عادل ضرغام

تشكيل النموذج وفاعلية الذاكرة في أيام سمير حمّص للكاتبة هند جعفر

غلاف كتاب تشكيل النموذج وفاعلية الذاكرة في  أيام سمير حمّص للكاتبة هند جعفر
تشكيل النموذج وفاعلية الذاكرة في أيام سمير حمّص للكاتبة هند جعفر عادل ضرغام في مجموعتها القصصية (أيام سمير حمّص) تستند الكاتبة هند جعفر إلى مجموعة منطلقات فنية، لا ترتبط بتأمل الذات وإشكالياتها، ولكنها وثيقة الصلة بالآخر، في محاولة تأسيس ارتباطها بالوجود والعالم، لمقاربة الواقع وتعرية ملامحه دون جلبة، ودون نبرة عالية، فالكتابة تكتفي بالرصد الموضوعي، ولكنه رصد لا يخلو من وجهة النظر المنطوية على فعل التأمل. فالكتابة الراصدة هنا بها الكثير من الاكتناز المحكم، والبعد عن الفائض اللغوي، ويتشكل في إطار ذلك المنطلق الأول الذي يُبنى بالضرورة على منطلق أساسي ثان يتمثل في الانفتاح على الآني والانشداد إلى الماضي لتشكيل علاقات تجاوب وتدابر في آن واحد. الكتابة في قصص المجموعة مشدودة للتأمل، بوصفه منطلقا أساسيا يسهم في تشكيل وتوليد منطلقات أخرى، لأن التأمل في الحياة وانعطافاتها وتقلباتها وحوادثها اللافتة يفتح الكتابة على الآني في ارتباطها بتشكيل النماذج البشرية التي تقدمها وتؤسس وجودها قصص المجموعة، ويسهم الـتأمل أيضا في جرح الحدود الواقعية لهذه النماذج التي قد تلتحم بالعجائبي أو الغريب، لتشير - ضمن انفتاح النسق التأويلي للنموذج- إلى تعدد أو تشابه أو تماثل، فيصبح النموذج بنية منفتحة دالة تشير إلى المجموع، وإلى كثيرين ينضوون في إطاره وحدوده، ويتحول من تشكيل محدد له فرادة النمذجة إلى عادية التشابه مع آخرين، يشير إليهم، وفق قدرة أعلى تسم الجميع بتأطير وتمثيل موحدين. القصص في هذه المجموعة قصص عن الإنسان في ضعفه وهشاشته، وفي ارتباط حياته بالتحولات، سواء أكانت تحولات نابعة عن طبيعة الحياة، في كونها لا تظلّ على هيئة واحدة، ولا يستمرّ صفاؤها، فقد تدير ظهرها في أي لحظة من خلال زلزلة النظام بالحوادث، أو من خلال تحولات عجائبية خارقة للنسق. فالكتابة القصصية- لأنها مرتبطة بالإنسان وإحباطاته وتطلعاته- مملوءة بالصراع مع البشر والعالم، وفي ظل هذا الصراع تتشكل النماذج البشرية، وتغدو الأحداث- وخاصة الأحداث المؤثرة- مرتكزات تكشف عن حجم الزلزلة والتغيير عن السابق. والكتابة في هذه المجموعة وإن كانت مشغولة بتشكيل نماذج بشرية لتأسيس السمات أو الصفات التي تؤثر في طبيعة الإنسان من حيث سموقها ومثاليتها أو انتهازيتها في ارتباطها بالآخر، فإنها في الوقت ذاته مشدودة إلى إشكالياتهم الأساسية في العمل والحب والزواج والثورة والحرية، وإلى الضعف الإنساني ودوره في تشكيل سمات فقد المثل واكتساب نقيضها والتشبث به، للوصول إلى صورة متخيلة للذات، فالوصول إلى هذه الصورة المتخيلة لا يتمّ إلا عبر انحناء ومطاوعة، وعبر تفكيك للمواقف والقناعات المشدودة إلى المثل والقيم التجريدية. والنماذج البشرية التي قدمتها قصص المجموعة التي تكشف عن المغايرة أو الاختلاف أو العادية، لا تتشكل في فراغ، ولكن في إطار سياقات عامة دافقة الحضور، وتختلف هذه النماذج في تشكلها وتأطيرها طبقا لقدرتها على التحمل، وطبقا لتكوينها النفسي أو الذهني، وخياراتها المتاحة وتوجهاتها. فردود أفعالها التي