهرة ثقافية تتجلّى فيها ألاعيب السلطة وأذرعها من جانب، والشعب بطوائفه من جانب آخر، والآلية التفاوضية بينهما. فهناك تباين لافت بين القروي القادم والمدينة، مما يشكّل نوعا من التراتب الطبقي، في رصده للأشياء التي يقوم بها للمرة الأولى، مثل الطائرة أو السيارة، وفي نظرته للمرأة ممثلة في (ثريا) حين رآها أول مرة، وهذا يعكس نسقا اجتماعيا بين وعيين أو إدراكين متقابلين، يقول السارد (إن ثريا لم تكن آدمية بالكامل، إنما كانت نطفة نمت في رحم السماء، لتخرج لنا غيمة فيما بعد). ففي التصوير السابق- ارتباطا بوعي تهويمي- نوع من التقديس. وهو الأمر الذي كشف عنه النص الروائي في تأطير ملامح شخصية البطل/ السارد، فعلاقته بالمرأة أو بالنساء لم تزد عن رؤيتهن في ذهابهن إلى المدرسة، وعودتهن منها.
ويمكن أن نجد- إكمالا لذلك التباين بين القسيمين- أشياء عديدة كاشفة، لحظة دخوله إلى المطاعم، أو في ربطه لحزام الطائرة، أو في تلمسه لجلد مقعد السيارة، أو في خوفه وهلعه أمام المباني الكبيرة والمهيبة. لا يتوقف النص الروائي عند رصد هذا التباين، بل يتوجّه في منطقه الأساس إلى شيء أكثر بعدا من فكرة التراتب بين الطبقات العليا والدنيا، فنراه يؤسس لفكرة تلاعب أصحاب السلطة والمال بهؤلاء الذين ينتمون إلى الهامش، فيتعاملون معهم كأنهم خيول سباق لإحراز انتصار. يظهر ذلك واضحا في جزئيات عديدة من النص الروائي، حيث تكشف هذه الجزئيات النصية الموضوعة بعناية عن وجود ثلاثي، يتكوّن من السلطة والحاشية، ثم الهامش أو الشعب.
يجد القارئ نصوصا دامغة الدلالة على فكرة الاستغلال، منها قول النص الروائي (ما معنى أن يتعرف إليك رئيس النادي من قرب، هو المعنى نفسه حينما تكون قائد سيارات سباق، وتريد تجربة سيارتك الجديدة بنفسك، قبل خوض مغامرة المشاركة بها في معترك رسمي)، ويتأسس الفارق في طبيعة النظرة من الجانبين في نصّ آخر عن رئيس النادي في قوله (حتى إذا جاء العشاء الشهي الذي كان ينتظرنا، قام يمشي في المقدمة، ونحن خلفه مثل جراء).
وفي بعض الأحيان تأتي الكلمات كاشفة عن ماض تليد، لأنها تشير إلى مساحة زمنية موغلة في القدم ترتبط بالسيد والعبد، وإن تغيرت العبودية إلى شكل ناعم فيه الكثير من المصالح ومساحات للتفاوض، يقول النص الروائي (على رغم أن الرئيس- رئيس النادي- كان ينظر إلينا كعبيد أو كحاشية، غير أنه عامل هذا اللاعب بالذات معاملة أحد أبنائه، أو صديق مقرّب). وربما يكشف عن هيمنة المركز وغياب دور الهامش وضآلته، أن كل أموره- وإن كان لاعبا مشهورا- تصاغ بعيدا عنه، وبعيدا عن رغبته، ودون أن يدري.
ولصيق بالمركز أو المتن الحاشية التي تمثل أذرع الرئيس، وبالرغم من تعدد نماذج هذه الشخصيات في النص، إلا أن هناك شخصية بالغة الدلالة لتمثيل الحاشية، وهي شخصية الصحفي فرحان الخميس، فيأتي نموذجا كاشفا عن الأدوات التي تستخدمها السلطة لتوطين الطبقة المهمشة على الدخول في القالب الجاهز المصنوع في سياق من القبول والرضا. وظيفته المعلنة صحفي، ولكنه في الحقيقة ذراع من أذرع رئيس النادي من خلال مساحات الظهور والاختفاء.
