عادل ضرغام

هيمنة السلطة وأشكال المقاومة في الببلوماني الأخير لشريف عبدالمجيد

غلاف كتاب هيمنة السلطة وأشكال المقاومة  في  الببلوماني الأخير لشريف عبدالمجيد
هيمنة السلطة وأشكال المقاومة في الببلوماني الأخير لشريف عبدالمجيد عادل ضرغام في مجموعته القصصية (الببلوماني الأخير) تتحرك الكتابة في مساحة علاقة الإنسان بالعالم والوجود، فالأبطال في معظم قصص المجموعة يتميزون بسمات الانعزال والتلاشي داخل دائرة من القيود المتعانقة والمتداخلة. فالشخصيات تعاني من فقدان القدرة على ممارسة وجودها بحرية، فتبدو مقيدة بأغلال كثيرة، وإن بدت حرة في حركتها، لكن حركتها مقموعة بأطر صلبة جاهزة ومحكمة التنميط، لا مساحة فيها للخيارات، فهي تقارب الحياة بشكل ينطوي على قيود علوية سابقة التجهيز. تكشف قصص المجموعة عن نوع جديد من السلطة أو القوة التي تمارس دورها في التأثير على البشر وتشكل حركتهم، وفقا لأسس رجراجة لا تستند إلى قيم عليا أو مفاهيم عليا مجردة، فهي سلطة على تنوّع أشكالها وتعددها لا تحتفي بالمثالي، ولكنها تحتفي بالمصلحة أو النفعية لكل قسماتها أو أشكالها المتجاوبة أو المتساندة، مشكّلة إطارا حاميا لكيانها ووجودها وفسادها. وفي ظل تغوّل هذه السلطة تبدو الشخصيات منسحقة ضئيلة الحجم والتأثير حين تواجه كونا ضخما يفرض سلطته وسيطرته، ويحرّك الجميع وفقا لأطر وقوانين هذه السلطة. وتبدو أزمة الشخصيات أكثر حدة من خلال إدراكها لطبيعة السلطة وقدرتها العجيبة في إسدال هيمنتها على العالم الذي تتحرّك فيه الشخصيات. هذه السلطة بتنميطها الجاهز لها دور كبير في قصص هذه المجموعة على تجلّي الحرية الذاتية أو الفردية، فتطلّ حرية مجروحة بإطار أعلى يفرّغها من داخلها، ويسيج حركتها في إطار التواصل مع العالم وجزئياته، فالتواصل هنا بين الشخصيات والعالم من كوة النفور وعدم التكيف في ظل غياب التأثير والفاعلية. فالقصص سواء في الجزء الأول أو الجزء الثاني تحمل تأطيرا لسياق عام مطبق له الفاعلية الكبرى، يؤثر تأثيرا كبيرا على الذات أو على حركتها داخل هذا السياق العام، والكيفية التي تخترع من خلالها ألاعيبها للاستقواء، وأشكال اندحارها أمامه، وانقسامها ذاتيا، لمعاينة وجودها الفعلي لحظة الانفصال التام. معظم الشخصيات أو أبطال القصص في هذه المجموعة أقرب إلى الشخصيات المدجنة، خاصة الشخصيات الهامشية المشدودة إلى الانفعال، فهي شبيهة بالأرانب التي تجري وراء لقمة العيش، وهذا السعي يفقدها الوقوف لتأمل حالها أو مستقبلها أو حريتها. جزء كبير من الكتابة القصصية في هذه المجموعة يعتمد على المعارف والثقافات، وتتجلى هذه المعارف في شكل خطوط موازية للنص السردي، وفي شكل ارتدادات إلى لحظات زمنية موغلة في القدم، وهي هنا لها دور أساسي في تثبيت استمرارية النسق التراتبي بين الطبقات داخل البلد الواحد، وبين الشعوب إذا اتسعت مساحة الرؤية ودرجة التأمل. ويبدو أن تعدد الخطوط المتوازية في السرد القصصي قد ظهرت بشكل لافت من خلال وعي الكاتب اللافت بالفنون الأخرى، مثل السينما أو بعض إجراءاتها مثل المونتاج، فالخيوط أو اللقطات في بعض القصص قد تظهر متباعدة، لكنها تتحرّك بهدوء نحو نقطة التداخل، فالوجود في قصص المجموعة- أو في بعضها- لا يتمّ رصده بشكل مفرد، أو في إطار وجهة نظر وحيدة، ولكن في إطار التعدد، حتى لو كان ذلك بين المنتصر والمهزوم أو بين القاهر والمقهور، وما يتجاوب مع كل قسيم من تشكيلات مساعدة، لكي تتكشف لنا بنية موضوعة قائمة على التعدد، وعلى زحزحة الحقائق. هيمنة السلطة الخفية في سياقات قصص المجموعة يشعر القارئ أن هناك قوة عليا، وأن هذه القوة تمثل سلطة أو مجموعة سلطات غير مرئية تمارس فعلها، وتحيل هذه السلطة حرية الفرد إلى حرية منقوصة مقهورة بالتسليم. ففي قصة الذوّاق تتجلى السلطة في الحرية المنقوصة للوجود الذاتي أو الفردي للشخصيات، فهي-أي الشخصيات- تتحرك من خلال قوى خفية تصنع وتشكل مصيرها، وتنتقل من عمل إلى عمل دون أن يكون لديها رفاهية القدرة على الرفض أو الاختيار، فالذّواق- طبقا لهذا الفهم ونظرا لبدانته، وكل الحيل السردية في تشكيل ملامحه- يصبح أداة دعائية للمطاعم، من خلال قوة تختار وتوجّه، وحين ينتهي دوره، ويصبح غير قادر على أداء هذا الدور والوفاء به لتغيّر شكلي، تنقله هذه السلطة الخفية إلى اداة دعائية لوجه مقابل ومتباين مع السابق، ويتمّ ذلك داخل إطار من الآلية النمطية، وكأنه تحرّك منمط مسبقا. فالبشر في ظلّ السلطات الآنية المتعانقة والمتساندة مجرد أدوات تتغير أماكنها ووظائفها طبقا لحالاتها، ونظرا لمتطلبات كل مرحلة. فالذّواق نموذج للإنسان الذي يفقد الكثير من قدرته وحريته أمام سلطة بدأت تكبر، وتحل مكان السلطات المحددة المعهودة، وهي سلطة لا يمكن تحديدها، لأنها كيانات متداخلة ومتشابكة المصالح، وتشكل في تجليها أزمة الوجود الإنساني المقهور بالآلة والميديا والشركات عابرة الحدود. فالذّواق يبدو أنه حر الحركة، ولكننا عند التأمل نجده من البداية شبه موجه من خلال آليات صناعة النموذج، وتعديل نشاطه، والتخلص منه إذا لزم الأمر، فهو نموذج أو رمز للإنسان يتحرك حرّا طليقا دون سجن أو أسر، لكنه مقهور ومسجون داخل مسارب الحركة المفروضة. والقصة لا تُبنى في إطار خيط سردي وحيد يتعلّق بالذّواق، ولكنّ هناك خيطا سرديا يطل بوصفه خيطا سرديا معلوماتيا، يتجلى من خلال العودة إلى أزمنة تاريخية سابقة، للإشارة إلى قيمة الطعام في صناعة الحروب وتشكيل التاريخ. ويبدو أن الخيط السردي الثاني ووجوده على ذلك النحو المرتبط بأثر الطعام في صناعة تاريخ العالم ذو دلالة مهمة، ووثيق الصلة بالمنحى المعرفي الذي تتحرّك القصة في إطاره من خلال خيطها السردي الأول الخاص بالذّواق. فالعودة إلى المعرفة التاريخية تمثل إعادة إنعاش للذاكرة، فهذه السلطة الفاعلة في مذبحة المماليك، أو في ما فعلته بريطانيا في احتلال الهند تمثل تجليا سابقا للسلطة الآنية، وليست بعيدة عن الانتهاكات الفردية التي تحدث في اللحظة الراهنة، ولكنّ هناك فارقا يتمثل في شكل السلطة وطريقة تجليها، فالهزيمة في الارتدادات التاريخية السابقة هزيمة واضحة، لأنها صراعات محددة الأطراف، ولكنها هنا هزيمة فرد أمام سلطة متماوجة، لا تستطيع أن تحددها بسهولة واضحة. ويظهر هذا الترابط بين الخطين السردي والمعلوماتي المشدود للتاريخ واضحا، فضحايا التاريخ الذين تجلى حضورهم في السرد المعلوماتي يشابهون الضحية الآنية، يقول النص في نهايته (ووسط سعادة غامرة بادية على وجوههم، وبينما صوت