الحكايات المصاحبة وطبقات النسوية بين الواحدية والتعدد في رواية أسفار القرنفل للكاتبة شهيرة لاشين
الحكايات المصاحبة وطبقات النسوية بين الواحدية والتعدد
في رواية أسفار القرنفل
للكاتبة شهيرة لاشين
عادل ضرغام
في رواية (سيرة القرنفل) للكاتبة المصرية شهيرة لاشين، ثمة مساحة من التداخل بين الواقعي والعجائبي، وكل قسيم منهما له سطوته ووجوده الملموسان. ولكن مساحة الواقع تشكل الحضور الوافي، تذوب في إطاره الخروجات العجائبية التي تتجلى في بعض الجزئيات، مثل ضفائر النساء التي تتحول إلى نساء يتجمعن، وينصتن إلى امرأة تخرج من الكتاب داخل نسق السرد الآني، ويظلّ عمرها في حركته للإمام بعد موتها، وكأنها تعاين وتتحرّك في مساحة طبقة امرأة أخرى تنتمي إلى العائلة ذاتها.
في هذه الرواية هناك تأسيس لطبقات تنتمي إلى أزمنة مختلفة، تحمل كل طبقة حكاية لامرأة داخل النص السردي، وقد يكون التركيز على الطبقات الزمنية المختلفة مدرجة لقياس التحوّل والثبات، أو الاختلاف التدريجي، فالزمن من مرحلة إلى مرحلة يمثل آلية مراقبة للبشر والظواهر. يعاين القارئ حكايات لا تكتمل بنائيا في شكل كلاسيكي، فالخطاب السردي يوزع حكاياته السردية أو الأجزاء من هذه الحكايات وفق منطق خاص لا يرتبط بالترتيب المنطقي، فقد تبدأ الرواية بجزء من الحكاية الأساسية الآنية، لكنها لا تذكر إلا خيطا بسيطا غير واضح الملامح والسمات، وتنتقل مباشرة إلى حكاية أو طبقة أولى تمثل بداية لسيرة العائلة، وتقدم منها جزءا، وكأن الخطاب الروائي يمارس نوعا من التقطير السردي المحسوب بعناية، لكي يظل هناك إغواء بالقراءة والاستمرار من جانب، ومن جانب آخر يتولّد تهشيم للخطية السردية، ويجعل العثور على جزئيات الحكاية أمرا صعبا، ويحتاج إلى يقظة وانتباه شديدين، لترتيب الطبقات في النص الروائي، وللوصول إلى ملامح المرأة التي تشكل ملامح الطبقة.
في الرواية ثمة اعتماد على أفكار شديدة الخصوصية، ترتبط بوحدة الفضاء الذي يجمع البشر والطيور والشجر، وثمة اعتماد على فكرة التناسخ في بعض الجزئيات والإشارات، بوصفها تشكل ديمومة وامتدادا ومساحات من الاتصال بين نساء الحكايات الثلاث، حتى وإن لم يعد بعضهن على قيد الحياة. يصل هذا التداخل مداه في فكرة الفداء أو التضحية، للخلاص من اللعنة التي أصابت نساء عائلة القرنفل بتقويمها الخاص، فنساؤها تغادرن الحياة في سن صغيرة مجبولات على الصمت، وبطقوس محددة متكررة مع كل واحدة منهن.
لغة الرواية أقرب إلى لغة الشعر، في عنايتها بالتصوير والاستعارات والتشبيهات التي تشكّل في البناء السردي مناحي معرفية مرتبطة بنهاية الحركة السردية أو بدايتها، لتسويغ مشروعيتها، وللتأكيد على قيمة التوجه المختار. ولكن الكتابة السردية في النص الروائي بالرغم من الإفراط في استخدام هذه الآليات الفنية طلّت محافظة على بنيتها النوعية والتجنيسية، من خلال ممارستها لنوع من التوجيه الجزئي المستمر، فلا يشعر القارئ بحدة الخروج، وتأتي الصور والاستعارات ذائبة داخل النسق السردي، وتعطيه تفرّدا في الرصد دون أن تشكّل خروجا، أو تخلق نتوءا، يستدعيان التوقف لاستجلاء ملامحه الدلالية. يتجاوب مع هذا المنحى الاستعاري تشكيل مساحة واسعة من الرموز، مثل شجرة القرنفل بوصفها وجودا موازيا ومستمرا في ارتباطها بنساء العائلة، والدفتر الذي يحكي تاريخ العائلة، أو الارتباط بنصوص مقدسة في وجود جزئيات من نشيد الأنشاد في بداية الرواية أو نهايتها، أو أساطير يظلّ لها وجود دوري، تدخل هذه الشخصيات النسوية- بالرغم من واقعيتها- إلى أفق علوي له نوع من القداسة، تتولّد من الغرابة والاختلاف والمناحي العجائبية.