ويمكن أن يدخل في إطار هذه الأذرع- وإن ظل النص في هذه الجزئية مزدانا بالغموض- الفتاة (ثريا) بنت شقيقة رئيس النادي، فالسلطة لا تؤدي دورها المنوط بها في نسق فردي، وإنما في إطار نسق سلطوي متكامل قائم على تعدد الأذرع، فكأنها تتشكّل من بنيان عنقودي متكاتف يساند بعضه بعضا. فالحاشية أو الأذرع تعمل على مساندة السلطة، وقد تكون صورتها غير واضحة بشكل كامل، ولكنها في المنعطفات الكبرى- في لحظة النصر أو الهزيمة، سواء بالاقتراب أو الابتعاد- تظهر، ويظهر وجودها المنحاز للسلطة، يتجلّى ذلك واضحا في لحظة اختيار السارد/ الهامش للخروج عن سطوة السلطة بالتعاقد مع نادي برتغالي، فتقوم بالتحوير والتجهيز للفعل، ثمّ تختفي وكأنها لم تكن موجودة، يقول النص (غاب فرحان هذه المرة إلى الأبد).
تظلّ صورة فرحان الخميس لدى السارد صورة رجل غامض، ولهذا يقول النص عنه على لسان البطل (أنا لا أعرف ماذا يريد هذا الرجل الذي يظهر في أوقات ثم يختفي، وكأنه مكلّف بأن يغرس الأشياء الغريبة في داخلي، ويمضي في الغياب). فرحان الخميس- بوصفه فردا من حاشية السلطة- يمكن أن يكون الممهد والمحدد لأطر ومساحة التفاوض بين الجانبين، فهو حارس صورة السلطة، والمحافظ على تفوقها وبهائها من خلال أدواره الخاصة، ويمكن أن يوجّه الهامش/ السارد- لتأكيد صورة صاحب السلطة المانح- إلى الطلب بشكل مباشر، لأن السلطة في منطقه، لا تمنح العطاء من نفسها، فهي يجب أن تشعر بحاجة الناس إلى فيضها وعطائها من خلال الطلب المباشر، كما حدث في حصول اللاعب على السيارة الجديدة من خلال الطلب المباشر بإيعاز من فرحان.
تبقي السلطة ومعها حاشيتها في النص الروائي على المسافة التفاوضية المزدانة بالقرب أو المساواة السطحية الخادعة، إلى أن تظهر بداية لتوجه جديد كاشف عن حرية الحركة من الهامش أو السارد. في هذه الحالة تنتصر لهيبتها، وكأنها تشدّ حبل التفاوض أو الحرية الممدودة حول عنقه، لتخنق المهمش الذي يبحث عن مساحة أكثر اتساعا للحركة والتحليق. وقد حافظ النص الروائي على بهائه في تكتّمه عن الفاعل في تدبير قضية المنشطات لهذا البطل القادم من الريف، وهي القضية التي أودت بحياة والدته وبمستقبله، وإن ظلّت الشبهات تحوم حول رئيس النادي صاحب السلطة وأذرعه العديدة.
ويبدو أن هذا التغييب- أو لنقل الإيحاء الفني- يشكّل جزءا من قناعة الكاتب في الاتكاء على مسّ القضية من بعيد، وعلى الإشارة بدلا عن الكشف. ففي كل هذه الجزئيات المربكة، لا يتوجّه النص الروائي إلى التدني نحو التعبير المباشر عن الأفعال الجنسية المشينة بين لاعب وبعض زملائه في الفريق، وظلت الطريقة ذاتها حاضرة في التعبير عن الفعل المشين الذي طلبته (ثريا) من اللاعب المهمش، فقد عبّر عنه بقوله (السباحة في مكان آخر)، ليحافظ على نصّه من التهافت والابتذال.