عادل ضرغام

طبقات البناء السردي والشخصيات بين الاستمرار والتلاشي في رواية صور معلقة على السور للكاتب محمد صفوت

غلاف كتاب طبقات البناء السردي والشخصيات بين الاستمرار والتلاشي  في رواية صور معلقة على السور للكاتب محمد صفوت
طبقات البناء السردي والشخصيات بين الاستمرار والتلاشي في رواية صور معلقة على السور للكاتب محمد صفوت عادل ضرغام في روايته (صور معلّقة على السور) للكاتب محمد صفوت توجهنا الرواية بقوة إلى قانون الحياة الذي لا يتغيّر باختلاف العصور، فالحياة تحوّل دائم ضد الثبات، بزوغ وصعود يفضي بالضرورة إلى سقوط، لا شيء يستمرّ على حاله، فقانون الحياة أو الزمن يغيّر في الوجوه أو الأشكال بالإضافة إلى تغييرات السياسة أو السلطة أو القوة وتحولاتها، والمكان الممتد يظلّ هو الشاهد الوحيد على هذه الطبقات المتوالية والمتداخلة، وعلى تكوينات سوسيولوجية ومذهبية وأيديولوجية تتكوّن وتتداعى لأسباب عديدة. هي رواية لتشكيل الطبقات واستبقائها داخل المتخيل، وللإشارة إلى عنف التحولات واختلافها من سياق زمني إلى آخر، تؤسس وجودها، وتراقب صعودها واكتمالها، وتراقب في الوقت ذاته ذوبانها ومحوها، نتيجة لأسباب عديدة، الرواية أقرب إلى عزف ممتد للوجود والمحو، وللمكان الذي يفقد ويكتسب شيئا من كل طبقة مهيمنة أو مسيطرة من خلال البشر أو أدوات السلطة ارتباطا بنسق سياسي عام، سواء أكان مشيّدا للحرية أو قامعا لها. ففي بنية سردية أقرب إلى بنية الطبقات المتداخلة المرتبطة بالمكان وتشكلاته واختلاف هيئاته من فترة زمنية إلى أخرى تجلت الرواية، لتقدم لنا تصويرا لافتا لمساحات الابتعاد أو الاقتراب للمتخيل النموذجي للمكان أو للرمز في تجليه الدلالي. وثبات المكان وتغيّر طبقاته وهيئاته يحيلان الرواية وأحداثها إلى بنية مزدانة بالاهتمام السوسيولوجي لأثر كل طبقة متجاوبة مع توجه سياسي عام، يفرض وجوده، ويثبت أوتاده وأدواته. فالشخصية الرئيسة في الرواية تخترع شخصية أخرى تنوب عنها وتحلّ محلها، لتقوم بسرد قصتها، فكأننا أمام حكاية داخل حكاية. هذا التوجه يشدّ الرواية داخل العلاقة الجدلية بين الواقعي والخيالي، ويهشم الحدود بينهما، ويؤسس إمكانية لإحلال كل واحد منهما مكان الآخر، ويصبح مدخلا مهما من مداخل قراءة الرواية. ولا يقف الأمر عند حدود الواقعي والخيالي، بل تأخذ الرواية مدى أكبر يرتبط- إذا استحضرنا مناحي التأويل والتفسير- بالتمدد أو الاستمرار، ذلك التمدد المشدود إلى استمرار سمات رئيسة قديمة موغلة في في ثباتها، وإلى سمات جديدة يكتسبها من مغايرة الطبقات والتوجهات السياسية التي تترك أثرها، تكفل لها التوالد والاستمرار والتشكل والوجود في ظلّ وجود تساؤل دائم عن مساحة الواقعي والخيالي في كل قسيم، وأيهما يشكل واقعا، وأيهما يشكل خيالا، وفي ظل توالي الطبقات التي لا تقضي على نواة التكوين المستمر، بداية من الهالة التي يصنعها الاختلاف، ويصنعها الفن والخيال المرتبط بالتماثيل التي نعدّها لأنفسنا بوصفنا أفرادا، ولأوطاننا بوصفنا جزءا منها، ومرورا بفقد هذه الهالة في فترات زمنية محددة، وإعادة تكوينها