تعدد الخطابات وصناعة العقلانية والتأويل في قيامة الحشّاشين للكاتب التونسي الهادي التيمومي
تعدد الخطابات وصناعة العقلانية والتأويل
في قيامة الحشّاشين للكاتب التونسي
الهادي التيمومي
عادل ضرغام
يضعنا الروائي التونسي الهادي التيمومي في روايته (قيامة الحشّاشين) في مواجهة نص منفتح على الواقع والمعرفة، وعلى السياسي والفكري في جديلة بنائية لا يستطيع القارئ أن يحسم الهيمنة والسيطرة لواحد منهما، لأنه في استناده إلى معرفة دافقة بالعلوم الإسلامية والمعارف الفلسفية وعلم الكلام والعلوم الباطنية والفلسفات الغنوصية التي يتجاوب فيها المقدس بالمدنس، والإلهي بالبشري في إنتاج خطاب يهشّم الحدود بينهما، لا يكفّ نصه عن الإشارة إلى الواقع في وجود فعل القداسة مسدلا على بشر يأكلون ويشربون، ويردمون فجوات خطابهم بالطقوس والأكاذيب.
فالتيمومي يشتغل على ثيمات أساسية في تشكيل العقل والتفكير العربيين مشرقه ومغربه في توزّعه بين سياقين أو طريقين في مقاربة الماضي، يتمثلان في توجه أول قائم على الانشداد إليه والثبات عند حدوده والإيمان بقداسته، وقدرته على تحريك البشر في اللحظة الآنية، وإشارته إلى أهل الكهف في بداية الرواية ليست عارية من الدلالة، وفي توجه ثان مشدود للعقل الذي لا يؤمن إلا بقوانين الفيزياء والتوجه العلمي في مقاربة الحوادث التي تبدو للبعض خارقة، مع تبجيل لكل النماذج والطاقات المؤثرة، في قدرتها على التأثير.
ففي الرواية نحن أمام خطابين: خطاب عقلي يرتبط بالراهن، وخطاب ماضوي له سلطة فاعلة في تنميط السياقات بالرغم من المدى الزمني، لأنه خطاب يستمدّ قداسته من إسدال القداسة على أفراده استنادا إلى حب البشر واحتمائهم بصناعة النماذج التي تهدهد سؤال الغيب. فالعودة إلى خطاب حسن الصبّاح صاحب قلعة (ألموت) في حوار مع خطاب سردي معاصر يشير إلى هوية عربية مجروحة بالنتوءات والمذهب العديدة وإلى إشكالية معقدة في التعامل مع التراث، وفي التخلص من شوائبه التي تعرقل حرية العقل، فدرجة الاندحار أمام الخطاب الماضوي بالرغم من مسوح العقلية التي نصدرها كبيرة.
فمتن (مزامير) الصبّاح والحاشية بوصفهما خطابين يؤسسان لجرح الهوية المتسقة مع تاريخها لهما تأثير في خلخلة العقلية أو العقلانية العربية في المشرق والمغرب. فالصباح في قبره وبمزاميره التي دفنت معه، وحاشية الشرح والتأويل يؤثر في استراتيجية الحركة بشكل عام، ويجعل (العقلانية) العربية عقلانية مشوّهة، تتحرّك في ظل هذا التوزّع الحتمي، لأن هذه العقلانية على امتداد تصورها لم تتصالح مع تاريخها. فالرواية تمثل إعادة قراءة للتاريخ العربي متلبسا بهويته المجروحة وصراعاته في لحظة مفصلية في تاريخ الوطن العربي بثوراته، لكي يشير إلى الأمراض الدائمة والعيوب المتجذرة وحالة الثبات الهوياتي الذي يتلبس فيها الديني بالسياسي، فكما هناك حشّاشون في الماضي هناك حشّاشون في اللحظة الآنية تتغير فقط مسوحهم، لكنهم يظلّون مشدودين إلى أردية الدين، متقنّعين بها، وينفذون منها إلى أهدافهم السياسية.
