تنوع الخطاب والموقعية السردية في رواية رقص الإبل للروائي فتحي إمبابي
تنوع الخطاب والموقعية السردية في رواية
رقص الإبل للروائي فتحي إمبابي
عادل ضرغام
في روايته (رقص الإبل) للكاتب فتحي إمبابي هناك اشتغال على مجموعة أفكار أو ثيمات تغلّف وتسيّر العمل الروائي في نموّه السردي، وتؤطر الحكاية وتسهم في تجليها، فالحكاية بالرغم من وجودها وتحققها ووضوحها لا تكفّ عن الإشارة إلى مجموعة من المداخل المعرفية التي يصلح كل واحد منها لأن يكون وسيلة لقراءة العمل ومساءلة بنياته من خلاله، منها مشكل الهوية وتفتته إلى انتماءات مذهبية صغرى تفتت نصاعتها، وما يلحق بها من جزئيات قد تكون خادعة، ومنها أيضا مساحات الجدل والاشتباك والصراع بين الشمال والجنوب، مطلق الشمال والجنوب في كل تجلياته، والأيديولوجيات المضمرة الصغرى، والحداثة الزائفة التي لا تقوم أو تُبنى على أسس راسخة، فينشأ نتيجة لزيفها ولإطارها الشكلي نوع شرس من الأصوليات الدينية المتشددة.
تمثل (رقص الإبل) جزءا من إطار أكبر، فهي لبنة داخل مشروع إبداعي ممتد، لأنها تمثل العمل الثالث داخل خماسية روائية، يمكن أن نطلق عليها خماسية النهر، وتتكون من (نهر السماء)، و(عتبات الجنة)، و(رقص الإبل)، ثم روايتان أخريان لم تنشرا، هما (عشق)، و(منازل الروح)، وفي الأعمال الثلاثة التي نشرت هناك منحى فكري تلحّ عليه يتمثل في قيمة نهر النيل في تشكيل الهوية المصرية الممتدة عبر الزمن، حيث يشكل أثر هذا النهر جزءا أساسيا من وجودها الصلب المستمر.
واللافت للنظر أن هذه الخماسية يؤطرها نطاق زمني يتمثل في القرن التاسع عشر، وهذا القرن يمثل بداية الصحو والانتباه، لأنه الإطار الذي بدأت فيه تتشكل الهويات انطلاقا من الوعي بالذات، والوعي بالآخر والاختلاف معه، ووضع صورة الذات في مرآة الآخر تقليدا أو نفورا حسب الانتماء المذهبي ارتباطا بالارتكاس إلى الخلف أو اهتبالا لقيم الحداثة، ومن خلال هذا الجدل بين التوجهين تتشكل الصراعات. تستند الرواية إلى جذر تارخي يرتبط بحركة المهدية في السودان، وصراعها مع الحكم المصري بجدائل تشكله من أتراك وإنجليز وجنسيات شتى، مما يجعل الرواية منفتحة على هذا الصراع بين الأصولية الدينية والتحديث الشكلي، فهي رواية تحذرنا من الأصولية الدينية التي تتشكل بعد كل هزيمة للتحديث، وكل خطوة فاشلة في بناء الدولة المدنية، خاصة بعد هزيمة عرابي.
والاتكاءعلى التخييل التاريخي في كتابة فتحي إمبابي له ما يبرره، خاصة في ظلّ مشروعه الفكري الخاص بالهوية، ومساءلة تمدداتها والمتغيرات التي تصيبها حذفا أو إضافة من فترة إلى أخرى. والتخييل التاريخي هنا لا يقف عند حدود الإسقاط بين الماضي والحاضر كما رأينا في تجليات روائية سابقة، ولكنه ينطوي على هدف أكثر بعدا وقيمة عن ذلك، يتمثل في قياس جزئيات عالقة بالهوية يؤسس لها وجود، حتى يظنّ الكثيرون، أنها أصبحت جزءا دامغا وكاشفا عن الهوية، مثل الهوس الديني الذي يفضي إلى أصولية دينية.
