طبقات الذاكرة والمنطق الشعري في رواية متاهة الإسكندرية لعلاء خالد
طبقات الذاكرة والمنطق الشعري
في رواية متاهة الإسكندرية لعلاء خالد
عادل ضرغام
في روايته (متاهة الإسكندرية) يؤسس علاء خالد طبقة جديدة للمدينة، طبقة مرتبطة ومشدودة إلى طبقات سابقة، في محاولة للوصول إلى الروح أو الرائحة التي خلقت أسطورة المدينة المشدودة إلى الأماكن والبشر، وإلى الأسئلة الوجودية التي تلازم الإنسان على الدوام، وإلى أسئلة الفن والشعر من خلال أعلام المصريين والأجانب الذين خلقوا شيئا من سمتها، وخلقت فيهم شيئا من طبيعتها المتسامحة التي تفتح بابها للغريب على مرّ تاريخها، وللهجرة نحوها، تلك الهجرة التي تمثل وجودا جزئيا منقوصا لأصحابها، ولكنها أعطت للمدينة ديمومة مملوءة بالتنوع والتعدد، فهي في النص الروائي (مقبرة كونية) لتعدد جنسيات من ماتوا ودفنوا بها، وهي أيضا - لكونها مدينة منفتحة على الآخر والغريب، وبابا واسعا للهجرة- هي مدينة التصالحات الكبرى بين الأعراق والأديان والأجناس.
الرواية حركة دائبة لمطاردة روح ورائحة لا يستقران، ولا يكفان عن التحليق والتواجد والانتشار، في الشوارع، وفي مطالعة المباني والآثار، فالإشارة إلى نجيب محفوظ في سياقات ثلاث من النص الروائي، ربما تشير من طرف خفي إلى قيمة المكان الموازية، وإلى هدف المؤلف في تمجيد مدينته، وإلى إقامة بناء مواز لبناء نجيب محفوظ للقاهرة في أعماله الروائية، بالرغم من أن أبنية محفوظ أفقية قائمة على التمدد والنمو، في مقابل بناء علاء خالد في هذه الرواية الذي يقوم على التمدد الرأسي داخل المكان وطبقاته المتتابعة، وداخل الشخصيات، والحفر مرة بعد مرة، للوصول إلى الجوهر المتفلت للمدينة وللشخوص الذين لا يكفّون عن الحركة للمعاينة والمتابعة والمقاربة.
البناء هنا ليس لحظيا فقط، وإن كان ينطلق من اللحظي والآني، ولكنه لا يقف عند اللحظي والآني، بل يحفر عميقا في التاريخ والتراث والأديان، بالرغم من أن لغة الكاتب شديدة الولع بالبساطة، ولكن هذه البساطة لا تكتفي بتخلقها المحدود، فهي تخلق عوالم وطبقات تشع في اتجاهات عديدة، ولها قدرة خاصة على أن تبقي القارئ في مساحة الانتباه، لأن أية غفوة بسيطة عن ملامسة هذه العوالم التي تصنعها تفقدها الكثير من اكتنازها ومن قيمتها، وتفقد القارئ أيضا القدرة على التماهي مع النص، ومعاينة جوانبه وآفاقه.
الإمساك بالمكان أو رائحته، أو الإمساك بالشخصية التي لا تنفصل عنه، ليس عملا سهلا، لأنه يحتاج إلى حفر من نوع خاص، حفر قائم على التوجيه البنائي، وعلى اختيار شخصيات، واختيار حركتها واهتمامها الفني، وتوزعها في مفهومها للفن بين كونه أيقونة متعالية من القداسة إلى كونه واقعيا يصيبه ما يصيب الأشياء والكائنات من تفسّخ وانتهاء وذوبان، وهذ الحفر لا يقدّم مقاربة بسيطة، بل يطرح رؤية أو مقاربة داخلية مملوءة بالبحث عن حركة الشخصيات، ومسببات هذه الحركة والتوجه، وهذا يؤدي إلى نزوعات متتالية مع كل وقوف أمامها لإضاءة جانب من جوانبها.