فالحشّاشون ليسوا أفرادا او مذهبا أو فرقة، ولكنهم في نص الرواية يصبحون معبرين عن حالة أو راهنية مستديمة في الثبات والتجذّر في ظل آفاق مكبّلة بارتكازها على الماضي، فتتخلق هوية ذات طبيعة خاصة، هوية مملوءة بالاختلاف، ومسيجة بإرث الأحقاد والدماء داخل المذهب الواحد، فالرواية مشدودة لهذا القلق الهوياتي للمشرق والمغرب على حد سواء، فالتكتلات المذهبية التي تتعاظم على الحدود الوطنية مؤسسة أفقيا داخل ذاتها، وتخلق هويتها في انتماء خارج حدود مركزيتها المكانية، وهذا يجرح الهوية، ويجعلها غير مكتملة وغير متصالحة مع ذاتها وتاريخها.
صراع الخطابات وصناعة العقلانية
تؤسس الرواية بنيتها- بالرغم من كونها مشدودة زمنيا إلى اللحظة الآنية- على خطابات ثلاث، الأول خطاب السرد المعاصر، والثاني (مزامير) الصبّاح، والثالث حاشية لشرح هذه المزامير أو نص الصبّاح المقدس في نظر أتباعه، والمدنس بالانحراف عن الصواب في منطق مناوئيه. وهذا التعدد في النص الروائي- بالرغم من ارتباطه بموضوع واحد قديم وجديد في آن- له دور في تفكيك مركزية النص، وتعدد وجهات النظر، فهناك- ضمن شخصيات السرد المعاصر- العقلاني في مقاربته للأمور، وهناك العقلاني المتماهي بالصراع مع سطوة السردية القديمة، وكأنه نموذج لكثيرين لا يستطيعون الانفلات من سلطة القديم، وهناك المؤمنون باستمرار القديم ودوره في تشكيل الحاضر وتثبيته على هيئة قديمة لا تبارحه.
ففي إطار السرد المعاصر يتشكل الخطاب من خلال ضمير المتكلم، فالرواي أستاذ جامعي لم يذكر اسمه داخل النص، عثر بالصدفة في أثناء حفره بمنزله على رقائق أو مزامير الصبّاح، وفيه تتجلى مساحة الحركة بين الماضي وثباته والحاضر، ولكن كيفية التعامل أو مقاربة الماضي تتوزّع إلى أشكال عديدة، وإلى آليات للارتكاس، سواء في الحطيب باليمن أو في تونس. يتشكل داخل الرواية جانب خاص من الصراع، يجعلها منفتحة على الرواية البوليسية، ومناط الاهتمام لدى أطراف الصراع هي الرقائق أو المزامير. وأطراف الصراع جماعة البهرة، وجماعة الصبّاح الباطنية النزارية، والراوي، فجماعة البهرة تريد الحصول عليها لحرقها، وجماعة الصبّاح تريدها لقداستها والاحتفاظ بها، والراوي للوظيفة العلمية والأكاديمية.
في خطاب السرد المعاصر تقابلنا شخصيات تصلح لأن تكون رموزا لتوجهات خاصة في مقاربة الماضي، ومحاولة التخلص من إرثه، فالراوي بالرغم من كونه أستاذا جامعيا في تخصص الآثار والنقوش، يحمل بعضا من الرقائق والدفائن لشيوخ الحطيب في اليمن، وهذا يشير من البداية إلى عقلانية مجروحة، فالراوي يمثل العقلانية المشدودة إلى الماضي وسردياته المقدّسة. إن دخوله في الأفق السردي للباطنية-حتى لو تلبّسته حالة الصراع- يجعله يؤسس لفكرة الفرادة والفاعلية لنفسه بنوع من القداسة، بل يسقط على السيارة صفات (الفرس) في قوله عنها (قمت إلى فرسي مسرّجة ريّانة شبعانة فركبتها)، وكأن هناك ارتدادا، لتظل حلقة الصراع والامتثال حاضرة، وتجعله خارج التصالح مع تاريخه وزمنه، بسبب وقوعه في حبائل السردية التراثية لفعل النبوءة، فالإيمان بقدرة التخاطر لدى الصباح حتى لو أخذ الراوي موقف الصراع منها، لا يشير إلا إلى الوقوع في حبائل هذه السردية، يقول (نعم لقد صرت أخشى نبوءات الصبّاح وحضوره الطاغي كواقف بالهراوة فوق رأسي).
