التحولات والنصوص الموازية في متتاليات الدكتور نازل لطالب الرفاعي
التحولات والنصوص الموازية
في متتاليات الدكتور نازل لطالب الرفاعي
عادل ضرغام
في متتاليات طالب الرفاعي (الدكتور نازل) يأتي التأطير الكاشف عن النوع على صفحة الغلاف مهما، لأنه يجعل القارئ يؤسس منطلقاته لفعل القراءة والتلقي، فيدرك أنه في مساحة الريب والتداخل بين القصة القصيرة والرواية. فالمتتاليات تؤسس سماتها النوعية من خلال الحركة الرجراجة بين الإغلاق والانفتاح، بين البنية الجزئية المكتفية بذاتها في وجودها الفردي، والمنفتحة في احتياجها للأجزاء في وجودها الكلي، فهي جزئيات أو قصص أو شذرات متفردة قائمة بذاتها، ولكنها مطعونة في احتياجها للجزئيات المجاورة لها في عملية القراءة والتلقي.
الروابط التي تضع القصص أو الشذرات في سياق المتتالية القصصية نابعة من القراءة والتلقي، فسياقات القصص تنحو منحى نقديا للمجتمع، ولتحولات ذلك المجتمع التي تتمّ دون ملاحظة كاشفة أو راصدة إلا من خلال استشعار المبدعين بهذا التحول، فالقصص أو الجزئيات تحيل إلى الزائف الذي تحوّل إلى حقيقي، وتنعي الحقيقي الذي تحوّل إلى زائف، وما ذلك إلا استجابة لروح العصر، وطبيعة التحولات الكبرى التي تصيب المجتمعات الصغرى، فتصبح متعلقة بالاستهلاكي والمتفسخ الزائف، وتفقد تبعا لذلك أخلاقياتها ومثلها العليا، وأعرافها وتقاليدها، وتصبح هذه المجتمعات خلقا مشوّها تفقد فيه وجهها الحقيقي، لأنها موزعة بين عالمين أو بين وجهين، كل واحد منهما لا يمكن أن يكون خالصا من الآخر، فالتغيير يصيب كليهما، ويؤثر في مرتكزاتهما.
وربما يكشف السياق التأويلي في فعل القراءة ذاته تأمل دلالة الاسم (نازل)، وما يدلّ عليه من الابتعاد عن منظومة قيم أو أعراف مؤسسة تليدة، في مقابل صعوده في كل السياقات غير الشرعية، (فنازل)- حتى قبل أن يكشف النص السردي عن ذلك في القصة الأخيرة- ليس شخصية واحدة، فقد أصبح أيقونة وظيفية لكل فساد أو خراب، فهو صورة لسمت الخراب المتعدد في كل قصة، في ابتعاده عن القيم، والاشتغال على الخروج على الأعراف والقيم الخلقية المؤسسة. فكل مكان أو مؤسسة، وكل قصة لها (نازلها) الذي يمثل منظومة الفقد والاكتساب، فقد القيم، واكتساب أخلاقيات جديدة، وتلحّ في قصص المجموعة متساوقة ومتجاوبة مع بعضها البعض.
في ظل ثبات (نازل) وتغيير الإطار الذي يرد فيه، يتجلى للقارئ أنه يمثل النصاعة الكاذبة التي يحتمي بها الجميع، دون تفكير أو تأمل لخواء الداخل وهشاشته وتفاهته، فهو يمثل نقاط الخراب في كلّ حياتنا داخل المجتمعات العربية، هي النقاط أو البؤر التي نعرفها ونشعر بها، ولكننا جميعا نتفق على إنكارها أو عدم وجودها، حرصا على سلامتنا النفسية وعلى انتصاب قامتنا. وفي ظل ذلك الفهم تأخذ الشخصيات المصاحبة للدكتور (نازل) مثل (مهاود) أو (دلول) أو (نزّول) أماكنها في تشكيل الإطار العام، فكل شخصية تمثل حالة وظيفية داخل النسق العام الذي يسدله ويوجده ويحركه الدكتور نازل. فكل واحد منهما في نص المتتالية يأخذ شكلا ثابتا لا يبارحه، فالفساد أو الخراب لا يتشكل إلا في إطار متعانق ومتجاوب يؤسس لحنه، فكل هذه الشخصيات أشبه بالعازفين الذين يجب ألا يجربوا الخروج عن النوتة أو الإيقاع الذي يفرضه نازل في تشكيل ملامح النسق أو العالم.
