المتتالية القصصية حدود النوع وإيقاع التكرار والتأويل
المتتالية القصصية
حدود النوع وإيقاع التكرار والتأويل
عادل ضرغام
هناك دائما شيء في القصة القصيرة يجعلها بالتأكيد مختلفة عن الرواية، يتأسس ذلك الشيء في بدايتها الأولى، وفي اقترانها بالشعائري والعقائدي، وارتباطها بالتجريدي، وهذا يجعلها أقرب إلى الشعر في عنايتها بالحدث اللافت المضيء بعيدا عن النمو المطرد. والقصة القصيرة في ظل ذلك بنية ساكنة ترتبط بالثبات أكثر من ارتباطها بالحركة والنمو، لأن حركتها ذهنية داخلية مشدودة للحدث في تجليات سابقة وآنية، مما يجعلها في معانقتها للمعرفي تحدث زحزحة وانفتاحا لحدودها الزمنية، فيصبح الزمن دائريا ذا خصوصية.
وفي العقود الأخيرة- بعيدا عن التجليات التراثية- تأصلت أشكال سردية في مساحات التداخل بين الأنواع الأدبية، وذلك من خلال الجمع بين آليات أكثر من فن، ليكون لدينا شكل له خصوصية. من بين هذه الأشكال السردية المتتالية القصصية التي يعتبرها البعض نوعا فرعيا قائما بذاته، لأن دارسي الفن الروائي لا يعتبرونها رواية بالمعنى المتداول والمستقر لديهم، ولا يعتبرها كذلك دارسو القصة القصيرة داخل حدود القصة القصيرة، وذلك لكونها تجمع بين جزئيتي الانفتاح والانغلاق، وبين النمط الكلي وما يوجبه من تداخل، والجزئي وما يسدله من حدة فارقة وصلبة بين الجزئيات. وهذه الأشكال البينية وثيقة الصلة بالسيولة النوعية في محاولة البحث عن أشكال جديدة تتعاظم على الحدود الجاهزة، لتأسيس بنية خاصة فيها من التماوج والمطاوعة مما يجعلها نوعا خاصا، يتطلب بالضرورة آليات مقاربة جديدة.
والكتّاب- في بعض الأحيان- انطلاقا من سياقات حضارية يتولّد لديهم رغبة ملحة في إنجاز شيء كلي موحد في المجموعة القصصية، حيث يظهر فيه الاتساق أكثر من التنوّع، ولكنهم حذرون في الوقت ذاته من كتابة الرواية بآلياتها المعروفة والمحددة، ومن ثم يجدون بغيتهم في شكل المتتالية التي تسمح بآليات فنية لتنضيد الوحدة والتنوّع في آن. وقد أشار جيرار لينش إلى أن شعبية المتتالية القصصية تزامنت مع صعود الحداثة في الأدب، أي في الفترة التي كان تأثير داروين وماركس وفرويد وأينشتاين محسوسا بشكل تراكمي، وكانت جميع الأنظمة التقليدية في الأدب- ومنها الرواية الواقعية- داخل مراجعة مزعزعة، وفي ظل هذا السياق ينظر إلى المتتالية على أنها نوع من المقاومة للرواية الواقعية، وتفتيت للسلسلة السردية الطويلة من المكان والزمن والشخصية والحبكة.
المتتالية القصصية تقدم بوصفها مجموعة من القصص، يشعر القارئ من خلال إشارات خاصة أثناء فعل القراءة، أن بها جنوحا للخروج من الجزئي الأحادي المغلق إلى الكلي المتعدد المنفتح، ولكن كل ذلك دون إطار سردي نام يؤسس وجودها داخل المتن الروائي المؤسس. فالمتتالية تتأسس في مساحة الريب بين الوحدة السردية الكاملة، وبين الوحدات الجزئية المنفصلة التي يلمّ شتاتها خيط واحد أو شخصية واحدة، أو مجموعة شخصيات تتحرك في مناح مختلفة، ولكنها مشدودة لجذر فكري يؤسس لتوجهاتها العديدة، ولطبيعة حركتها، وهي في كل ذلك مشدودة إلى الكلية والاستمرار والاكتمال والتمدد، وإلى الجزئية والانقطاع في الآن ذاته.