وفي مقابل هذه العقلية المجروحة نجد شخصية أستاذه عبدالعزيز مزيودات من خلال حركته وتأطير السرد المعاصر في مرتكزاته الأساسية، يتحرّك داخل أفق العقل، فلم ينجرف أو يتحرك داخل إطار السردية الباطنية مهزوما أو مصارعا داخل خصومة متخيلة. كل مواقفه واستبطاناته لا تعدو أن تكون مجال اشتغال يخضعها لعقله ولفكره المنهجي العلمي في وقوفه أمام لوحة أو منمنمة تاريخية، لأن ما يقوم به يتجذّر في حدود التأويل، ففي مخاطبته لمدير المتحف الوطني في حديثه عن الصبّاح بوصفه يشبه نوستراداموس نسبة إلى مشيل نوستراداموس في القدرة على التخاطر والتنبوء بالمستقبل يقول(أعتقد مثلك أن للإنسان مخزون طاقات غير مكتشفة، ولكن أراها داخل حدود الممكن العقلي... أما الصبّاح فيلجأ إلى السحر، وتلك ادعاءات غير علمية).
فقدرات بعض البشر الخارقة التي يؤسسها أتباع الصبّاح له، وحاول الراوي أن يؤسس شبيها لها لنفسه بشكل مغاير قائم على الصراع في محاربة نبوءة الصبّاح، وذلك من خلال وصول الماء إلى قبري (حبيب -ومريم) في منطق عبدالعزيز مزيودات قدرات لا تخرق قوانين الطبيعة الثابتة ولا تتجاوزها. فمزيودات في النص الروائي يمثل العقل المتفلّت من أحابيل القداسة والترهين التراثيين، فيؤسس بوجوده لعقلانية التأويل والحدس العلمي، بعيدا عن السياق العام الذي تؤثر فيه الخطابات الدينية والإيمان بقدرات تنبؤية لأشخاص عاديين، ويصبح الأفراد الذين يتحركون في هذا السياق-مثل زوجة الراوي- فريسة سهلة لكل هذه التخرصات والترهات. فزوجة الراوي تمثل الفرد العادي الموزع بين خطابين عقلي وغيبي باطني، ولكن الحضور الدائم للغيبي يجعله مؤثرا بسبب الحضور التاريخي المتواتر لهذا الخطاب.
ولهذا نجد الخطاب المعاصر في تشكيله وتغيير توجهات الراوي، يؤسس لهذه العقلانية القائمة على التفكير العلمي والمنطقي، وذلك بتخليصه من هوس الصراع مع هذا الخطاب الغيبي القائم على الصدفة والتوقع. أما خطاب المزامير فله أهمية خاصة، لأنه يمثل أفق الحركة سواء من خلال التجاوب مع خطاب الحاشية المفسّر له، أو مع خطاب السرد المعاصر في إطار الصراع، وبسبب كونه أقرب إلى المغايرة في لغته، مما يخلق جوا من القداسة، وهو خطاب يستند إلى قراءات شتى، منها ما هو باطني، ومنها هو ديني في انتمائه للديانات الثلاث، وإن كان القرآن أبرزها حضورها بدلالاته وألفاظه، ولكن المؤلف يحدث لها نقلا وتحويرا داخل خطابه، ويخرجها من سياق لسياق ارتباطا بغرضه وتوظيفه.
فالمزامير خطاب خاص بالرغم من رمزيته، فهذا الخطاب يهتمّ بسيرة حسن الصبّاح، وحركاته وانتقالاته وهزائمه وانتصاراته، فهو ليس خطابا عاما مرتبطا بشعائر، ولكنه خطاب سيري يؤسس لحوادث محددة، يقف عندها مجليا وكاشفا. وفي كل ذلك يتجلى خطابا استعاريا مملوءا بالاستعارات الدينية والفلسفية، وفيه من سمات الشعر الكثير، وفيه من النبوءة آثار تكشف عنها الرواية تدريجيا، مثل حديثه عن نبش قبره بعد ألف عام، او دور خنجره الأبلق في الانتقام من نابشيه. بنية المزامير السبعة قائمة على تصوير الصراع، فهي متلبسة بالدنيوي والسياسي والخلافات والأحقاد، ففي المزمور الأول هناك إشارة إلى بدر الجمالي الوزير المصري، ودوره في ميلاد فرقتي (المستعلية) و(النزارية) فقد أسهم بدر في تولية الأحدث وقتل الأكبر، وهناك في مزامير أخرى إشارة إلى (حبيب) البربري زوج ابنته (مريم)، ويسميه (وزغ الحيطان)، أو (كذّاب أفريقيا).
