فاعلية النسق وبنية القصيدة القصيرة في ديوان لا نهر أمنحه ملوحتي للشاعرة السعودية المينا منّوِر
فاعلية النسق وبنية القصيدة القصيرة
في ديوان لا نهر أمنحه ملوحتي
للشاعرة السعودية المينا منّوِر
عادل ضرغام
في مجموعتها الشعرية (لا نهر أمنحه ملوحتي) للشاعرة السعودية المينا منّور، يعاين القارئ نصوصا شعرية لا تكفّ عن التأمل المشدود للتساؤل، التأمل الذي يشمل الذات وما يحيط بها من أنساق قامعة تحدد حركتها وأفق توجهها، وأنساق تموضعها داخل مساحة من الثبات، فترصد الذات الشاعرة مساحات من التشابه بينها وبين جزئيات الواقع المحيط، حية كانت أم مادية، وهي الجزئيات التي تعاني الإهمال، والوجود الهش البسيط الذي لا ينتبه إليه أحد، إلا من خلال زاوية رصد شعرية لا تقنع بالظاهري المتاح، بل تتعاظم عليه، لتصنع من هذا الثبات توازيات وتشابهات مع جزئيات محيطة، ولو بفعل التخيل، وهدم الفواصل والحواجز بين هذه الأشياء والجزئيات.
في نصوص هذا الديوان هناك بوح كاشف عن ذات تتأمل عتمتها المصنوعة من التشظي وسوء التكيف، تغافل كوابيسها بالهروب إلى مساحة تؤسسها داخل فضاء المتخيل، وتتعاظم على وحدتها بإسدال نوع من المشابهة مع جزئيات الواقع، وبالإصغاء إلى روحها، ومقاربتها كأنها منفصلة عنها، وتضعها في حيز المقاربة. فالنصوص الشعرية تكشف عن ذات تراقب ثباتها، ووقوفها داخل أفق مطبق داهم، لكنها تجيد صناعة عوالم موازية، بخلق حكايات وخيالات، تغافل بها واقعها، وتبعدها عن المواجهة، وعن الأسئلة الحادة التي تناوش وجودها.
ونصوص الديوان- بالرغم من كونها تشكل مساحة بوح وتعبير- تنتهج آليات فنية ترشد هذا النسق التعبيري من خلال الآليات الناجعة في خلق مساحة لتغييب التعبير المباشر، مثل الاتكاء على الغياب، بوصفه ضميرا ساردا في نصوص ليستت قليلة، أو بإسدال حالة من التماهي بين الأشياء المحيطة التي تحاول رصدها والذات، وتدخلها من خلال فعلي الإيماء والاستبدال بينهما، وكأن رصد الأشياء المحيطة-نظرا لزاوية النظر والاختيار- يمثل رصدا للذات في الآن نفسه، خاصة إذا كان قانون الحياة في تأثيره على الأشياء الجامدة مشابها في فاعليته في التأثير على الذات، وكأن كليهما يمثل دورة متوازية من دورات الوجود.
تؤسس الذات عالمها في سياق مملوء بالوحدة والكآبة، وتصنع في الوقت ذاته أساليب للتغلب عليهما، من خلال أفعال خارقة تدعو للاستغراب والدهشة، فالمهم في هذا الإطار المقاوم صناعة نوع من الحركة تخلخل الثبات الذي يؤسس للموت، هذه الحركة تغافل الكوابيس، وسيل الذاكرة المنفتح، فالركض أو الحركة في منطق النصوص وسيلة ناجعة للبعد عن مواجهة عتمة الروح. وفي تأسيس ذلك بنائيا تنتهج النصوص شكلين للتعبير عن العالم الأنثوي الخاص داخل العالم الكبير بضخامته، الأول منهما يتمثل في التعبير المباشر للكشف عن ملامح خصوصية، وفيه تظهر الذات عارية في لهاثها وحركتها، لمغافلة واقعها ووجودها الفعليين المشدودين للثبات، ولبحثها عن مساحة تكفل لها الاستمرار داخل حركة ساكنة لا تخرق نسقا، أو تباين عرفا أو مواضعة مستقرة. أما الأخير فيتمثل في الإيماء والإيحاء المتوازي في الانفتاح على جزئيات الوجود والالتحام بها، وكأنهما يشكلان وجودا متوازيا، لا ينفصل كل قسيم عن الآخر المقابل له، ويحلّ بكل واحد منهما، ما يحلّ بالآخر من تغير تحت تأثير التعرض للظروف والملابسات المحيطة.