واكتسابها بشكل مغاير في طبقة أخرى. الرواية- بالرغم من ارتباطها بشخصيات وصراعات حياتية خاصة- تظل مشدودة إلى الهم السياسي العام، وإلى تحولات الذات الجمعية كل فترة زمنية، من خلال الإضافات أو التوجهات التي تخلقها كل مرحلة أو كل توجه، فيحدث هناك تحويل أو تحوير جزئي لهذه الذات، لكنه تحويل أو تحوير لا يقضي على أسس الهوية التي تظلّ مختزنة ساكنة، وفي لحظات معينة تدبّ فيها الروح مرة أخرى، فتستحضر تمثالها القديم، أو نموذجها المتخيل البرّاق، وتحذف الطبقة الغريبة العالقة، ولا يتبقى منها إلا ما يدلّ عليها بوصفها تاريخا سابقا أحدث خلخلة جزئية في تكوين الذات الجمعية. الشخصيات السردية بين الاستمرار والتلاشي تشتغل الرواية في كل جزئياتها، سواء أكانت أساسية أم فرعية على الواقعي والمتخيل، وأيهما أقرب إلى الحقيقي إذا كان يمكن الحديث عن شيء حقيقي. (فنعمات شامل) الشخصية الرئيسة الواقعية تقابلها (زينة) أو (زينة فقط)، ويلح التقابل أيضا بين التمثال-أو التمثالين- ونعمات، والجسد الحقيقي والجسد المتخيل المسروق. فهناك في كل جزئية محاولة تفكيك وهدم المسافة أو الجدار بين الواقع والمتخيل، وذلك بإسدال صفات كل قسيم على الآخر، فحبات العرق تلمع بوضوح فوق التمثال، وتنحدر في خيطين متوازيين على خدّيه، بالإضافة إلى وصفه بالشحوب والنحافة، وكلها صفات تضع المتخيل في مساحة الواقعي ومكانته، خاصة حين نستحضر وصف صاحبة التمثال نعمات بعد أن انتهى منه الفنان الإيطالي، حيث تقول ( فجأة تنبهتُ، وأنا أتحسس جسدي/جسده، هناك ما يشبه سحابة تحت يدي تسبح تحت طبقة البرونز، سحابة مارقة عذبة شقية). فالفن – في ظل ذلك الفهم- قيمة مضافة إلى الواقع، يتجلى ذلك بشكل أكثر وضوحا إذا استحضرنا مساحات التأويل للشخصيات المستمرة في النص الروائي، وما تشير إليه من دلالات ترتبط بهوية جمعية، لها بهاؤها المشابه لبهاء التمثال في مقابل وجودها الواقعي وتشظيها الملموس. فالتمثال- بالرغم من كونه علامة تجارية لشوكولاتة مانشيني- أصبح قبلة يقصدها الفنانون وطلاب الجامعات الذين كانوا يتحلقون حوله بوصفه إطارا تعليميا. فهذا التمثال الذي صنعه النحات الإيطالي له فرادته لأنه يمثل المتخيل في إيقافه لعجلة الزمن، وصورة منفلتة من آثاره وقوانينه، خاصة إذا استحضرنا كلام نعمات شامل عن جسد أمها (وداد)، وكيف يتحول جسدها كل يوم عبر الزمن إلى كائن غريب بشع. فالتمثال الخاص بنعمات صورة أو لقطة ضد حركة الزمن ظلت تبحث عنها في ظل تغيّر جسدها في النهاية. فالخلود الذي تحاول الوصول إليه خلود اللقطة، أو خلود الصورة التي لا تندرج أو تتأثر بحدود الزمن، وما يسقطه على الكائنات من تغييرات، خاصة إذا تمت زحزحة الشخصية من وجودها المادي إلى ما ترمز إليه من دلالات لها صفة الاتساع، يتجلى ذلك في سؤالها للنحات (هل تمنحنا التماثيل الخلود؟). التمثال – بالرغم من إشارات عديدة-لا يرتبط ببجماليون أو نرسيس، فالأمر لا يتجاوز عشقا للحظة أو لهوية جمعية يمكنها أن تتغلب على آثار كل مرحلة، ةتستمرّ دافقة الوجود. ويمكن تأسيس مشروعية لهذا التأويل في سياق سبب صناعة