قد تبدو غريبة أو عادية مشدودة إلى السياقات والأطر المحيطة، منها ما هو سياسي، ومنها ما هو اجتماعي، ولكن لا يتمّ التوجه إلى هذه الأطر إلا من خلال الزاوية التي يسمح بها الفن، أو من خلال المنظور التأويلي، للتحولات العجائبية أو الأسطورية التي نجد حضورها لافتا في قصص المجموعة، ولن يتمّ تلقي النسق العجائبي أو الأسطوري، إلا من خلال إطار تأويلي وثيق الصلة بوضع الإنسان في العالم، وفي سياق لحظته الحضارية. تشكيل النموذج هناك في القصة القصيرة مساحة كتابية ترتبط بمعاينة النموذج اللافت الذي تتولّد قيمته من العادية ومن التكرار، ومن التشابه مع الآخرين، أو من خروجه الواقعي للالتحام بالعجائبي والأسطوري. وفي الحالين يكشف عن هالته سواء من خلال التشابه أو الاختلاف. وتلحّ قصص المجموعة على تشكيل النماذج البشرية، والتقاطها برهافة وتمكن شديدين، بل وبالتعبير عنها وفق بنية مكتنزة ممشوقة دون زيادة أو نقصان. ففي بعض القصص يتشكل النموذج وفقا لكود السلوك الرفيع، كما في قصة (بيانو) حيث تتأسس قيمته من خلال صناعة الاختلاف وإقامة الحوائط في الاتصال بالبشر. وربما تشير هذه الحوائط إلى الجدران أو المسافات التي نسدلها بيننا وبين بعض البشر استنادا إلى شكل خارجي، تقول القصة (وما أن يفيق حتى تعاوده الجهامة، ويعود منفّرا كما كان، هل كان السبب هذا الجحوظ البسيط في عينيه، أم جبينه الضيق اللحيم؟ لا أعرف). ومن خلال ضمير الغياب الفاعل في تشكيل النموذج وتشغيل المتخيل تتكشف الجهامة من خلال البناء السردي في ظل الانتماء إلى نمط الحياة المشدودة إلى أكواد السلوك التي تؤسس مغايرة ما. فانتماء الأسرة إلى جزيرة (كريت)، جيلا وراء جيل جعل التشبث بأكواد السلوك وسيلة لتأسيس الاختلاف، وكأن المحافظة على كود خاص للسلوك، وطريقة التعامل مع البشر تؤسس سبيلا للمغايرة والاختلاف، وكأنهما- الأم والابن وفق هذا التصور- ينتميان على حد تعبير الراوي إلى شريحة الباشوات المتجذرة في لحظة ماضية. ولكن الوجود الخاص للبيانو على هذا النحو، سواء من حيث التكرار مع جيل الأم والابن والحفيدة، أو من حيث تحركه من متن القصة ليصبح أيقونة بارزة في العنوان، يجعلنا نعيد النظر في طبيعة هذا النموذج، وإلى ما يشير إليه في فترات سابقة من ارتباطات طبقية وتراتبية، في محاولة لاستعادة الاتصال به بعيدا عن رؤية مسبقة جاهزة، فالبيانو هنا هو الاتصال الروحي الخاص، مع المكنون الداخلي، وتأسيس الاتصال وفق إدراك جديد مغاير، يجعل المعاين يلمس الجوهري بعيدا عن معطيات الشكل أو الحس. فمع هذه الآلة التي تشير نحو الوعي الداخلي الخاص، تذوب الحوائط المصنوعة الجاهزة، ويتجلى التداخل والانسجام داخل سياق عام، تتكشف طبقاته عن التنافر للوهلة الأولى، التنافر الذي صنعه الإصغاء للجاهز والانتباه إليه، تقول القصة على لسان الراوي في نهايتها بعد استعادة الاتصال الروحي مع النموذج الذي ظل مغايرا ومختلفا (مرتْ كل الذكريات أمامي، وسعدت به وبأمه، وبالصغيرة التي تتقافز حولنا، وامتننتُ لمرور الزمن في أمان وطمأنينة، وخبرت طعم الرضا). فالنموذج هنا –الابن- نموذج عام، يؤسس لغرابته وانفتاحه على نماذج شبيهة، من السير وفق كود السلوك الموروث الذي يتوارى أثره في لحظة استعادة الاتصال بالجوهري. يبدو