وفي كل ذلك تتجلى المؤثرات الحضارية والثقافية والسياسية كأنها إطار عام، يعطي نوعا من السياج الضاغط الذي يؤثر في الشخصيات وردود أفعالها على نحو غير مباشر، مثل انتفاضة الخبز، وموت عبدالحليم حافظ، ومعاهدة السلام، وهبوط السادات في مطار بن جوريون. فإذا كانت الرواية مهمومة بسيرة الفرد، أو سيرة الجيل في لحظة التشكل والتكوين في التحامها بسيرة المدينة وعبقها للإمساك به، فهي لا تأتي سابحة في فراغ، ولكنها تظل مشدودة إلى سياق آني، وإلى سياقات موغلة في القدم، وفي ظلّ كل هذه السياقات تتأثر بالضرورة، ولكنها تظلّ محافظة على تميّزها، وعلى رائحتها الخاصة التي تتحوّل إلى طاقة جذب للآخر المغاير أو المباين، حتى في اللحظات الأكثر ظلمة.
طبقات الذاكرة: البشر والمكان
يتولّد لدى قارئ الرواية بعد الانتهاء من القراءة سؤال يرتبط بطبيعة المتاهة الحاضرة في العنوان، ومدى ارتباطها بذاكرة المكان، وعلاء خالد لا يتوقف عند الطبقة الآنية التي يشكلها أفراد الجيل بحركتهم في فترة الشباب، ولكنه يتوجه نحو الطبقات الغائرة في الزمن، وكأنه لا يشير إلى وجودها السابق، وإنما يجليها ويعيدها إلى الوجود من خلال إنعاش الذاكرة، والإشارة إلى وجودها وأثرها الممتدّ من خلال بقاياها المادية أو بقاياها الساكنة في ذاكرة الأفراد، وهي ذاكرة لا تنتهي، لأنها ملتحمة بالفردي والخيالي، حيث يتشكل لهذه الطبقات وجود ذهني أو خيالي.
والمدن وفق هذا النص تتغير من عصر إلى عصر، وتكتسب بالتدريج وبعناصرها المتباينة المتراكمة قيمتها ورائحتها من طبيعة البشر وتوجهاتهم ومعارفهم، فالمكان تتولّد له رائحة، ومع كل عصر وصنف أو عرق بشري تضاف إليها رائحة جديدة تتجاوب مع الرائحة السابقة. ولهذا تبقى المدن التاريخية ذات روائح عديدة متداخلة، وهذه الرائحة يخلقها البشر، بتنوعهم وتنوّع ثقافاتهم، والإسكندرية مدينة لها رائحة تليدة، تستطيع أن تكيف الروائح الجديدة، لتنتج رائحة تتأبى على الحصر والتحديد والإمساك والتنضيد، فالبشر يأخذون من المدينة، ولكنهم يعطونها أيضا بعضا من سماتهم وخصوصياتهم.
يؤيد ذلك التوجه في نص الرواية أن سيرة الذات الساردة (هشام) أو سيرة الجيل (جماعة الحمير) لم تنفصل في بنيتها وآليات تشكيلها عن بنية المكان، فكأن كل واحد منهما يمثل وجها للآخر ويكشف عنه، فالمدينة لحظات باقية وصور تتشكل في منعطفات خاصة للتاريخ، كاشفة عن معالمها وأبنيتها ورائحتها، والذات تتشكل وفق تمددات تظل عالقة بالتأجيل والإرجاء، وتمثل مرتكزات للحركة، لتشير في النهاية إلى خصوصية ما لا تنفصل عن المكان وحقيقته، فالرواية في سردها لسيرة الجيل تكشف عن –أو تكتشف- خصوصية المدينة.
للوصول إلى هذا الهدف ثمة توجيه يرتبط باختيار الشخصيات، وباللحظة الزمنية الخاصة من عمرهم، في لحظات التكوين واكتساب وتحصيل المعرفة، والأسئلة المرتبط بالذات والوجود والفن. فهذه الرواية محاولة للفهم والإدراك والوعي، ومن ثمّ فاختيار مجموعة من الأصدقاء يكوّنون مجموعة الحمير-ارتباطا بمجموعة تاريخية سابقة، كان من أعضائها أناس مشهورون مثل زكي طليمات ونادية لطفي- اختيار لا يخلو من قصدية، بالإضافة إلى تحديدات أخرى، فهم في أعمار متقاربة، ولهم اهتمامات خاصة بالفن التشكيلي، سواء من خلال الدرس الأكاديمي، أو من خلال الوعي بحدود هذا الفن، وينتمون إلى طبقات وأديان مختلفة، مما يجعل هذه المجموعة نماذج دالة، لتصبح رمزا لجيل داخل مجتمع معين، جيل لا يصل إلى وعيه بذاته إلا من خلال وعيه بالمكان، وحركته داخل حدوده وتفاصيله.