فاعلية النسق
تتآزر في الديوان مجموعة من النصوص لتشكيل هموم المرأة، لكن هذه النصوص لا تستند إلى المتداول في التحامها مع النسق أو الأنساق، بل تخلق رموزها وإيماءاتها، فهي رموز وإيماءات لا تخلو من خصوصية، ومشدودة إلى البساطة المملوءة بمناح معرفية، تتجلى عند تأملها ومعاودة النظر إليها. فالقارئ في هذه المجموعة أمام ذات تكتب نفسها، ولا تعاني استلابا أو استدانة أو شيئا من الجاهزية تجاه المؤسس الإبداعي السابق. وعلى هذا يمكن الإشارة إلى أن المنطلق الأساسي الذي تتجلى وتتشكل في سياقه هذه النصوص ماثل عند حدود النوع البيولوجي، ذلك النوع الذي يؤطر الوجود الأنثوي داخل حدود سابقة التجهيز، تعاني من الصرامة والأطر الجامدة التي لا تلين أو تتغير بحركة الزمن وحداثته.
وفي ظل ذلك يمكن تبرير أو تأويل استعارات الثبات في مقابل الحركة، والانفعال والتأثر مقابل الفاعلية والتأثير، والأفق المغلق والمحدد مقابل الانفتاح اللانهائي على الحياة والوجود، وغياب الصوت في مقابل القدرة على تمثيل الذات والتعبير عنها. فقد ألحّ النص الشعري (صوتي يا جدّي) على مجموعة من الصور المجهرية، تكشف عن الوضع الخاص للأنثى بداية من (الصوت المخنوق)، أو (الصوت المتخدّش)، حيث يشيران إلى غياب تجلي الصوت في وضعه الإنساني الطبيعي، ومرورا (باليد الثقيلة) التي ربما تشير إلى سطوة النسق، وانتهاء (بالكلمات المدماة)، و(الصوت الذي يحمل آثار سكاكين ومشارط).
هذا الوضع الخاص الكاشف عن فاعلية النسق أو الأنساق في تسكين أو تنميط الوجود الأنثوى، يتمّ تمريره في مرحلة الطفولة بمبردات تجعل وجوده أو تأسيسه مبرّرا، بفعل غياب الوعي، أو بفعل فاعلية الإلهاء من خلال المبردات مثل (الأيس كريم). ولكن بعد اكتمال الوعي بالنمو، واستفحال فاعلية اشتغال النسق، يصبح فعل الإلهاء غير ناجع في إسدال مساحة ترطيب، وإعادة الصوت إلى وضعه. يقول النص الشعري (البارحة التهمت علبة أيس كريم كبيرة/ وانتظرت كما كنت تفعل/ هل سيذهب الجرح بعد أن يبرد/ لكنه أصبح أسوأ/ الماء بات شفرة/ والنفس العميق طريقا وعرة/ أمشي عليها حافية).
استعارة غياب الصوت أو تأثره، توجّه نحو غياب القدرة على تمثيل الذات، لأن الذات الأنثوية- والحال تلك- أقرب إلى التابع الذي يقوم الآخرون أصحاب السلطة بتمثيله نيابة عنه، لأن صوته الغائب أو المخدوش لا يفصح أو يبين عن هوية واضحة، ومن ثم تتجاوب مع الاستعارة السابقة استعارة أخرى مرتبطة بالصمت، فالصوت المخدوش من الطفولة، وكأنه فعل تجهيز، يتأثر تدريجيا للوصول إلى الصمت الكاشف عن التسليم، عى نحو ما يمكن أن يظهر للقارئ في نص (مسامير الصمت)، فالصمت في هذا النص ليس صمتا عاديا كاشفا عن قدرة مختزنة، بل هو صمت التسليم، نتيجة لوعي الذات وإدراكها أنها تواجه كونا أو نسقا لا يمكن مواجهتهما إلا بالخنوع والتسليم، ومن ثم تلحّ في نهاية النص صورة كاشفة عن الانفعال، لأن الصمت حين يتحوّل إلى مسامير تثقب الروح، تصبح هذه الروح- على حدّ تعبير النص الشعري- قشّة خريفية، تسوقها الرياح لبئر عميقة.