التمثال، وهو البحث عن علامة تجارية لشكولاتة مانشيني (كامورا) في مقابل الغزالة لشكولاتة (كورونا)، فالعلامة بعد استيفاء حدودها، تتحوّل إلى إشارة سيميائية تتغلب على محدودية الزمن، فالتمثال- في الأساس- صنع لأمر يفترض فيه التمدد والاستمرار، ولكن تحريكه أصبح سبيلا لمناقشة توجهات فنية ووجودية ينبع من أزمة الذات الفردية والجمعية ومحدوديتها، وخوفها اللافت من الزمن وأصابعه اللعينة. فالفن أو التمثال أداة مقاومة للفناء والمحو الذي أصبح- في منطق الرواية ومنطق الحياة بوصفها تجربة معيشة- شاهدا على تحلل الجميع، فمراقبة التمثال ومعاملته ككائن حي فيها نوع من استحضار الماضي ومقاربة ثباته وتغيراته، ومحاولة تثبيته في ظل فعل النكران والنفي الخاص بنعمات لجسدها الآني. الإشارة إلى التمثال ودلالته الحرفية أو التأويلية مهمة في الوعي بطبيعة الشخصيات الممتدة من بداية الرواية إلى نهايتها، وهي على الترتيب (نعمات شامل) التي تأخذ مدى دلاليا واسعا، و(زينة) أو (زينة فقط) حيث تصبح امتدادا أو تحويرا لها، و(حجازي) الذي يلحّ بالرغم من فقدانه البصر بوصفه رمزا للعارف الذي يحمل بصيرة، وكأنه ترسياس حارس طيبة أو حارس نعمات شامل وزينة. الشخصيات الممتدة من بداية الرواية إلى نهايتها تتعانق مع المكان في استمراره وقيمته في كونه يظل باقيا بالرغم من تعدد الطبقات والتوجهات. وتأتي نعمات شامل نموذجا لافتا للإشارة إلى هذا الاستمرار، فالطبقة الحياتية يتمّ إزالتها كل صباح من خلال طقس يومي، ومن ثم تغادر طبيعتها المادية لتلتحم بحدود الرمز في دلالته الرجراجة على أشياء عديدة، يؤيد ذلك اختلاف مظهرها مع كل طبقة، فمع الطبقة الأولى- طبقة مانشيني والملكية- لا تخلو من خصوصية جمالية، فهي تتوحّد بالتمثال، وهذا يشكل طبيعة النظر إليها، ووضعها في إطار خاص. ومع كل طبقة تالية يمكن أن نجد صورة مغايرة، بداية من ثورة 1952 والمدّ الناصري، والانحراف عن ذلك من خلال العلاقة الاستغلالية والانتهازية برمز من رموز الانفتاح والرأسمالية (يحيى خليل) بوصفه نموذجا كاشفا عن التحول من اليسار إلى المد الديني طبقا للنظرة البرجماتية في فترة السادات، حيث يتمّ استغلال نعمات أو جسدها بوصفه آلة جنسية للوصول إلى أهدافه. وفي ظل ذلك يمكن النظر إلى شخصية (زينة) أو (زينة فقط)، فهي تشكل المتخيل المرتبط بالتمثال الذي تراقب من خلاله مدى ابتعادها أو اقترابها من الأسس الأولى للهوية الجمعية، فهي الجذر الأيقوني المستمر بالرغم من التغييرات المصاحبة. فصوت زينة في الرواية ليس صوتا سرديا بقدر ما يشكل صوتا تأويليا به نوع من المقاربة للحكاية، فهي تقدم حكاية لحكاية أخرى بطلتها نعمات شامل التي لا تنفصل عنها، بل تعدّ امتدادا لها. وفي ظل هذا الترابط بينهما تؤسس الرواية مساحات من التشابه والتداخل، فكلاهما تعرض للتحرش، فمشهد ميلاد زينة في النص الروائي، ووصولها إلى منزل نعمات هروبا من تحرّش ما بواسطة يد خشنة غليظة يشابه تحرّش زوج الأم مع نعمات، يتجلى ذلك في قولها (حين تجاوزت السادسة عشرة رأت أمي أن تتخلص من عبء هذا الجسد الفاتن الذي