تتشكل قيمة المتتالية بوصفها شكلا أدبيا خاصا فيما تتيحه من مقاربة فنية تتمرد على البنية الرأسية الواقعية في تقصيها وتمددها واكتمالها، فتتحوّل إلى مقاربة أفقية تتوسّل بالتكرار لتنضيد الإيقاع الخاص، وللوصول إلى معنى أو دلالة لا يمكن الوصول إليها من التعامل مع القصص بشكل منفرد بوصفها بنيات مغلقة. فمن الجزئيات الجيدة التي يتيحها شكل المتتالية كونها تتيح للكاتب بناء قائما على التكرار والتوازي، يمكنه من المقاربة وإعادة المقاربة في صور عديدة للإمساك بإيقاع حركة لشخصية أو مجموعة شخصيات، أو نمطية خاصة بمكان أو مجتمع، ويصبح فعلا التكرار والتوازي هنا مناط العملية السردية بما يتيحانه من توجيه المتلقي نحو استكشاف فاعلية سردية مغايرة ترتبط بخصوصية ما، ونحو مقاربة حتى السياقات الحضارية فنيا بشكل مختلف بعيدا عن التمدد الراصد، إلى معاينة تآزرها البنائي في لحظة مارقة عن التأطير، فالمتتالية- في منطق إحدى الباحثات- يمكن أن تعبر من خلال بنيتها الثنائية المنفتحة والمغلقة في آن عن محنة الفرد ومصير المجتمع).
حدود النوع
ثمة فروق أو اختلافات بين المتتالية القصصية والرواية، يتمثل أهمها في غياب المركزية السردية في المتتالية وحضورها في النص الروائي، والمقصود بالمركزية هنا تراكم الحدث وتتابعه، سواء أكان خطيا أو غير خطي في أفق وتوجه محددين من خلال الشخصيات أو الحبكات أو التيمات. فالفارق بينهما لا يرتبط بالخطية، وإنما في وجود بنية محددة الأطر والتوجهات يتراكم حولها السرد، وهذه البنية متحققة بصورة مباشرة في النصوص الروائية، ولكنها في المتتالية تتطلب فعلا من أفعال التأويل، للوصول إلى الوعي وتشكيل ملامحه وحدوده، وإذا كانت هذه الكتلة المركزية تتحقق في الرواية بالنمو السردي، فإنها في المتتالية تتحقق بفعل التكرار لإحداث إضافة داخل بنيات سردية تلحّ على جمعها واستحضارها وسبكها داخل نسق تأويلي موحّد، وأحيانا يكون التكرار ماثلا في شخصية أو في خطاب أو في مكان أو في استعارة لها تكرار لافت.
فالمتتالية بتشكلاتها المختلفة تقيم أو توجد فروقا بينها وبين الرواية من جهة، وبينها وبين المجموعة القصصية من جهة أخرى، وإذا كان الفارق بينها وبين الرواية يتأسس في ظل غياب البؤرة المركزية لديها، فإن الفارق بينها وبين المجموعة القصصية يرتبط بانغلاق كل قصة في المجموعة على وحدة دلالية أو على مركز مغلق، لأن كل قصة بفرادتها منشورة مع نصوص أخرى، ووحداتها البنائية لا تتطابق، فالمجموعة القصصية تتميز بالتعدد في البؤر الدلالية. وهذا الشرط الذي يتحقق في المتتالية بشكل جزئي - لأن هناك مجموعة من الدلائل والبنيات حاضرة بالتكرار- يجعلها لا تكف عن التملص من هذا الإغلاق، من خلال إسدال ثمة توازيات أو تكرارات بنائية تكشف عن نوع من التداخل بين الجزئيات المكونة لها.
المتتالية القصصية هي مجموعة من القصص المترابطة التي تحتل موقعا في المنتصف بين المجموعة القصصية والشكل الروائي المستقر، فهي تتكون من قصص مفردة، لكنها مرتبطة ببعضها البعض، وتتحقق في مساحة الريب بين الوحدة الكلية والتفتت، ويمكن جمع شتات هذا التفتت من خلال معاينة البنيات التكرارية مثل المكان أو الشخصيات أو الموضوع، فهي كتابة فنية قائمة على إسدال نوع من التوازن بين الواحدية والتعدد أو بين الإغلاق أو الانفتاح أو بين الكلية والجزئية، بالرغم من تعارضات أو تباينات بين كل قسيم وما يقابله.