وفي سياق سيطرة النسق القامع، تتشكل ملامح الشعرية في نصوص الديوان من خلال منطلقات كاشفة عن سوء التكيف، والفشل في عقد اتصال مع الواقع المحيط. فتأمل النصوص يكشف عن أن هناك مدى واسعا من الوحدة والمعاناة، وأن هناك إحساسا بالوجود الفائض المهمل الذي لا ينتبه إليه أحد، ولا تتوجه نصوص الشاعرة في تصوير ذلك إلى الجاهز المؤسس، بل تجيد الإصغاء إلى الأشياء المحيطة، وتعقد نوعا من الصلة والمشابهة بين حالها المهملة وهذه الجزئيات، فندى الفجر- في نص تلك القطرات انطلاقا من المشابهة ومحاولة تأسيس الصلات- يتحول إلى دموع تتبخّر ذاتيا دون أن ينتبه إليها أحد ويكفكفها.
والنص في تأسيس تلك المشابهة لا يتوجه إليها بشكل مباشر، فالفاعلية فيه تتمثل في بناء الوجود الظاهر للعيان في تجليات عديدة، فالندى يبدو في النص الشعري واضحا على زجاج نوافذ السيارات، وأعمدة الإنارة، وصناديق البريد، ووعاء القطة، وأصيص الزرع، ومقبض الباب، وسياج الحديقة، ودرابزين السلم. والتعدد هنا مقصود، للإحالة أو الإيماء إلى الشبيه المتواري المتعلق بالذات بشكل غير مباشر، فرصد الذات هنا رصد متوار، لا يتمّ إلا من خلال إصغاء خاص للاندماج والتوحّد، وخلخلة الحواجز بين الندى والدموع، ففي قول النص (ندى الفجر ليس إلا بقايا دموع)، يخلق هذا التوحّد والاندماج حالة استبدال بين الأجزاء المراقبة المرصودة في بؤرة التصوير، وتتأكد هذه الحالة مع السطر الأخير في القفلة الفنية للنص (تتبخّر هكذا/ ببطء/ تنقشع دون أن يكفكفها أحد)، فالتكرار اليومي للندى وتبخره ينسحب في إطار دائرة دلالية أخرى، تتساوق مع الذات داخل نسقية الوحدة، والوجود المفرد المهمل المملوء بإشكاليات لا ينتبه إليها أحد من المحيطين.
وسوف تتكرّر آلية المراقبة في نصوص كثيرة، وفيها يتجلى الكشف عن منطلقات الغربة والوحدة، من خلال الاستبدالات والتداخلات بين المراقِب والمراقَب، على نحو ما يمكن أن يتجلى للقارئ في نص (فزع مالح)، وفيه يتكشّف الأمر عن استعارة دائمة الحضور في النصوص الشعرية، ترتبط بالبحر وملوحته، حيث تبدو أستعارة ذات حضور دوري في مقابل النهر وعذوبته، وهي استعارة تتماس مع عنوان الديوان الذي يدخلنا دائرة دلالية كاشفة عن العطش نظرا لملوحة مياه البحر من جانب، وعن الخوف والتجذّر في الثبات خوفا من المجهول ارتباطا بدلالة البحر من جانب آخر.
وفي نصوص أخرى يأتي ضمير المتكلم ضميرا ساردا في النص الشعري، ليتمّ الكشف عن سوء التكيّف النسقي الذي يتوحّد مع أبدية أزلية، فإذا كان الأمر في النصوص السابقة قائما على المراقبة التي تدخل الذات بشكل أو بآخر داخل حدود المراقبة، فإنه في نصوص أخرى نجد أن هناك بوحا ذاتيا يتجلى بشكل مباشر، ليؤسس نسقا ممتدا للحيف والظلم اللذين يشكلان إطارا متكررا من معان متجاوبة متعانقة مثل البحر والملوحة والسبخ، وغياب النهر والعذوبة، ويتجلى كل ذلك واضحا في نصي (ملوحة روح) و(فزع مالح)، وفي نصوص أخرى عديدة.