ويأتي السارد في كل المتتاليات ليمثل النمط المقابل، حيث تتجلى المثل وقيم الصدق، فيصبح الشخص أو البطل الذي يجرح ويعرّي نسق النصاعة الكاذبة، أو يشوّش على اللحن الزائف الممتد مشيرا إلى انقطاعاته وتهافته في ظل سيادة نسقه ارتباطا بلحظة آنية تقوم على الاستهلاك، وعلى الانتهازية بوصفها مدخلا للربح. فنازل في وجه من وجوهه هو الفهلوي أو الانتهازي الذي يجيد إدراك طبيعة اللحظة والحركة التي تتولد من المستجدات الحياتية التي تمرّ بأي مجتمع، ويستفيد منها، فنراه في أزمة كورونا كوّن الشركات التالية استجابة للحظة (نازل للتوصيل الفوري)، و(التوصيل المنزلي)، و(طب وتخير للتوصيل)، و(اشتر وعلينا التوصيل). فالقارئ في هذه المتتاليات أمام عازفي النصاعة الكاذبة واللحن الممتد، ومقابلهم الذي يمثلون النشاز، الأول الدكتور نازل ومن يتحركون وظيفيا في إطاره مثل مهاود، ودلال، ودلول، ونزّول، والآخر يمثله السارد، وما يتجاوب معه من موقف الأم في بعض المتتاليات بوصفها حارس النسق القديم.
التحولات وحراسة النمط القديم
التحولات التي يؤسس لها نص المتتاليات ناقدا ليست تحولات مرتبطة ببلد أو قطر واحد، وإنما ترتبط بشأن عالمي، فهي تحولات عالمية تصيب الجميع بنارها ونيرها، يتجلى ذلك في جزئية (شيخ زبير)، حيث يحاول أن يكوّن إدارة للكذب العالمي، حيث يقول (العالم من أقصاه إلى أقصاه يكذب بعضه على بعض، المفكرون والفلاسفة، المسئولون، دكاترة الجامعة، الكتّاب الصحافيون، وممثلو هوليود)، والغريب أنه وضع أصحاب الرسائل المثالية قبل ممثلي هوليود، للإشارة إلى فاعلية هذا التحول، فقد أفقدت أصحاب الرسائل أسس عملهم، وارتباطهم برسالاتهم السامية.
الوصول أو الشعور بالتحولات في معناه العميق إشارة إلى مستوى متوار، له قيمته الحاضرة من خلال الحنين إلى بساطته المعهودة، ومعناه أيضا أن هناك انزياحا في إطار توجه عام يفقد النسق القديم وجوده، وتصبح الثقافة الاستهلاكية هي السائدة، من خلال ذوبان الثقافة المحلية في إطارها، فنجد أن هناك هيمنة لثقافة أحادية. ففي قصة (إيميل) نطالع هذا الجزء الكاشف عن هيمنة الثقافة الأحادية (شاشة التلفزيون الكبيرة تعرض آخر الأفلام الأمريكية، وألعاب الكومبيوتر والأتاري باللغة الأمريكية)، وفي هذا الجزء بالرغم من الهيمنة نجد أن هناك حضورا للسارد الذي يمثل وجها من وجوه حراسة النمط القديم، حتى لو كان هذا الحضور مشمولا بغربة فازعة بين النمط الماضي والحاضر، فالذين عاينوا بساطة الأنساق القديمة يعانون غربة وسط هذه الثقافة، فالسارد يتحدث عن نفسه ( كأني مخلوق دخيل على المكان)، مشيرا إلى متغيرات آنية وثقافة استهلاكية دافقة الوجود.