إن هذا التوجه في تلقي نصوص المتتالية يحيل الوحدات الجزئية المكتفية بذاتها إلى أجزاء نصية داخل إطار أكبر، يعمل على تحريف واحديتها وفرادتها، ويكسر بنيتها المغلقة، ويجعلها- داخل فعل التأويل- في حاجة ملحة للأجزاء الأخرى، وهذا لن يتمّ إلا بالاعتماد على جزئيات بنائية ومناح معرفية في الآن ذاته، وهذا يجعل حضور القارئ ضروريا في ترسيخ حدود النوع البيني بين القصة والرواية. وقد قدمت الدراسات مجموعة من المصطلحات الدالة لوصف الظاهرة الإبداعية أو الشكل البيني الموزَّع بين الإغلاق والانفتاح أو بين الجزئية والكلية، مثل المتتالية القصصية أو القصة القصيرة المتتابعة، أو الرواية التتابعية أو المركبة، أو القصص المتكاملة.
وفي تحديد النوع الأدبي وتشكيل خصوصيته يقابلنا أول تحديد للمتتالية من خلال الجهود الرائدة لفورست إنجرام عام 1971، حيث يعرّف المتتالية (بأنها مجموعة من القصص القصيرة ترتبط ببعضها البعض من خلال مؤلفها لدرجة أن تجربة القارئ على مستويات مختلفة يعدّل فيها بشكل كبير). وقد أوجد هذا التعريف أو التحديد الذي أورده إنجرام للمتتالية لفهم ذلك الشكل المؤسس في المسافة البينية بين القصة والرواية، أي بين النمط السردي المتقطع والنمط الكلي نقاشا حول القيمة النسبية للمؤلف والقارئ في تحديد الشكل الخاص للمتتالية، لأن هذا التعريف يدخل المؤلف بفعل القصدية أو الغرضية من تفتيت الشكل الروائي الواقعي، ويدخل المتلقي بفعل التأويل.
فالمؤلف حين يتوجه إلى هذا الشكل الكتابي الموزّع بين الانفتاح والإغلاق لا يخلو توجهه من قصدية في مقاربة السياقات الفردية والجماعية، في إطار بنية حافلة بالانقطاعات الدالة على معنى عام أو إيقاع، لا يتمّ التوجه إليه في إطار بنية واقعية نمطية، ولكن من خلال بنية خاصة تولّد تشابهات وتوازيات داخل هذه الانقطاعات تشعرك بالتجاوب والتكامل والانفتاح، فجيرار لينش في كتابه الواحد والمتعدد في المتتالية القصصية الكندية يشير إلى أن هناك أسبابا لشيوع المتتالية القصصية بغض النظر عن الأسباب التسويقية الإشهارية بالنسبة للناشرين التي ترى أن القرّاء أكثر راحة وتقبلا للشكل المترابط للمتتالية أكثر من ارتياحهم للانقطاعات المتنوعة داخل المجموعة القصصية.
أما الجزئية الأهم في تحديد إنجرام فترتبط بدور القارئ في معاينة الاكتفاء والفرادة والتداخل في الآن ذاته، لأن تحديد النوع أو الشكل الأدبي يرتبط أساسا بالآليات التي تتطلبها عملية القراءة والتأويل، فاختيار التعامل مع الوحدة أو الكلية أو الجزئية أو الفرادة في امتلاك مركز داخل كل قصة من قصص المجموعة هي آلية قراءة في الأساس، ففي دراسة سوزان جارلاند مان (متتالية القصة القصيرة عام 1989) هناك تأكيد على أن القصص في المتتالية تعمل بوصفها وحدات منفصلة، وتعمل أيضا في الوقت نفسه- بوصفها وحدات داخل إطار عام يكيف وجودها، ووصفت هذه الثنائية الوظيفية بالاكتفاء الذاتي والاعتماد المتبادل. واستخدام مصطلح التتابع في إحدى توصيفات هذا الشكل السردي ربما يكون قد تولّد من قبل منظرين يهتمون بدور القارئ في تحديد المتتالية، لأن التتابع ضد فكرة الإغلاق المنطوي على بؤرة مركزية دلالية الموجودة في القصص القصيرة العادية.