فاعلية النسق أو الأنساق في النصوص الشعرية مشدودة دائما لفعل التجهيز المبكر التدريجي، فصلابة النسق أو الأنساق تتولد بفعل النمو المحسوب من بدايات الطفولة، ولكل مرحلة عمرية آليات ومسوغات لتمرير النسق وتجذيره داخل العقل. فالانضواء داخل النسق لا يولد بغتة، أو في مرحلة متأخرة من العمر، فالنسق- طالما أن هناك حرّاسا يحافظون على استمراره ووجوده- يتشكل وكأنه فعل أبدي أزلي، وله سلطة أو فاعلية أقوى من القانون، وتكاد تدخل به إلى مرتبة الديني، وإذا كان الصمت أو عدم القدرة على التمثيل يطلّ بوصفه نتيجة للاندحار تحت تأثير سطوة النسق، فإنه في نصوص أخرى تتجلى الكآبة- بوصفها نتيجة- محرّكا أساسيا في مقاربة العالم، ومناوشة ضخامته وبؤسه، فالأسى في نص (كآبة) ليس وليد المعرفة والوعي والإدراك، وإنما يمثل وجودا ملازما للذات بداية من الطفولة، فهو أسى وثيق الصلة بالروح التي تؤسس عزلتها، وتمارس حركتها داخل حيّز من الثبات.
وفي ظل حالة الثبات أو الحركة داخل سياق القصور الذاتي الساكن الذي لا يمنح مساحة للحركة إلا بقدر الإبقاء على الوجود والاستمرار، تأتي بعض نصوص الديوان كاشفة عن تأسيس مغاير للمتوقع والمستقر، فيلمح القارئ صورا مباينة للسائد، فالربيع- في منطق النص الشعري الذي يحمل عنوانه الاسم ذاته- ليس الربيع المعهود المرتبط بالخضرة، وعودة الحياة إلى الأشجار والفروع اليابسة الجافة بعد انتهاء الشتاء وذوبان الجليد، بل هو- على حدّ تعبير النص الشعري- موسم مناسب للرحيل. وبعد هذا السطر التقريري المشدود للغياب تتوجه حركة المعنى تلقائيا للاحتماء بصوت الذات، لتأسيس الخروج من النسق الموضوعي العام إلى النسق الذاتي الخاص.
تؤسس الذات حضورها الخاص من خلال تجذير الوجود المغاير لقدوم الربيع بنسقه المعهود، ودلالاته المتوقعة، يقول النص (سأكون الوردة التي جفّت مبكرة/ في أوّل الربيع/ وردة زاهية/ نضجت قبل أوانها/ لتسقط بهدوء/ على أرض مفروشة/ بالعشب الصغير). فالربيع في النص الشعري- في إشارته إلى الوردة/ المرأة/ الذات- ليس الربيع الذي يشكل بداية الدورة الحياتية، وبداية الخضرة والإنبات والإزهار، وإنما الربيع الذي يتوحّد بالخريف وصفرة النهاية، خاصة حين يتعلق الأمر بالوردة التي تسقط- كما تسقط أوراق الخريف- على العشب الأخضر في بداية ظهوره وسموقه من باطن الأرض. فالذات هنا التي تتوحد بالوردة تعاين فصلا آنيا مشدودا للربيع، ولكن روحها- لبؤسها وسوء تكيّفها- منتمية لفصل آخر، تراكمه وتجلبه في غير وقته، وهذ الفصل يقربها من النهاية أو الموت.
والنص الشعري- إمعانا في تشكيل حالة المغايرة عن السائد أو المتوقع- لا يكتفي بالإشارات السابقة، لكنه يؤسس في سطوره الأخيرة صورة تؤكد الدلالة أو المعنى ذاته، من خلال الإلماح إلى النمل، ودوره الفاعل في استحضار الموت. فالنمل المتكوّم يتكفل بحمل الوردة إلى قبرها، ويلمح النص الشعري إلى مساحات من التشابه بين النمل وظهره الزجاجي والمزهرية، فكلاهما يشكل قبرا للوردة التي تتماس وتتداخل بالنسبة لها لحظتا الميلاد والموت.
