عادل ضرغام

الأصوات السردية وتحولات اليسار المصري في رواية (قبل النكسة بيوم) للكاتب إيمان يحيى

غلاف كتاب الأصوات السردية وتحولات اليسار المصري في رواية (قبل النكسة بيوم) للكاتب إيمان يحيى
الأصوات السردية وتحولات اليسار المصري في رواية (قبل النكسة بيوم) للكاتب إيمان يحيى عادل ضرغام في لقطة ربما تكون كاشفة عن التناقض بين المتخيل والمتحقق، أو بين الهالة المصنوعة وزوال هذه الهالة بالـتأمل والتفكير لحدود فترة زمنية ظلت مؤثرة، وما زالت تمارس التأثير بإعادة المقاربة والدرس في تاريخنا المعاصر، من خلال مراجعة صور تم تنضيدها بوسائل عديدة لبعض النماذج لتصبح في بعض الأحيان خارقة للمعهود، وتندّ في كثير من الأحيان عن الطبيعي والواقعي. في لقطة لافتة يشير عبدالمعطي سلام الصحفي ذو الأصول اليسارية والقومية إلى رقم زنزانته (23) التي اعتقل بها لانضمامه لوحدة الشيوعيين عام 1966. فالثورة من خلال هذا التشابه في الرقمين (23 يوليو)- تباينا مع تجليها المثالي وارتباطها بآفاق العدل والحرية- أصبحت من وجهة نظره بابا لتعميق قمع الحريات والدكتاتورية وسيطرة وهيمنة الصوت الواحد الذي يقضي على صاحب كل صوت تظهر من خلاله شبهة المعارضة. لا يخفى على قارئ الرواية انتماء الكاتب لليسار، وإن ظل هذا الانتماء فكرة مثالية، وقد ظهر جانب من هذا الاهتمام في روايته (الزوجة المكسيكية)، حين توجه في أجزاء منها إلى مناقشة طبيعة اليسار، ومشروعية وجوده، وحتمية استمراره، بوصفه فكرة مختزنة، وبحثا دائما عن العدالة والحرية، يتجلى عملها آنيا في مراقبة الأمل في أسى شفيف، دون أن يكون له قدرة على الفاعلية والتأثير. فالكتابة عن اليسار المصري وعلاقته بالسلطة وانتصاراته وهزائمه وغياب فاعليته محط اهتمام الكاتب، بل يمكن القول بغير قليل من الاطمئنان بوجود الفكرة ذائبة في أعماله حتى يشعر القارئ أنها المحرك الأساسي للكتابة، وتبدو المدخل الأكثر حضورا لمقاربة أعماله. في الرواية هناك محاولة كشف وتعرية لبعض النماذج الذي ظل وجودها مُطْبقا مزدانا بمهابة لفترات طويلة، فهي- بسبب القدرة على فن صناعة النموذج- أقرب إلى أنصاف الآلهة، وفي أحيان أخرى حين تزول محاولات الصناعة والتزويق تصبح أقرب إلى صورة واقعية عادية، يرتبط بها ما يرتبط بالآخرين من أمراض مستعصية ومستمرة في تشكيل هوية الإنسان العربي، خاصة في استمرار النسق الفاعل بين الحاكم والمحكوم. يتجلى ذلك في ثنائية النظرة تجاه عبدالناصر وتوزعها بين (نصف إله) و(شيطان رجيم)، فبالرغم من انتماء معظم الشخصيات الساردة في نص الرواية (كريمة إدريس)، و(حمزة النادي)، و(عبدالمعطي سلام) إلى معسكر مؤيديه، إلا أنها سرعان ما تصحو على واقع أليم، تقوم فيه الشخصيات بمناقشة موضوعات ذات جدل مستمر تقدم غالبا على أنها أخطاء كارثية مثل حرب اليمن، وثبات التراتب الطبقي الذي قامت الثورة لتذويبه من خلال ولادة طبقات جديدة تحل مكان الطبقة التي قضت عليها الثورة، والقبضة الأمنية وأذرعها المعروفة في تلك الفترة، بالإضافة إلى آلية التعامل، في التخلي عن الهدف الأساسي والانشغال عنه بما هو سطحي وذاتي وبعيد عن المهمة المنوطة بكل شخصية. أفكار صلاح عيسى هي الأفكار الأكثر حضورا في الرواية، فرؤيته الناقدة