ونتاج هذه الثقافة الاستهلاكية المرتبطة بمنطق تقليد المنتصر، في سلوكه ولغته، ومعطيات ثقافته، لن يفضي إلا إلى مخلوق هجين، لا يستقيم مع نسقه القديم البسيط، ولن يشابه بالضرورة الأنماط الأصلية لهذه الثقافة، ويمكن أن نلمح صدى ذلك في شخصية (نزّول) من خلال قصة (إيميل)، فهو منبت عن جذوره لا يعرف العربية، وقد يشير-بسبب التشابه الصيغي أو الانطلاق من اسم الدكتور نازل- إلى كونه نتيجة لوجود وهيمنة أسس الخراب الخاصة بالنسق الجديد والنصاعة الزائفة، فليس هناك حفاظ على القديم، وليس هناك دخول منطقي فاعل ومؤسس لعصر الحداثة، فالمتتاليات في جانب كبير منها تمثل عواء ضد الحداثة الزائفة التي تمارس دورها في مجتمعاتنا العربية.
في المتتاليات يتحول (نازل) و(نزّول) -وآخرون بالضرورة- بسبب تشابه الجذر الصيغي إلى أنماط وظيفية كاشفة عن التحول الذي لا نستطيع له دفعا، لأنه تحول ليس جزئيا، وإنما تحوّل عالمي نحو الثقافة الاستهلاكية المهيمنة والمسيطرة، حيث تشكل أنماطا لخيارات الحركة والتوجه داخل المجتمعات المقهورة بالتبعية، يكشف عن ذلك إتقان (نزّول)، وأخته (دلول) للإنجليزية في مقابل عدم معرفتهما للغتهما الأساسية اللغة العربية.
وقد كشف هذا التحول –بالرغم من هيمنته- عن وجود نسق مقاوم يطلّ في بعض القصص في شكل تجاذبات وتباينات بين شخصيات تمثل في واقعيتها صراعا بين عالمين أو نسقين. وقد تجلى هذا النسق في شخصيات محددة، فالأب- وهي إشارة للمساحة العمرية في معاينته للنسق القديم- في قصة (لوسي) يصف الدكتور (نازل) بكونه محتالا. وقد يتجلى هذا النسق المقاوم الحارس للنسق القديم في المساحة العمرية الممتدة زمنيا في الماضي، من خلال صوت الأم في المتتاليتين الأولى والثانية، وذلك النسق المقاوم يقابله نسق مضاد يتمثل في صوت الزوجة في المتتالية الثالثة، لأن صوتها يعمل على تنضيد وتثبيت وزيادة فاعلية وهيمنة نسق الدكتور نازل.
فالمغايرة بين الأم والزوجة في المتتاليات مغايرة بين خوف حقيقي على ذوبان السمت القديم رفضا لمدارات التحوّل، وبين مسايرة التحول والتشبث به، فالأم في المتتالية الأولى والثانية تطل بوصفها حارسة القيم والأعراف، فهي تنفر من سلوك الدكتور نازل، وتكره ارتباطه بابنها. ولكن الزوجة انطلاقا من حاجة آنية، وانشدادا إلى نمط حياتي رأسمالي، لا تقيم وزنا لهذه القيم، لأنها ربما بسبب عمرها لم تتشكل في إطار تلك القيم، وذلك النسق الكاشف عن البساطة.
التباين بين ردّ فعل الأم ورد فعل الزوجة تجاه النسق الجديد في بعض المتتاليات بشكل تتابعي يكشف حتما عن المقارنة بين زمانين، وبين نمطين لمقاربة الحياة والارتباط بها، فالأولى متجذرة في الماضي، لأنه يمثل جزءا عزيزا عليها، والأخرى متطلعة للآني، لأنها نشأت في ظل هيمنة سياقاته، ويعد الدكتور نازل جزءا منها، وجماع قسماتها المميزة، ففي قصة (أصدقاء) تقول الزوجة لزوجها بشأن عمله مع الدكتور نازل في نقله لمقولتها (قررتْ مؤكدة أن العمل مع الدكتور نازل شرف كبير). يظهر هذا التوجه الخانع في إسدال هيمنة للنسق الجديد من الزوجة في متتاليات عديدة. ففي متتالية (تغطية) ينقل السارد قولها : روح-أي اذهب- وشككت أنها وراء الاتصال)، وفي المتتالية ذاتها التي ترتبط بتحري الحقيقة في الصحافة، وفي وجود النسق المقاوم الذي يمثله السارد تأتي الزوجة دائما نصيرا للنسق الآني، فبعد أن أفشل السارد مخطط نازل في تقديم حقيقة زائفة للقارئ، ينقل السارد حواره مع زوجته قائلا (مساء عاتبتني زوجتي: أنت تبحث عن المشاكل، الرجل ساعدك، وهو حرّ بتوجهات جريدته- لا أستطيع كيف أزوّر الحقيقة- لو كنت في مكانك لفعلت مثله- صفعتني جملتها).