القصيدة القصيرة ونسق التأمل
تعتمد بعض نصوص الديوان خاصة النصوص القصيرة على دعامتين، الأولى تتمثل في الفكرة التي تنبع وتتشكل في إطار المراقبة والاختزان، والخروج من التلقي الذاتي للوعي بالأشياء المحيطة، للدخول بها إلى نسق جامع يؤسسها في إطار واحد. أما الدعامة الفنية الثانية فتتمثل في القفلة الفنية التي تحدث اهتزازا في التلقي المباشر للنص، وتجعل القارئ يعيد التأمل والمعاينة له مرة أخرى، وفق توجه جديد، فحين يعاين المتلقي الجزء الأول من نص (حياة) الذي يقول (أقدامي التي تؤلمني/ بعد أن أفيق من نومي/ هي أقدامي التي ركضت/ في مشاوير منامي/ حافية) يدرك أن هناك بوحا ذاتيا يكشف عنه، ويؤسس لوجوده ضمير المتكلم.
لكن هذا البوح الذاتي سوف يتعرض للاهتزاز وللشحوب التدريجي، وإن لم يغب نهائيا، ليتأسس مكانه رؤية مرتبطة بالحياة والوجود، وتتشكل إطاراتها في السعي الواقعي للوصول إلى الأهداف المتخيلة التي تشير إلى أن هناك مساحة واسعة بين الواقعي والمتخيل، فالواقع لا يستجيب بسهولة للآمال والأحلام، ومن ثم يأتي الحلم بوصفه الآلية الأقرب لردم الهوة بينهما، وحين يُحدث النص مغايرة في مرجعية ضمير المتكلم في القفلة الفنية النهائية للنص (هكذا قال لي المقعد/ مبتسما قبل أن ينام) فيشعر القارئ أن هناك وعيا يرتبط بالفكرة والمراقبة، لإصدار حكم يشمل الذات وغيرها، ويشمل البشري وغير البشري. فواحد من منطلقات الديوان يتمثل في إزالة الحواجز أو الفواصل بين الحي وغير الحي.
ففي بعض نصوص الديوان هناك حالة من حالات التماهي والتداخل والامتداد، في أطر وأشكال مختلفة، على نحو ما يمكن القارئ أن يدرك في نص (حياة شجرة) فالحياة تتجلى بشكل مغاير بداية من القطع/ الموت، في أصناف عديدة، فالطاولة والسرير والباب والنافذة والكرسي والإطار الخشبي، كلها امتدادات وتجليات تبدأ من موت الشجرة وقطعها، ذلك القطع الذي يشكل بداية دورة جديدة، أو معادلا للحياة وتحولاتها. وفي كل هذه التحولات هناك تداخل بينها وبين البشري الذي يعطيها الحضور الخاص والمختلف، ويشحنها بحياة تتجلى في دورة جديدة، فكلاهما يعطي الآخر ويأخذ منه، ويسقط عليه جزءا من وجوده وخصائصه.
فالدورات المتوالية بعد فعل القطع/ الموت، تؤسس وجودا جديدا، لكنه لا ينْبتّ عن الوجود السابق الخاص بالحياة والنضارة المرتبطة بالخضرة. وتأتي البنية النصية القصيرة في بعض النصوص فاعلة في انفتاحها على التأمل ومعاينة الوجود الآني، واستحضار الوجود السابق، حيث تُحدث تجذيرا للوجود الشعري داخل الفكرة الخاصة بإسدال التماهي بين دورات الوجود وتحولاته، فكل دورة تحمل حنينا لدورة سابقة، ففي نص قصير بعنوان (حنين) يقول (الإطار الخشبي/ المعلق على الجدار/ طواه الحنين/ فنما له غصن/ يذكره بما هو/ كلما ظنّ نفسه صورة) يدرك القارئ أن هناك توازيا وحنينا بين تجليات الوجود وطبقاته، وفي ذلك هدم للحواجز بين الحي وغير الحي باستحضار التاريخ السابق الذي لا يكفّ عن المشابهة والتداخل مع البشري وتحولاته من ثبات وسكون، إلى حركة وفاعلية.