الموسيقى يضفي على المكان أناقة ورقيا، يبدو لمن يحضر للمكان، كأنه يشاهد فيلما للمافيا، في لحظة الهدوء التي تسبق العاصفة، وهم يحضرون لقتل ضحية جديدة من ضحاياهم). هذه السلطة التي تتحرّك، ويتكرر أثرها في كل الأزمنة تصبح أكثر قهرا وجلاء حين ترتبط بنسق تراتبي بين البشر، بل وتصبح ملمحا وجوديا مستمرا بالتكرار خارجا عن التحديد الزمني، فتبدو الشخصيات في النص علامات أو رموزا أو وظائف لتكرار أنساق تراتبية موغلة في القدم، فاللقطة الأولى التي أعطت مساحة تشكيل للبطل في قصة (رائحة الجوافة)، لا نستطيع أن نفصلها –بالرغم من التقنيات السينمائية المرتبطة بالكولاج والتتابع- عن لقطة النهاية بعد قتله على يد سلطة قاهرة، تتكوّن من إطارات خفية متساندة، لأن لقطة النهاية بعد انتهاء فعل القتل وتسوية الموضوع نتيجة الفاعلية للسلطة الخفية تشير إلى استمرار هذا النسق غير العادل، بالإضافة إلى تكراره عبر التاريخ، وكأنه أصبح جزءا من بنية وطبيعة الكون والوجود، يقول النص في آخر فقرة (على أطراف القرية الصغيرة، لا يزال هناك من يزرع الجوافة في مواسمها، ويروي الحقول، وينتظر الثمار الناضجة، ويشعل الأخشاب، ليتدفأ بها، ويروي الحكايات مع أقرانه، بينما تغمرهم رائحة الجوافة). إن وجود رائحة الجوافة، والتعريشة، وحرق الأخشاب طلبا للدفء يشير إلى نمط قروي ونسق طبقي، وخاصة حين يقارن بالنسق المديني المقابل، حيث يعمل الرجل القروي حمدي عبدالسميع ممثلا للنسق الأول في فيلا رجل الأعمال زوج الفنّانة المشهورة. ما يقوم به البطل القروي- حتى في ظل اختلاف السرديات المقدمة للحدث التي تجرح نصاعة الحقيقة وواحديتها- من محاولات للدخول في طبقة جديدة يمثلها النسق الثاني، يقابل بحركة مقاومة طاردة من السلطات المتساندة التي تتعانق وتتجاوب لإنجاح عملية الطرد والتنقية، وكأن رجل الأعمال الذي لا يختلف في أصل نشأته عن ممثل النسق الأول القروي البسيط، لا يريد أن يسمح بتكرار حكاية النجاح والترفيع من طبقة إلى أخرى تحت تأثير حيازة القروي معرفة دقيقة باجتماعاتهم ومخالفاتهم. بنية القصة في (رائحة الجوافة) تقوم على التعدد والتفتت، لأنها تعتمد على تقنيات السينما والمونتاج، في عرضها في لقطات متتابعة. فالمشاهد تتوالى بداية من مشهد القتل وخلفياته القائمة على الصراع بين العامل البسيط ورجل الأعمال، يأتي بعده المشهد الثاني ممثلا في عرض فيديو للحادث يشاهده وكيل النيابة، ثم يوم عادي في حياة رجل أعمال للكشف عن الخلفيات الاجتماعية وأصول الرجل وتاريخه وألاعيبه في انتقاله من طبقة إلى طبقة ومن سياق إلى سياق، وطريقته غير الأخلاقية في هذا الصعود والانتقال، يجاوره حديث جانبي للفنانة الشهيرة للكشف عن سيرتها وتنازلاتها وأزماتها النفسية، ووعيها بطبيعة الطبقات وآلية التنقل من واحدة إلى أخرى. فالقصة معنية بتصوير حياة منفتحة على كل أطرافها المشاركة في صنعها، وكل طرف له سردية معينة للحادث، أو على الأقل يشكك في مشروعية سردية لها أسانيدها، فوجود الصحفي مراسل الجريدة في خطابه السردي يأتي للتشكيك في سردية الزوج والزوجة، وافتراض أو تصوّر وجود سردية أخرى مغايرة، ولهذا تأتي اللقطة التالية لخطابه- وكأن خطابه يمثل توجيها جزئيا لتأسيس سردية مغايرة- مرتبطة