الأم- خاصة في المتتاليات الأولى- تطل بوصفها حارسة النسق القديم، ارتباطا بماضيها، وحنينا للبساطة وللأشياء المعهودة المحددة، وهي بذلك تصبح جزءا من توجه عام يتماس مع قيمة حاضرة أو مع مكوّن من مكونات الهوية التي يجب الحفاظ عليها. فالأم التي تظلّ في مساحة الشك والريبة من نسق الدكتور نازل بنصاعته الكاذبة، لا يمكن أن تطل على ماديتها المعهودة، فوجودها على هذا النحو يجعلها تتأبي على محدوديتها، لتشير إلى صوت القيم والثبات والعرف، وهي قيم ملتحمة بمتخيل عام، يحكم على السلوك بالانسجام أو الانضواء داخل نمط جاهز للأعراف، أو بالخروج عن النمط المؤسس التليد، وانفلاته منه، فالأم هنا تشكل حائط القيم أو المثل الجاهزة المرتبطة بكل مجتمع أو عشيرة.
ولكن بناء الوعي في الالتفات إلى قيمة النسق القديم ومقاومة الآني المتهافت لا يتجلى في المساحة العمرية عند حدود الأب والأم التي أخذت حيزا كبير، بل يتجلى في أشكال عديدة، ولكن أهمها يرتبط بالوعي المتكوّن أو المترسب من خلال الأنماط الثقافية الفاعلة في المشهد الثقافي الكويتي، هذه الأنماط التي تستشعر مساحات التحوّل أو التبدّل من النقيض إلى النقيض، بداية من حضور المؤلف، وتداخله او تطابقه مع السارد الفعلي في نصوص المتتاليات، سواء في المتن السردي أو في النصوص المصاحبة في بداية كل متتالية إن وجدت أو في خاتمتها، بالإضافة إلى حضور شخصيات لها ثقلها الثقافي في المشهد الثقافي الكويتي مثل ليلي العثمان وخالد البسّام وآخرين، وكأن النص السردي في المتتاليات من خلال حضور السارد الفعلي وتطابقه مع المؤلف الواقعي، وحضور الآخرين الفاعلين يشير إلى وجود طبقة تعي هذا التحول، وتشكل بوجودها مساحة راصدة للمراقبة، وتعمل على منع هذا التحول من الوصول إلى مداه السلبي.
هذا الحضور الدوري للشخصيات الثقافية الفاعلة سواء في المتن، أو في الشذرات خارج النصية السردية في بداية المتتالية أو نهايتها، يشير إلى أن هذه المتتاليات لا تنفصل عن الخارج، بل هي ملتحمة به، ولها وظائف محددة. في بعض القصص أو المتتاليات تصبح فقرتا البداية والنهاية بمثابة ميتا سرد للقص، فالقصة أو المتتالية تأتي في مكانها بين الفقرتين، وكأنها وجود قائم بذاته، وتأتي الفقرتان الأولى والأخيرة لتمثلا نسقا تداوليا للحكاية أو للمتتالية، في مقاربتها داخل المنحى الاجتماعي الذي ينتجها، ويؤسس لها داخل سياقها الثقافي، كاشفا في ذلك عن خواء الروح، وارتباطها بفعل الخروج على العرف، لأنه يحمل فكرة الخروج في حد ذاتها.