والمتأمل لبنية النصوص القصيرة، يجد أنها- لانفتاحها على التأمل، ورصد الواقع المحيط الذي لا ينفصل عن الذات- تتوحّد مع الغياب بوصفه ضميرا ساردا، فالغياب في هذه النصوص يمثل الخيط الذي يلضم الدلالات والصور الجزئية المجهرية التي تتناسل بنيويا من خلال وسائل التمدد التي تكفلها اللغة، مثل الإخبار والوصف والتبعية، حيث تأتي معظم القصائد القصيرة مكونة من جملة واحدة، تتمدد جزئياتها من خلال سبل التمدد المعهودة، ففي نص (مبتلع الظلال) يلحظ القارئ أن النص يتشكل من جملة واحدة تبدأ (بالعاشق) الذي تتمدد صفاته بما أسدل عليه، ثم بالإخبار (هو رجل)، وتختم بالوصف (وقف ينتظرها تبكي). ففعلا المراقبة والرصد المشمولين بالسرد، لم يخلقا ترهلا بنائيا، فقد حافظ النص على بنيته المحكمة بالرغم من انفتاحه على عالمين مختلفين محاولا رصد مساحات تشابه بين نسقين متباعدين على المستوى الظاهري، تشابه يؤسس له الوجود الشعري النافذ، من خلال إشارته إلى الترابطات الخفية.
والاتكاء على الغياب في كتابة النص الشعري القصير، يحمل في بنيته نوعا من التمويه الفني، لأن النص الشعري يظل محكما في تغييب الظهور المباشر للذات، ويجعلها متوارية وراء أردية شفيفة، تكشف عن أزمة الذات، لكنه يظلّ كشفا مهزوز المرجعية، ومبتور الإحالة في إعلان إشارته وتطابقه مع الذات. وتظل مساحة الارتباط بين التكوينات النصية والذات متجلية في سياق من سياقات المطاردة، مهتدية في بعض الأحيان بتكرار هذه المعاني في نصوص أخرى. ففي نص (مرآة تحدّق في لوحة) ليس هناك سوى سرد بسيط يتعلّق بدلالات الألوان، قائم على بنية متوازية (كل أحمر دم)، و(كل أزرق غرق)، و(كل أسود عتمة)، إلى نهاية الدلالات المقدمة شديدة الذاتية للألوان، ويختم هذا السرد المتوازي المشدود للتغييب بسطور القفلة الفنية للنص القصير.
فحين تقول سطور القفلة الفنية محافظة على الغياب من خلال الحكي (عن مرآة تحدّق في لوحة/ تكبر مسابقة عقارب الوقت/ أنا العمر الذي ظنّ حياته/ لوحة في قبو متحف) يدرك القارئ أن النص لا يكتفي بقطع أواصر الارتباط بالذات من خلال تغييب وحيد، وإنما من خلال تغييب أول داخل تغييب ثان، الأول يتمثل في اللوحة من خلال فعل المراقبة، والثاني يتمثل في إسدال فعل لمراقبة بالمرآة. وجود الذات المتواري يتأسس من خلال معاينة دلالات الألوان التي برق له وجود في نصوص أخرى سابقة، خاصة إذا كانت هناك إشارة إلى الزمن وعقارب الوقت، فالمرآة التي تحدق في اللوحة، ليست سوى شاهدة على سيرة حياة في تطلعاتها وإحباطاتها، فهي شاهدة على هذه السيرة التي لا تحدق في الذات للوصول إلى بواطنها، وإنما تحدق إلى لوحة وحيدة في قبو، تحمل دلالات وإشارات كاشفة عن هذه الرحلة السيرية، من خلال حضور الألوان ودلالاتها.
ويبدو أن فعل المراقبة القائم على التغييب يشغل مساحة واسعة من نصوص الديوان، ولا شيء يدخل الذات- بعيدا عن فاعلية الاختيار والتركيز على عناصر مادية مشابهة في التهشم والتغضّن- سوى المشابهة في معان ودلالات سبق تأطيرها في نصوص عديدة من الديوان، وهو تأطير لا يكشف فقط عن مساحات التشابه، وإنما يكشف عن مساحات التوحّد بين الراصد والمرصود، والمراقِب والمراقَب. في نص (دورة حياة) هناك سرد عن النوافذ المهشمة التي تعرضت لتجارب عديدة بفعل عوامل التعرية والمناخ، واًصبحت أقرب إلى النوافذ المتآكلة البالية، ولكن عملية الاستبدال أو التماهي بين النافذة والذات، لا تتم إلا عير مراجعة الدلالات التي تفضي إلى التشابه، فحين يقول النص (كل النوافذ المهشمة/ هي نوافذ أتمت دورة حياتها/ في الحب والوجع/ في الوحشة والانظار)، يدرك القارئ أن فاعلية الاستبدال بين النوافذ والذات، تتشكل في حدود (الحب والوجع والوحشة والانتظار) وكلها صفات وثيقة الصلة بالكائن الحي الذي تنوب عنه النافذة بوصفها معادل مراقبة وانتظار. فالتهشّم الذي تسببه عوامل الجو والتعرية، يتم إلصاقه عن طريق فاعلية الاستبدال بالذات التي أصابها التهشيم الروحي، نتيجة لقسوة المرور بالتجارب، وللبون الشاسع بين حدة الواقعي وجهامته، وسطوة وحضور المتخيل النموذجي.