طبقات النسوية بين الواحدية والتعدد
ربما كان من المداخل المهمة في قراءة الرواية، يرتبط بالوعي النسوي وبالأزمة المحيطة بالنساء في كل الأزمنة مع فروق طفيفة في الفعل الانتقاصي وردّ الفعل المقابل له. فقد يتغيّر الأمر أو تتغير فاعلية النسق في فترة ما، ولكن يظل هناك شيء يفضي إلى وجود هذا المنحى الانتقاصي المنحاز إلى الرجل، يتجلى ذلك في الحكايات الثلاث (ليالي، ومريم، ورؤى). فمع ليالي- التي تمثل الطبقة الأولى على سبيل المثال- يبدو ذلك واضحا في حضور سلطة النسق الكاشف عن الانحياز للولد (إمام)، تقول الرواية (كان إذا تشاركوا في اللعب يكون له الحق وحده في اختيار نوعية اللعب، وينطبق ذلك على الطعام وكل شيء).
ممارسة السلطة داخل حدود النسق بوجود حارسه (الجد) تبدأ باكرا، فقد أحال الجد العرف إلى قانون لا يسمح بجرحه أو الخروج على نمطية تحققه. وفي رد الفعل المقاوم لطبيعة النسق نجد أن هناك صورتين تتشكلان لحركة النسوي، الأولى تمثلها (ليالي) المتمردة غير الخاضعة، حيث تجابه سطوة النسق بالخروج عليه ورفضه بالسير في طريق يحفظ لها التحقق الذاتي. والأخرى (حورية) حيث تجيء حركتها منمّطة داخل حدود النسق البطرياركي المرسوم من الجد والأعراف المقدسة. فجدّ الأحفاد الثلاثة (إمام) و(ليالي) و(حورية) في سعيه لتحقيق الكثرة العددية، يزوّج (إمام) بحفيدتيه في ليلة واحدة، متناسيا أن ثمة فارقا قد تأسس مبكرا في حكاية الحفيدين (إمام) و(ليالي)، يباين بين صورة النسوية التي تحددها أعراف الجدّ، والجندرية السائلة أو الثقافية الوظيفية التي لا تعتمد على البيولوجي بقدر اعتمادها على الفاعلية والتأثير.
سطوة الولد (إمام) تعلن عن نفسها داخل البيت في وجود حارس النسق، ولكن فاعلية (الأنثى) تأخذ حيزا فاعلا خارج حدود البيت، في إلحاق الضرر به. وقد كشفت الرواية عن عدم تكيّف (ليالي) مع السياق المحيط من خلال حلمها في سن العاشرة بكونها زعيمة المطاريد، لتقوم بخطف الجد وأولاده، وحبسهم في كهف مهجور داخل الجبل. في الطبقة الأولى حكاية (ليالي)، هناك توجهان للنسوية في التعامل مع زواج الحفيد من الاثنتين في ليلة واحدة، ولا يهمّنا التوجه الأول الخاص (بحورية الاسم الملائكي للاستجابة دون تساؤل أو تملّص)، لأنه توجه يذوب ويتلاشى في مساحات النمط العادي. أما التوجه الأخير فتمثله (ليالي) بالمجابهة والتمرد والقدرة على الكلام والرفض، ومن ثمّ يتم افتضاضها داخل الزواج على نحو سيء في النص الروائي، ومن هذه الحادثة يبدأ الانفصال والابتعاد والتأسيس لسيرة القرنفل، فليالي بخروجها وكلامها وصوتها تشكل بداية التكوّن، وكأنه انفصال وخروج يستوجب لعنات.