أن الاتصال بالآخر بوصفه جزءا أساسيا في تشكيل الوجود والنزال مع الواقع رافد مهم من منطلقات الكتابة القصصية، ففي قصة (عرج خفيف وابتسامة وجون للانتر) تتأسس ملامح النموذج من خلال تفاعلات وعلاقات بشرية بين الأنا والآخر، كما في جزئية تقييم المدير، أو في جزئية خلقية مرتبطة بالعرج الخفيف الذي يلازمه. والأمران لهما تأثير في تشكيل أزمة الذات وتحديد ملامح النموذج. فتقييم (مقبول) الذي يناله في سنوات متتالية وتكراره أزالا من هذا النموذج فكرة التذمر أو الشكوى، بل جعلا التسليم المكبوت عنوانا واستجابة لتبريرات المدير، ويتجاوب مع هذا الموقف العرج الخفيف الذي يلحّ أثره مع كل هزيمة أو شعور بالغبن والمظلومية، والانضواء في ظل دائرة تسيّج وجوده لا أمل للخروج منها، بالإضافة إلى الهزيمة في المسالك التي تؤسسها الذات للهروب المرتبطة بالرياضة، من خلال هزيمة انتر ميلان أمام يوفينتوس. ولكن القصة تكشف في تمددها السردي عن أن هذا النموذج المتجذر في بؤرة المقاربة والتشكيل داخل حلبة المعاناة ليس بمفرده، وأن ما يمرّ به هو صورة جانبية للصراع مع الحياة والوجود، صراع بين المتخيل النموجي والواقعي، بين ما يؤسسه المرء وينتظره خيالا وما يجده حاضرا متحققا، فوجود صوت بكاء يتجاوب مع نهنهة النموذج في دورة المياه يشير إلى نسق عام، ويغير من الصورة الفردية للنموج ليحيلها إلى صورة عامة، تقول القصة على لسان الراوي بعد سماعه صوت النحيب ( لا أنكر أني ارتحت قليلا، وسكن قلبي حين علا صوت رفيقي، وزادت حدة بكائه، في النهاية هناك من يعاني مثلي! لست وحيدا). ففشله في تحديد الرفيق المتجاوب مع معاناته يفتح عمل الخيال، ليجعل الجميع داخل هذا الوجود الإنساني الحافل بالنقصان، والسير بمعاناة لإحداث التطابق والاكتمال. الهزائم المتكررة للفرد أو للنموذج أو للمجموع في العمل والحياة والرياضة تخلق سياجا عاما للتنميط والتسليم، ومن ثم يلحّ الوصف الخاص بالشخصية (في حاله)، أو (غلبان)، كأنهما يشكلان إطارا للانكماش، ومقاربة الحياة والارتباط بها من أيسر جوانبها، فالمرأة التي تقود التاكسي بذلك الفهم والتأسيس المغاير للمعهود، بالإضافة إلى الابتعاد عن ضوضاء الحياة، لا تشكل – أو لا تشير- إلا إلى الملمح الخاص بالمتخيل الجزئي الذي لا يفلح في القضاء على سطوة وحضور الإشكاليات المكونة للنموذج، وخاصة الإشكاليات القدرية مثل العرج الخفيف، فبعد النزول من التاكسي الذي يشكل من خلال الابتسامة والتكييف انعزالا عن العالم في براح المتخيل، تهب الحياة بزحامها وصلادة واقعها، تقول القصة (ابتعدت عنها، لم تتحرك مباشرة، وقفت تنتظر قليلا، كنت أعرف أنها تراقب عرجي). تشكيل النموذج في قصص المجموعة مشدود للسياقات الحضارية التي تفقد الشخص القدرة على الفعل في تشكيل تطابق وتماه بين المتخيل والواقعي، والحياة في كل تشكلاتها قائمة على تلك الفجوة، خاصة في ظل غياب الإجابة عن الأسئلة العالقة. في قصة (رفات) هناك نموذج يتأسس، وهذا النموذج وثيق الصلة بالماضي الذي لم يُدرك على نحو كاشف، ففقد الأب في الحرب وعدم العثور على جثته يصبح عاملا مهما في تشكيل ملامح هذا النموذج/الابن، حيث تتشكل ملامحه وفقا لتنميط التسليم، مع غياب القدرة على الحب والزواج، وكأن في هذا التسليم نوعا من