وحضور استعارة (النافذة)، وما تشير إليه من استبدالات وتماهٍ، حضور دائم التكرار في النصوص الشعرية القصيرة. فالنافذة في هذه النصوص معادل معاينة وترقب وانتظار للآمال وللمتخيل النموذجي، ووجودها مواز لوجود الذات، ودورتها الوجودية مشابهة لدورة الذات في تعلّقها بالقادم، وارتباطها بخضرة الانتظار التي قد تتشكل في شخص أو محبوب غائب، تتمنى أو تترقب حضوره، ولكن تكرار الغياب، واستمرار الانتظار يشكلان في هذه النافذة مساحة من الصمت المثقل بالغياب، والمفضي إلى الموت التدريجي، وكأنها تمثل إشارة مثقلة بذاكرة للغائبين الذين لم يحضروا في أوانهم، بالرغم من الانتظار. فحركة الستارتين في نص (ذاكرة نافذة) تكشف عن حضور مقترح للفاعلية بفعل الحركة والريح، والاستعداد للتحليق، بعيدا عن النافذة بتاريخها المثقل بالخيبات.
فهذه الحركة الكاشفة عن توهّم الفاعلية بالتحليق تقابلها حركة مناوئة من النافذة بالتذكير من خلال قولها في نهاية النص الشعري القصير (روحي ثقيلة/ بكل أولئك/ الذين ظنّوا أني عتبة الريح./ تخفق ساعتها الستائر/ كأعلام حزينة/ عند بوّابة مقبرة تاريخية). فالحياة أو الحركة النابضة من خلال الريح والستائر، لا تفلح في زحزحة الثقل التاريخي المتكرر لحالات الفقد السابقة، فإذا كانت حركة الستائر مقترحا لنزوع أو لتعلق جديد بحياة أو متخيل قادم، فإن الموت المؤسس بفعل التكرار يمارس دوره في كسر حدّة التعلق، ومن ثم الانضواء تحت سطوة الموت المترسب تدريجيا، وأصبحت الستائر مجرد بيارق حزينة تشير إلى الموت السابق لكل المتخيلات النموذجية التي مرّت بها الذات، وأسست وجودها الخاص. فالمقبرة التاريخية التي تحيط بها الستائر، وتكشف عنها بوصفها بيارق حزينة، ليست منوطة بأشخاص من لحم ودم، وإنما هي مقبرة لكل الآمال والتماثيل التي تصنعها الذات لنفسها ولغيرها.
تتمثل أهمية القصيدة القصيرة في هذا الديوان في انفتاحها على المراقبة، لتجذير نسق موضوعي عام، بعيدا عن الانحياز وسطوة حضور الذات من خلال ضمير المتكلم، وتتمثل أيضا في اعتمادها على بنية متلاحمة مشدودة لا تخلو من التوتر الدلالي، لكونها غالبا تتشكل في حدود جملة وحيدة، تتمدد بنائيا، بالإضافة إلى أن القفلة الفنية تجعلنا في غالبية النصوص نعيد قراءة النص مرة أخرى وفق توجه جديد، ووعي مختلف، للقراءة الأولى، وعي لا يتمسك بحدود المكوّن اللفظي، فهناك دائما في مثل هذه النصوص القصيرة، تجليات وإبدالات لصناعة المفارقة التي تطهّر إحساسنا بالعالم وخيباته المتوالية، وتجعلنا ندرك العالم إدراكا خاصا قادرا على الوعي بالتفسخات المحيطة.