ويمثل ذلك خروجا من السرد إلى الحكاية وآليات تداولها، أو من القص إلى التأويل، ومعاينة حركة السرد، وتداوله داخل محيطه الاجتماعي وسياقه الثقافي. ففي بعض الأحيان يدخلك النص الموازي في نهاية القصة ارتباطا بالسرد أو بالمتن السردي إلى معاينة إطار قريب من فحوى القصة، فالمتن السردي مرتبط بالمستوى المثالي والواقعي، ومدى تعارضهما بشكل لافت بين رجل وامرأة، ليس بينهما رباط مقدس، ولكن في النص الموازي تدخل القصة من خلال النص الموازي إلى أفق أكثر اتساعا ورحابة بعيدا عن إطار المتن السردي الضيق. ففي المتن السردي هناك انزعاج من السارد من (شخير امرأة) تجاوره في الطائرة، أعجب بها في صالة الركاب، وتمنى أن تكون رفيقته في رحلته الطويلة على الطائرة. ومن حتمية هذا الأمر، وعدم القدرة على التخلص منه حتى تنتهي الرحلة، ينفتح النص الموازي إلى مقاربة الموضوع بين الرجل والمرأة بشكل عام داخل الرباط المقدس، بوصف الزواج رحلة. وهذه الزحزحة من الفردي إلى الكلي، أو من السرد إلى الميتا سرد، تدخل المتتاليات داخل بنية سردية وتداولية في آن.
النصوص الموازية والبنية النقدية
الأفكار النقدية التي تطرحها المتتاليات السردية تجاه النسق الآني قد تكون عادية وموجودة في كل المجتمعات العربية بدرجات متفاوتة، ولكن قيمة الكتابة الفنية لا تكمن في الفكرة، بقدر ارتباطها بأطر وأشكال تقديم الفكرة. ففي متتالية (متجدد)، يأتي العنوان فيها -كشفا عن المفارقة- مباينا لكل ما تقدمه المتتالية من ثبات، ولكن الثبات الذي تتمحور حوله المتتالية لا يرتبط بانحناء الأب والد حنان- وقد يشير ذلك إلى ارتباط بمتتالية أخرى ترتبط بنسبة البطالة- تجاه الدكتور نازل وملازمته إياه، ولكن تأمل الثبات يأتي من الكلمات التي أخذت من خلال سمكها الخاص دلالة أقرب إلى دلالة العناوين (في العشرينيات- في الثلاثينيات- في الأربعينيات)، وداخل هذه الفضاءات والفضاءات الأخرى حتى الألفية الجديدة، هناك ثبات للمؤتمر العام، وللقرارات التي تصدر عنه بالرغم من المساحات الزمنية الممتدة، مما يكشف عن كونها مؤتمرات شكلية، لا تكشف عن التجدد، كما يوحي عنوان المتتالية، لكنها رازحة تحت ظل الثبات الآسن الممل في قرارات شكلية ثابتة.
فالنقد في المتتاليات لا يتشكل على هيئة واحدة، بل يتجلى في شكل أبنية أسهم الاشتغال الفني في تجليها بشكل خاص في كل مرة بشكل محسوب ودقيق، ففي بعض الأحيان يتجلى هذا التوجه النقدي في بنية سردية مرتبطة بالكولاج السردي أو الجزئيات المتجاورة، يجمعها داخل المتتالية خيط واحد، ومساحة اهتمام واحدة. تتجلى هذه الأبنية المتجاورة في الفجوات الزمانية والمكانية بين الشخصيات التي تشارك في تأطير القصة، أو تأطير الخراب العام، فهناك السارد الذي يطلّ في المقطع الأول في حواره مع قريب الدكتور نازل، وهو نفسه الذي يطلّ في النص الموازي في نهاية المتتالية، فيصبح صوتا للضمير الإنساني الذي يعاين الحقيقي والزائف، ومساحة الريب بينهما.
وهناك صوت المرأة المغدورة والغادرة في آن، ويمتدّ وجودها في أكثر من جزئية أو كولاج سردي، للكشف عن التاريخ السابق لعلاقتها بالدكتور نازل، وللكشف عن تأسيسها لمسرح الإيقاع به، وتسجيل فيديو له، وآليات تعديل الفيديو مع صديقة أمريكية، وتركيب عازل للوجه الحقيقي على وجهها. وهناك صوت نازل الذي يدافع عن نفسه مستندا إلى النصاعة الزائفة، وإلى آيات القرآن الكريم، لكي يشحن دفاعه ببعد له قداسة، بالإضافة إلى الاتكاء على فكرة المؤامرة التي تحاك ضده، من الممثل الأمريكي آل باتشينو والمخرج فرانسيس كوبولا، ويزيد في ذلك الإطار بمطالبته بمحاكمة كل من أساء إليه. هذا الكولاج السردي في فجواته الزمانية والمكانية وثيق الصلة بحركة الذهن في مقاربته للأمور، أو للجزئيات الخاصة بقراءة المواقف للحفاظ على نصاعة جمعية، ويظل الذهن موزّعا بين يقينه بالفساد، وانحنائه إلى نسق عام يحاول افتراض وجود مسوح جاهزة تسهم في تغيير صدق الكشف والتعري ولهيبه الحارق.