قيمة خطاب الحاشية في كونه يولّد نوعا من الحركية والإحياء المتواصل لخطاب قديم، ومن ارتباطه بوظيفة التفسير والتأويل، فوظيفة هذا الخطاب قائمة على تفسير ما غمض، وتجذير هذا النص الملغز الاستعاري داخل سياقاته الحضارية واستيلاد الأصالة والصدق له. فذهاب هذا الخطاب من خلال الروايات العديدة التي تصب في إطار محدد وحادثة معروفة واضح، ووظيفته تفسير العماء الموجود، وخطاب الحاشية روايات لأناس عاصروا حسن الصبّاح. ولكن تأويلات الحاشية ليست على الدوام تأويلات مرتبطة بالسياسة، فقد تنحو في بعض الأحيان إلى تأويلات عميقة، فعميرة بن زاراب رفيق الصبّاح يراه البعض صراعا بين الحق والباطل داخل الوجدان. وهذا التأويل الباطني يبني أساسه على دعامتين، الأولى عدم وجود شخص بهذا الاسم، والأخرى مرتبطة بالإمام الغائب وقدرته، فعميرة بن زاراب رسالة خفية في استدراج عقل وقلب الإمام الأساس.
تعتمد الحاشية على منطلقات محددة، فهي تستند-لأنها خطاب قائم على إسدال الموثوقية وتجذير النص الباطني للمزامير داخل سياق حياتي معيش- إلى روايات عديدة، حتى يصل الأمر للتواتر، خاصة في الجزئيات المرتبطة بحركة السيد الأساس حسن الصبّاح إلى مصر وتونس، وعلاقته بحبيب البربري زوج ابنته الذي يمثل العقلانية في زمنه التي قضى عليها الصباح بخطابه الغيبي الباطني. فالروايات في الحاشية متجاوبة يتممّ بعضها بعضا، ولا تتنافر، فهي خطاب تأويل لخطاب مملوء بالترميز والمجاز. وصعوبة التفسير والتأويل هنا تتمثل في الوصول إلى فهم مقنع وتشكيل حركي للحادثة أو النص، بحيث لا يخرق مواضعة مذهب أو سنن مؤسس، فهذا التعدد أو التجلي بصيغ عديدة للحادثة إشارة لواقعيتها وصدقها.
خطاب الحاشية وفق هذا المنطلق خطاب أحادي ليس فيه وجهة نظر مغايرة، وكأن الروايات الموجودة فيه مُحصت تمحيصا كبيرا، لا وجود فيها لوجهة نظر أخرى، فكل وجهات النظر المغايرة تعرض مقموعة لا مساحة لعرضها، أصحاب الروايات يتحركون وفق نسق أو سنن مرتبط بسلطة القمع للخطابات الأخرى، وهذا يشكل وجها آخر من وجوه هويتنا العربية في ارتباطه بمحو وتغييب الآخر. يتمثل المنطلق الثاني في الاستناد على نسق جاهز يظهر في لحظات مفصلية لإسدال قداسة مشابهة، فصناعة النموذج أو صورة السيد الأساس في الحاشية تكشف عن مؤسس جاهز في الثقافة العربية يرتبط بالنبوة.
فهناك اتكاء على حادثة (غدير خمٍّ) في مصر مشابهة للحادثة الأولى، وهناك وصيٌ مثل علي على عهد الرسول، ولحظة وصول الصبّاح إلى تونس مشابهة لوصول الرسول إلى يثرب، فحين يقول نص الحاشية المرتبطة بالمزمور الثاني (تحدّث الناس عن زاهد تقي جاء القيروان، فاختصموا على خطم ناقته، أيهم يقودها إلى بيته، فيستضيفه ملتمسا علمه وبركته) ندرك أن ذلك نسق جاهز لإسدال القداسة. وهناك مرتكزات أخرى مثل السرية، ثم الجهر بالدعوة، والهجرة حين يضيق المكان أو يكفهر، كلها مرتكزات تتقصّى سيرة سابقة، ولكن خطورة ذلك تتمثل في وجود صفات تجعله أقرب للإله.