أحمله، خاصة بعد أن تزوجتْ من رجل دنيء، لم يتوقف عن محاولة الإيقاع بي)، ويصل التشابه ذروته حين تقول لحظة رسم صورتها مع الفنان البلجيكي (سلّمني لذكريات موجعة، زوج أمي وهو يختلس النظرات من فرجة باب الحمام، وأنا أستحمّ، محاولات أولاده العديدة والمريرة للعبث بجسدي، محاولاتي العديدة للهروب من المنزل). زينة في النص الروائي لا تنفصل عن نعمات، وإن أعطيت شكلا مختلفا ووظيفة تأويلية لحكاية داخل الحكاية، فإذا كانت نعمات تراقب ذاتها وتحكي قصة نفسها، فإن زينة تراقب ذاتها وتسرد سيرتها، وفي الوقت ذاته تراقب نعمات وتحكي حكايتها، لمعاينة حجم الاختلاف والابتعاد. وهما حكايتان لا تختلفان إلا بقدر مراقبة التغيّر الحادث الذي يغيّر في طبيعة الوجه أو النموذج المتخيل، يكشف عن ذلك قول حجازي (من أين لك بهذه المؤخرة يا زينة؟ قالها بنبرة فيها من الدهشة قدر ما فيها من الاتهام)، أو قول نعمات في مخاطبة زينة وحديثها عن ثوب الدانتيل الذي يشكل مساحة توحد بينهما (سيصبح على مقاسك بعد أسابيع قليلة، طلبتْ مني أن أعيده إلى الدولاب، وأنا أضعه مكانه رأيت دفترا ضخما يتخفى بين الملابس يشبه تماما الدفتر الذي أدون فيه حكاياتي). الجملة الأخيرة في الاقتباس السابق، وجمل أخرى بالضرورة موزعة في النص الروائي، مثل قول زينة لتصوير حالة الالتباس بينها وبين نعمات (من منا الأصل؟ ومن منا الصورة؟) تكشف عن صعوبة في حسم صاحبة الصوت السردي الموضوعي هل هي نعمات أم زينة؟ فهناك صوت موضوعي يتلبس بالغياب على طول صفحات الرواية، إلا في أجزاء أو فصول قليلة، يعطي فيها النص الروائي لبعض الأصوات منصة السرد والقدرة على التحكم فيه من خلال ضمير المتكلم. فالأساليب السردية والخطابات لا تشكل تباينا، فبالرغم من هذا التعدد لا تتحول الرواية إلى رواية أصوات، لأن بنيتها قائمة على التآزر والاكتمال وليس على الاختلاف، فكل فصل مشدود إلى سابقه ولاحقه في إطار السرد الطبقي المتآزر، هي حكايات تتآزر وتكتمل لتعطي إحساسا بسلطة الحياة، ودورانها من القاع إلى القمة والعكس، فالشخصيات في الرواية- كل الشخصيات- تصنع وجودها وقوتها متساوقة مع قانون الحياة في ذهابها نحو المحو والتلاشي. هذا التعدد في الرواة أضفى على عالم الرواية نوعا من الحركة، فليس هناك خيط ضيق ثابت، ولكن هناك سرد وتجميع لحكايات عديدة من نقاط زمنية مختلفة، ينحو بعضها إلى التفصيل، وبعضها ينطلق من المتشكل النهائي، فالسرد في بعض الفصول يبدأ من قمة الحدث، وفي الخيوط السردية الأخرى يقدم تفصيلا، لكي تكتمل الحكاية بعد عناء التجميع لعناصرها. في بعض فصول الرواية يبدأ السرد موضوعيا محتميا بالغياب، لكنه في لحظة ما يتحوّل إلى متكلم، على نحو ما يمكن أن نرى في سرد الرواية عن الخواجة (جاك). وفي أحيان أخرى تترك الرواية منصة السرد للمتكلم، لكنه يرفد ذلك بجزء خاص من السرد الموضوعي القائم على الغياب، لأن السرد الموضوعي يحمل نوعا من المعرفة وبراحا لتأويل الحدث بعيدا عن محدودية وانحياز الذات. ففي رفض مانشيني لطلب العائلة/ كامورا/المافيا، التنازل عن مصنع الشكولاتة، يتحوّل السرد من