أما مع الطبقة الثانية التي تتشكّل في حدود حكاية (مريم)، فيظهر لنا أن هناك صورة جديدة، تحتمها المسافة الزمنية بين الطبقة الأولى بحكايتها، والطبقة الثانية بمميزات وتوجهات مغايرة. ففي هذه الطبقة مساحات للإنشاء والتأسيس. فإذا كانت (ليالي) تمثل البداية في تشكيل مساحة من السمات المغايرة لنساء عائلتها ارتباطا بلعنة تصاحبهن، فإن طبقة (مريم) تتفلت من دائرة الصراع بين الذكوري والنسوي، لتضع القارئ وجها لوجه مع فعل القراءة الخاص بنساء العائلة وسلوكهن وعمرهن، وانفتاحهن على تاريخ متصل دائري من لحظة البداية إلى لحظة التأمل.
طبقة (مريم) هي طبقة المساءلة والبحث عن أسباب موت نساء العائلة في سنّ صغيرة، وعن الصمت الإرادي غير المبني على الخرس، فالصمت لديهن أصبح خيارا لإطالة عمرهن، وعن كل طقوس الحركة المتشابهة والمتواترة في مقاربة الحياة من كل نساء العائلة، كالغناء المتواصل لكل واحدة منهن قبل الموت، وارتباط ذلك بأجزاء من نشيد الأنشاد، ويتجاوب مع كل ما سبق صناعة التاريخ الخاص بالعائلة، وصناعة التقويم الخاص بهن، يسمّى التقويم القرنفلي. وفي الطبقة الأخيرة حكاية (رؤى)، هناك تشكّل لطبقة نسوية جديدة، ليست مشدودة للصراع، كما ظهر في الطبقة الأولى، وليست مشدودة للتأمل والمساءلة، أو البحث عن وسائل للتغلب على اللعنة، ولكنّ هناك نوعا من الرضا والتسليم، وفتح مساحات للاتصال الروحي بديلا عن الجسد الذي يظهر في جزئيات عديدة وكأنه لا يخصها، وهذا يفتح حركة السرد لفكرة الفداء والتضحية، والتناسخ، لاستمداد عمر إضافي، وكأن في ذلك خروجا وشفاء من اللعنة التي أوجدتها حكاية الطبقة الأولى، نتيجة للظلم أو الحيف اللذين تعرضت لهما (ليالي).
حين نتأمل الطبقات الثلاث لن نجد مساحة من المجابهة بين القسيمين إلا في الطبقة الأولى، فصورة الذكورة في مساحة هذه الطبقة، وإن كانت تحمل معالم القوة والقسوة، تصنع مقابلها في تمثيلات القسيم الآخر بالرغم من ضعفه، فالقسيم النسوي يستولّد آلياته التي يستخدمها في الحد من هذه القوة الباطشة، وذلك من خلال السخرية التي تعرّي القسيم المقابل في شكل من أشكال السخرية المرتبط بالصفات المسدلة على نماذجه، فليالي تصف الجدّ لحظة ضربه لها بالبغل، وتعطي (إمام) الحفيد/ والزوج مساحة من مساحات الانزواء وعدم الفاعلية في كثير من الأحيان (إمام بدا في خلفية المشهد خاويا، وعاريا من القيمة).
وهناك وسيلة أخرى استخدمتها الرواية إمعانا منها في تقزيم النسق الذكوري، بخلع مهابته، تتمثل في تقنية الحلم، ففي حلم الجد بعد يقينه بموت ليالي الذي لم يحدث، تقول الرواية (تدخل عليه أحلامه كأحد آلهة النار تصحبها مهابة عظيمة، وهي تجلس على عرشها المشع بالنور، تنتظره، تنتظر قدومه لتجعله أحد خدّامها وكلبها المطيع). يبدو انتقام القسيم النسوي أو مجابهته للذكوري- بعد ابتعاد ممثلة الطبقة عن مرحلة الطفولة الكاشفة عن مساحة من الفاعلية، بحدوثها خارج المنزل الذي يمثل مساحة اشتغال النسق في دروب اللعب أو الكتّاب برشوة الشيخ لعقاب إمام- واقفا في إطار هذه المساحة الذاتية التي لا يشعر أو يستقوي بها سواها، وهذا يفتح الباب لمكون أساسي في الطبقات الثلاث حتى انتهاء اللعنة، وهو مكون الصمت، فالأصوات محبوسة لا تخرج، لأن خروجها يؤدي إلى الموت، ففي أول صفحة من كتاب تاريخ العائلة، نجد هذه المقولة، بوصفها حكمة كاشفة عن قيمة الصمت والاحتباس (أن تملك صوتا لا يعني بالضرورة أنك تستطيع قول لا).