والمخلصة- فضلا عن تلبسه في أجزاء كثيرة من نص الرواية بواحد من الأصوات السردية- هي الأكثر حضورا في تأطير وجهة النظر، خاصة مقالاته في مجلة (الحرية) منبر القوميين العرب التي جاءت بعنوان (الثورة بين المسير والمصير)، واستخدامه كلمة (ظاهرة) بدلا من (ثورة) للإشارة إلى ثورة يوليو، مما يوجه النظر إلى رؤية ناقدة لا ترضى بالتسليم بالشائع أو المصنوع، فهي- ربما انطلاقا من مفهوم اليسار في تجليه المثالي بوصفه المكان المقابل والمباين للسلطة حتى لو كانت في مجملها جيدة- تعيد المساءلة مشيرة إلى التباين الواضح بين المتخيل النموذجي والمتحقق الفعلي من منطلقات الثورة ومبادئها، موجهة إلى أماكن الخلل التي بدأت تتكون في إطارها. الأصوات السردية/ فواصل الخراب البناء في الرواية قائم على أصوات تروي الوقائع المتداخلة من لحظة آنية في ثورة 2011م بالرغم من اختلاف أماكن السرد بين القاهرة ونيويورك، مع وجود ذاكرة منفتحة على الماضي البعيد، وهذا التوجه الكتابي يجعل كل صوت يمارس نوعا من القراءة والتحبيك الخاص بالسلوك بمجمل التحولات واضعا إطارا من التبريرات المقنعة لحركته السردية وسلوكه وردود أفعاله دفعا للمساءلة، والتملص من فكرة التخلي عن المبادئ المثالية. فكل صوت سردي في تحبيكه السردي يحاول تلمس العلل والأعذار لتأويل التحول أو البعد عن النمط المثالي اليساري. وكل صوت سردي من هذه الأصوات السردية الثلاثة (كريمة إدريس- وحمزة النادي- وعبدالمعطي سلام) يشكل إطارا سرديا يجمع الخاص والعام، فكل صوت يقدم سيرة سردية ذاتية لا تفصل الذاتي السردي عما يرتبط به من سياقات عامة قد تكون قاهرة ومربكة في زلزلة اليقين ونمو الشك، مثل تجربة السجن مع حمزة النادي، أو الأعراف الاجتماعية للنوبيين مع كريمة إدريس. وتبدو نتيجة السياقات العامة مشدودة لسحق الذات وضياع الحلم الفردي والجماعي، والاستيقاظ من نعومة الحلم إلى خشونة الواقع الذي لا يستجيب. وقد أفاد انطلاق الأصوات الساردة في مجملها من مثير آني متمثل في ثورة 2011م، وارتدادها إلى الماضي البعيد إلى ما قبل النكسة بسنوات، في محاولتها إسدال نوع من المشابهة غير الكاملة من جانب، ومن جانب آخر يمكن أن يكون هذا الربط نوعا من محاولات الانتساب والتأثير، فاليسار المصري بالرغم من غياب أثره الفاعل في العقود الأخيرة في مقابل التنظيمات الأخرى ذات المسوح الدينية، يحاول أن يثبت أن لقطة الثورة في 2011م لم تأت وتتولّد فجأة، فقد سبقها جهاد طويل، فمن وجهة نظرهم ما كانت لتتم أو توجد إلا من خلال معاناتهم السابقة، وأن الجهود الخاصة بالحلقة الآنية سبقتها حلقات ومراحل نضال طويلة. تتماس رواية (قبل النكسة بيوم) مع رواية (ميرامار) لمحفوظ، ليس بسبب تصديرها باقتباسين لساردين من الأصوات السردية الأربعة في رواية محفوظ، وإنما لأسباب عديدة، ربما يكون أهمها متمثلا في كونها رواية أصوات، وهذه الأصوات حين تقدم سردها تكشف عن عمق التباين بين الحقيقي والزائف، وبين الثوري والانتهازي، وبين من يقوم بالثورة ومن يجني ثمارها مكوّنا طبقة جديدة. ففي رواية محفوظ هناك مجموعة من الأصوات السردية، هي على الترتيب: عامر وجدي، وحسام علام، ومنصور (باهي)، وسرحان البحيري. أما في رواية إيمان يحيى فهناك الرواة الثلاثة حسب