الهروب من تكرار حالة الفقد. وكل ذلك يولد الرتابة والنمطية دون انتظار شيء يلوح في الأفق، لأن هناك مساحة من الماضي ما زالت منفتحة، تتجلى في ظل ذلك محاولات لاستكمال الماضي من خلال التأمل أو السؤال عن الرفات التي لا تفضي إلى إجابة مقنعة، ومن ثم كان الاستناد إلى بقايا الأب/ الجندي المقاتل، مثل القرص المعدني المعروف وقت الحرب الذي يدوّن عليه اسم الجندي، وأمر الاستدعاء وخطابه إلى الأم، وشهادات التقدير، لكي تصبح رمزا وبديلا عن الجسد المفقود، ليتم إغلاقة فوهة الماضي بأسئلته التي تمارس تأثيرا في تشكيل نمطية وثبات حركة النموذج، ووقوفه في منطقة الأعراف في مقاربة الحياة. في بعض الأحيان يكون تشكيل النموذج أكثر انشدادا إلى فكرة عامة، لا ترتبط بشخص، بقدر ارتباطها بنسق عام، تلحّ الكتابة على تفكيكه وإعادة مقاربته، على نحو ما يمكن أن نرى في قصتي( أعمال سين التي ذهبت هباء)، و(وانتظار). فتغييب الاسم في القصة الأولى مقصود ليؤسس لحضور المنحى الفكري أكثر من انفتاحها على الشخصي والفردي، فمدارات القصة تشتبك مع مناح فكرية عديدة، منها الحب من طرف واحد، والمحِب والمحَب، أو امرأة الظل، حيث بتشكل وجودها الخاص في البعد والمراقبة من بعيد. والقصة تعيد التأمل والمقاربة لموضوعات متشابكة، ولكن مجملها ينضوي تحت مقاربة فكرة التبعية والذوبان في الاخر، فموت الفتاة في حادث بعد انشغالها بنجم سينمائي من بعيد، يحيلها إلى ظل تتابعه أو طيف، وتدرك صفاته ونزواته، لكنها تتغاضى عن كل ذلك بعد موته أملا في اللقاء الذي أصبح وشيكا، ولكنه حتى في موته صعد بوصفه نجما، والقصة هنا تشتغل على نقض هذا النسق. أما في القصة الثانية فهناك إلحاح على الفقد الخاص بالمثل والقيم تحت سطوة المتخيل النموذجي للذات، فالنموذج يفقد تكوينه المثالي المشدود لقيم نتيجة للنزال مع الواقع، وكأن القصة تشير إلى الحياة بكل تجلياتها من السير والانكسار أمام برق خلب. في تشكيلات النماذج لا تكتفي قصص المجموعة بالنماذج ذات اللهب الواقعي العادي، ولكن في أحيان أخرى يتشكل النموذج داخل ما يتجاوب معه من وعي ثقافي يستند إلى الأسطوري والعجائبي، حيث يستمد حدوده وملامحه من الوعي الشعبي وانتقاله من جيل إلى جيل. يتجلى ذلك في قصص عديدة، منها (حكاية ناقصة)، و(عليّان)، ففي الأولى يلحّ النموذج من خلال الأب الذي يرى في ورديته الليلية زميله يسقط في بوتقة الحديد المنصهر، ويمارس حياته وكأنه تجاوز الأمر، إلا أن اكتمال البدر وفقا للأسطورة أظهر ملامح التغيير والاختلاف في مناوشته للقمر للوصول إليه، فالنموذج هنا يستند إلى الأسطوري الشعبي، في تحديد ملامحه، وفي تمدده في مرحلة تالية لدى الابن. في بعض قصص المجموعة نشعر أن هناك تأسيسا للنموذج في إطار كاشف عن التعدد أو الازدواج، يتجاوران في المكان، لكن يفصل بينهما مسافة زمنية، ففي قصة (دراجة ثلاثية العجلات) يؤدي ضمير الغياب في سرده عن الشخصيتين المتوازيتين دورا مهما في الشعور بوجودهما بشكل متساو. فالنموذج الأول مؤسس ذاهب إلى لحظته الأخيرة، والنموذج الأخير قريب منه مكانا، يشابهه في الوحدة والاغتراب، فكلاهما ينتمي إلى طبقة واحدة، ويعيش على الكفاف. وحضور النموذج الأول يتجلى بوصفه كاشفا عن المحيط الذي يتحرك فيه بدراجته ثلاثية