فصوت القسيم النسوي موجود، ولكن لعنة الافتضاض في ليلة زواج الشخصية الأولى (ليالي) على هذا النحو البشع، جعل الصمت والاحتباس وكأنهما مساحة خوف وتحسّب من نتيجة الكلام، وقد توصلت إلى قيمة الصمت مريم في بحثها عن سبب اللعنة التي حلت بنساء العائلة، تقول الرواية على لسان مريم (اتضح لي أن النساء الكثيرات الكلام القويات اللائي كن يعترضن، ويطالبن بحقهن في الحياة، يمتن بشكل أسرع من غيرهن، أما الأخريات المسالمات اللائي يملن إلى الصمت وقلة الكلام، كانت أعمارهن تطول قليلا). فالصمت على لسان مريم (السيف الملفوف حول رقبتنا).
الصمت الشكلي في إطار طبقة (ليالي) نتيجة لبشاعة الجريمة وصدمة أو نتيجة المواجهة والمجابهة، يباين الصمت التي تعرضت له واحدة من نساء العائلة نتيجة صدمة وفاة الزوج أمام عينيها، فقد امتد عمرها، لأنها أصبحت خرساء بشكل طبيعي. أما صمت النسوة في كل الطبقات فهو صمت الضجيج المحبوس، صمت تاريخي ممتد يحمل كل الحيف والظلم. ويقابل هذا الصمت طوال رحلة الحياة مساحة واسعة من الاستجابة للغناء عند شعورهن بقرب النهاية، فالغناء- وكأنه فعل تعويضي عن الصمت المتواصل- يمثل آلية استقبال الموت لكل نساء عائلة القرنفل.
تبدو الطبقات النسوية الثلاث وكأنها طبقات منفردة، ولكن التفكير المتأني يمكن أن يجعل هذه الطبقات طبقة واحدة، وكل طبقة تظهر وجها من وجوه النسوية العديدة، خاصة في ظل الاختلافات العديدة بين كل طبقة وأخرى، فالأولى في ذروة عنادها تمثل بداية الخروج والمجابهة بين الذكوري والنسوي التي تفصح في لنهاية عن كبت الصوت، لكن ذلك من جانب آخر يؤسس لوجود خاص منعزل، به نوع من الاستقلالية، يتشكّل في إطارها فعل الانتقاء (زوجها وخادمها الجديد)، وهو فعل مغيّب قبل ذلك. وإذا كانت الطبقة الأولى هي فترة الخروج وتأسيس الوجود، فإن الطبقة الثانية هي لحظة تأمل واستحضار ومكاشفة، وهي قد تكون صورة نامية عن الصورة الأولى، وتأتي الطبقة الأخيرة (مساحة أو حكاية رؤى) مرتبطة بتوجهات مغايرة تفضي إلى الفداء والتخلص من اللعنة.
إن التأويل المشدود للواحدية يعتبر الطبقات الثلاث طبقة واحدة متعددة القناعات والوجوه، فكل طبقة من هذه الطبقات تمثل صورة أو حالة منتمية للحظة زمنية ووعي كاشفين عن ملامح للتكوين النسوي، وطريقة تعامله مع القسيم الآخر. يكشف عن ذلك الامتداد الزمني والوعي اللافت بالطبقتين السابقتين من خلال طبقة رؤى التي تأخذ المساحة الكبرى داخل النص السردي، فهي تمثل الحكاية الرئيسة، بينما تلح الطبقتان الآخريان، وكأنهما وجهان سابقان للطبقة ذاتها، مع استحضار صور وأشكال أخرى انطلاقا من الوعي وطبيعة التوجه. ويكشف عن ذلك أيضا أن حادثة الفداء أو التضحية في نهاية الرواية اللتين لم تتحققا إلا بعد الوصول إلى حالة من المسالمة التي تصل إلى حب الأعداء واستحضار مساحة من الحرية. وهنا تصبح الرواية- إذا تمّ اعتماد هذا التأويل بما له من مشروعية ومرشدات كاشفة- رحلة تعرّف واكتساب، رحلة تتتبدّل فيها القناعات والأيديولوجيات، بداية من الصراع، ومرورا بالتأمل والمساءلة لكل السياقات والارتهانات، وانتهاء بالتسليم، والارتباط بالآخر على ما فيه من انفلاتات وشرور، ويمكن معاينة هذا التوجه السلبي في حكايتي سلوك الزوج (جمال) في محاولته الارتباط بأخرى في ظل وجودها، بل لم تشعر بكره ضد هذه المرأة.