مساحة التحكم والسيطرة في عملية السرد: كريمة إدريس وهي الشخصية الأكثر حضورا والصوت الذي يمارس دوره في تشكيل وإكمال المتفلت من الأصوات الأخرى، فبها يبدأ السرد، وبها ينتهي، وقد حضر صوتها مسيطرا ومهيمنا على التحكم السردي في ثمانية فصول، بينما حضر صوت عبدالمعطي سلام في ستة فصول، وصوت حمزة النادي في خمسة فصول. لم يغيّب إيمان يحيى صوت كريمة إدريس كما فعل محفوظ مع زهرة في (ميرامار) وإن ظلت زهرة في رواية محفوظ صاحبة الحضور الأقوى، وذلك لاختلاف شبكة دلالات الرمز مع كل شخصية طبقا لتوجه كل كاتب، فمحفوظ كان ينطلق من رؤية علوية جامعة تقارب كل الفصائل المتاحة لحظة الكتابة، بينما يقارب إيمان يحيى المسألة (ثورة يوليو والتوزع في النظر للفترة الناصرية) من منطلق أيديولوجي يعنى باليسار وفاعليته. فزهرة في رواية محفوظ ربما تكون أقرب لرمز يتوحد بالوطن يظل دافقا وحاضرا داخل الشخصيات على اختلاف تكويناتها الأيديولوجية والأخلاقية، ولكن كريمة إدريس تمثل الوجود الفطري والمثالي لفكرة اليسار بشكل عام، تلك الفكرة التي تلحّ مع كل خروج، فقد تختفي ويقلّ وميضها، ولكنها تظل موجودة كامنة تنتظر أي حركة تتساوق مع مبادئها ومنطلقاتها المثالية، ليظهر لمعانها من جديد. ولكن الكاتب مارس تغييبا لصوت الصيرفي، وجعل حضوره مرتبطا وداخلا في تحبيك الآخرين، وهو يمثل الوجه المثالي لليسار، وفي نص الرواية كثيرا ما يشير إلى الثورة في 2011م بوصفها حلما عاش حياته وناضل من أجله، فالصيرفي يمثل المرآة التي ترى فيها كريمة إدريس- بعيدا عن منظر الثورة عبدالمعطي سلام صاحب الفكر والباحث التاريخي، وعن الشخصية الحركية الفاعلة حمزة النادي- وجهها المثالي، فكلاهما شخصيتان تحولتا في النهاية إلى فكرة تشير إلى حتمية وجود اليسار، فليس هناك- في منطق الرواية من خلال بنائها ودلالاتها- مجتمع يمكن أن يخلو من اليسار بوصفه فكرة تظل دائمة الإشارة إلى خلل ما، حتى لو كان ذلك المجتمع مثاليا. ومن هنا يبدو أن حضور اقتباسين في مفتتح الرواية على لساني (منصور باهي)، و(سرحان البحيري)، حيث يمثل الأول الوجه الحالم والمثالي للثورة ويصاب بانتكاسات صحية حين تخرج عن الخط النموذجي المرسوم، ويمثل الأخير الانتهازي الذي يجني ثمار الثورة، يشكل طبيعة العمل الروائي، ففي تجلي شخصيات الرواية- حتى في نماذج اليسار- نجد ذلك التوزع في مآلات كل شخصية، وتوزعها إلى اتجاهين أو إلى ثلاث اتجاهات. فعودة إيمان يحيى إلى سرحان البحيري ومنصور الباهي تؤسس خطا نقديا لإعادة النظر إلى الثورة ورهانها الخاص بالعدالة والحرية وهدم الفوارق الطبقية. تتشكل العوالم السردية من خلال الأصوات السردية الثلاثة، فكريمة إدريس تمثل الصوت الأكثر حضورا، ويشكل وجودها تحبيكا خاصا لفكرة النمذجة في الصوت السردي، فقد شكلت تشكيلا خاصا من خلال ملفوظها الاعترافي الذاتي، فهي ابنة بواب من النوبة تم تهجير أسرتها أكثر من مرة، مرات أيام الملك ومرة في عصر عبدالناصر، حتى استقر بهم المقام في أعلى عمارة بشارع قصر النيل. وقد مارس النص الروائي تحبيكا به نوع من التشكيل الخاص لهذه الشخصية من ناحية الانتماء إلى الطبقة الدنيا، والتطلع إلى المستقبل من خلال الإيمان بالمبادئ الاشتراكية والصورة المثالية المصنوعة