المتكلم للغياب لأن السرد الموضوعي يقارب الأمر بوجهة نظر أكثر اتساعا بعيدا عن محدودية الذات في إطار وجهة نظر مانشيني. ويمكن في إطار ذلك تأويل التحول من التكلم إلى الغيبة بعد قرار السلطات المصرية تأميم مصنع مانشيني، فتغييب صوت المتكلم هنا ليس إلا صعودا لصوت الغياب التأويلي، فالحدث هنا – التأميم- خارج مساحة الوعي أو التفسير الذاتي التي يجب أن تكون حاضرة، تقول الرواية في إطار نسق موضوعي مغيبة صوت إيما (كان ضابط برتبة رائد، هو الذي أخبر إيما بالأمر، بعد أن أشهر مظروفا أصفر في وجهها. لم تفهم إيما شيئا أو لم تستوعب، أو لم تمكنها الصدمة من أن تفهم، فما يحدث أكبر من قدرة عقلها على الاحتمال). فتغييب صوت المتكلم سواء أشارت الرواية إلى ذلك، من خلال وضع إشارات شكلية، أو لم تشر للتحول من شكل إلى آخر وثيق الصلة بفعل التأويل، وبسلسلة الحوادث المفروضة من قوى عليا، مثل حريق المصنع من جانب المافيا، أو فعل التأميم من جانب الحكومة، ولكن بالرغم من كل ذلك ليس هناك قانون ثابت في بناء الأجزاء أو دخول الشخصيات إلى حلبة السرد إلا في حدود البناء الطبقي المشدود للزمن أو الحقب الزمنية، ويمكن أن يكون ذكر الشخصية في فصل من الفصول إشارة للانتباه، فيأتي الحديث عنها في فصل تال، مثل إشارة نعمات إلى الخواجة جاك في لحظة سيطرتها على السرد من خلال المتكلم، فيأتي السرد في الفصل الثاني واضعا إياه في بؤرة التركيز والسرد الموضوعي. داخل السرد الروائي هناك إشارة لخطاب سرد المطويّات، والمطويّات كما تجلى في النص الروائي تمثل نصّا ملغزا مكتنزا أشبه بالتوقيعة في نصوص النثر القديم، فهي مملوءة بالمجاز، وتتجلى في لغة أقرب إلى لغة الحلم أو النبوءة. والمطويات في النص الروائي تشكل مرتكزات أو أوتادا، لتشكيل الحكاية أو سدّ فجواتها، أو لاختيار توجه من التوجهات العديدة، فهي أشبه بالمرشد السردي والمؤطر الانتقالي للحركة القادمة خاصة في وجود حجازي الشبيه بترسياس. في واحدة منها تكشف عن الحركة والفعل القادم تقول (ثم يأتي ليل لن يجد ميمي فيه كرمة العنب التي ترتاح صلعته تحت ظلها، فيحرم النوم على نفسه) فهي- أي المطويات- خطاب مكتنز ينفتح على التأويل، فتصبح الشريان الذي تتناسل منه خيوط وحكايات بسيطة تتكاتف فيما بينها لصناعة السرد. طبقات البناء السردي السرد قائم على فكرة الطبقات بالرغم من هذا التعدد أو التفتيت الكاشف عن العمل وإعادة العمل المستمر على النص الروائي، هذه الطبقات تبدأ في الظهور ثم ترتفع وتعود أدراجها إلى المحو، فكل طبقة لها شخصياتها التي تنشأ في وجودها، وتتأسس في حدودها، ولكن وجود هذه الشخصيات وجود لحظي زمني، مرتبط بناموس الحياة وسلطة الزمن، وهذا مباين للوجود الممتد الذي أشرنا إليه سابقا، لأنه وجود يمثل إشارات لأفكار وقيم ودلالات أقرب إلى الروح التي تتأثر، فتغيب جزئيا، ولكنها تعاود الظهور دون أن تفقد شيئا من بهائها القديم، فالشخصيات هنا جزئيات طارئة أو مكوّن من مكونات الطبقة، يتمّ ردمها بانتهاء زمانها، ووجود الشخصيات محدد، أما المستمرون فيأخذون وجودا رمزيا أكبر من كونهم