بنية الرواية والحكايات المصاحبة
تشعرك الرواية بمساحة من التقديس لنساء هذه العائلة، فالإفراد والتميز في الصفات والصمت، بالإضافة إلى الغناء في نهاية الرحلة الذي تقوم به المرأة في كل طبقة من الطبقات من مكان عال، حين تشعر بدبيب الموت، كل ذلك يجدل مساحة خاصة لا تخلو من خصوصية، ولا تقف الإشارات التي ترتبط بالقداسة عند حدود الشعور بالاختلاف، بل هناك وسائل أخرى ناجعة، فقد أدخلتنا الرواية من خلال بنيتها إلى أن الحكاية في تعددها أو واحديتها تمثل طبقة من طبقات الخلق الأولى، وأن هناك لعنة أصابت نساء هذه العائلة شبيهة بلعنة السقوط. فالانحياز وقتل الإرادة، واحتباس الصوت، كلها أدت إلى وجود اللعنة، يكشف عن ذلك أن الرواية جاءت في شكل أسفار بما لهذه اللفظة من قداسة تحيل إلى الديني في العهدين القديم والجديد، بالإضافة إلى التكرار الدوري لنشيد الأنشاد.
ثمة شيء آخر يوجهنا نحو هذا التلقي للرواية، يتمثل في عوالم عجائبية وغرائبية، تكوّنت بفعل التخلي عن الزمن التراتبي، والاعتماد على الزمن الدائري الأبدي الذي يخرق مواضعة النمو في اتجاه وحيد، فيمكن –والحال تلك- معاينة كل الطبقات في لحظة واحدة، ومعاينة توحّد الشخصيات النسوية الثلاث في نسق خارج حدود الفيزياء وطبيعتها، بالرغم من الاعتماد على السحر الفاعل في زلزلة الزمن التصاعدي، فالموت في ظل هذه العوالم الغرائبية حدث انتقال من سياق إلى سياق، وليس حدث محو وانتهاء. فمريم مؤلفة الكتاب الخاص بتاريخ نساء عائلة القرنفل، وخالقة التقويم، تخرج من الكتاب، وترافق رؤى، والضفائر على الشجر تعاين وتنصت، وتتحوّل في لحظات محددة إلى نساء يتكوّم حضورهن للإنصات والاستماع.
البنية الإطارية للنص الروائي من خلال استخدام الأسفار، تؤسس بناء له خصوصية، متأتية من قداسة الإطار وقدمه النصي والتاريخي المقدس، ومن سرد له طبيعة خاصة يبدأ من حيث يريد، وينتقل إلى حكايات مصاحبة لها أثر كبير في حركة السرد، أو إلى طبقات سابقة أو لاحقة، مما يجعل المتلقي يشعر بأنه في متاهة دائرية، يفضي آخرها إلى أولها، ويلتحم أولها بآخرها، منفتحة على التكرار والإعادة في نمط طقسي لا يخلو من غرابة. فالثابت أن البناء السردي قائم في الأساس على الحركة والتتابع، لصنع حكاية سردية، حكاية لها بداية، وربما يكون لها نهاية، داخل سرد يمنطقها، ويضيف إلى عظمها أو إلى عمودها الفقري، بعضا من اللحم والعضلات المكملة للصورة العامة.