في بعض المتتاليات يتأسس نقد الخراب على الإشارة إلى وجود أنساق أو نسقين محددين للخراب، ويؤدي التشابه الصيغي دورا مهما في لفت الانتباه إلى تجاوب هذه الأنساق في تأطير سياق عام للبعد عن نمط تاريخي ممتد. فحين نتأمل التشابه الصيغي بين (نازل) و(هابط) في متتالية (أرض المعركة)، ندرك أن هناك توجهين متساويين في القيمة والأثر في فعل الخراب وإنجازه، أحدهما يتمثل في الوعي بالحالة أو الانتهازية الشكلية ممثلة في نسق الدكتور (نازل)، والآخر يأتي ممثلا في الانغلاق والعودة إلى العصور المظلمة من خلال تكسير اللوحات، ومنجز الحضارة والحداثة في نسق (هابط)، وذلك من خلال وعي منغلق على ذاته لا يغادر أوتاد الخيام، حين يقتحم أفراده الجاليري، ويحطمون لوحات الفنان العالمي (ماثيو). ويصبح الخراب أو الفساد في منطق المتتالية صراعا بين قسيمين أو قطبين: الفساد، والانغلاق المرتبط بالحركة للخلف لا الأمام.
ولكن الظاهرة الأكثر أهمية في متتاليات الدكتور نازل بوصفها الظاهرة البنائية ذات الحضور الكثيف تتمثل في وجود نصوص مصاحبة في نهاية المتتالية أو في بدايتها، وقد تتنوّع هذه النصوص الموازية أو المصاحبة، فتارة تتمثل في خبر أو حوار، أو في جزء من مقال في جريدة، وتارة تكشف عن مساحات من التداخل أو التطابق بين السارد الفعلي والمؤلف في ظل حضور أو إشارة إلى شخصيات ثقافية معروفة، وتختلف دلالة النص الموازي حسب موقعيته في بداية المتتالية أو في نهايتها، وقد تتحقق في البداية والنهاية في بعض المتتاليات مثل قصة (لوسي)، وقصة (بالحلال). فوجود النص الموازي في بداية القصة له علاقة بالتجهيز، وتحديد إطار التلقي ومساحة الاشتغال الدلالي، ويوجه عيني القارئ نحو المشكلة التي تتوجه إليها المتتالية.
ففي متتالية (بالحلال) يأتي النص الموازي في البداية للإشارة إلى موقع زواج، حيث تبدو مشكلة العنوسة الأفق المحدد للمتتالية، بينما يأتي النص الموازي في نهاية القصة للكشف عن البعد التداولي العام، والدوران في فلك الغور العميق للمتتالية، فمن خلال التلميح لا التصريح يتكشف وجه حداثتنا المزعومة والزائفة، فقد أشار ذلك النص الموازي إلى أن بداخل كل واحد منا ارتباطا بالنصاعة الزائفة شيخا، ما زال يقارب الحياة بمنطق قديم لا تمسه روح الحداثة، وإذا كانت الإشارة إلى الموقع تمثل استجابة لروح الحداثة، فإن حركة النص باتجاه نص النهاية الموازي، يضعنا وجها لوجه مع معضلاتنا التي تعرقل سير أو توجه مجتمعاتنا نحوها.
فالنصوص الموازية تخرج الإطار أو المتن السردي من أفق الحكاية المحدودة أو الفردي الضيق، إلى براح تداولي يتعلق بالميتا سرد، فهي تخرج المتلقي من ذاتية السرد إلى تداوله الجمعي، ففي متتالية (نيران صديقة) يؤسس النص الموازي بعيدا عن الفردية او الذاتية في القصة أو المتتالية تقديم إطار نقدي يحرّف الرصانة، ويقدم جزءا يصلح لأن يكون هوية أو توجها لشعب، فالنص الموازي الأخير يكشف عن كونها جزئية من الجزئيات الملازمة للوجود، وكأنها شارفت على أن تكون ملمحا من ملامح الهوية.