هذا التوتر بين الوجود المنفرد وقوة التداخل التي تهشم هذا الوجود المكتفي بذاته، أو بين التماسك والتنوع أو بين الانفتاح والانغلاق على المركز، تمّ تحديده من قبل النقاد باعتباره واحدا من أهم الأسس الخاصة بالمتتالية القصصية. وإذا كان هناك اتفاق بين معظم النقاد على أن المتتالية القصصية تتشكل في حدود هذا التوتر، فإن المقاربات النقدية التي تناولت الأعمال المهمة لذلك الشكل الفني مثل (أهل دبلن) لجيمس جويس، و(حياة البنات والنساء) لآليس مونرو، (ونادي البهجة والحظ) لآمي تان قد كشفت عن أن هناك خلافات جوهرية تتصل بالأسس البنائية أو التيمات الدلالية التي تصلح لزحزحة الفرادة الجزئية لكل قصص المتتالية.
وقد أشار إنجرام في كتابه التأسيسي إلى وحدة المكان أو الفضاء أو الشخصيات داخل القصص التي تشكل متتالية قصصية، وقد تابعته سوزان جارلاند مان في التأسيس لثلاث جزئيات فاعلة في الإحساس بالمتتالية وتشكيل عوالمها، تتمثل في المكان والشخصية والموضوع، وتصل إلى إشارات تجنيسية عامة يمكن أن تكون أداة لوضع أو لضم مجموعة قصصية داخل حدود المتتالية القصصية، بما تمنحه من تماسك وترابط وتسلسل يضمن تطورا داخل القصص مما يسهم في تذويب الجزئية والبؤرة المركزية لكل قصة.
ولكن (مان) في دراستها للمتتالية المستندة إلى الفضاء أو المكان بوصفه العنصر الجامع أو الجذر المغذي للتماسك، ولزحزحة الجزئي إلى كلي تطلق عليه (سرديات المجتمع)، لأن معظم هذه المجموعات معنية بالتحولات الكبرى التي تصيب المجتمعات، وتحدث زلزلة بين الحقيقي والزائف، أو بين الثابت والمتحول، في جزئيات الحركة والتوجه ومساحات الفقد والاكتساب لكل مجتمع. ولكن في تناول بعض المنظرين نجد أن هناك خلافا في اعتبار الموضوع أو التيمة جزءا من جزئيات توليد التماسك في المتتالية. ففي المتتاليات ذات التيمة الواحدة أو الوحدة الموضوعية يتم التاكيد على تحققها من خلال الإشارات التبادلية والرموز المتكررة والاستعارات الكبرى التي توجه فئة أو مجتمعا، أو تشكل إطارا خاصا للعزلة أو الاغتراب الذي يعاني منه الإنسان المعاصر.
فالاعتماد على الموضوع أو التيمة أو على الصيغ الأسلوبية أو الرموز المهيمنة في تحديد تماسك المتتالية سوف يؤدي - في منطق جيرار لينش- إلى اعتبار المتتاليات على أنها روايات فاشلة. ولهذا نجد بعض المنظرين يستندون إلى فكرة التكرار في منطقها المتعدد العام، فتكرار الخصائص الشكلية مثل تكرار الشخصيات أو الأماكن أو الإطار الزمني المحدد للشخصيات والفضاءات والموضوعات ذات أهمية قصوى في تحديد متتالية القصة القصيرة. وفي ظل الاعتماد على التكرار بوصفه آلية مطلقة على تنوع جزئياتها، تصبح الظواهر الشكلية البنيوية عاملا مهما في لفت نظر القارئ، وتوجيه دوره في تحديد الأسس النوعية للشكل الأدبي، فالنوع في أكثر التحديدات مشروعية لا يمكن أن يهمل نشاط القارئ للوصول إلى العلاقات التبادلية داخل قصص المتتالية.
وربما يكون منطق التكرار على اتساع جزئياته وأصنافه بوصفه الجزئية الأكثر فاعلية في تحديد وتوليد المتتالية القصصية، سببا في لفت اهتمام أحد المنظرين لهذا الشكل إلى استعارة بنائية بين المتتالية والموسيقى، فقد أشار روبرت لوشر إلى العلاقة بين هذا الشكل السردي الحديث وبين فن الموسيقى، فكما يحدث في المتوالية الموسيقية، تكرّر متوالية القصة –أيضا- الموضوعات والموتيفات، وتقف على تطورها، وهي تتقدم على مدار العمل، وتستمد وحدتها من التنظيم المتتابع، ومن النماذج المتكررة في الوقت ذاته، وهما ما يمنحانها هذا الوجود. وفي هذا التحديد بين الصوت والصدى يدخل القارئ بوصفه الجانب الأكثر أهمية في تحديد وقراءة المتتالية.