لكن الأمر هنا يأتي بشكل جديد، فالبداية من مدخل جانبي لا يقدم فكرة كاملة، أو يسدّل تعرّفا كاملا على الشخصية، وسرعان ما تنتقل حركة السرد إلى طبقة أخرى، تتسيّدها امرأة أخرى. ففي رواية (أسفار القرنفل) يفاجئ القارئ بحكاية ليست حكاية عادية، بل هي حكاية يمارس عليها الكثير من التغييب بفعل أدوات ووسائل البنية ذات الخصوصية، فالرواية لا تقدم الطبقات الثلاث بشكل متنام كلاسيكي، بل تقدمه وفق ما يصنعه الخطاب. ففي الفصل الأول يبدأ السرد من الطبقة الأخيرة (رؤى)، بشكل لا يمكن التعرف من خلاله على ملامح الشخصية النسوية بشكل نهائي. فالمدخل الجانبي المبتور لم يقدم فكرة أو صورة متماسكة. وبقعل الارتداد تضع الرواية طبقة (ليالي) الأولى في حيّز اهتمامها، فيتوارى الخيط أو الطبقة المرتبطة (برؤى)، لتؤسس وتحل محلها طبقة أخرى، وكأن فكرة الدائرية، وانفتاح الشخصيات النسوية على بعضها البعض منطلق أساسي من منطلقات الرواية.
يمتد هذا الخروج إلى نهاية السفر الأول، لترتد بعدها حركة السرد إلى البنت البندرية التي ألمح إليها السرد في بداية السفر الأول، فمن بداية السفر الثاني (سفر الرائحة) يوجهنا السرد نحو عملية ختانها، ثم ينفتح على أحداث تتعلق بها، لكنها غير مرتبة، فيبرق النص إلى زواجها من جمال، ويكشف الأزمة الحادة التي تعانيها نساء تلك الأسرة في موتهن صغيرات، من خلال حديث أمه (زوجته ستموت قريبا، وستزوجه، بأخرى، وقد وقع اختيارها على بنت الجزّار). فتقديم الحكايات الثلاث في الرواية- وكذلك تقديم الحكاية الواحدة- لا يأتي بشكل نمطي مباشر، فداخل كل حكاية تعرجات شديدة التعقيد في بناء الخطاب الروائي. فمشهد البداية التي تبدأ فيه فتاة في الثالثة عشرة عودتها من المدينة، يظل مفتوحا، دون أن يعرف القارئ على وجه الدقة من هذه الفتاة، وما علاقتها (بليالي) أو (مريم)، ويظل هذا المشهد يحتاج إلى اكتمال، بعد الخروج للعودة إلى حكاية شخصية الطبقة الأولى أو بداية الرحلة. ندرك بعد ذلك أن هذه الفتاة صاحبة الطبقة المحورية في النص الروائي، وتمثل حلقة النهاية أو انتهاء اللعنة، ولا يتجلى الكشف عن ذلك إلا في سفر التقويم.
لا تتمثل الصعوبة في هذه الرواية أو في معاينة بنيتها عند حدود الوصول إلى نساء الطبقات الثلاث، والتأكيد على إطاراتها المميزة، ولكنها تتمثل –أيضا- في عقد الصلات بينهن، وكأن القارئ باحث عن سلسلة نسب ممتدة إلى زمن سحيق. فعقد الصلات بين الشخصيات النسوية الثلاث، لا يتأتي بشكل بسيط، وإنما من خلال اكتشافات سردية على مسافات متباعدة بعيدا عن التقرير السردي البسيط، فيكتشف القارئ أن (رؤى) امراة الطبقة الأخيرة تعتبر طفلة لواحدة من ابنتيّ امرأة الطبقة الثانية (مريم)، ويكتشف –أيضا-أن (مريم) حفيدة (لليالي) امرأة الطبقة الأولى، أصل سيرة القرنفل التي يبدأ التقويم القرنفلي بها، تقول الرواية (رؤى من نسل الجدة مريم، آخر بنات عائلة ليالي. حين خلت المدينة من شخص يرعاها بعد موت شقيقها ووالدها في حاث سيّارة، رجعت مرّة أخرى لحضن شجرة القرنفل التي بدأت تجف وتشيخ، فمنذ مدّة لم تعلّق إحداهن ضفائرها عليها).