إن مشهد الناجين من المذبحة في نهاية الرواية الخاص (بالتلب)، وابنة عمه (مسك الجنة) مشهد كاشف عن الهوية السودانية التي يجب أن تتخلّص من شيئين: الأصولية الدينية كما تجلت في حركة المهدي، والوصاية الخاصة بأي شكل خارجي، سواء أكانت مصرية أو تركية أو انجليزية. فمسك الجنة وفق هذا التصور تغادر ماديتها، فقد عاشت فترة طويلة أسيرة لواحد من تابعي الحكومة المصرية، وفترة أخرى- وهذا مقصود- أسيرة لواحد من قادة المهدية، ولكنها تتخلص من نيرهما، ومن ثم هي تمثل بداية جديدة، وإشارة إلى هوية سودانية يجب أن تتخلص من كليهما.
تنوّع الخطاب
تستند الرواية من خلال ضمير الغائب العليم إلى سلطة النماذج المتخيلة في الأدب والثقافة العربية، وإلى التكرار الدوري الثابت للنمط الكاشف عن الاختزان المستمر، مما يعطي مشروعية، فتشكيل شخصية المهدي لا يمكن فصلها عن شخصية محمد عليه الصلاة والسلام، في إسدال التماثلات والتشابهات ومحاولة الانتساب، مما يعطي قداسة تضع الآخر في سياق خاص، ويعطي للمتشبه مساحات من المغايرة والاختلاف والعلو ودمغ الآخرين بدونية تتيح له التعامل غير الأخلاقي في ساحات المعركة بوصفه آخر مغايرا. ويمكن تلمس أثر النموجي التراثي في تشكيل قصة الحب أو العشق بين التلب وابنة عمه مسك الجنة، فكل ما روي من روايات وحكايات مخالفة للنسق المنطقي المقبول لها تأثير في تشكيل قصة الحب، وكأن الكتابة الأدبية وفق النموذجين السابقين تكرار دوري بأشكال مختلفة استجابة لأنماط لها سلطة وشيوع، مع إضافات توجبها طبيعة اللحظة والسياق الحضاري، والتساؤلات الكبرى التي تجلّي وجودها طبيعة هذه اللحظة.
تتحوّل الرواية ذات البعد التاريخي في صناعة التخييل الروائي في أحيان كثيرة إلى رواية معرفية مهتمة بنقل العالم وتصوير اتساعه بجزئياته العديدة، ومن ثم يصبح استنادها الأساسي مرتبطا بمعلوماتية بوصفها مرحلة أولى للبناء المعرفي، وهنا يمكن تبرير سطوة الوصف في أجزاء كثيرة من نصّ الرواية، فهناك إلحاح على وصف المكان أو الحيوان بوصفهما مكونين أساسيين لهذا الاتساع، ويتجاوب معهما وصف الحروب والمعارك الحربية وأدواتها بحرفية شديدة، مع استعادة للمصطلحات والمسميات العسكرية التي لا يزال لها حضور ودوي.
ولكن هذا الجانب المعلوماتي الذي يستند إلى الوصف المحيط بعوالم البشر والأماكن والحيوان والنبات يمثل مرحلة أولى، لأن أي عمل روائي يظلّ في حاجة ماسة إلى هذه الأرضية المعلوماتية، لبناء إطار معرفي يرتبط بأسئلة الوجود الخاصة بنزال الإنسان مع سياقاته الحضارية ولحظته التاريخية. فتحي إمبابي في روايته مهموم بتقديم العالم في اتساعه، ولا يقف عند شريحة محددة، أو عند جانب محدد. ولكن تقديم هذا الاتساع إلى القارئ يتجاوب معه تعدد لافت للنظر للخطابات، للإشارة إلى الإطار المعرفي الذي يؤسس له، ويحيل الرواية من حكاية سردية إلى خطاب تأويلي للتاريخ وللحكاية.
إن نظرة متأملة إلى الرواية تكشف عن تعدد الخطابات، مثل الخرائط والصور والرسائل والتقارير وبيانات الدعوة أو الثورة المهدية، ومقدمات الفصول أو الأجزاء السردية السبعة. فكلّ هذه الخطابات تتآزر فيما بينها لصناعة التأويل، وفي فهم العالم، وفي تشكيل المنحى المعرفي للرواية. واستخدام الخطابات داخل النص الروائي، ربما يعود في جانب منه إلى قيمة المعارف والمصادر الثقافية، في محاولة لإثراء النص دلاليا وفكريا، ومنح العمل الروائي بعدا من الموثوقية والمصداقية، ولكن أعتقد أن السبب المهم داخل الرواية الواحدة يعود إلى طبيعة الكشف عن الجوانب المخفية التي ربما لا يكشف عنها الخطاب السردي في تجليه الأحادي.