فأعضاء الجماعة عاصم الصبروتي ومحسن الششتاوي وثائر أحمد وإحسان عبدالرحمن وسميحة زيدان وسامي فرج، بالإضافة إلى السارد الذي لم يكشف عن اسمه إلا في نهاية الرواية في إطار لحظة مغايرة عن لحظة السرد الروائي، يشكلون مدار حركة النص الروائي واهتمامه الأساسي، ولكن حركة السارد مع سميحة زيدان داخل الفضاء العام تعتبر الحركة الدائبة الكاشفة عن طبقات المكان وخصوصيته، وذلك من خلال أماكن اللقاء المشدودة لبريق وعبق تراثي، أو داخل المقابر المعروفة، وممارسة الجنس حيث تتولد الحياة في حضور الموت، فالمدينة في ظل هذا التصور- في منطق الرواية- بها شيء يقودنا للخلود، ومن ثم يقودنا للموت).
وهناك آليات تمّ الاعتماد عليها لتصوير خصوصية الرائحة التي تتراكم مع كل ذكر لحدث أو لمكان أو لاسم من الأسماء له خصوصية، وتشغل حيزا في الذاكرة والخيال، أولها السرد المعلوماتي الخاص بالأماكن التي تحمل خصوصية، ليست في ذاتها، ولكن في سردياتها وأخبارها الخيالية التي تظل حاضرة في صناعة ذاكرة جديدة. فحين يقرأ القارئ أسماء أماكن مثل الحي اللاتيني، وميدان الخرطوم، ومقابر اليهود الخاصة بالفقراء أو الأغنياء، وتمثال كاتمة الأسرار لمحمود مختار، ودار رعاية المسنين الألماني، والمعسكر الروماني، ومساكن الطابية في الأنفوشي، وبار الوطنية، ومقهى البورصة، وبوفيه فيليب، وشارع ألبير، ومسجد عبدالله بن زين العابدين، وشارع ألبير، وشركة كوتاريللي للدخان، وشقق المهاجرين، والمقبرة الرومانية (الكاتكومب) في كوم الشقافة، حديقة إلبي، ومخازن البن البرازيلي، أو إلى العمود البطلمي، أو إلى تمثال الإلهة سخمت، فسيجد نفسه أمام طبقات معمارية متباينة فنيا وزمنيا، وإن كانت متجاورة آنيا لحظة المقاربة، مما يخلق حالة مملوءة بالتعدد، ويعطي المتاهة التي جاءت في العنوان مشروعية، فكل مكان له سردية مرتبطة بسياق النشأة، ومشدودة لعرق أو جنس بشري كان له وجود ورائحة في المكان، منها ما يشير إلى لحظات قديمة مثل ميدان الخرطوم وسرديته الخاصة بالاحتفاء بالقضاء على الثورة المهدية في السودان، ومنها ما يشير إلى لحظات معاصرة مثل مقهي البورصة التي ترتبط سرديته ودلالته بتوفيق الحكيم، أو شقق المهجرين التي تشير لسردية حرب العدوان 1956، فالمكان هنا لا ينفصل عن سرديته، بل يتحد معها، ويكتسب قيمته منها، مما يجعل المدينة مكانا قادرا على الخلق المستمر، وصناعة أسطورة ممتدة.
هذا التعدد أو قبول الآخر يشكل جزءا من طبيعة المكان على امتداد طبقاته وتشكلاتها على النحو الذي تمّ رصده سابقا، تشير الرواية على سبيل المثال إلى قدرة المكان على منح ساكنيه بعض السمات حين تتوقف عند طابية الأنفوشي التي تعود إلى الحرب العالمية الثانية، وقد بناها الانجليز في حربهم مع الألمان (الأسوار التي تحيط بالمساكن ومكانها الاستثنائي أمام البحر، وروح الثكنة العسكرية القديمة، كلها منحت ساكنيها نوعا من العزلة والترفع الحميمين، وانعكست على علاقتهم بالغريب). وهذا التعدد نراه موجودا حتى في تعدد رموز حماية المقابر الرومانية في كوم الشقافة، وتوزّعها بين منحوتة الثعبان الفرعونية، ورأس ميدوزا، ودرع أثينا، للإشارة إلى السمة الأكثر حضورا المتمثلة في قبول الآخر.