شخصيات بها حياة دافقة. فالرواية كاشفة في ثنايا الحكاية أو الحكايات عن البناء المتوالي والمتتابع للطبقة الفاعلة في كل مرحلة زمنية، مجلية طبيعة كل طبقة، بعلاقاتها بين أقطابها، فالطبقة الأولى تكتسب قيمتها من التعدد العرقي والإثني سواء في القاهرة أو في الأسكندرية، فهناك اليونانيون والفرنسيون والسويسريون والإيطاليون بالإضافة إلى المصريين. وهذا التعدد سواء في الأعراف والأديان يكفل وجودا خاصا، وتميزا في جوانب محددة، ترتبط بحياة الإنسان واحتياجاته، يكفي أن نطالع أسماء مثل مانشيني، وإيما، والخواجة جاك، والأخير جاء من زواج شاكر أفندي المصري بهيلانة الإيطالية. وكذلك حين نطالع أسماء المحلات والمصانع، مثل بار (الكاب دور) الذي التقى فيه (مانشيني) و(جاك المصري) تحوّل اسمه- نظرا لبداية الانطواء على الذات المصرية والتحزب الديني، وبعد أن اشتراه الحاج محمود علي من أصحابه اليونانيين- إلى بار الشيخ علي، ويغلق أبوابه يوم الجمعة استنادا إلى محدد ديني جزئي بعيدا عن التعدد الذي كان سائدا في فترة سابقة. يؤكد مشروعية هذا المنحى التأويلي ارتباط كل طبقة من الطبقات المتوالية، بعد طبقة التعدد والتنوّع العرقي والإثني والديني من العشرينيات إلى بداية الستينيات التي تلحّ في النص الروائي، وكأنها سلطة نموذج متخيل، وجود مطوية ترتبط بالجسد المسروق لنعمات الذي تبحث عنه في تماثيلها، أو في الفتيات التي تقوم برسم أجزاء منهن، تقول المطوية (هناك صورة من صورنا يسرقها اللصوص، هي الصورة التي نتمنى أن نقابل عليها الله)، وهي المطوية التي تجلت تأويلا في صوت أحد الباشوات الذين ينتمون إلى هذه الطبقة المثال مخاطبا نعمات ( أشياء كثيرة تغيّرت يا نعمات من حولك.. هذه ليست قاهرة الأربعينيات والخمسينيات، ليست هي الشوارع والميادين ولا الناس. رحل الفنانون الأجانب الذين أدركوا قيمة جسدك. المصريون داهمتهم الرياح التي بعثرت كل شيء). فنعمات شامل- وكذلك تمثالها- نتاج لتلك الفترة، وهذا يجعلها تدخل في إطار دلالي كاشف عن السياقات المتوالية بعد الثورة، ودورها في تشكيل طبقا متوالية من الأنظمة السياسية والتوجهات التي تخلق الانتهازيين، وتخلق في الوقت ذاته لصوصها الذين تحولوا من نسق إلى نسق جديد، لغياب فاعلية الأول واضمحلال تأثيره. تقابلنا الطبقة الأولى بعد الثورة وفعل تأميم مصنع مانشيني للشكولاتة، وستظهر الفاعلية إذا كنا على وعي بقيمة الشكولاتة وارتباطها بالحرية، خاصة فيما نقلته الرواية عن إيما زوجة مانشيني الذي مات حسرة بعد حريق المصنع من خلال المافيا قبل فعل التأميم، تقول لهم-أي لأصحاب قرار التأميم في الحكومة-الشكولاتة غير قابلة للمصادرة أو للتأميم، الشكولاتة متمردة بطبعها، عجينتها الحرة، لا يمكن حبسها في أدراج الموظفين، لأن قالبها لا ينضج إلا في النور، الشكولاتة لا يمكن تدجينها، هي بنت الحرية، ورفيقة الخيال المفتوح). ما يهمنا هو طبيعة السياق أو الطبقة التي أوجدتها الثورة في رؤيتها للتمثال أو لصاحبته نعمات، ولن ينفصل ذلك عن السياق العام، فمع طبقة الثورة تفتت هذا التنوّع والتعدد بشكل عام، واًصبح