بوجهة نظر وسردية زوجة المجني عليه، وتصورها لأسباب القتل، ثم يأتي أخيرا صانع المحتوى وهو ذلك الشخص الذي يشكل من خلال خطابه الزائف وسرديته المصنوعة وجها من وجوه السلطة، وذراعا لها، يعمل لأجلها، ويتحرّك وفق محدداتها وسننها ومصلحتها، يقول النص على لسان صانع المحتوى كاشفا عن فاعلية السلطة المتساندة المتوارية (هل أدرك الآن ذلك المعتوه أن من يحاول أن يساوم معنا، ويريد أن يحصل على ما يريد بالحيلة أو التهديد ماذا سيكون مصيره، إن الدفاع عن النفس هنا ليس كما تتصورون، إنه دفاع عن كيان كبير ننتمي إليه، وليس دفاعا عن شخص فقط). الفكرة السابقة الخاصة بتفتيت الحقيقة إلى سرديات عديدة، بل والمساواة بين الحقيقي والزائف وجعل الفاعلية والانتصار للزائف، يتمّ الانتباه إليها بوصفها عنصرا فاعلا في مقاربة فعل الكتابة نفسه، ففي قصة (الجميع ينسون شيئا ما) تلحّ تداخلات بين الواقعي والخيالي، وهناك محاولات لإيجاد تحديد شبه مغاير لهما. في هذه القصة تتولّد مجموعة من الأسئلة مرتبطة بالتباينات في مقارباتنا للفن ولفعل الكتابة بين ما نريد خيالا أو نتصوره مجردا مثاليا، وما يتحقق واقعا، بين الفن في صورته المثالية وبين ما ننتجه أو ما نستطيع الإمساك به. تتحرّك القصة في إطار هذا التباين، فمع كل جملة يكتبها الكاتب في القصة يخايله شعور أنه لم يفلح في الإمساك بما يريد، هذا التباين يتعزز وجوده في إطار المغايرة على مستوى الحضور والغياب بين (إلهام) و(منى)، للإشارة إلى الحركة الدائمة بين الواقعي والمتخيل، ومدى إسهام كل قسيم في المنجز الكتابي. قراءة القصة والوعي بالتوجيه الدائم لملامح الشخصية الغائبة (إلهام) التي تشير إلى التفلّت والارتفاع لحظة اليقين بقربها، وملامح الشخصية الحاضرة في النص (منى) التي تعيدنا بدون وعي إلى واحدة من نساء كافكا اسمها ميلينا ماسينسكا بدلالتها على الحب المضطرب وشبه الأخوي، تؤكد مشروعية هذا المنحى في الفهم والتأويل، فما نريد الإمساك به في فعل الكتابة يتأبى عن التحقق، وربما يفرّ، ليتبقى منه بعد الإنجاز وجوه أخرى مختلفة للتصور المثالي الذي يدخل به الإنسان إلى عالمه، تقول القصة (كان حلمي الأول عندما اخترت العمل مخرجا تسجيليا أن أعبر عن أحلام الناس، وما يؤرقهم، ولكن انتهى بي المطاف هنا بجوار مدرسة دولية، أسجل فيلما عن أطفال الأثرياء الذين انتهوا من الحضانة توّا). تضاف هنا ثنائية أخرى بين ما يريده الإنسان وما يجد نفسه متجذرا فيه، لتنضم إلى الثنائية السابقة بين (إلهام) و(منى)، بوصف الأولى حلما لا يتحقق، والأخرى بوصفها مدارا لمدارات التعايش بين الفن والواقع، أو بين المثالي المتخيل والواقعي المحتوم، ففي مقابل رغبته لتصوير فيلم عن مشاكل التعليم الحكومي، تأتي هنا بوصفها رمز التعايش والمطاوعة بصوتها كاشفة عن ذلك (أعرف دائما تلك الأفكار الحمقاء التي تراودك من آن لآخر. لكن ما يعجبني فيك، هو أنك سرعان ما تعود إلى رشدك، وتفكر في المستقبل بشكل أفضل). التفكير في هذه القصة من خلال الإنصات إلى الرموز التي تحتاج إلى تآزر وتجاوب في فعل التلقي، أو من خلال الإشارات الواردة في النص للتوجيه نحو المجال الفكري والمعرفي، مثل الإشارة إلى إنجاريتي أو أوفيد أو أسامة الديناصوري أو