إن كل إضافة كما تشير الرواية في أي فن من الفنون- أو في معظم المجالات الإنسانية-مرتبطة بهذا التداخل أو الانفتاح أو التثاقف الحضاري بين الأجناس والأعراق، لأنه باب للمعرفة، ولامتحان ما تملكه الذات بعرضه على ما لدى الآخر، مثل العلاقة الفنية بين الفنان الإيطالي أوتورينو بيكي والأخوين سف وأدهم وانلي. يؤيد هذا التوجه في الفهم ذلك التعداد الخاص بالشخصيات الواقعية غير المصرية التي صنعت سرديتها في التصور العام داخل النص الروائي.
ويعدّ حضور لورانس داريل حضورا لافتا، لأن الرواية وإن كانت تتقاطع مع قاهرة محفوظ، فإنها أيضا مشدودة ربما بدون وعي إلى عمل لورانس داريل، وإلى طبقته في تصوير المدينة ومحاولة الإمساك بروحها. وفي تعداده وسرده للأسماء والنماذج التي ارتبطت بالأسكندرية وعاشت بها، قد يشير إلى سردية الاسم وحكايته، فيقول عن لورانس داريل (عاش في الإسكندرية، وعمل في هيئة الاستعلامات البريطانية في تقاطع شريف ومحمود عزمي... وكتب روايته عن المدينة أثناء الحرب العالمية الثانية).
وتتعدد أسماء الفنانين والكتاب والشعراء الذين شكلوا جزءا من طبيعة المدينة من غير المصريين مثل لورانس داريل، والشاعر اليوناني كفافيس، والفنان الإيطالي جوزيبي سيباستي، والفرنسي مارسيل ساليناس، واليوناني بابا جورج، والأرمني همبر، ومن المصريين سيد درويش، والأخوان سيف وأدهم وانلي وآخرون، بالإضافة إلى المهاجرين السوريين أصحاب مخازن البن البرازيلي، وعائلة الطائفة السريانية. ولكن الرواية في انتصارها لطبيعة المكان وسماته وطبقاته لا تكتفي بذكر الأسماء، سواء للأماكن أو للشخصيات، ولكنها تتأسس في إطار نمط ثان ربما يكون أكثر دلالة على الطبقات المتوالية للمكان، وذلك حين يعتمد النص الروائي على الحكايا الصغرى المصاحبة للأماكن أو للأشخاص.
في بعض الأحيان يقدم الحكاية الصغرى بنفسه، مشيرا إلى الطبقة الآنية، لكنه يصدرها بالطبقات السابقة، مثل حكاية (ملك البن) ومخازنه التي تبدأ باليوناني ديمتري، ثم مصطفى غالب السوري، ثم الطبقة الآنية بعد التأميم، وشروط بيعه لصاحب الطبقة الأخيرة بأن يظل الاسم القديم موجودا، أو في حكايته لميدان الخرطوم، وارتباطه بالنصر على الثورة المهدية، وتحوله من ميدان سعيد إلى ميدان الخرطوم، أو في حديثه عن حكاية يوسف وماريان والطائفة السريانية من اليهود التي تصنع تميزها من النقاء والنصاعة العرقية.
ولا يخلو الأمر في النص الروائي من تقديم نماذج آنية تصنع بريقا ورائحة للمكان، صنعت وجودها من سلوكها المتفرد أو العادي، فالنموذج الآني في هذه الرواية يصنع وجوده من تفرده، وغرابة سلوكه، أو من عاديته أو نمطيته، حيث تتحرك خياراته وفق نمط مستقر لا يغايره، مثل شخصية الفنان سلامة والي الساخر الكبير، وارتباط سلوكه بنمط جاهز، ولهذا أطلق عليه اسم (الحاج سيزان) إشارة إلى سيزان الفنان الفرنسي، خاصة في ظل مقارنة نمط أو تصوره الكلاسيكي للفن بجوار فنّانيين طليعيين.