للرئيس، فهي على حد تعبير حمزة النادي( من الذين قامت الثورة- ثورة يوليو- من أجلهم). يتساوق مع هذا التوجه في تحبيك الشخصية اختيارها عضوا في منظمة الشباب الاشتراكي، ويتمّ دعوتها لحضور الاجتماعات، ودورة إعداد القادة التي يحضرها عبدالناصر، وتقابل نائب رئيس المنظمة حمزة النادي، ويعيشان قصة حب ويحاولان الانتصار على الأعراف الاجتماعية البالية، ولكنهما يفشلان، فيبدأ الشك يطال كل اليقينيات على المستوى الفردي والجماعي. فمع كريمة إدريس تتوحد المعوقات السياسية (سجن وتعذيب حبيبها حمزة النادي، فقد أفقده الإيمان بالوطن وفكرة النضال واليسار، ومن ثم التحول للنقيض)، والأعراف الاجتماعية للنوبيين التي ترفض زواج الفتاة النوبية من خارج إطارها الباحث عن نصاعة الأصل، فيحدث الانكماش والموت للأحلام على كل المستويات السياسية والعاطفية، ويتوحد الذاتي بالعام، حتى في لحظة الكمون الطويلة، فلا يطل وميضها إلا مع ثورة 2011م. فهذا الارتباط الطويل من بداية الوعي بمنظمة الشباب الاشتراكي بداية الستينيات من القرن الماضي كفل لشخصية كريمة إدريس وعيا سياسيا خاصا، في ردها على حفيدها في رفضه توريث الحكم لابن مبارك، وإشارتها إلى إرث من نوع خاص، ولكنها بالرغم من ذلك الوعي ظلت مشدودة للمثالي الساذج، تقول الرواية على لسانها في الفصل الأخير( أحمد طفل بريء يذكرني بسذاجتي في الستينيات، في الحقيقة ما زلت أحتفظ ببعض سذاجة براءة حتى الآن. ما الذي يجعلني أخرج للشوارع متظاهرة؟). مع الصوت السردي الثاني الذي يمثل المرتبة الثانية في السيطرة على حركة السرد، فالقارئ أمام اعتماد الكاتب على شخصية ذات حضور محوري في الثقافة المصرية، وفي الفكر اليساري المصري، فشخصية عبدالمعطي سلام تعتمد في مستواها المثالي والأولي على شخصية صلاح عيسى من خلال سلوكه وتمسكه بمبادئه وإبداعه البحثي في مجال التاريخ. فجزء كبير من التحقيقات التي أجريت مع الصحفي عبدالمعطي سلام بعد القبض عليه لارتباطه بوحدة الشيوعيين يتماس مع كتابات صلاح عيسى نفسه في الجزء الأول من كتابه (مثقفون وعسكر)، فهناك إشارات دامغة على أن إيمان يحيى اعتمد على هذا الكتاب في بناء شخصية عبدالمعطي سلام في تجليها المثالي، بداية بسؤال المحقق عن علاقته بكمال رفعت أو أنور السادات، أو علاقته بالفكر الصيني، أو إقرار الضابط المسئول عن التحقيق بتفاهته كما جاء في نص الرواية ونص كتاب صلاح عيسى. ولكن الشخصية الروائية في تحبيكها- وإن انطلقت من شخصية واقعية، وظلت مشيرة إليه- تغادر هذا الواقع، ولا تبقي إلا على ملامح خافتة، فالرواية ليس من ضمن أهدافها الأساسية الحديث عن صلاح عيسى الشخص، وإن ظل حاضرا برؤيته، ولكنها مهمومة برصد اليسار في بعض نماذجه التي ظلت محافظة على وهجها في فترة ما، ويحدث لها نوع من التخلي لا يرتبط بشخصية صلاح عيسى، وإنما بنماذج أخرى متاحة، وتغيب صورة المجموع في إطار هذا التخلي بوصفها المنطلق الأساسي لاهتمام اليسار، وتحل محلها صورة الذات وانحيازاتها ومخاوفها، وهي الصورة التي ظلت فاعلة في التشكيل النهائي والأخير لعبدالمعطي سلام. مع الصوت السردي الأخير ومن خلال التحبيك الذاتي لتخليه واختياراته يجد القارئ نفسه أمام شخصية (حمزة النادي)، وهي تتماس مع شخصية