خطاب الحاشية مصنوع بعناية، وفيه وعي لافت بعلل وفجوات خطاب المزامير، ويتوجه في بعض الأحيان لردم هذه الفجوات، انطلاقا من القداسة والعصمة التي يسدلها على السيد الأساس، فخطأ حسن الصبّاح في قتله لابنه حسين، يكوّن سردياته الخاصة، ويحيلنا إلى سردية القتل على الشبهة دون التثبت من وجود التهمة على شخص من الأشخاص، بدلا من الاعتراف بخطأ إمامهم، فهناك تأسيس للقداسة، حين يقول للحاكم (هؤلاء جنود الله وجنودي). ويتجاوب مع ذلك في منطلقات خطاب الحاشية إضافة تفصيلات لم يذكرها نص المزامير المقدّس لطبيعته، مثل عمليات السحر التي كان يقوم بها الصبّاح، أو علاقته بشالوم اليهودي الفريسي. ففي الحاشية يعطي مصنف الحاشية لشهود الوقائع أو من كانوا على صلة بهم سلطة أو منصة السرد في التعبير بأصواتهم داخل المحكي السردي، فنجد صوت العبد(أماياس)، والجارية (جمانة)، وكل ذلك في إطار البحث عن تواتر الروايات وعناقها وتجاوبها، والتأكيد على لانتظام والاتساق داخل نسق واحد.
التأويلات والواقع
في النصوص الروائية المعاصرة لا يأتي الارتباط بالقديم إلا في ظل إشكاليات تتعلق بالهوية التاريخية الممتدة وأزمتها الراهنة. وهذا التقرير يجعل التعامل مع نص قيامة الحشّاشين تعاملا حذرا، لأنه في الخطابات الثلاث هناك تناحر مذهبي في السياق العربي، فالتكتلات المذهبية تتوالد داخليا من بعضها البعض، وربما يكون التناحر بين هذه المذاهب المتوالدة داخليا أشد من الخلاف بين الديانات السماوية. فالبهرة والباطنية تنتميان إلى الاثنى عشرية، ولكن بينهما اختلافات حادة تصل إلى حد التكفير.
وسوف يكون السؤال عن طبيعة الحشّاشين المعاصرين منطقيا، فالحشّاشون آلية مقاربة للحياة بعقل مكبّل يظل مشدودا للخرافات والأساطير المصنوعة دون أن يمتحنها منهجيا وعلميا، فتتمطّى أمامنا منفوشة ومنفوخة بسردياتها التي تعطيها شيئا من القداسة، وتصبح في ظل ذلك سردية مكبِّلة، لا يتجلى التفكير العقلي بشكل حرّ في إطارها. ويبدو هذا التأويل ذا منطقية ومشروعية، لأن البطل تورّط في حركته داخل السردية القديمة، وتماهى مع نبوءات الخطاب الباطني الغيبي، ناسيا كلّ فجواته المضللة، وكل مجافاته لمنطق العقل.
فالمحاولات المتكررة في التخلص من خنجر الصبّاح الأبلق وفشلها، تكشف عن اندماج داخل السردية القديمة المصنوعة بحيلها وأحابيلها، لأن الفصل بين الخيالي والكابوسي من جانب، والواقعي والفعلي من جانب آخر لم يكن موجودا، فيؤدي إلى محاولة التخلص منه مع بائع الروبابكيا، أو قذفه في حديقة جاره، أو تقديمه للبستاني، ولم يفض ذلك إلى نتيجة، مما يدفع إلى غياب العقلانية، لأن مقاربة الحياة أصبحت خارج الأطر المعهودة. وربما يكون من مرشدات الفهم السابق الخاص بارتباط الراوي في سرده المعاصر بحضور الماضي وأثره، ورضاه الجزئي عن هذا الحضور ماثلا في تعليقه على الحجاب بوصفه وسيلة للحفظ من الأرواح والأشباح، وارتباطه بزوج مؤمنة بأفعال خارج قدرة الفعل البشري، مشدودة لأطر وآليات غيبية، تعرقل العقل، وتحدّ من حريته، يتجلى ذلك في قوله لزوجه حتى ولو من باب الموافقة الساخرة (معك حقّ هاتي حجاب الشيخ، وسأضعه في جيبي حتى تنتهي المحنة).