يبدو استخدام الخرائط بوصفه خطابا ذا خصوصية في تجاوره مع النص السردي الأساسي، استخداما له مشروعية، تتمثل في الرغبة الملحة بتوعية القارئ بهذا العالم، وإدخاله في شبكة علاقات مكانية تسهم في تلقي العالم الروائي، فالمكان الذي تكشف عنه الخريطة ذو تأثير خاص في عملية تلقي وتصوّر المعارك الحربية الدائرة بين الجانبين، فالخرائط هنا لها بعد يرتبط بتشكيل إطارات صورية متخيلة، بالإضافة إلى كونها تكشف بشكل خاص عن سبل الحركة والمناورة.
ولكن تآزر هذه الخطابات يأخذ مدى واسعا أكثر دلالة وتأثيرا، إذا كانت هذه الخطابات لغوية بعيدا عن الخرائط أو صور الشخصيات التاريخية، لأن هذه الخطابات اللغوية المصاحبة سواء احتلت مكانها داخل المتن السردي، أو تحركت بعيدا عن هذا المتن، واحتلت مكان الصدارة في مقدمات الأجزاء والفصول تظلّ منفتحة على الفعل التأويلي للحدث، وليس الحدث بحد ذاته. فكثرة الخطابات التي يتوسّل بها الروائي جرح للخطية السردية الممتدة، واستيقاف لها، لوضعها في بؤرة التأمل والتركيز، للوصول إلى الأسباب الحقيقية لقيام الثورة المهدية وانتصارها.
ويمكن في هذا السياق الوقوف عند نص وحيد من خطاب افتتاحيات الأجزاء السبعة، وهو خطاب- بعيدا عن المصداقية والموثوقية وتوجيه فعل التلقي- تأويلي لجوانب مخفية تتعلق بالحدث الأساس، للإشارة إلى سبب من أسباب وجود هذا الحدث الكبير، يتمثل في تغيير التوجه من الجانب المصري الممثل في الحاكم، وذلك من خلال المقارنة بين نسق سلوك ودرجة اهتمام محمد علي، ونسق سلوك ودرجة اهتمام الخديوي توفيق. فالأول سلوك كاشف عن اهتمام وتقدير، وعن وعي حضاري وإنساني يتعلق بهيمنة مصرية في التوجه والقرار، ولكن الأخير كاشف عن انسحاق، وعن حرب بالوكالة لصالح الانجليز، فقد كشفت- كما يقول نصّ الرواية- لقاءات ويليام هكس(قائد الجيش المصري) مع إيفلين وود، واللورد دوفرين المفوّض البريطاني الخاص، وأسفرت عن أمر مذهل، وهو كون المهمة الحقيقية الموكلة إليه هي ضمّ السودان للتاج البريطاني).
ويأتي الإلماح إلى شريف باشا في خطاب التصدير للأجزاء، له ما يبرره، فهذا الحضور- ليس فقط لأنه تولّى رئاسة الوزارة أربع مرات- وثيق الصلة بالموقف الأول، وبالاختلاف الحاد بين الموقفين والقيادتين، فهو صاحب موقف وطني خاص بالدستور، وبالثورة العرابية، وهناك موقف أكثر أهمية هنا في رفضه القاطع لانسلاخ السودان عن مصر، يؤيده مقولته الشهيرة (إننا نقبل أن يحكمنا السودانيون، ولا ينفصلون عنا). وهذا المقولة تتساوق مع الموقف الأول، فمحمد علي- في منطق الرواية- لم يضم السودان وفقا لسياسة استعمارية، وإنما بسبب الحفاظ على النيل بوصفه شريان الحياة، لأنه رأي الدول الاستعمارية الكبرى تطمع في السودان، فصمم على احتلالها، حتى لا تتحكم في منابع النيل يد أجنبي).