العجلات، ولا تكفّ القصة عن الإشارة إلى عمله قبل العجز، وحدث التحول الذي يأتي في قصص المجموعة بوصفه جزئية لافتة. فقد كان عمله قبل الحادث يرتبط ببيع البالونات أو الذرة المشوية أو الفريسكا، ولكنه بعد الحادث تحوّل إلى التكسب من عطايا البشر. وهذه النمطية المقدمة للنموذج الأول في الحركة في ساعة محددة من الصباح والمساء تعطي النموذج ملمحا أيقونيا، وتتحوّل إلى صورة متقدة حية في نظر النموذج الذي يتشكل ويتأسس بهدوء على هدى النموذج الأول ارتباطا بالمجاورة المكانية والتشابه في الظروف. فعقد المشابهة بين (الباشا) و(العنكري) وكأنهما نسختان متشابهتان يفصل بينهما مدى زمني تتجلى في الاغتراب والوحدة وغياب الزوجة والأطفال، يؤسس لمشروعيته تمسك العنكري بدراجة الباشا بعد موته، لأنها في ظل هذا السياق تؤسس امتدادا للنموذج السابق من خلال نموذج جديد يتحرك في الفضاء المكاني نفسه، ويتنفس الهواء نفسه ممتطيا دراجته الكاشفة عن الملمح الأيقوني للربع داخل النمذجة الممتدة. التحولات والذاكرة في قصص المجموعة يتجلى للقارئ أن الشخصيات من البشر العاديين الذين تسير حياتهم على سنن نمطية هادئة مخذولة بالثبات، ولكن هذه النمطية لا تستمرّ نظرا لطبيعة الحياة، بسبب أحداثها المفاجئة التي تقوّض هذا الثبات وهذا الهدوء. وهذه الأحداث المزلزلة تشكل بتأثيرها جماع ولبّ القصة القصيرة، سواء أكانت أحداثا عادية واقعية مثل المرض أو أي حدث خاص بالهزيمة أو فقدان الأمل، أو كانت أحداثا عجائبية مثل قصة (أحداث سمير حمّص) فظهور الثديين يمثل- بما يتجاوب معه من أحداث مثل ارتداء المشدات وظهور اللبن- تحوّلا مخالفا للنسق المعهود. فتحوّل سمير حمّص بواسطة هذا التحوّل العجائبي إلى (سميرة بزو) وثيق الصلة بالسياقات الحضارية. في إطار تأمل القصة لا يمكن تلقي هذا الحدث العجيب إلا في إطار السخرية التي تنتهك سلطة النوع المستقرة وصلابته الممتدة، وتحريك أطر النوع والجنوسة، وتحوّل مفاهيمها من البيولوجي إلى الثقافي، فظهور الثديين لدى الرجل يحمل زحزحة لقيم البيولوجي، ولن يتمّ تلقيه إلا في ظل مغايرة مرتبطة بالسياق، فيغدو إشارة إلى غياب الفاعلية والقدرة، خاصة إذا كان هذا الملمح قد تجلى- نتيجة لحدث واقعي- في القصة السابقة في الترتيب على هذه القصة، من خلال تصوير الرجل بعد عجزه عن الحركة نتيجة لحدث واقعي، وتحوله من كافل إلى مكفول، من قدرة على الفعل إلى الانفعال والـتأثر، فالانكماش وفقد القدرة على الحركة يشيران إلى زلزلة وتبادل الأدوار وهدم للمستقر والمؤسس. في (أيام سمير حمّص) يكشف ظهور الثديين عن مداخل أو ملامح تأويلية، تخرج القصة بأحداثها من سياقها الواقعي، إلى سياق رؤيوي كشفي يرتبط بالتحولات التي تصيب الفرد في ارتباطه بالكون ومظاهره وسياقاته السياسية والاجتماعية، وربما تؤكد التطورات النامية في القصة الملمح أو التبرير السياسي، وتؤكد مشروعية جدارته للتلقي، وذلك من خلال المواقف، وتبدّلها من حال إلى حال في التعامل مع هذا التحول، فالبداية تأتي مرتبطة بالدهشة والاستغراب والإنكار، مرورا بالقبول والتعايش، وانتهاء إلى التسليم. هذا التدرج في تلقي الحدث العجائبي الخارق يؤسس للقصة مدخلا تأويليا أقرب للقراءة الباطنية لتحولات الشخصية في سياقها العام، لأن