عادل ضرغام

أحادية الصوت والبنية التكرارية في القصيدة العمودية

غلاف كتاب أحادية الصوت والبنية التكرارية  في القصيدة العمودية
أحادية الصوت والبنية التكرارية في القصيدة العمودية عادل ضرغام القارئ المتأمل لاتجاهات وأشكال الشعر العربي يجد تجاورا مستمرا بينها، وهذا التجاور اللافت للنظر يقلّم على المدى البعيد حدة الخروج والتطور، فيؤثر عليها سلبا، لأن هذه الأشكال تصل إلى صيغة تعاضدية تآزرية، فتمنح الأشكال القديمة الشكل الجديد جزءا من نمطيتها، وقد يستجيب الشكل القديم للآليات التي جاء بها وخلقها الشكل الجديد، ويغيّر من ذاته باستمرار، وفي إطار ذلك يتولّد شيئان: الأول يتمثل في أنه ليس هناك شكل قار ونهائي للشعرية العربية، وإن كان هناك شكل أكثر قدرة على الإمساك بالشعري، والأخير يتمثل في انتفاء جزئية التعاقب ليحلّ محلها التجاور. وهذا يجعل الوقوف عند شكل إبداعي في الشعر العربي في اللحظة الآنية وقفة لها ما يبرّرها، خاصة في ظل سيادة بنية إبداعية أو نسق أصبح مغلقا على نفسه، يستجيب للصوتي والنمطي المتداول بين شعراء النسق، في سياق عزلة دون امتحانه في حضور الأشكال الأخرى. يدرك القارئ أو المستمع إلى القصيدة العمودية أنها في مأزق حقيقي، وأنها تعاني من مشاكل حقيقية، يتمثل أهمها في دورانها في نسق إبداعي قائم على تقليد البنية القديمة، فبعض هؤلاء الشعراء يظلون مشدودين لنمط ثابت، سواء تجلى ذلك في الإطار العام أو في مجموعة الصور والأخيلة الجزئية المجهرية. وكثير من هؤلاء الشعراء طلبا للتجديد وارتباطا بآليات خاصة للتلقي الشفاهي الجماهيري توجه في إبداعه الشعري إلى نمط قائم على جمع المعاني والدلالات المصحوبة بالقفلة الفنية التي يوجبها ويطلبها التلقي الشفاهي. القصيدة العمودية تفقد في ظل هذا التوجه الإبداعي شيئا من بنيتها الهارمونية، لأن توجّهَ هذه القصيدة في تلك اللحظة لن يكون مرتبطا ببناء بنية، بقدر ما يكون مهموما بترقب دلالات القفلة الجماهيرية التي يمكن أن تكون مقنعة بشكل لحظي، ولكن حين ننظر إلى النص كيانا كاملا يفقد النص الكثير من اتساقه، ويكون أقرب للترهل، ولهذا نجد أن الكثير من هذه النماذج تستند إلى بنية تكرارية، في استجداء لبناء بنية متماسكة، لأن التكرار يمهد ويؤسس للبنية التكرارية المطلوبة. مشكل القصيدة العمودية الآن أنها موزعة بين ثبات إبداعي يجعل الكثيرين لا يتوقفون عندها بالدرس والمقاربة، وبين لهاث نحو القفلة الجماهيرية، تلك القفلة التي لا تجعلها تتأمل ذاتها وبنيتها بوصفها كلا كاملا فيظهر التفكك واضحا، ولهذا فهي تحتاج للاستمرار وفق رؤية مختلفة واستعدادات جمالية مغايرة، حيث عليها أن تفيد من الأشكال الشعرية الجديدة، وأن تفيد أيضا من الأنواع الإبداعية الأخرى في حركتها للمحافظة على وجودها. ثمة فكرة مهمة لا يشير إليها كثيرون بشكل مباشر وإن أبصرنا حضورها لافتا، فاستمرار هذا الشكل متجاورا مع أشكال أخرى في جزء كبير منه مرتبط- من وجهة نظر أصحابه والمؤيدين لاستمراره- بالمحافظة على هوية فنية للشعر العربي بعيدا عن رياح التغريب التي يرون حضورها واضحا في شعر التفعيلة بوصفه مرحلة أولى متزنة تبقي على شيء ما من هذه الهوية الفنية