واقعية هي (سمير حمزة) المسئول عن حركة القوميين العرب في مصر، وأهم أعضائها جورج حبش، وغسان كنفاني، وأحمد خليفة، وبلال الحسن، ومحسن إبراهيم. فبعد مفاوضات السلطات المصرية مع الأخير اتفق الطرفان نظرا للتقارب بينهم وبين عبدالناصر في التصدي لهيمنة إسرائيل والتوجه الإمبريالي، وخاصة بعد الوحدة مع سوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة، على حلّ الوجود القطري للقوميين العرب في مصر، على أن ينضم أعضاؤه إلى منظمة الشباب الاشتراكي. تبدأ الرواية في تحبيكها لشخصية حمزة النادي من لحظة التخلي، وهو يرصد ثورة 2011م من خلال عمله في شركة ماكنزي بنيويورك في تحليل البيانات والسياقات وتحولاتها في الشرق الأوسط، وهي شركة لها علاقات منفتحة على الأفق السياسي، ويعاود الإشارة إلى ماضيه بعد أن رأى صورة كريمة إدريس حبيبته السابقة في ثورة 2011م، فيدرك القارئ عمق التحول الذي يصيب بعض الشخصيات المؤمنة بالفكر اليساري، نظرا لقسوة الظروف التي مرت بها، فتتحول من النقيض إلى النقيض، فقد تعرّض لتجربة اعتقال وهو واحد من المدافعين عن النظام، ربما بسبب الصراع بين أدوات السلطة، وربما بسبب الصراع مع منافسه في منظمة الشباب حسين كامل بهاء الدين طبيب الأطفال، أو ربما ارتباطا بسيناريو وهمي- على حد تعبير صلاح عيسى- صنعته عقلية النظام التي كانت سائدة في أجهزة الأمن، وسمي فيما بعد (محاولة اليسار المتطرف التسلل إلى الاتحاد الاشتراكي، والتمركز في جناحه الشبابي)، ومن ثم تم التعامل معه بعد خروجه من المعتقل على أنه داخل دائرة الشك، فهاجر إلى الكويت ومنها إلى أمريكا. في تجذر الرواية في منحاها النقدي من ثورة يوليو ومآلاتها، ومن الفترة الناصرية بشكل عام، يتشكل سياق عام لابتعاد خطواتها عن الخط المرسوم فيما يخص المنطلقات الأساسية التي قامت الثورة من أجل تحقيقها، ولهذا بنت الرواية جزءا من إطارها النقدي على الفواصل الوثائقية بين الفصول السردية تشير من خلالها إلى سياقات كاشفة عن الانحرافات التي يمكن أن يلاحظها المراقب المتأمل. وقد استخدمت هذه الآلية السردية من خلال رواية (ذات) لصنع الله إبراهيم، ولكن هناك نوع من المغايرة بين الروايتين، ففي رواية ذات هناك إصرار على إثبات نوع الوثيقة وصورتها، لأنها في معظمها أخذت شكل واحدا يرتبط بأخبار الصحف، أما في رواية (قبل النكسة بيوم)، فهناك تنوع في انفتاح الوثيقة على مجالات ووسائط عديدة، بالإضافة إلى كونها لا تلزم نفسها بالإشارة إلى المصدر في كل الفواصل، ففي الأولى هناك نوع من المصداقية والموثوقية، وفي الأخرى هناك- وإن لم يؤثر ذلك على مشروعيتها وموثوقيتها- انفتاح على المتداول والمحكي والمصنوع. فواصل رواية إيمان يحيى تمثل إنعاشا للذاكرة التي يمكن أن تكون ساكنة لحظة القراءة، ونوعا من المراودة في الإقناع بينه وبين القارئ، وعدم إثبات المصدر يجعلها منفتحة ومرتبطة بالتحبيك السردي المشدود لوجهة النظر الأيديولوجية في إهمالها لحوادث، وتركيزها بالضرورة على حوادث معينة أخرى تخدم توجهها. فالفواصل في النص الروائي اختيار، ولا تتوجه نحو السياسي فقط بصراعاته مثل تفكير عبدالناصر في عزل المشير قبل النكسة بفترة طويلة، أو تآمر عبدالحكيم عامر وشمس بدران على عبدالناصر أثناء