إيقاع التكرار والتأويل
إن الشكل الأدبي حين يتأسس في سياق ما يتأسس لأنه يؤدي إلى مقاربة من نوع خاص، في محاولته الإمساك بدلالة مغايرة في إطار محدد لا يتم الوقوف عندها في نمط السرد الواقعي المعهود. فهناك منحى دلالي يولده هذا البناء القائم على التكرار والتتالي، وكأنه إيقاعات موسيقية متداخلة ومتعانقة، ولكنها في تداخلها وتعانقها تأخذ أشكالا بها مساحات من الاختلاف ومساحات من التطابق، فيظل مشيرا إلى تشكلات سابقة، من خلال جذع مغذ لحركة المعنى.
والإضافة التي يولدها البناء- بعيدا عن زحزحة الواقعي وتراتبه في عدم عنايته بالتمدد الرأسي والاكتمال- تتمثل في كونه يعنى بالآني في تشكله اللحظي وتداعياته وترابطاته، بما يقدمه من بناءات متوازية أفقيا على اختلاف مظاهرها. والحكم على قيمة المتتالية القصصية فنيا يجب أن يتشكل في حدود الكشف عن دلالة لا يمكن أن يؤديها السرد الروائي الواقعي الممتد، ولا يمكن للقصص داخل المجموعات القصصية التي تشمل بناء مغلقا على مركزية دلالية أو نواة خاصة بها، فهناك وظيفة تكاملية يجب أن يتمّ استيلادها من الشكل البنائي الخاص بالمتتالية، وفي هذ الإطار تقول سوزان جيرلاند مان (إن القصص تعمل بشكل مستقل، والقارئ يكون قادرا على فهم كل قصة منفصلة بشكل مفرد دون تجاوز إلى الأخرى، ولكن القصص من ناحية أخرى تعمل معا لخلق شيء لا يمكن تحقيقه بقصة واحدة).
وإذا كانت المتتالية القصصية تقوم بنائيا على الجزئيات التي تعطيها التماسك والترابط، فإن قيمتها الفنية المضافة أو المولدة تتجلى من هذا الشكل القائم على التفتيت المتوازي. وهذا الشكل يتحقق في أعمال عالمية كثيرة، وفي أعمال عربية مثل (في مستوى النظر) لمنتصر القفّاش، وفي (غرفتان وصالة) لإبراهيم أصلان، وفي (أخبار الرازي) للتونسي أيمن الدبوسي. وكل هذه المجموعات تستند إلى المكان بوصفه المرتكز الأساس لهذا الشكل المفتت والمجزأ، فالمكان - والشخصيات الثابتة التي تتحرك في إطاره- في المجموعات الثلاث وسيلة الترابط والخروج من الأفق المغلق إلى الأفق المفتوح، فهو مؤطر مساحات الترابط والتداخل بين القصص، ويشدها إلى دلالة أكثر عمقا، قد لا تقدمها القصص في حالات الوحدة المغلقة والإفراد.
فالمكان في مجموعة إبراهيم أصلان (حجرتان وصالة) يشكل الأفق المحدد للحركة، فكل قصص المجموعة رصد للحركة داخل هذا الإطار الضيق المحدد، وإذا خرج السارد الثابت في كل قصص المجموعة يكون في حيز قريب من هذا الإطار الذي يعنى- نتيجة للأفق وضيقه -بإعادة رصد وإقامة مساحة اتصال مع الأشياء اليومية البسيط التي لم يكن السارد ينتبه إليها سابقا، وذلك لانفتاح الفضاء وتعدده، فالسارد في قصص المجموعة يؤسس اتصاله بالعالم وبالأبناء وبالحاجّة (زوجته) في إطار لحظة زمنية ذات خصوصية.