التعبير عن المدينة وطبقات الذاكرة الخاصة بها، لا ينفصل عن الحكاية الخاصة بالسارد وبوعيه واكتشاف طريقه وإدراكه، وتحديد بوصلته في طريق الفن، والصراعات الخاصة بالأفراد داخل الجيل لاكتشاف الطريق أو الفن المناسب، خروجا من هذا التراتب داخل مجموعة الحمير الذي ينتمي إليها مهمشا، دون إحساس حقيقي بوجود موهبة في الفن التشكيلي. وقد أدى إلى ذلك الترابط الشديد أن السرد عن الشخصية سرد منفتح لا ينحو نحو الاكتمال في وقفة وحيدة ونهائية، ولكن يعبر عنها باستمرار على مدار الرواية.
ولهذا كان الحديث عن الفن يشكل الوجود الغالب لنص الرواية، تقول الرواية – على سبيل المثال عن سلامة والي وصديقه الفنان عصمت صبري (كان الفن بالنسبة إليه، وبالنسبة لصديقه عصمت صبري نوعا من الرهبنة التي يجب أن تطلق الحياة، وتعيش داخل صدفة)، بالإضافة إلى حديث خاص بالتعبير المباشر للفن، وتحوله إلى تجريد بعد الدرس الأكاديمي. وهناك في ظل وجود الأجيال صراعات بين فرد أو اثنين في كل جيل لإثبات الريادة الروحية مثل الصراع بين سلامة والي وعصمت صبري، أو بين محسن وعاصم من جانب أو بين محسن وثائر من جانب آخر في إطار سيل الثنائيات المشدودة إلى تصور خاص للفن بشكل عام.
المنطق الشعري وبناء الشخصيات
لعلاء خالد طريقة في الكتابة الروائية وثيقة الصلة بالمنطق الشعري، ليس في الصور أو اللغة، وإن كان كل ذلك متاحا، ولكنه يتجلى بشكل لافت في منطق التوجيه والحركة، فالمنطق الخاص بطبيعة سلوك الشخصيات لا يمكن تلقيه أو فهمه إلا من خلال منطق شعري في مقاربة الحياة والوجود، وذلك في رصد طبيعة العلاقات بين الشخصيات، وردود أفعالها، وتبرير السلوك الخاص بها في إسدال نوع من التميز أو الغرابة.
تبرير السلوك في الرواية لا يخضع لمنطق سطحي، فلا يمكن أن يعاينه أي شخص، لأنه منطق بنائي لا يتشكل إلا لحظة القراءة انطلاقا من توجيهات جزئية حياتية، فهو منطق يتكوّن بالتدريج، منطق قائم على المحاصرة والشحن في الآن ذاته، حتى يتخلى القارئ عن منطقه المباشر والمؤسس سابقا والمتواتر في مثل هذه المواقف، ليذوب بالتدريج، ويتساوق مع منطق النص الذي يؤسسه الكاتب بحرفة ومهارة شديدتين، حتى يشعر القارئ بالتسليم والانغماس. ويمكن أن نقف عند نموذج لتلك الحالة في تشكيل الشخصيات، فشخصية ثناء شقيقة السارد لا يمكن فهم منطقها في الموافقة على الزواج من فؤاد ابن عمتها كسرا للمتوقع، إلا في ظل وجود توجيهات تدريجية مرتبطة بفكرة التضحية التي تطل مخرجا مهما في تبرير كثير من توجهات الشخصيات، هذه الفكرة يؤسس لها النص الروائي مبكرا، بداية من دورها مع أمها وأخيها، وحبها المبتور لزميلها في العمل المتزوج من أخرى، بالإضافة إلى خيوط تكوينية أخرى مرتبطة بمحبتها وقدرتها في سرد الحكايات والقصص، ومحبتها للغناء وحبها لعبدالحليم حافظ، وعشقها له واتصالها به أثناء علاجه بالمستشفى بلندن.
ويمكن تطبيق ذلك على مجمل الشخصيات، لأن الرواية مهمومة بقراءة الشخصيات قراءة باطنية، قراءة لا تحدد الشخصية بتراكم الصفات المسدلة، فهذه الصفات المسدلة لا تضيف إلى الشخصيات إلا تغييبا، لأنها لا تحدد بقدر ما تفتح كوى جديدة تسهم في غواية القارئ للدخول في حيز المقاربة الخاصة بالنص، وارتهانه إلى حيز الرؤية الباطنية المقترحة، من خلال تقديم تبريرات مشدودة إلى قراءة ذات خصوصية، منفتحة على التوجيه الجزئي الدقيق.