فحديث زوجة الأستاذ الجامعي مع الشيخ المشعوذ يجعل لبعض التأويلات مشروعية، فلا يجعلها مرتبطة بمذهب أو بفرد تشكلت له قداسة بين أتباعه، لكنه يجعلها مرتبطة بأثر هذا التوجه في خلق سياق عام يعتمد على الغيبيات وعلى المعرفة غير العقلية في يقينها العلمي، فهذا التوجه يولّد سياقا يتمّ الاستناد إليه في مقاربة العالم. فالتعرية في النص الروائي ليست للباطنية أو ألاعيبها في سد فجواتها وقصورها بحد ذاتها، وإنما هي تعرية للتكوين وللعقل الجمعي الذي يوشك أن يثبت بوصلته في حركته للوراء، واستمداد منهجها الغيبي في الارتباط بالواقع الآني، وما يوجبه من الانسلال تدريجيا من عمل العقل، ليظلّ السياق واقفا عند حدود التأويلات الغيبية المؤسسة القائمة على انحرافات فكرية، أو على أيديولوجيا مذهبية. وتتجلى مشروعية هذا التأويل في تأويل الراوي لخطاب المزامير وتأويلات الحاشية لحادثة إبقاء (حبيب البربري) وزوجته (مريم) في إطار العدوة الوسطى لمدة ألف عام إلا خمسين، ففي رأي الراوي أن الصبّاح لا يخشى – وهي فكرة منافية للعلم ومنطق الفيزياء- عودتهما للحياة، وإنما يخشى سيادة فكر متزن، حيث يقول (والأرجح عندي أن مصدر خوف الصبّاح هو بعثهما الروحي، فهو يخشى عودة فكر حرّ مستنير). فالرواية توجهنا إلى آفة من آفات وجودنا العربي وهي الثبات الذي يرزح في ظله العرب لمدة طويلة، نظرا لسطوة خطابات اليقين والنزاع.
يتجلى ذلك في وجود سطوة أو يقين يشعر بها كل من تعامل مع البهرة أو أفراد الشيعة النزارية الباطنية، أليست قيامة الحشّاشين- إمعانا في التأويل- شبيهة بدعوات الخلافة التي تتعاظم على حدود الأوطان، ويحلم بها كثيرون ينتمون إلى توجهات أيديولوجية. الحشّاشون في هذه الرواية لا يمثلون أفرادا أو مذهبا، لكنهم يمثلون آلية مقاربة وارتباط بالواقع، وهو جزء من طبيعة المشارقة والمغاربة وهويتهم على حد سواء، فهم مشدودون للخلف وللماضي، متحركون إليه بوصفه قناعة نهائية ومنطلقا أبديا. فالانتماءات المتناسلة تمثل أغلالا رازحة للإنسان العربي في المشرق والمغرب. والحشّاشون بهذا الوجود المتعاظم على الحدود يؤيد الفكرة، فنشأتهم قائمة على التنازع والخلاف.
فالرواية توجهنا نحو خطر هوياتي لافت، يتمثل بالارتباط بالهويات الخارقة للحدود، وهي كيانات مذهبية تقلق بشكل كبير الهوية الوطنية، وتجعلها غير منسجمة مع تمددها التاريخي، لأن مكوناتها خارج إطار البلد أو الوطن، فعمل الرواية تعرية لهذه الهويات العابرة، والمتعاظمة على هوية وطنية، وتمارس قلقا وتجريحا لها باستمرار، وتشوّه وجودها بنتوءات مذهبية أو دينية، يقول النص الروائي على لسان هايثام زامبيري إلى الراوي بوصفه ذبيحة طقس الأربعين في شعائرهم (فقتلك يستوجب موافقة الإمام شخصيا، وفي كل عام ترفع إليه طلبات كثيرة من عمال الولايات لتقديم ذبيحة الغدير... من أدراك أنه سيختار ذبيحة والي أفريقيا).
لا يستطيع قارئ الرواية أن يبتعد بها عن التأويل السياسي الآني، خاصة في ظل سياق الثورات العربية، فهناك تلميحات خفية مرتبطة بتكرار التاريخ في أشكال مغايرة، ولكن تبقى الوظائف والأدوار ثابتة، فحشّاشو اللحظة الراهنة لا يختلفون كثيرا عن حشّاشي الصباح، سوى في الأساليب، مع اعتماد على نهج واحد في السطو والقتل، وهناك أيضا التدثر بخطاب غيبي مشدود للخلف، وليس للأمام. فالنظرة إلى الخطابات الثلاث رغم اختلاف انعطافاتها وتوجه كل خطاب تكشف عن هوية عربية ملتبسة، تتناحر فيها المذاهب، وتتكرر الأدوار والوظائف.