المزاوجة بين الخطابات في الرواية أشبه إلى حد بعيد بين الوجه الحقيقي، وصورته الهلامية في المرآة، كل خطاب يؤسس لدلالته الخاصة به، بكل ما يحمله ذلك التعدد من نفي الحقائق الثابتة والخطية الموهومة بتشكيلها، وذلك من خلال تقليبها على وجوه وتأويلات عديدة. ويمكن تطبيق هذا التوجه في مقاربة التنوع في الخطاب على كل الرسائل المستخدمة في الرواية، سواء بين المهدي ومناصريه أو بين القائد هكس وزوجته صوفيا، وكذلك كل منشورات دعوة المهدي التي ترد بنصها في الرواية. ففي الرسائل التي يرسلها المهدي إلى القبائل، والمثبتة بنصها من خلال ضمير المتكلم، هناك خلخلة وتغييب لوجهة النظر الخاصة بالراوي، من خلال المواجهة المباشرة لرسائل المهدي.
فهذه المغايرة وإن كانت توحي بالحيادية، فإنها في الوقت ذاته ومن خلال حضور المتكلم تجعل النص السردي - ارتباطا بخطاب الرسائل- يحتفي بالمقدس، حيث يستمد قداسته من الانتساب، وإسدال التشابه مع نمط جاهز مثل الخضر والرسول. فنصوص المهدي بوصفها خطابا من خلال رسائله ونصوص شريعته، أو منشورات الدعوة تؤسس الرؤية المقدسة للمهدي من جانب، ومن جانب آخر تؤسس مشروعية لسلوكه، ولسلوك قوّاده في القسوة في التعامل مع المغاير. ففي خطابات المهدي ورسائله هناك اشتغال على جانبين: يتمثل أولاهما على الخطاب الديني المشدود للرسول والخلفاء، والآخر يرتبط بالخطاب الصوفي المتمثل في استحضار الخضر والأقطاب الأربعة والأولياء، وكل وجه أو توجه من التوجهين له لحظته الخاصة التي يظهر فيها، ويتجلى في إطارها، تقول الرواية في منشور دعوته (أعلمني النبي أني المهدي المنتظر، وخلفني بالجلوس على كرسيه، وقلدني سيفه، وأيدني بالملائكة العشرة، وأن يصحبني الخضر دائما، ويكون امامنا سيد الوجود وخلفاؤه الأربعة، والأقطاب الأربعة، وستون ألف وليّ من الأموات).
فهذا الخطاب الذي لا يخلو من الانتساب ومحاولة التشبه بالأنماط المقدسة، له دور فاعل في التفاف الكثيرين حوله، ومن ثم يمكن اعتبار طبيعة الخطاب الخاص بالمهدي المستند إلى نمط ديني وصوفي في آن، في مقابل تعدد غير محسوم في الطرف المقابل بين هكس الانجليزي والقوّاد الاتراك والضباط والجنود والعلم المصري سببا أساسيا من أسباب تغوّل سلطة المهدية، وأن هذا التقديس الذي ألصقه بنفسه، وجعله يقول في نهاية منشور دعوته (وان من كذبني كافر، ومن حاربني يُخذل في الدارين)، في إسدال يقين حاد لدى الكثيرين بمشروعية دعوته. وقد تمّ تبادل الوجوه والأدوار بين المهدي وخليفته التعايشي، بحيث نجد للخليفة هذا الوجه الكاشف عن الشدة، من ذلك قوله للقائد المصري ناقضا العهد، بعد أن أمّنه على ماله (إن الخضر عليه السلام أمر ألا نرد عليكم ما أخذ منكم.. فمن أصدق أيها المصري؟ أنت الكافر الملعون أم الخضر عليه السلام؟).
وقد ظل هذا التشبه والانتساب واضحا في جزئيات خطابه، حتى في لحظة الهزيمة الجزئية التي مرّت بها المهدية قبل حصاره الأٌبَيّض قبل سقوطها بعد ذلك، يقول مقتفيا الأثر حتى في تبرير الهزيمة بالطريقة ذاتها على عهد الرسول، فيقول على لسان النبي في تبريره وردّه عليه (لولا مخالفة أصحابك، وعدم دخولهم من الجهة الشرقية مترتبين كما أمرتهم، ولولا أخذهم الغنائم عند دخولهم الخندق وانشغالهم بها، ولولا إعجابهم بكثرتهم لحصل النصر)، فهذا الجزء كاشف عن التقديس، وعن نسبة الخطأ إلى أصحابه بعيدا عنه.