فالمتتالية القصصية هنا وثيقة الصلة بإيقاع الشيخوخة وإطارها المحكم المتشابه مع سياق القمع المكاني ومحدداته في العنوان في تنضيد المتاح من سبل الحركة، داخل الحجرتين والصالة أو زيارة صديق في حدود المكان، فالمكان المفتوح تحوّل إلى أفق خاص يسترجع فيه السارد بفعل الذاكرة الفاعلية السابقة، يقابلها السكون المهمل الآني، وتحوله في هذه السن من كافل إلى مكفول. ففي ظل هذا الأفق هناك ثبات، وخطوات مقررة بشكل يومي، بحيث تمثل حركة كاشفة عن القصور الذاتي بين الرجل وزوجته، وبين الرجل ومجايليه السابقين في العمل أو المنزل، وعن خيانة الذاكرة التي يظهر أثرها كثيرا في تشكيل شخصية السارد، وفي تشكيل الآخرين الذين يسرد عن عوالمهم.
إن رصد هذا الإيقاع الخاص بالشخصية والشخصيات الأخرى في شكل يكشف عن نوع من التوازي في أنظمتها الضيقة والمحددة، لا يمكن تقديمه أو الإمساك به في بناء واقعي متنام بشكل رأسي ممتد، فالسارد يحاول تكديس شيء غير مكتمل ومفتت، وفي الوقت ذاته يمارس حضوره داخل حيزه الخاص، في معاينته لتجربة مختلفة، يحاول فيها استعادة اتصاله بالعالم المحيط، لاستيعاب وجوده الفردي في إطار تصالح تلقائي داخلي تصنعه اللحظة شديدة الخصوصية، وكأن هناك نوعا من المراجعة الداخلية الصامتة للسلوك والتوجهات القديمة، يتجاوب معها نوع من الهدوء.
فهذه المتتاليات أداة للإمساك بهذا الإيقاع المتحوّل البطيء الذي يتجلى في جزئيات عديدة متوازية وكاشفة عن اللحن ذاته، وأداة للإشارة لمساحات أو توجهات الحركة ودروبها لرجل على المعاش في مرحلة زمانية خاصة. فالأماكن أصبحت محدودة (حجرتان وصالة)، و(المقهى)، (وبيوت مجايليه)، ويمكن أن ننصت لألحان من هذا الإيقاع في قصص عديدة، مثل (صديق قديم)، وفي القصص التالية بعد رحيل الحاجّة، لتصبح الحركة مؤطرة داخل حيز محدد سلفا، ومشدودة إلى اليومي والجزئيات البسيطة لتأسيس نوع من إعادة الاتصال بالعالم، واستيعاب ظواهره الخاصة المتشظية في نسق من التشابهات والتوازيات. فما تقدمه المتتالية لا يرتبط بتقديم حكاية أو حكايات مكتملة، لكنها لقطات جزئية خاصة بمراقب مشارك، فنراها جزئيات سابحة داخل عالم تكشف عنه بمنطقها الخاص من خلال آلية التكرار العادي للحركة والسلوك، ولكنها بالرغم من جزئيتها تلحّ على صناعة أفق بشكل مجزأ تنبع قيمته من رصده المطعون بالنقصان وعدم الاكتمال.
في (أخبار الرازي) لأيمن الدبوسي يتأسس نص المتتاليات على ثبات المكان (مستشفى الرازي)، وعلى الشخصيات التي تتكرر بشكل دوري، وعلى ثبات السارد الذي يطلّ في كل قصص أو متتاليات المجموعة بوصفه مؤشرا على انفتاح النص وخروجه عن البنية المغلقة. فمن البداية هناك زحزحة بعيدا عن هذا الحيز المكاني الموجود في العنوان، ويتأكد للقارئ أن هناك تطابقا بين مستشفى الرازي والحياة، فالأنماط (النساء والشباب والشيوخ والأطفال) الموجودة في الرازي هي الأنماط ذاتها الموجودة في الحياة، مما يوحي بمشروعية التأويل، ويؤسس لتبادل الأمكنة.