تعوّد الانتهاك والتسليم به مشدود للسخرية والتقليل، ويعدّ تسليما بتنميط وتشكيل جديد قائم على الانفعال لا الفعل، فالتحوّل هنا كاشف عن فقدان القدرة، والقبول به والتعوّد عليه انصياع لمساحة التنميط المشابهة للقوة العليا التي لا يستطيع لها دفعا. وفي قصة (عليّان) يحدث تأطير للنموذج ارتباطا بتحول ما، فعليّان الذي تغيّرت حاله نتيجة غرقه وتحوّله إلى أبله يرتبط بالحدث المحوري المزلزل الذي أصبح جزءا من طبيعة تشكيل النموذج، وجزءا من قيمة القصة القصيرة التي يتشكل وجودها في فترة من الفترات حول الحدث الذي يحيل الحياة إلى كون مغاير لما سبق، ويتجاوب مع هذا الحدث- نظرا لغياب التأويل العلمي في بيئة لا تتوقف عند ذلك كثيرا- التأويلات المشدودة لبنية ثقافية شعبية مثل تلصصه دون قصد على جنية الماء، أو بسبب بناء والده مستودعا للأخشاب على جثث الموتى، تقول القصة على لسان الأم (حد يبني على العضم يا ناس أهو ضناه البكري انهبل). وكما حدث المرض دون الوصول إلى سبب من الأطباء والمشعوذين، يعود الابن ذات صباح سليما معافى، وكأن السنوات التي قضاها في حدود تلك المرحلة سائحا في دروب القرية فاقدا عقله مرت خارج الزمن وخارج الذاكرة. القصة القصيرة في بعض تحديداتها خاصة في تحديد إدجار آلان بو تقوم على الحدث الذي يترك أثرا لا يمحى، وتغدو الحياة بعده مغايرة للحياة قبله، لأنه حدث يزلزل الثابت المستقر داخل الوعي الفردي، ففي قصة (دانة) تبدو المقارنة بين (الآني) و(الماضي)، وكأن القصة تشكل صراعا بين فاعليتين وحضورين، فالحدث الماضي من خلال تشكيل النموذج الخاص بالأب المشدود إلى ذاكرة منفتحة، يصارع الوجود الآني للابن الذي يحاول أن يتفلّت من هذا الثقل وهذا الإرث الخاص بدلالة الألفاظ، فهو يحاول التخلص من المسّ الدلالي الجاهز لكلمة (دانة)، من خلال إسدال- أو محاولة إسدال- إطارات دلالية مختلفة، بوصفه أكثر ارتباطا باسم امرأة جميلة. فالماضي المهيمن- في جانب الأب- مشدود إلى الحدث الذي ظلّ ظهوره ووهجه على نصاعتهما مخترقا الأزمنة (حدث سقوط الدانة على المرحّلين إلى مدينة أخرى لحظة الحرب). أما الآني في جانب الابن- نظرا لانتمائه إلى لحظة مغايرة، ومحاولة انعتاقه من الماضي بثقله السياسي من خلال مشاهدة فيلم له طبيعة وموضوع كاشفان عن هذا الانعتاق- يحاول أن يخرج من أسر الأب بماضيه الحاضر دائما، لكنه لا يفلح في التملّص من هذا الماضي لقوة حضوره. القصة في جانب من جوانبها ربما تشكل صراعا بين الماضي بفاعلية حضور الحدث لدى الأب، والحاضر الآني، فالآني يحاول التفلت من الماضي بأثقال خيوطه، للاندماج داخل إطار خال من ميراث الماضي السياسي، ولا يتجلى هذا الصراع داخل الحضور والوجود المباشر بين شخصيتين، فقد يمكن تنمية هذا الصراع داخل الوجود الإنساني بشكل عام، يؤيد ذلك المنحى طبيعة حياة الأب الذي لم يستطع- لارتباطه بالماضي- الانسجام مع الحياة الآنية، وكأن الحياة في مجملها بالرغم من تغيّر الشخصيات (الجد والابن والحفيد) ليست إلا ممارسة وتأثيرا لحضور الماضي الممتد دون زلزلة حقيقية تقوم بتقويضه، للارتباط بلحظة حضارية آنية. ويبدو أن ملمح الذاكرة ودورها في تنميط وتشكيل الحاضر يعدّ مدخلا مهما من مداخل مقاربة المجموعة، لأنه منحى دائم الحضور في معظم