شعراء السبعينيات أو رواية ساحر الصحراء، بالإضافة إلى استحضار فعل النسيان في عنوان القصة، يمكن أن يكون فاعلا في تلقيها وفق ثنائية لا تنتهي، ثنائية تتجذّر في الوعي الكتابي، للإشارة إلى طبقية دائمة بين ما يريد الكاتب الإمساك به، وما يشكله نصه فعلا لحظة الكتابة، ثنائية تجعل الواقع نفسه واقعا فنيا متخيلا تتأطر صورته من خلال خطاب. أشكال السلطة والمقاومة السلطة في قصص المجموعة ليست محددة، وليست السلطة المعروفة في تجليها المباشر، بل هي سلطة خاصة لها أذرعها التي تعمل متعانقة ومتساندة في الخفاء، فصانع المحتوى يتجلى بوصفه ذراعا أو أداة من أدوات السلطة، فالقارئ لهذه القصة تقابله سلطة أو سلطات متجاوبة، لديها القدرة على صناعة وتنضيد وجه زائف للحقيقة، وزحزحة الاهتمام من موضوع إلى موضوع آخر وفق خطط مدرسة لآليات السوق، فالسلطة هنا ليست فردا، وإنما هي كيان مكوّن من أشباح غير محددة تماما لطرد المتسللين من طبقة إلى طبقة، وصناعة الحياة وتحديد توجهاتها، فهي أشبه بالقوة العليا التي تحرك وتبدّل في وضع البشر، لتظل الحرية الفردية ناقصة ومقهورة بالتسليم والتكرار. تتعدد وجوه السلطة التي تتحوّل إلى إطارات تحدد الحركة والتوجه بالنسبة للفرد، وتؤثر على وضعه في الارتباط بالحياة، يتجلى ذلك واضحا حين نعاين قصة (وقوع السيستم)، فهناك فرد في مواجهة كون، وليس هو الكون المرهون بالأسئلة الوجودية، ولكنه الكون الجديد المرتبط بسلطة تشكيل الحياة في كل تجلياتها ومناحيها. ففي جزئية (اركب معانا) يصنع النص تجاوبا بين رجل الأمن أو الشرطة وإحدى الشركات الكبرى العابرة للحدود، وفي الآن ذاته يضع رجل الأمن في مرمى أثر هذه الشركات متجاوبا مع البطل. ومن خلال هذا التجاوب بين الفرد ورجل الأمن تتشكل سلطة مغايرة تقفز على الحدود المعهودة لفكرة السلطة في تجليها القديم، وتقل حرية الفرد، ويصبح حضور السلطة الجديدة كيانا أكبر يشمل الجميع حكاما ومحكومين، فهي بدبيبها تصبح شبيهة بالهواء الذي يتنفسه الإنسان، ومن ثم تزيد مساحة الضغوط على الفرد أو الذات داخل هذا العالم. وتكشف طريقة السرد في هذه القصة-وفي قصة (المحطة العاشرة) -عن طبيعة هذا الضغط، وهذا التلاشي التدريجي لصوت الذات، فوجود ضمير المخاطب ضميرا ساردا، ليس إلا محاولة لصناعة موقف مقاوم تجاه هذه السلطة التي نشعر بتآزرها المتساند، وكأنها تسند بعضها بعضا، فوجود عروض الفلل أو المنتجعات التي تأتي على التليفون الخاص بالبطل أو الشخصية- بعيدا عن البون الشاسع أو الفارق المتّسع بين الطبقات، بالإضافة إلى الاشتراك في الخدمات وعدم إلغائها إلا بالشكوى- يبدو تجذيرا لسلطة قاهرة، ومحوّا تدريجيا لحرية الذات، حيث تصبح قشة رهيفة تحركها السلطة، أو ترسا يتحرك وفق المحدد. وينضم إلى حضور هذه السلطة بكل تجلياتها جزئية المراقبة والمعرفة، فهي سلطة لا تقهرك فقط، ولكنها تعريك أيضا بمعرفة ما يدور في ذهنك، فتحديد طبيعة الإعلانات التي تأتي على هاتفه بعد حواره مع زوجته يكشف عن الوجود الهشّ والعاري للفرد. أما في قصة (المحطة العاشرة)، وهي لا تنفصل عن السابقة، فنجد أن ضمير المخاطب يطلّ وكأنه محاولة لبث الحياة في ذات منطوية على ذوبانها وتلاشيها نتيجة لتقاذفات خارجية عديدة، فحركتها