وجودهما في روسيا، ولكنها تتجه نحو الاقتصادي والاجتماعي، لأنها معنية بتقديم سياق عام مشدود لانحرافات تصنع سياقا عاما ناتجا عن القرارات الخاطئة، مثل حرب اليمن، وأثرها على الاقتصاد وأزمته، ومن ثم نجد فاصلا عن الزيادة التي لحقت بأسعار احتياجات الإنسان من مأكل وملبس، أو نجد فاصلا عن استمرار الإقطاع ومقتل صلاح حسين، أو فاصلا يتخطى حدود السياق المصري للسياقات العربية المعقدة، وارتباطها بالتناحر والخلاف، مثل الفاصل الخاص بمؤتمر القمة العربية الثالث في الدار البيضاء، وتسليمها لشريط الجلسات مقابل تسلمها للمناضل المهدي بن بركة. تتجلى قيمة الفواصل في مكانها البنائي، فهي بوجودها بشكل ظاهر عن المتن تشير إلى نتوء ظاهر يستوجب الانتباه والعناية بحركة المتن الروائي، والنظر بجلاء إلى انحراف حاد عن المعلن، في إشارة دالة للخراب القادم، فابتعاد المؤسسات المنوط بها الحماية للانخراط في أشياء جانبية في ارتهاناتهم البسيطة -مثل النساء والرياضة- يؤثر على طبيعة عملها بشكل جذري، وإلى عدم الوعي بقيمة وقداسة الأمانة التي حُمّلوا بها. زلزلة اليقين وتحولات اليسار ونماذجه تتعدد مساحات التحبيك ووجهة النظر في النص الروائي، من الوقوف عند نماذج بعينها لوضعها في بؤرة التركيز والاهتمام، وفي بعض الجمل الدالة التي تكشف عن حضور المؤلف، وذلك حين تتكلم الشخصية كاشفة عن وعي تجريبي أكبر من حدودها الثقافية، مثل تعليق إدريس البواب على انضمام ابنته إلى منظمة الشباب الاشتراكي (على الله ما يشغلوك جاسوسة على زمايلك)، فهذا وعي يرتبط بالمؤلف الذي يتسرب بهدوء داخل النص. القارئ للرواية يدرك أن الشخصيات الثلاث التي تملكت ناصية السرد وجدت في وضع مأزوم على مستويات عديدة، منها ما هو سياسي قمعي، ومنها ما هو اجتماعي لا يخلو من قهر لا مخرج منه أو هروب، ومن ثم تتبدل أحوالها من الإيمان بالفكرة من القبول والتسليم والانبهار إلى الشك بها والتخلي عنها بدرجات متفاوتة، ولكل شخصية من الشخصيات طريقتها في تبرير سلوكها من خلال تحبيكها الخاص في تصدير زلزلة يقينها، والاحتماء بسياج ساتر يبعدها عن الاندماج في الأحداث أو التورط في المشاركة فيها، وربما يضاف إلي هذه الشخصيات شخصية أخرى، ظل صوتها مغيبا، ولكنها ظلت حاضرة بوصفها مرآة تقيس من خلالها بعض الشخصيات مدى ابتعادها أو اقترابها من النموذج المثالي، وهي شخصية الصيرفي. ويمكن أن نشير إجمالا إلى أن النص الروائي أشار إشارات لافتة إلى بداية تولّد الشك لدى هذه الشخصيات بشكل عام، من خلال التباين الواضح بين المعلن والحقيقي أو الفعلي، يتجلى ذلك في بداية تشكل طبقة طفيلية رأسمالية جديدة في مصر من أعضاء مجالس الإدارات وكبار العسكريين والمقاولين، وهو الموضوع الذي أثاره مبتعثو فرنسا في لقاء الرئيس بالمبتعثين بالأسكندرية، وهم كما حددت الرواية السيد يس، وحسن حنفي، وحسام عيسى، ورشدي راشد. وجود هذه الطبقة في النصف الأول من عقد الستينيات من القرن الماضي يبعث على الشك بمنظومة القيم التي قامت عليها الثورة، ويمكن أن يضاف إليها مرشدات دالة أخرى في السياق نفسه، مثل موضوع الفيلات الموجودة في شارع نهرو المغلق بجوار حديقة الميرلاند، أو آلية التعامل مع نقيب الأطباء رشوان فهمي الذي يعزل من