القصص، ففي قصة (ذاكرة حية) التي تشير في سطرها الأول إلى إرينيو فونس شخصية بورخيس في قصته (فونس قوي الذاكرة)، وفيها تتجلى متاهات الذاكرة وتشعبها، ونتائج امتلاك قدرة غير منتهية على التذكر. وفونس في تحديدات بورخيس بعيدا عن القصة يشير إلى أنه استعارة ممتدة للأرق، فامتلاك ذاكرة كبيرة ممتدة قد يكون في منطق بورخيس نقمة. ولكن القصة تؤسس اختلافا بين بطل بورخيس وبطلها، وإن كان كلاهما يقوم على فكرة القلق لارتباطه بالذاكرة، فبطل هذه القصة يتولد قلقه ليس من حضور الذاكرة، وإنما من اللحظة الآنية، يؤيد ذلك في تأسيس المغايرة بين القصتين ( أما أنا فثلاثيني أقترب من الأربعين، عاطل، فارغ تماما، مرغم على التمدد بجوار أمي المسنة التي تغطّ في نومها تحاول أن تستعيد ذكرى ما). فالماضي هنا ليس عاملا ولا سببا من أسباب القلق والأرق، وإنما يتأسس في ظل المقارنة بالآني على أنه الفردوس المفقود، فمقابل العطن والرطوبة الخانقة في يوليو، وانقطاع الكهرباء، وكلها ملامح للآني، يلحّ المكان المألوف، والشراب زكيّ الرائحة ونظافة الغرفة، لتأسيس المفارقة بين الآني وبراح الحلم، حيث تسهم هذه المفارقة في تأسيس الأرق، والتوجه نحو الذاكرة. فالذاكرة في قصص المجموعة مدخل أو منحى معرفي للمقاربة، ففي قصة (الحاج حودة) لا تتأسس القصة على مغايرة نموذجية نمطية، واقعية كانت أم عجائبية، ولكنها تتأسس في نسق الفارق بين طفولتين بفعل حضور الذاكرة القوية: طفولة الراوي في القصة، وطفولة حفيد الحاج حودة، وذلك من خلال اللون الأبيض الجامع بين (صندل الحفيد) و(كوزلك الراوي)، حين كان يعمل في محل الجد، وحمله لألواح الثلج، فالمغايرة هنا بين طفولة مكفولة وطفولة تخرج من سياقها لتعمل وتسدّ مسد الكفيل الغائب، وهي لا تتأسس إلا بفعل ذاكرة حية ممتدة من الآني إلى الماضي نتيجة للمثير اللوني للبياض، مع اختلاف تراتب ودوره لدى قسيمي المفارقة. وفي قصة (شوز السيد الزعيم) لا يمكن فهم القصة إلا من خلال فاعلية الذاكرة، حيث المقارنة بين ثورتين وجيلين تطلّ حاضرة، للكشف عن توجهين مختلفين، من خلال الإلماح إلى صورة الزعيم، وصورة ونسق حرّاسه في التعامل مع البشر مع كل قسيم، فمع زيارة الزعيم سنة 1958 كانت الثورة في بدايتها، نرى الفارق واضحا في تسليمه على الطلاب المصطفين لاستقباله الذين تحركوا للالتفاف حوله، تقول القصة، استنادا إلى حدث ما زال لامعا في الذاكرة (ولم يكن الحرّاس يطلقون النار على من يقترب من الزعيم). ومن خلال المغايرة بين زعيم وآخر، تتولّد مغايرة أخرى تتمثل في طبيعة السلوك والشخصيات التي أنتجتها كل ثورة، فالأول يمثله الراوي ويوسف النوبي، والأخير يمثله ابنا يوسف اللذان هاجرا خارج حدود الوطن، وكأن في ذلك إشارة لاختلافات كثيرة بين ثورتين وجيلين، مشدودة لفكرة الهوية، ومدى تجليها من فترة إلى أخرى، فهي لدى الجيل الأول تدفعه إلى التحمل ونسيان الصعاب، بل وإلى الموت على أرضها، فبقاء يوسف النوبي في مصر بعد رحيل زوجته وابنيه ليس عاريا من الدلالة، لأن سلوكه يتساوق مع حركة وتوجه المرحلة في الارتباط بالسياسي والتعلق به، أما مع الجيل الآخر فهناك انشداد إلى التفلّت، والانسياق وراء فكرة التحلل من الالتزام بأي قيد، حتى لو كان قيدا ناعما مشدودا لهوية ما.