ولن يتأتى الإيمان أو الموافقة على كل الاقتراحات الخاصة بسلوك الشخصيات أو ردود أفعالها إلا إذا تولّد لدينا يقين بأن هذا العمل الروائي في مجمله مسيّج داخل إطار محاولة الفهم أو إعادة مساءلة السلوك لأفراد جماعة الحمير واختلافاتهم الدقيقة، من خلال قراءة جديدة لفكرة الصراع بين الطبقات والأجيال الفنية، قراءة منزوية نحو الداخل، في إطار سيادة وجهة نظر السارد، وعرض وجهة النظر الأخرى من المحكي السردي باستثناء شخصية (ثناء) الذي سمح لها بالتعبير المباشر، وكشفه عن منطقها وصوتها في رسائلها إلى (حليم)، بوصفه أيقونة العصر، وللكشف عن نمط نسوي كان متاحا بشكل لافت في تلك الفترة.
ولكن هذه المركزية التي يمارسها السارد في النص الروائي مركزية ليست كاملة أو نهائية، لانفتاح الرواية على انبثاقات عديدة، فهي مركزية ليست ساكنة، بل منفتحة على المكان في الوقوف أمام طبقاته وهالاته، وأمام شخصيات ونماذج من الفنانين، فتصبح مركزية مجروحة تنطلق من الذات لإقامة مركزيات عديدة مشدودة إلى جزئيات المكان الذي لا تكتمل له هيئة فارقة إلا من خلال توحّده بالشخصية أو الشخصيات التي عمقت وجوده، وصنعت تاريخه.
وقد أدى هذا إلى وجود أفق مفتوح في تشكيل الشخصيات وتوطيد علاقته بالشعري وليس السردي، خاصة الشخصيات التي مارست امتدادا داخل النص الروائي، وأدى أيضا إلى وجود نوع من الإرجاء والتأجيل المستمرين في معاينة إطار نهائي للشخصية. فالتداخل في السرد بينها ليس إلا وسيلة من وسائل الفهم، لإدراك التشابهات أو التباينات، أو للاقتراب منها من خلال سمات قد تكون متجاوبة أو متدابرة، كالمقارنة بين عاصم وسامي. فرصد الشخصيات أو الأماكن يجعلها منفتحة على بعضها البعض، وكل ذلك يجعل المنطق في الجمع بينها منطقا شعريا، وكأن السارد في النص الروائي لا يستطيع أن يعطي تصورا شبه نهائي عن مكان أو شخصية إلا من خلال الانفتاح والتداخل، مثل هذا التداخل بين سلامة والي وترسياس الأعمي (الدكتور مازن)، في رهبنة كليهما تجاه الفن والفلسفة.
فالمنطق الشعري المرتبط بالانفتاح والإرجاء مارس نوعا من التأثير على تشكيل الشخصيات، وعلى طبيعة الحكاية الخاصة بكل شخصية، فهناك حكاية لكل شخصية من شخصيات جماعة الحمير، ولشخصيات أخرى ظلّ وجودها أو سطوعها في النص ملموسا، ولكنها لا تقدم وفق سنن كتابي كلاسيكي، سواء بالتراتب الزمني أو التراتب الخاص بالحدث، فقد قدمت بطريقة لا تحفز على الإلمام بأطراف الحكاية، وإنما لاستشعار رائحتها عن بعد، فهي حكايات ليست مولدة من الثبات، وإنما من حركة الشخصيات التي لا تنفصل طبيعتها عن المكان الذي يصبح بجزئياته التليدة أو الآنية هو المحرّك والشاهد على ميلاد طبقة وعي جديدة لهذا الجيل تحمل رائحة للمكان.
وقد أدى هذا التوجه في الكتابة داخل منطق شعري إلى أن كل الحكايات التي قدمتها الرواية غير منتهية، فهي حكايات داخل سلسلة أكبر، تكيّف وجودها الجزئي، حكايات تتولّد من الحركة، ولا يعرف لها نهاية، باستثناء حياة الفنان عصمت صبري التي لم تحسم الرواية أمرها في الوصول إلى نهاية أم لا، بل ظلت الرواية تراوح القارئ بين وجود النهاية ونفي وجودها، وذلك للإشارة إلى الوجود الجزئي أو الذري للكائنات أو للحيوات المتعددة أو المؤجلة لكل شخصية، وهي فكرة تلحّ عليها الرواية كثيرا، سواء مع السارد أو مع الشخصيات الأخرى.