إن هذا التنوّع الذي عرضنا لجوانب منه، سواء أكان خريطة أو صورة لإنسان أو شجرة، مثل شجرة التبلدي، أو خطابا تأويليا في مقدمة الفصل أو الجزء، أو خطاب الرسائل أو التقارير، كاشف عن مقصدية في مقاربة الحالة موضوع الاشتغال للوصول إلى مقاربة وافية تهتم بتأويل الحدث لقراءته قراءة باطنية خاصة، قراءة منفتحة على التفتيت المتعمد، بوصفه آلية سردية تقاوم وتقلل من مشروعية وقيمة الخطية السردية، لأن هذه الخطية تبحث عن الانسجام، ولكن تعدد أو تنوّع الخطابات كاشف عن التبعثر والتوزع في رصد العالم، وفي ظل هذا التوّزع أو التبعثر تظهر الأسباب الحقيقة لوجود الظاهرة، وهذه أسباب متوارية، لا يكشف عنها السرد أو البناء الخطي.
الموقعية والحوار مع النص
في تفعيل الآلية التي قدمها النص الروائي من خلال تعدد الخطابات للقضاء على الخطية السردية، نجد أن هناك آلية تشكيلية أخرى متجاوبة مع هذا التعدد، هي آلية في الأساس مرتبطة بطبيعة تلقي النصوص، فإذا كانت عملية التفتيت ذات قيمة في الوصول إلى المخفي من وجهات النظر، ولمس الحقائق المتوارية، فإن اختيار بعض الجمل والعبارات من سياقها اللغوي والسردي، ونقلها لتحتلّ موقع صدارة الصفحة على اليمين أو اليسار، ووضعها في مربع أو دائرة مع تغيير سمكها الكتابي، يصبح في الأساس عمليات من عمليات التوجيه في تلقي النص، او على الأقل تتحول عملية النقل هذه إلى عملية مضادة للتفكيك السابق، لأنها بهذا الوضع المميز، تصبح وكأنها نسق يكيّف النص السردي ويؤسس اختيارا لتلقيه.
وتتعدد أشكال هذه الآلية ودلالتها، فهي في شكلها البدائي مؤطر زمني أو يومي للحرب بين الجانبين، ونلمح ورودا لافتا لهذه الوظيفة في الجزء الأخير من النص، ولكنها في أحيان كثيرة تتحوّل إلى موسيقى لها أزيز توجه التلقي، ويصبح حضورها مستمرا، ولا تكف عن الرنين أثناء القراءة، خاصة إذا أدركنا أن النص الروائي عند فتحي إمبابي مهموم بنقل العالم بحذافيره، واستيلاد آليات شكلية خاصة تسهم في نقل الإحساس الداخلي للشخصيات، فنقل جملة من المتن السردي، لكي تحتل موقعا خاصا على يسار الصفحة أو يمينها يحمل دلالة استكشاف داخل عالم يموج بهويات مضمرة.
حين نتوقف عند المربع المنقول من المتن (الخديوي ذليل النصارى)، فالأمر هنا لا يرتبط فقط بوجهة نظر المهدي تجاه خديوي مصر توفيق، بارتباطه وانسحاقه أمام الانجليز، ولكن الأمر يرتبط بهويات دينية وانتماءات مذهبية. فنقل الجملة من خطاب رسوليّ المهدي إلى محمد سعيد باشا حاكم كردفان كاشف عن سبب أساس في تفكيك شوكة الحكم المصري من جانب، وتعاظم وجود المهدية من جانب آخر، لأن القائد في ميدان المعركة ليس مسلما، بالإضافة إلى تعدد هوياتي في الجانب المصري، ومن هنا تطلّ الانتماءات الدينية بوصفها سببا أساسيا لهذا الحدث، ويأتي هذا المربع بجملته السميكة أداة من أدوات التنبيه الدائم للتذكر أو للتحوّط لحظة التلقي.