هناك اتكاء وإصرار على الواحدية المهيمنة، تقول الرواية في سردها عن جاك (الناس الذين كانوا ينادونه بالخواجة جاك المصري، صارت هذه العبارة القصيرة تخرج من أفواههم في توجس وربكة، حساسية ما دبّت فجأة). ويمكن الكشف عن تباين خاص في التعامل مع التمثال الذي كان في الطبقة السابقة يمثل جوهرة فنية، أصبح الآن لا يعدو أن يكون عهدة ميري داخل مخازن الحكومة، يؤيد ذلك التأويل أن من أعاد التمثال لصاحبته وأعطاه بعضا من قيمته السابقة شخص ينتمي إلى الطبقة الأولى الكاشفة عن التعدد ومثالية المتخيل. تأتي بعد ذلك الطبقة التي أحدثت خلخلة لافتة، من خلال التوجه الرأسمالي والبرجماتي الذي يفقد كل الأشياء قيمتها بتحويلها إلى سلعة، وهذه الطبقة تمثلت في مظاهر عديدة، ولعلّ أهمها يتجلى في المدّ الديني، وانتشار طبقة من الشطار والانتهازيين، بالإضافة إلى التحولات التي أصابت المنتمين إلى الطبقة السابقة. ويمكن التوقف عند إطارين: الأول يتمثل في المدّ أو المذهبية الدينية وظهورها بشكل ملموس، وكأنها أصبحت سياقا عاما في المدارس والجامعات والشوارع، ويعد الشيخ (عبود) الذي يشير إلى نموذج واقعي محدد، ظلّ سجينا في عهد ناصر وأفرج عنه في عهد السادات، علما على هذه المرحلة ومرتكزات تلك الطبقة، فلكل طبقة أعلامها التي تكشف عن التجاوب بين السياسة والتنظيمات الدينية، وذلك للقضاء على الفكر اليساري في مرحلة سابقة. فالشيخ عبود يأتي بوصفه علما على انتهازية التجمعات والتنظيمات الدينية، فهذه التنظيمات على اختلاف مشاربها وتوجهاتها، يجمعها خيط واحد يتمثل في الثبات المشدود إلى الحركة للخلف وليس للأمام. أما الإطار الثاني فيتمثل في طبقة الانتهازيين والشطار، وهم لم يتشكلوا من فراغ، ولكنهم متحولون من النسق الناصري السابق الذي لم تعد له فاعلية، في ظل هيمنة نسق جديد، ويمكننا التوقف عند شخصيتين: هما (زيزي)، و(يحيى خليل)، فقد ارتبطا بالمد الناصري في فترة الجامعة، ولكنهما أدارا ظهريهما لهذه المبادئ بعد سطوة طبقة السادات. يظل السؤالان اللذان وردا في نص الرواية-كيف تكون أحمد ضرغام؟ وكيف تكون يحيى خليل؟- كاشفين عن الثبات والتحوّل، ومهمين للإشارة إلى نمطين في مواجهة التحولات الكبرى. ففي ظل تتابع الطبقات وارتباطها بتوجه سياسي مفروض، هناك دائما شخصيات تظل مرتبطة بطبقة سابقة مقهورة بأزمة ذاتية، لا تستطيع أن تغيّر جلدها، لكي تصبح متجاوبة مع التوجه الجديد ومتطلباته، لأنه لم يكتسب مهارات الطبقة وأخلاقها، ولا يمتلك القدرة على التحوّل والمطاوعة. فأحمد ضرغام ينتمي إلى نسق سابق في إيمانه بالقيم الناصرية، وهو يعيش في لحظة مغايرة يشكّلها توجه السادات، ولهذا نجده يختار الانزواء، مرتبطا بسردياته الذهنية القائمة على فعل الذاكرة التي يربيها ويشكلها يوميا، وعاقدا صداقة مع الضفدع الذي يجاوبه صوتيا، فقد أصبح مهملا مثل لافتة (مصنع الصواريخ) التي وضعت على سور مانشيني بعد تأميم مصنع الشكولاتة، تلك اللافتة التي بال عليها الكلب عنتر، لأنها لم تفض إلى شيء، وتلاعبت بمشاعر الجماهير. في المقابل هناك نموذج مقابل يتمثل في