انفتاح الشخصيات على نطاق أوسع يكيّف وجودها، أو اعتبارها جزئية في بنية أكبر قيد التشكيل المستمر في انفتاحها على الطبقة الآنية المتحركة، جعل الشخصيات الأخرى التي مرت عليها الرواية مرورا جزئيا في علاقتها الخاصة بالمكان، تقدم بشكل خاص يكشف عن الثبات والتأسيس السابق، بحيث تطلّ بوصفها لوحة منه ومندمجة فيه، فهناك حال من الوحدة بينها وبين المكان، فهي بالرغم من كونها شخصيات حية من لحم ودم، أصبحت جزءا من المكان تعطيه بعضا منها، ويعطيها بعضا منه، فتتحوّل بالرغم من الحركة إلى صورة ثابتة وكاشفة في الآن ذاته.
في بناء الشخصيات يجب أن نفرّق بين الشخصيات التي تشير إلى طبقة تمّ تكوينها والانتهاء منها، والشخصيات المجدولة في طبقة آنية منفتحة على التشكيل، فالطبقات الخاصة بالمكان لا تأتي عفوا، وإنما يتمّ التخطيط لها من خلال الشخصيات التي أصبحت جزءا من طبقة سابقة، مثل شخصية (كرستين) مديرة صالة عرض بهمان، أو مثل شخصيتي (عم عثمان وعم فاروق) أصحاب بوفيه فيليب، أو شخصية (عم محمود) المالك الأخير لمخازن البن البرازيلي، أو (عم الخضري) الجرسون النوبي في محل (إيليت)، فكلها شخصيات ثابتة، لأنها تنتمي إلى طبقة سابقة للمدينة، طبقة جاهزة مؤسسة بالثبات والحركة داخل إطار نمطي، فهي تتحرك وفق نسق يؤسس للمكان بهاءه المعتاد.
فهذه الشخصيات الثابتة السكونية ليست إلا وسيلة من وسائل الحجاج السردي، للإشارة إلى طبقة من الطبقات، لا يزال لها وجود ورائحة وحركة في الخيال الجمعي للبشر. البناء في هذه الرواية بناء خاص منفتح على الرصد الذاتي للطبقات المنتهية والمؤسسة، وفي الوقت ذاته هناك رصد للذاتي وللجيل التي تندغم فيه هذه الذات في قيامها بتشكيل طبقة جديدة ليست منفصلة عن الطبقات السابقة، بل تسير على مرتكزاتها. وذلك من خلال الإلحاح على قيمة البشر في تشكيل هوية وهيئة للمكان وتشكيل طعمه ورائحته. وفي كل ذلك تستند الرواية على الحركة، وكأنها رواية مسحية تنطلق من المجمل إلى المفصل من خلال نماذج بشرية تؤسس اختلافها، مثل الوقوف عند شخصيات العميان الثلاثة داخل جمعية الأمل للمكفوفين، وما بينهم من اختلاف، أو شخصيات الفنانين داخل جماعة الحمير. فهي رواية عن فرد، وفي الوقت ذاته رواية عن الجيل، وعن المدينة، حيث يشكلان معا طبقة خاصة للمكان، طبقة تضاف إلى الطبقات السابقة، فالمكان يتحول إلى فاعل حي يعطي ويأخذ من الذين يمرّون ويعيشون فيه مقيمين أو زائرين أو مهاجرين.
الرواية في الأساس مهمومة بتصوير حكاية الفرد، فهي رحلة لفهم الذات وانحناءاتها الخفية، ورحلة للوعي والإدراك والتطرق إلى الأسئلة الوجودية، ورحلة للوعي بالمكان وطبقاته، للوصول إلى رائحة المدن الكبرى الأسطورية، تلك الرائحة التي يحسّ ويشعر بها البشر، ولكنهم لا يستطيعون الإمساك بها أو التعبير عنها، لأن الألفاظ حتى بعد إطلاقها لاصطياد الرائحة، تظل خاوية لا تحمل شيئا من حضورها الدافق والمتفلّت في آن.