فالجزئيات التي تتحرك من مكانها في المتن، لتتحوّل بوجودها الجديد إلى أيقونة ذات حضور خاص، تكتسب بهذا الوجود نوعا من الصلابة والمشروعية في توجيه التلقي، وأكثر حضورا في التأويل والتبرير الخاصين بالحدث، فحين نقرأ هذا المربع (للمرة الأولى في تاريخ السودان القديم والحديث، تشكلت تحت رايات الثورة المهدية قيادة موحدة، تعلن في ثوب الأصولية الدينية عن ميلاد أمة)، فندرك ان وضع هذه الجملة بشكلها وموقعيتها الجديدة وسمكها، كاشف عن منحى معرفي في قراءة الثورة المهدية، والتعرف على أسباب وجودها ونجاحها، فلم يكن العسف المالي والضرائب وحده، أو إساءة التعامل، أو التغيير في طبيعة التوجه من حاكم إلى آخر، وإنما هناك في الخلفية سبب آخر يتمثل في الرغبة الملحة في التحول من سلطة القبيلة إلى سلطة الأمة أو الدولة، فالثورة المهدية في الأساس كانت بداية أو تفريغا للبحث عن هوية ناصعة، وهروبا من أية وصاية مصرية أو تركية، تلك الوصاية التي تجعل وجودهم وجودا هامشيا.
تأمل بعض الجمل البارزة المنقولة من موقعية إلى موقعية أخرى قد يكون له دور في التكهن والتوقع لطبيعة العمل القادم، خاصة أن هناك إشارات لاسم العمل وجاهزيته للطبع والنشر في إطار الخماسية المقترحة للنهر. فوضع كلمة (عشق) داخل مربع خاص، بالإضافة إلى تكرارها ثلاث مرات، في بداية الفصل الذي يتمّ فيه الجمع بين (التلب)، وابنة عمه (مسك الجنة)، بعد فراق شبيه بالتيه الذي تمّ بين آدم وحواء في بداية الخليقة، يكشف عن أن هذه الحكاية التي تشكل جزءا مهما في الرواية الآنية، سوف تكون محور الرواية القادمة، وفق سياق وتوجه جديدين، يكشفان عن بداية جديدة، في سفرهما إلى جنوب السودان، في محاولتهما التخلص من آثار المهدية، في بحثها عن نصاعة، تؤدي إلى تكفير الآخر المغاير، والبحث عن هوية جديدة بعيدا عن الوصاية المصرية.
في بعض الأحيان نجد أن هذه الجملة الموضوعة داخل المربع، أو الدائرة ليست مأخوذة من النص السردي، وليس هناك نقل من موقعية إلى أخرى، ولكن وجودها على هذا النحو الأيقوني له دلالته اللافتة في التنبيه والإشارة إلى الإحساس الداخلي لشخصية المهدي، فبعد هزيمة المهدي يأتي هذا السؤال في مربع دال (النصر للسيوف، فلماذا هزمنا؟)، فوضع السؤال على هذا النحو- بالإضافة إلى التنبه إلى نوعية السلاح وفق لحظة حضارية تتطلب سلاحا مغايرا- مهم في إضفاء الملامح العسكرية القوية لشخصية المهدي، خاصة إذا وضعت في مقارنة مع شخصية ويليام هكس قائد القوات المصرية الذي تكشف رسائله إلى زوجته عن تورم عسكري ويقين بالانتصار. فالتساؤل هنا مهم، لأنه يمثل حجر الزاوية، ويمثل لحظة مفصلية في تاريخ الثورة المهدية، فبعد هذه الهزيمة كان لديه ميل للعودة إلى الجبل والانضمام للمتصوفة والابتعاد عن هذا التوجه، ولكن المساءلة والتفكير العميق، وتحليل أسباب الهزيمة كفلت له اختيار مواصلة القتال.
نقل الموقعية لبعض الجمل آلية مهمة لمقاربة الحادثة روائيا، للوصول إلى اسباب وجودها وانتشارها، ولكن الآلية الأكثر حضورا وأهمية تتمثل في اعتبار الخماسية الخاصة بالنهر نصا واحدا، حيث يقيم النص الآني (رقص الإبل) حوارا مع نص روائي سابق للكاتب داخل هذه الخماسية (عتبات الجنة) (النص الثاني في الخماسية). وربما كان السؤال هنا مرتبطا بالمبرّر الفني الذي يجعل الروائي في هذا الجزء أو هذا النص الاني، يعود إلى جزئية تمّ الاشتغال عليها في رواية سابقة بشكل كامل، وهي رواية متعلقة باثني عشر ضابطا مصريا من المشاركين في ثورة عرابي، تمّ الحكم عليهم بالإعدام، وخفّف الحكم إلى النفي إلى مديرية خط الاستواء.