منصبه ويفصل من جامعة الأسكندرية، لأنه دافع عن القصر العيني، مما يفضي إلى غياب مفهوم الحرية، بالإضافة إلى استمرار الإقطاع ومقتل صلاح حسين بقرية كمشيش بالمنوفية. فالرواية في نقدها للحقبة الناصرية تحاول تعرية المتخيل النموذجي، فكل محاولة لتثبيت مدرج خاص للقيم تتولد معه ظواهر تحرف وجوده، وتفرغه من مضمونه، فالإقطاع موجود بشكل أو بآخر، والقضاء على الطبقة في العهد الملكي أفضى إلى وجود طبقة جديدة. تتشكل حدود كل شخصية في كل مرحلة زمنية بمن حوله ودائرة أصدقائه، وهذا مهم في معاينة طبيعة التحول الذي أصاب عبدالمعطي سلام في طوره الأخير، تبدأ الرواية من لحظة النهاية بوصفه مدير مكتب صحيفة كويتية يطل من نافذه على ميدان التحرير أثناء ثورة 2011م، وهو وضع خاص كفل له أن يتعامل مع الثورة بكثير من الحيطة والحذر. فالتحولات أو زلزلة اليقين تبدأ من حساب ردة الفعل، ومساحة الربح والخسارة، ففي لقاء الرئيس بالمبتعثين يتشكل أمام عينيه مانشيت صحفي (جيل الثورة يتمرد على قيادتها)، ولكنه يردف ذلك بقوله (ولكنه مانشيت يستحيل أن ينشر هذه الأيام). مع عبدالمعطي سلام في صورته الأخيرة هناك تخلٍ بالتدريج عن الحلم، وعن الارتباط بالمجموع، يقابله تورط أكثر في هموم الذات، فهو لا ينحاز إلى الثورة في 2011م، قبل أن يحسم الموقف، لخشيته أن يقتصوا منه بعد ذلك، وربما تساوقا مع الموقف الرسمي للجريدة الكويتية، وحين نزل إلى الميدان ارتدى نظارة شمسية حتى لا يعرفه كثيرون، بالرغم من تيقنه بأن الأمور قد حسمت وأن النظام يترنح، فالخلاص الذي كان خلاصا جماعيا دون حساب منطق الربح والخسارة في ارتباطه بأصدقائه في شقة العجوزة أمثال سيد حجاب والأبنودي وسيد خميس وعبدالرسول أصبح خلاصا فرديا. وهناك أسباب عديدة لهذا التحول، ربما يأتي في مقدمتها تجربة الاعتقال في عام 1966م في قضية وحدة الشيوعيين، ومنها أيضا زوجته الأولى التي كانت دائمة التنبيه عليه أن يقف عمله عند حدود المنظر الفكري من خلال كتابة المقالات والأبحاث التاريخية، فقد تتحول بعض الشخصيات وفقا لنسق التحبيك السردي إلى عامل مساعد لسيادة اختيار على آخر، ويمكن الإشارة هنا إلى مكان السكن في كل مرحلة، ففي مرحلته الأولى تأتي السيدة زينب بوصفها مكانا يشكل التحاما بالمجموع، ولكن في مرحلته الآنية تأتي شقة الزمالك كاشفة عن النزوع والخلاص الذاتيين. التحول مع عبدالمعطي سلام تحول جزئي، لا يمنعه من معاينة ومعاقرة الحلم مرة أخرى والارتباط به، ولكنها معاينة الآمن الذي يبحث عن خلاص فردي، يكفل له عدم التورط، فهذه المعاينة أو المقاربة لا تخلو من حنين. ولكن التحول مع حمزة النادي ربما يكون التحول الأكثر ابتعادا وتنافرا وتباينا مع الماضي، وسنجده يعاين المسألة المصرية في مدينة نيويورك ويشخصها، وكأنه بعيد ومنفصل عنها، فهناك مساحة من الموضوعية والتجرد، وليس هناك مساحة للانتساب سوى فعل التذكر لماض بعيد، دون أن يكون لذلك الماضي أثر على الرؤية أو وجهة النظر في مقاربة الحالة. الإشارة إلى الموطن الحالي لحمزة النادي إشارة أولى للتحول، ويمكن اعتبارها نوعا من التحبيك السردي المقصود، للانتقال من معسكر إلى مقابله ومباينه، من الاشتراكي إلى الرأسمالي، وما يصاحب ذلك من تحولات في بنية العقل