تتمثل جزئيات الزحزحة والتحريف والتقابل بين المريض والطبيب في قصة (عالم مقلوب)، حين يقول السارد (أخشى من مجيء اليوم الذي يفطن فيه المرضى إلى أننا موجودون هنا لأجلهم، وليس العكس، أرجو ألا أكون موجودا هنا حين يحدث ذلك). فالزحزحة بين المريض النفسي والطبيب لا يمكن إدراكها إلا في ظل هذا البناء المتراكم بطريقته الخاصة، ولن يتمّ الوعي بها إلا إذا تم التعامل مع القصص على أنها بنية مفتوحة متجاوبة. فالتأويل الخاص بالتماهي والزحزحة بين الخارج والداخل يتجلى أيضا بشكل مباشر في قصته (انتهى) حيث يقول (يكفي هذا القدر من العمل في الرازي.. هذه المرة سأغادرها نهائيا.. كم مرة قلتها؟ وفي كل مرة كنت أتراجع. حدسي كان يقول لي دائما إن الأمور في الخارج يمكن أن تكون أسوأ).
فالبناء هنا لا يقوم على الاختيار وتتبع شخصيات منتقاة ومحددة، ولكنه يقوم على المسح الأفقي الشامل للداخل بظواهره المتوازية الكاشفة عن الخارج بأنماطه الضاغطة، ويترك شخصيات هذا المسح على حالها في تأمله اللحظي دون عناية كبيرة بالنتيجة المنتظرة. وفي ظل ذلك تحدث الزحزحة من الداخل للخارج، فيعاين من خلال هذه المساحة الزلقة من التداخل أشياء عديدة، وثيقة الصلة باللحظة الحضارية، فالمكان هنا مكان مجرد نافذة للتأمل لكي يطل على سياقه العام، وعلى الحياة بتنويعاتها المختلفة.
يؤيد ذلك أن القصص الأخيرة في المجموعة التي يمكن اعتبارها قصصا لمراجعة التأويل لكل ما سبق، تجعل المتلقي يعيد قراءة القصص السابقة وفق منطق مغاير لدلالتها الحرفية الأولى المرتبطة بالمستشفى وأحداثه ويومياته من خلال ثبات المكان والفضاء وثبات السارد. فهذه القصص بحضور فرانز فانون، وما يشير إليه من تلازمات دلالية مرتبط بالسيد والعبد والتراتب الطبقي تدخلنا داخل دلالة أكبر مرتبطة بالرازي، وتشابهها الخاص مع الوطن وثورته وأسبابها، وهذا يحيل المتتالية إلى إطار نوعي يرتبط بمعاينة الذاتي بمعناه الواسع في حدوده الفردية والجماعية، داخل قراءة سياسية واجتماعية لنسق الدكتاتور بتجلياته المختلفة، وما يتجاوب معها من انحناءات اجتماعية وتشوهات أخلاقية.
إن المتتاليات القصصية في (أخبار الرازي) لا تكفّ عن الإشارة إلى الخارج من خلال التماهي والزحزحة بين الداخل والخارج، ولكنها في الآن ذاته لا تتجلى بعيدة عن حدود الوجود الذاتي الفردي في مجابهة العالم الذي لا يستطيع السارد الوصول إلى فهم دقيق له، أو إلى استيعاب منطلقاته التي تندّ عن الفهم المنطقي في ظل أنساقه القائمة على الجور. وعلى هذا الأساس فالمتتاليات بها جانب خاص من النمو المعرفي الخاص بالسارد، يكشف عن ذلك حضور الأسماء اللافتة المشغولة بالوجود، ووضع الإنسان في مواجهة هذا الوجود، مثل المعري وديستويفسكي ودانتي وسيوران ونتشة، وبوكوفسكي وفرانز فانون.
يؤيد هذا التأويل وجود شذرات في المجموعة لا ترتبط بأخبار الرازي بوصفها مكانا مؤطرا، ولكنها وثيقة الصلة بالسارد، ومفتوحة على التأمل المرتبط بالتنضيد الترابطي بين المستشفى والحياة، ودور هذا التأمل في تسويغ الحركة والتوجه، وفي الانحياز لاختيار ما من بين خيارات عديدة، وفي قرارته التي قد يؤجلها بسبب النمو المعرفي المتصاعد زمنيا. فهذه الدلالات المضافة وثيقة الصلة بنوعية الرصد والمقاربة الفنية، وطبيعة النوع، وتشكلات العالم الذي لا يمكن فهمه بشكل دقيق إلا من خلال هذا التناول الجزئي المفتت الذي يشير إلى التوازيات بوصفها إشارة دالة على تداعيات الخراب في سياق الفرد والمجموع.