يتشكل أمام القارئ تأويل جديد يتولّد من السابق، ومن جدل الخطابات وتداخلها ارتباطا بواقع سياسي معيش، وتصبح (قيامة الحشّاشين) عودة وهيمنة الانتماءات الأصولية المارقة، وهي عودة بها الكثير من الجهل والادعاء، لأنها تسير وفق أنساق دينية تشوه منطلقاتها، وتعتمد على نصوص ونبوءات مزيفة، فيغدو تدينهم في حالة اتكائهم عليه مجرد رداء فضفاض مملوء بأجزاء عديدة متعددة المصادر من الغنوصية والباطنية والفلسفية، ناتجة عن التحريف الدائم والفهم السقيم.
وهناك إشارات دالة في النص الروائي على مشروعية هذا التأويل، خاصة حين يرتبط الأمر بانتماء مذهبي له صفة الشيوع والانتشار، فالرموز والإشارات الباطنية حين تصل إلى كتابات غريبة ورموز على جدران ومباني الإدارات الحكومية في قلب العاصمة، فهذا يعطي مشروعية دافقة لهذا التأويل، بالإضافة إلى أن هذا الانتماء المذهبي يستحضر كل آليات الهيمنة الباطنية في كل خطواته وتشكيلاته من التقرب من الحاكم، ثم الاستيلاء والتمكين، لهذا نجد دراسات جادة قاربت بين الوجودين، في آلية التشكيل العنقودي، والعمل على التنكيل بالمخالفين، وهناك جمل في النص الروائي كاشفة عن هذا الربط ومشروعية التأويل، مثل (الخروج من طور التقية إلى طور الظهور)، أو قول الرواية (خرجوا من عقيدة الليل إلى عقيدة النهار، وصاروا يطمعون في التمكين والغلبة). فالباطنية في ظل هذه الفهم طبقة سابقة لطبقات آنية، ولم يكن الوقوف عند الباطنية بمزاميرها وحاشية هذه المزامير إلا لإسدال حالات التماهي والوعي بالخطورة القادمة.
الرواية تعرية لهوية ثابتة، وتعرية لتكوين وتكتل بشري خادع من خلال تقديم الأطر القاتلة التي تستقوي بالتدين الشكلي، وفي شاهد لافت على هذا الفهم والربط يوجّه الراوي حديثه للصبّاح (لا ينقصنا في هذا الزمان الإرهابيون والقساة، فمن أين خرجت تصب علينا ماء عكرا على أوحالنا الزلقة، وزيتا ساخنا على نارنا الملتهبة؟ لا ينقصنا الإرهابيون القساة، فلا تبتئس يا صبّاح، إنا نسمعهم كل يوم يحرضون على القتل).
تتبقى جزئيتان لهما بالضرورة تأثير على تأكيد هذا المنحى التأويلي، تتمثل الأولى في إلحاح الرواية في كثير من صفحاتها على حالة السيولة في الدخول والخروج من الدول الأخرى وجنسياتها العديدة، خاصة في فترة الثورة، وهذا يتساوق مع قراءة الدفائن والرقائق والمنمنمات، وإشارتها إلى فكرة الهجرة إلى أرض التمكين، وهذا جزء أساس في الفكر الباطني ولدى أصحاب التشكيل المعاصر الموازي الذي يسير على أسس وأنساق وتشكيلات الباطنية، يقول السارد منكرا وجود هذا المعبد الخاص بالحشّاشين أو الباطنية النزارية في وطنه (لا أظن أنني نقلت أثناء غيبوبتي إلى بلد بعيد، فتملكني الاستغراب من وجود هذا المعبد في بلدي).
أما الجزئية الأخيرة فهي ترتبط بنماذج يمكن أن نطلق عليها وكلاء الداخل أو السماسرة الذين يجنون ثمار وجودهم من النفعية والوجود اللحظي، فهم يتحركون على الأعراف بحركة محسوبة بين الجانبين، وربما يكون الضابط مصطفى النموذج الكاشف عن هذا النمط، حيث يتأسس وجودهم على المنفعة دون تفكير عقلاني يستحضر المصلحة العامة، فالضابط مصطفى يقول للراوي في خطابه المحكي مؤيدا وجهة نظرهم في أحقية الباطنية النزارية في الحصول على الدفائن (لا تنس أنه تراث جدهم، وأنت استوليت عليه، وهذا عمل شائن) فمن خلال هذا القول تتشكل طبقات متوالية ومتداخلة في الفهم والتشكيل، تبدأ بحسن الصباح، وتختم بالانتماء المذهبي المعاصر، وتنفتح على دلالات أكثر اتساعا من خلال ذكر معركة (هرمجدون) وبداية القيامة ونهاية العالم.