يحيى خليل، فقد انتمى لليسار في فترة الجامعة مشاركا في توزيع البيانات والمنشورات، ثم أضحى مرشدا يكتب تقارير عن زملائه. وهو- ربما لعدم إيمانه الكامل بالقيم والمبادئ الماركسية واليسارية- استند إلى المطاوعة، والانتقال من مرحلة إلى مرحلة، فكان عينا للأمن، وشريكا في كل الترتيبات المهمة للنسق أو للطبقة الجديدة بمرتكزاتها. فتعامل يحيى خليل مع نعمات شامل- وهو ما يهمنا بوصفها رمزا ممتدا لمتغيرات الهوية أو الذات الجمعية- يكشف عن سمات الطبقة وطبيعة التوجه التي تفقد كل شيء قيمته وتحيله إلى سلعة، فقد أصبحت نعمات شامل بالنسبة له وسيلة يستند إليها للصعود والنفعية، والوصول إلى وظيفة أعلى، بداية من جذبها إلى مداره، ودورانه بها على ندوات اليسار، وانتهاء ببيع جسدها مرات عديدة، للوصول إلى هدفه، سواء للباشا العائد إلى مصر، أو إلى المسئولين الكبار، ليتولى رئاسة تحرير صحيفة قومية. أما المرحلة الأخيرة-وهي مرحلة ليست لها ملامح فارقة أو قارة-فهي مرحلة أو طبقة تغيّر أسسها ومرتكزاتها ورجالها بعد انتهاء الأدوار، وأقطابها كان لهم وجود فعّال في طبقة سابقة، ولكن دورهم أخذ شكلا أكثر قوة وتأثيرا في المرحلة أو الطبقة الأخيرة. ويمثل هذه المرحلة (زيزي)، وزوجها (ميمي) أو الجنرال، فالأولى كانت تنتمي لليسار، وتمّ سجنها لمدة أسبوعين عام 1977، والأخير يمثل جزءا وذراعا من مرتكزات الطبقة الأخيرة، بالإضافة إلى (السنتر) الكاشف عن الطبقة بتوجهاتها وانحيازاتها المتباينة والمتناقضة، في احتوائه على الشيء ونقيضه. حدة الفاعلية بين وجودهما في الطبقة السابقة، والطبقة التي تجلت في تسعينيات القرن الماضي تتجلى في قول زيزي لزوجها كاشفة عن قلقها الذي أثبتت الأيام صحته (لقد تضخمنا يا ميمي، أصبحنا دولة تتمدد كل يوم لتلتهم العالم. عرفنا أكثر مما ينبغي لأحد أن يعرف، كل أسرار الكبار في جيوبنا، والكبار قلقون بطبعهم، وفي قلقهم يغدرون، وغدرهم ليس له حدود). وما يشغلنا هنا هو فعل الانتهاك الذي تعرضت له نعمات شامل بواسطة ميمي، أثناء عملها راقصة في الكازينو في (الروف) الخاص بالسنتر، وحضور المتخيل النموذجي للذات الجمعية أو للهوية الناجية والمستمرة بعد كل هذه الانتهاكات بمرور الأزمنة وطبقاتها المختلفة، تقول الرواية على لسان نعمات شامل (بعد سنوات سألت ميمي عن تلك الليلة، وما فعله ساعتها، فاحمرّ وجهه، وضرب جبهته بعنف، وكأن ما حدث قد حدث لتوّه. بعد لحظات من الصمت قال: كانت رغبة قديمة يا نعمات منذ رأيت تمثالك البرونزي). ربما يكشف عن ملامح الطبقات المتوالية في تعاملها مع المكان، ومع نعمات وتمثالها النموذجي، مجموعة المسميات التي أطلقت على المكان بداية من أرض المشتل، مرورا بمصنع كامورا للشكولاتة، مصنع الصواريخ، الخرابة، السنتر. فكل لفظة كاشفة عن التوجه الطبقي العام الذي يغيّب الوجه الحقيقي، ذلك التغييب الذي تقاومه نعمات بطقس الآلام اليومي كل صباح في إزالة ما علق بجسدها من أثر الطبقة بمساعدة وحضور النموذج الرائق والمستمر للهوية أو للذات الجمعية المتمثل في زينة أو على حدّ تعبير الرواية (زينة فقط).