في بعض القصص أو المتتاليات مثل (طلعة حلوة) يتأسس هذا التوجه، فمن خلال النص الموازي في نهاية القصة هناك محاولة لتحريك دلالة القصة من دلالة محددة مرتبطة بشخص ينتمي إلى مجتمع ما، إلى جعل الدلالة منفتحة لتشمل الجميع، فالتغييب المتعمد لاسم كاتب القصة في جزئيتي الاستهلال والخاتمة التي تمثل نصا موازيا، يحمل دلالة في تحريك مساحة الاهتمام من مؤلف محدد إلى مؤلف عام غير محدد، للإشارة إلى أن الحال المعيشة التي تقاربها القصة- وهي حال خاصة بالانفصال الفعلي عن الحياة بارتباطنا المرضي بوسائل الاتصال الاجتماعي واستلابها لحضورنا- أصبحت دائرة عامة، لا ترتبط بحالة شخصية واحدة، أو بمؤلف واحد، فالتداول هنا سواء في البداية او النهاية يحيل الجزئي إلى كلي، ويحيل الأفق الخاص إلى أفق عام.
فالنصوص الموازية في نهاية المتتاليات السردية تؤدي وظيفة أساسية في تحويل السردي إلى تداولي يتعلق بالميتا سرد، كما في قصة (مصعد بعيد)، ففيها تتجاوب المقدمة الأولى ونص الختام بجوار المتن السردي، لزحزحة الفردي أو الذاتي إلى الأفق الجماعي، ونقل المشكلة الفردية داخل إطار مشكلة جماعية، أو داخل توجه كلي، مثل البطالة التي يتأكد حضورها في إطار صفات أخرى ترتبط بالانتهازية، والفائدة الآنية.
لكن هناك في بعض المتتاليات تتوقف وظيفة النصوص المصاحبة عند حدود إظهار التناقض الحاد بين نسقين، النسق السابق ببساطته، والآني بانتهازيته وهشاشته، مثل النص المصاحب الخاص بالخبر الذي نشر في جريدة الجريدة الكويتية عن مشروع صخر للأستاذ محمد الشارخ، فهذه الجزئية التي تأتي بوصفها جزئية خارج نصية لارتباطها بموقعية النص الموازي في الختام، تشير إلى ماض مباين ومعارض لعالم المتتالية السردية، الكاشف عن شخص هجين نظرا لتعلقه بثقافة استهلاكية بعيدة عن ملامح هويته ولغته، حيث يرتبط (نزّول) بالثقافة الأمريكية ولغتها، في غياب معرفته أو إجادته للغته، فيرفض طلبه في العمل داخل الإطار الثقافي الذي يجيد لغته الأجنبية، لأنه لا يعرف ماضيه.
في نصوص أخرى من المتتاليات يتأسس الحضور القوي للنسق الآني المتهافت في ظل سيادة هيمنته، وذلك من خلال دلالات النصوص الموازية. ففي قصة أو متتالية (اعتصام) يأتي النص الموازي كاشفا عن هيمنة نسق الدكتور نازل، وذلك في إظهار تحكمه وقدرته في تحريك نسقه ليصبح نسقا فاعلا، ويحيل فساده إلى فساد مؤسسي عام، ففي نص جذاذة جريدة القبس الخاص بالاعتصام ضد القوانين الرادعة للغش تأتي هذه الجملة: (فهل وصلت بنا الحال إلى أن تخرج أصوات نشاز ترفض محاربة النجاح الوهمي؟). والجملة تمثل تساؤلا إنكاريا لوضع أصبح مهيمنا، يحتفي بالنصاعة الكاذبة دون مواجهتها.
النصوص الموازية سواء جاءت في بداية المتتالية أو في نهايتها، لها وظيفة ترتبط بالمتن السردي، قد تقف هذه الوظيفة عند حدود إسدال التناقض أو التشابه، أو تتعاظم على هذه التماثلات والتناقضات والتشابهات، فتعمل على زحزحة السردي وتحويله إلى ميتا سردي تداولي، ليستمرّ مشيرا إلى حدود المشكلة داخل إطار رؤية عامة تتجاوز الفردي والذاتي، للانتباه إلى حدود مساحة التغيير التي تصيب الروح الجمعية بالتغيير.