جاءت الرواية مستندة إلى راو عليم في كل فصولها، والراوي ليس شخصية مشاركة داخل النص الروائي، لكنه يترك منصة السرد للشخصيات في حكاياتها الجانبية، لكي يؤسس مغايرة سردية، ويؤسس مغايرة على مستوى الانتماء، فقد أعطى النص الروائي لهذه الشخصيات براح الاحتماء بالمتكلم، والكشف عن حكاية كل شخصية، وحدود عالمها الذي تسكنه في اقترابها من نساء سيرة القرنفل. ففي بعض الأحيان يشعر القارئ باقتراب ملامح السيدة العجوز زوجة المبروك التي عكفت على تربية (رؤى)، بعد عودتها إلى البيت الكبير من المدينة، من ملامح نساء القرنفل، ولكن النص يستخدم الحكاية المصاحبة وبطلتها العجوز، لإسدال نوع من المغايرة والاختلاف، تقول الرواية في مقاربة رد فعل (رؤى) لحظة موت العجوز المختلف عن نساء عائلتها (أية طريقة غريبة التي تموت عليها هذه المرأة، لقد حضرتْ موت أمها وخالتها وأخواتها البنات، وكلهن كنّ يغنين لحظة الموت).
وظيفة الحكايات المصاحبة تتمثل في الكشف عن الاختلاف بين العادي والغريب، بوصفها- أي هذه الوظيفة- الوظيفة الأولى لها داخل النص الروائي، إضافة إلى وظيفتها التكميلية لعناصره وعوالمه. ولكن تعدد الحكايات المصاحبة، بداية من حكاية العجوز، ومرورا بحكايتي زوج (رؤى) مع إيمان زميلته بالمدرسة، وصابرين بنت الجزار، وانتهاء بالحكاية المصاحبة للخياطة (لبنى)، يجعل بعضها يكتسب وظائف أكثر التصاقا بالنص الروائي وبنيته المعرفية. وتأتي حكاية (عبلة) الحكاية المصاحبة الأكثر أهمية في النص الروائي، لأنها منفتحة على مهمش اجتماعي من جانب، بوصفها سحاقية، أو على الأقل فاقدة للهوية البيولوجية الخالصة، فهي تميل لبنات جنسها، ومن جانب آخر ينحت وجودهها في النص وظيفة جديدة، خاصة في ظل الترابط الخاص مع (رؤى) صاحبة الطبقة الأخيرة.
هي في هذا النص الروائي تمثل الجزء الخاص بالفداء والاكتمال والخلاص من اللعنة الأبدية لنساء العائلة، فبعد قراءة رسالتها التي أرسلتها إلى رؤى بعد أن أخذت قرار بالانتحار في النهر، لتعطي المتبقي من عمرها إليها، نجد رؤى تقول (شياطين الوحدة يا عبلة!! اسأليني أنا عنها، أنا خبيرة بها (...) سأقول لك سرّا، لقد كنت وحيدة دائما، حتى في أشد اللحظات حميمية مع جمال). فالاقتباس السابق- مع استحضار مضمون رسالة عبلة إلى رؤى تخبرها بقرار الانتحار أو التضحية- يكشف عن نقصان في كليهما، بحاجة ماسة إلى اكتمال، وهذا الاكتمال تصنعه روح عبلة بفعل التضحية والفداء، فقد حلّت روحها بعد غرقها في النهر في جسد رؤى التي كانت تقترب من موتها في اللحظة ذاتها.
وفي ظلّ هذا الانتقال تنتهي اللعنة، وتجاوب مع انتهاء اللعنة التي لحقت بنساء العائلة لفترة طويلة، عودة الصوت، واكتساب عمر جديد بعيدا عن الأعمار المحدودة، تقول الرواية (تغيّر صوت نحيبها، وتغيّر صوت الكلمات التي تخرج منها، شعر جمال وكأن صوتا ولد لها). وقد مهدت الرواية بنصوص كثيرة لهذا الارتباط بشكل يكشف عن تبرير التضحية والفداء. فحديث عبلة في جزئيات سابقة يمهد للحدث النهائي في النص الروائي، ويعطي للموت دلالة استمرار، فكلتاهما تستمر بشكل خاص في حياة دافقة بالهدوء، فالأولى (عبلة) بحاجة إلى هدوء يخرجها من أزمتها النفسية، والأخرى تحتاج إلى التخلص من اللعنة الممتدة، والارتباط بالحياة وفق مساحة وجودية صحية في الاتصال بالسياق والمحيطين بها، وفي كل ذلك عودة من الغرابة والنسق العجائبي إلى إطارات الواقعية والعادية.