وطريقة التفكير، وهو تحول لم يتم في نقلة واحدة، وإنما تمّ على مراحل حتى تذوب حدة المفارقة والتباين، فهناك تركيز على حدود الزوجة (جين) والولدين، وفي ذلك حضور للبرجماتي الذاتي في مقابل الاشتراكي الجمعي. فردود أفعال الشخصيات على الهزيمة وزلزلة اليقين متباينة من شخص إلى آخر، ويأتي حمزة النادي ليتحول إلى الإيمان بالنقيض الرأسمالي، وبالوسيط الذي يمارس عملية التجهيز والتهيئة لهذا التحول، لانتقال الفاعلية والتأثير من سياق إلى سياق. هذا التحول لم يتم في نقلة واحدة، ولكنه تمّ على مرحلتين، المرحلة الأولى الانتقال أو السفر إلى الكويت، وفي المرحلة الثانية الانتقال من الكويت إلى العمل بشركة عالمية بنيويورك. وربما كانت تجربة الاعتقال والسجن والتعذيب التي مرّ بها في سجن القلعة سببا أساسيا في ميلاد التحول، وفي إدراك التناقض الواضح بين المعلن والواقعي بالفعل، تقول الرواية على لسانه (عندما خرجت في منتصف شهر مايو 67 بفضل وساطة من قادة القوميين العرب، أدركت أن الكثيرين من عائلتي قد عانوا الكثير في غيابي. عندما التقيت كريمة أحسست أن عواطفي عاجزة، نفدت قدرتي على العطاء). في المرحلة التالية تأتي علاقته بباولا، وهي- على حد تعبير نص الرواية- واحدة من صائدي الرؤوس، سببا في التحول الأخير نحو المعسكر المقابل، ويمارس السرد تبريرا لهذا التحول من خلال الحديث عن الحلم المجهض الساذج بالعدل والحرية والمساواة، وبالقدرة على تغيير العالم والانتصار على الرأسمالية، ومن خلال التعذيب وزلزال الهزيمة، وجهامة الدكتاتورية، تقول الرواية على لسان حمزة النادي مصورا بداية الخروج (لم يعد هناك شيء يربطني بالبلد، مشروع سياسي آمنت به فظهر سرابا خادعا، كان الخروج هو الحل). ربما تظل كريمة إدريس- يالإضافة إلى شبيهها المقابل الصيرفي الذي شكل مرآة لعبدالمعطي سلام في صورته المثالية الأولى- الوجه الثابت الذي يختزن مبادئ اليسار في مثاليتها ونبلها، ربما لكونهما لم يتعرضا لتجربة الاعتقال أو السجن، فقد ظلا على صفائهما وإيمانهما بالفكرة حتى في اللحظات التي تقتضي توجها مغايرا لدى البعض، تقول الرواية على لسانها أثناء الثورة (خلعت عن أحمد البلوفر، وأعطيته لمجند كان يرتعد. لم أعرف هل كان يرتعد من البرودة أم من الخوف، أخرجت من جيبي نقودا، وأعطيتها للجنود المساكين، عسى أن يجدوا وسيلة مواصلات إلى قراهم الفقيرة والبعيدة). ولكن التحول الذي أصاب كريمة إدريس يتشكل في حدود الانكماش والابتعاد الناتج عن إدراك التباين أو التناقض، ولكن الفكرة تظل خامدة مغطاة بالرماد، ويظهر وميضها مع أول مثير ينفض عنها غبارها، ففي وقوفها أمام صورة عبدالناصر، وتوزع نظرتها من النقيض إلى النقيض- وهي صورة شبيهة بتوزع بطل بهاء طاهر في رواية الحب في المنفى- هناك وعي بحجم التناقض، ولكنه تناقض لا يقضي على مشروعية الفكرة في مثاليتها، تقول الرواية على لسانها (نظرت إلى صورة عبدالناصر المعلقة على جدار الغرفة بطرف عيني. كان يبتسم ابتسامته الحنونة التقليدية، ولكنني وقتها أحسست أنه شيطان مخادع). وفي ظل ذلك التشابه يبدو التوحد الذي ظهر في نهاية الرواية - بينها وبين الصيرفي- كاشفا عن مشروعية الفكرة ومشروعية الحلم في توالده المستمر مشكلا بداية جديدة للحركة.