وقد يكون المبرّر مرتبطا يتداخل العوالم، أو تداخل الأزمنة، أو مدارات الصراع التي تتشابك في لحظات معينة، ولكن طريقة تقديم الجزء الرابع في هذه الرواية (مديرية خط الاستواء) في حوارها مع الرواية السابقة، ربما يكون وراءه هدف آخر، يرتبط بتمجيد الجيش المصري، وسلوكه الحضاري والإنساني، خاصة في ظل استحضار أن هؤلاء الضباط مشدودون إلى لحظة هزيمة مرتبطة بالثورة العرابية، ولكن كل ذلك لم يغيّر طبيعتهم أو سلوكهم الإنساني. فمع القائد (الفولي) هناك دور إنساني في إعادة مفقودات ومسروقات قبيلة (ألياب)، وفكرة الزواج بالسودانيات تكشف- أيضا- عن إزالة التراتب، أو ذوبان النظرة المستعلية التي دائما ما تكون حاضرة مع كل مستعمِر، بالإضافة إلى حضور فكرة الزراعة انشدادا لهوية خاصة بالمصريين، ونقل معارفهم في هذا الجانب، وتحديد الآليات الخاصة بهذا العمل.
إن حوار هذا الجزء مع الرواية السابقة ربما يكون مقصودا للوصول إلى دلالات محددة، يطوّعها نسق فكري لدى الكاتب، ويتجلى من خلال النص إيمانه به، فوجود هذا الجزء الكاشف عن الوجه الحضاري أو الإنساني للضباط المصريين، ربما لوضعه في مقارنة مع السلوك الداعشي لجيش المهدي في تعامله مع الجيش المصري بقيادة ويليام هكس من خلال خطاب شديد القسوة في نص الرواية. في المقابل نجد أن الرواية في سردها لسلوك ضباط الثورة العرابية المنفيين، تجعلهم- بالرغم من إحساس الفشل المتأصل لديهم بسبب هزيمة عرابي- لا يتخلون عن سلوكهم الحضاري، فقد ظلوا يقاومون تجارة الرقيق أو العبيد بالرغم من كونها في منطق الرواية سببا أساسيا في نجاح ثورة المهدي، فالضابط المصري محمد فوزي يرد على الضابط ديكين (بأنه لم يحكم عليه بإعدام مخفف بالنفي بتهمة الدفاع عن ثورة دستورية، كي ينحط به المقام لصياد في عصابة رقيق).
ويتساوق مع التوجه ذاته في التدليل على الوجه الحضاري أو الإنساني للضباط المصريين، سلوك الأورطات المصرية الذين رفضوا المشاركة في نهب قوت الأهالي، مفسرين رفضهم-حسب نص الرواية- بأن الحكومة المصرية تفرض ضرائب، أو تضع على رأس البلاد والإدارات حكاما فاسدين، ولكن القوات العسكرية ليس في تاريخها نهب قوت السكان)، ويمكن فهم سلوك الأسبران- سوادني الجنسية وهبه أبوه للخديوي ليلحقه بالجيش المصري- في رفضه محاربة الجيش المصري بعد عودته إلى السودان، ووصوله إلى أهله في الرهد مخاطبا أمه (يا أمي النفر ما يحارب أهله وإخوته، وكمان ما يحارب جيشه، والجيش المصري جيشي) في إطار المكونات والأسس الثابتة التي تشكل نسقا يؤثر على جميع المنضوين في إطاره. فالهدف من الحوار مع النص القديم يتمثل في أن التغيير في طبيعة أو توجه الحاكم لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير في الوجه الحضاري للضباط المصريين، وكذلك الغلظة الداعشية لحركة المهدية كما تجلت في النص الروائي على الوجه المقابل، لم تؤد إلى خروجهم عن المبادئ الكبرى في حركتهم وسلوكهم.