قائمة على التأثر والانفعال. القصتان مرتبطتان، وكأنهما تعالجان موضوعا واحدا، فإذا كانت الأولى مرتبطة بتلاشي الحرية الفردية، وانفتاحها وعريها أمام سلطة قاهرة، فإن الثانية تؤسس للفقد الذي يمرّ به الفرد نتيجة لحضور الإطارات المكبلة، فوقوع السيستم ليس مرتبطا بالبنك فقط في هذه القصة، ولكنه يرتبط أيضا بالإنسان الذي يفقد بوصلة الحركة، في نزوله في المحطة العاشرة بدلا من التاسعة، وفي نسيانه الكروت والفيزا، والساعة أداة قياس الزمن، وذلك للإشارة إلى وجود ساكن ممتد ومتشابه، وليس هناك ما يلوح في الأفق يجعل لحضور الزمن قيمة، فإذا كان نظام البنك أو السيستم واقعا، فإن بوصلة أو حركة الفرد في مواجهة الكيانات الضاغطة غير موجودة، وتحيل الحياة إلى شكل ثابت. وهناك صور من صور السلطة تكشف عن التعانق والتداخل في بعض قصص هذه المجموعة، ففي قصة (المزرعة السعيدة)، وهي تكشف عن عناق الديني بالسياسي، وأن كل جانب منهما يستغل الآخر لتحقيق مكاسب خاصة. فبطل القصة يأتي بوصفه نموذجا لكل هؤلاء الذين يصرّون على إسدال أو انتظار قداسة لأنفسهم بالرغم من الضحالة الفكرية. فهذه الشخصيات تخلق لنفسها مسوحا خاصة، أو تهتبل مسوّغا للشعور بالاختلاف، وبكونها منذورة لقدر يجليها أكثر قداسة، ولهذا تقبل مثل هذه الشخصيات خدعة الفنّان الذي رسم اسم الجلالة على البيضة، تقول القصة مصورة صاحب المزرعة (كان متأكدا بشكل لا يقبل الجدل، أن كل شخص منذور لغاية، وحياته التي كانت عادية... ليست هي كل ما خلق من أجله، وأنه لابد قد خلق لسبب أكبر وأعمق). فاهتبال خدعة الفنان مع الشخصيات المؤسسة والموجهة توجيها سرديا لقبول هذا الأمر، يمارس تأثيره على شيخ المسجد، وأهل السياسة والسلطة والبشر العاديين، وذلك للتذرع بسلطة التدين، فيذهب إليه كل من له حاجة، أو كل من يعاني مرضا أو عقما للتبرك بالبيضة المقدسة. القصة هنا تؤطر لهذا العناق بين الديني والسياسي، مشيرة إلى الخطاب المتهافت الذي ينتهز أمر البيضة المقدسة دون تمحيص، في مقابل تنويري متوار. وفي هذا التقابل إشارة لهيمنة الرجعي المتهافت، مما يجعله كاشفا عن الوضع الآني، من خلال الهوس بالتدين الزائف، والتداخل الوشيج بين الديني والسياسي، في ظل حضور شخصيات لها سمتها السياسي مثل المحافظ أو النائب، ودور هذا التداخل في استثمار الجهل لدى الشعب، ولا تخلو القصة من نفس ورائحة السخرية التي تجرح وتعري نصاعة هذا المسلك، وتكشف عن تهافت السائرين فيه مشكلين كيانا من السلطات المتساندة. وضع الفرد في مقابل ضغط السلطة بتنوّعها يجعله يعيد النظر في ذاته داخليا، يتأملها بشكل مغاير بعيدا عن حضور الذات، كما في قصة (رجل يشبهني)، فانقسام الذات هنا- فضلا عن كونه يمثل أولى مراتب المقاومة والشعور بالدهشة والاستغراب- يجعلها في بؤرة الرصد والتمثيل والمقاربة، وليس أصدق من حديث الذات عن نفسها وهي منفصلة عنها، لأن السارد من خلال هذا السرد القائم على الغياب يفتت أسس الارتباط والانحياز من خلال البعد عن المتكلم الذي لا يخلو بالرغم من المحاولة من الارتباط بالذات. فالغياب هنا رؤية بها الكثير من الموضوعية وجسارة الاعتراف، لأن هذه المعاينة المتحررة من سطوة الذات وحضورها أتاحت له الكشف عن الحياة الصعبة التي يمرّ بها ويعيشه هذا الآخر الموضوع في حيز المراقبة والتأمل، يقول النص (وجدته يجلس في المقهى البسيط في وسط البلد، في نفس المقهى الذي أجلس فيه، وفكرت هل أبناء الطبقة الواحدة يقومون بنفس الأفعال، هل مرتبه يشبه مرتبي؟ هل يقوم بعمل جمعيات مع زملائه ليلبي طلبات عائلته؟ هل كان يحلم مثلي بالوصول إلى الإدارة العليا في وظيفته؟ هل لديه خطط لتطوير مؤسسته، ولكن لا يستمع إليه أحد مثلي؟ هل يخاف أن يموت قبل تعليم أولاده؟ هل لديه خوف من الأماكن المرتفعة مثلي؟). فمثل هذه التشابهات- فضلا عن فعل التعرية الساكن- من خلال حضور ووضع الآخر في بؤرة التركيز والمقاربة، والأنا في كلمة (مثلي) تكشف عن مساحات التطابق من جهة أولى، ومن جهة ثانية تكشف عن نهج اعترافي يرتبط بالتعري والتكشف ما كان لهما أن يتمّا إلا من خلال هذه الآلية السردية الكاشفة عن تفتت الذات إلى ذاتين، أو الإشارة إلى مساحة ترتبط بالسياقات الحضارية والمسارات الشخصية مثل مرض السكر، وضعف القدرة الجنسية الناتج عن هذا الأمر. وإذا كان وعي الذات بحالها أو دهشتها المنطلق الأساسي للشعور بالمغايرة ومساحات التحوّل والتبدل، فإن ألاعيب المقاومة التي تمارسها الذات في بعض نصوص المجموعة لتأسيس المقاومة تأتي في بعض الأحيان مرتبطة بالفاعلية، لكنها فاعلية خاصة داخلية، ويمكن أن نطلق عليها المقاومة المضادة الداخلية، خاصة أنه ليس هناك سلطة محددة يمكن محاربتها أو منابذتها، فهي مقاومة داخلية للوصول إلى حالة استقواء ذاتي، تبدو أقرب إلى دفاع عن نسق جمعي يحاول أن يتخلص من شوائب أو نتائج اللحظة الآنية بكل سلطاتها الخفية، وذلك لإسدال مساحة من العدل تجاه السلطة التي لا يمكن الإمساك بها. فبطل قصة (صاحب الرسالة) يأخذ اتجاها مغايرا بوصف سلوكه كاشفا عن مقاومة داخلية ذاتية، وعن مشابهة لمايك يانكس مؤسس underground resistance في تنصيب نفسه مسئولا فاعلا في القضاء على النماذج التي تستحق القتل، وفي تأطير عمليات القتل التي يقوم بها على أنها نوع من المقاومة ضد أخلاقيات عالم يتفسخ، والقضاء على شخصيات- خارج إطار القانون- تستحق نهايتها التي اختارها لها داخل بدروم الفيلا. ربما تكون القصة الأكثر تمثيلا لنسق المقاومة الداخلية الفاعلة، هي قصة (الببلوماني الأخير)، ليس بسبب رغبته في اقتناء الكتب والحصول عليها أو سرقتها من خلال وسائل التجميع المعروفة، وإنما من خلال استناد القصة إلى هدف سام أو رسالة جمعية عالمية، يؤمن بها الببلوماني، استنادا إلى رؤيته لقيمة الأدب ودوره، تقول القصة على لسانه بعدما قابل مساعده (خالد) سلوكه المتجاوز للأسس المعروفة بالذهاب إلى مستعيري الكتب إلى بيوتهم لمطالبتهم بإعادتها بالاستغراب والدهشة (العالم مهدد بالفناء، والكتاب هو المنقذ الوحيد، هناك مافيا تسرق الكتب النادرة من المكتبات، ونحن حرّاس المعرفة). في ظل هذه الرسالة في المحافظة على التراث الإنساني، ومحاولة استبقاء حضوره للأجيال اللاحقة، تتأسس دائرة الفعل المقاوم في قتله لأفراد الكتلة الثلاثية بالغة التعقيد في علاقتها الممتدة، وهي كتلة مكوّنة من المؤلف والناشر والناقد، محتمية بعلاقات أدبية واقتصادية، جرحت حريته الشخصية بكتابة ونشر قصة حياته القائمة على ولعه بالكتب وسرقتها.