الموروثة، وفي قصيدة النثر بوصفها الشكل الأكثر انفلاتا من حدود وأطر هذه الهوية الفنية. وأعتقد أن الوصول إلى حلّ لمشكل القصيدة العمودية رهين بمدى إفادتها من الكتابة الشعرية في هذين الشكلين، لأن هذه الإفادة تجعل القصيدة العمودية تتجلى بشكل مختلف، من خلال أساليب جديدة للمقاربة في وعيها بالعالم وفق رؤى جديدة تتماس فيها مع هذين النوعين الشعريين، خاصة في ظل الانتباه إلى فكرة البنية التي يعد فقدانها في القصيدة العمودية المشكل الأساسي بجوار ثبات الشكل، ولولا الجوائز العربية التي أعطت لهذا الشكل قبلة الحياة الممتدة لأصابه التحلل، فالجوائز في جزء كبير من توجهها تمثل استبقاء للمحافظة على النوع الفني، وللهوية الفنية له، والجائزة بذلك التوجه لا تبتعد عن الاهتمام بالهوية في مفهومها الشامل. فالجائزة تبئير على شكل يعاني، للعمل إلى إعادته إلى الواجهة وبؤرة الاهتمام، حتى لو كانت هذه العودة لا تتساوق مع حركة التاريخ، بل تباينه وتجعل الكثيرين من الشعراء الذين كانوا يبشرون بمشاريع إبداعية كبيرة حين يتوجهون نحو محددات الجائزة فنيا يفقدون الكثير من قيمتهم الفنية. ولكن يبدو للمتأمل أن هناك أسبابا أخرى أسهمت في تحويل الانتباه إلى القصيدة العمودية من كونه سباحة ضد التيار، وضد حركة التحديث إلى اعتبارها وجودا ضروريا كاشفا عن قدرات جديدة للاستمرار، لعلّ أهمها يتمثل في حدود فكرة تقديس الشكل القديم، فيحلّ التجاور فاعلا فيما يخص الأشكال الشعرية، فالأدب العربي لسطوة التراث وارتباطه بالمقدس، وانشداده إلى نسيج من الهوية الدينية والفنية في آن، يختلف عن الآداب الأخرى. فالشكل الجديد في الأدب العربي- نظرا لطبيعة ميلاده وارتباطه بالآخر المغاير في الفلسفة والسياق- لا يقضي نهائيا وحتميا على الشكل القديم، بل يجاوره مسدلا نوعا من التفاوض الوجودي، وعاقدا معه خيوط اتصال وتأثر لإعلان الانتساب من جانب وللتوسل من خلاله نحو القبول والتجذّر. فهذا الشكل الشعري الموروث استمدّ من مداه الزمني، ومن تعالقه بلحظات سحيقة في القدم، وارتباطه بنمطية الثبات وجودا مقدسا، ومن يقترب منه يجد أمامه حرّاسا جاهزين يدافعون عن استمرار وجوده دون لفت الانتباه إلى إشكالياته التي تقف حجر عثره في تطوره، فلم يحقق شعراء كثيرون وجودا لافتا لهذا الشكل إلا من خلال الوعي اللافت بهذه الإشكاليات، فهذا الشكل الشعري المنتظم يمكن أن يكون قادرا على استيعاب اللحظات الحضارية الآنية بشرط انفتاحه على الأشكال الشعرية الأخرى، والأنواع الإبداعية مستفيدا من آلياتها الفنية التي نشأت في ظل مفهوم مغاير لمفهومه، فمعرفة الحدود بين نوع وآخر جزء من الوعي الخاص بالشاعر وقصدية المقاربة الفنية، ولهذا نجد هناك تفاوتا بين الشعراء في الوعي بهذه الإشكاليات. الأحادية التعبيرية إن إشكاليات القصيدة العمودية التي ما تزال حاضرة، ويمكن التعاظم عليها من خلال الوعي الحاد بالسياق الحضاري، ومعاينة التوجهات التي خرجت ثائرة عليها من معطفها الواسع، تتمثل في مجموعات إشكاليات يمكن النظر إليها من خلال لحظات الانطفاء الخاصة بالمد الرومانسي في نزعه الأخير لدي متأخري جماعة أبوللو. ففي لحظات النهاية أو الانطفاء والتلاشي لأي اتجاه إبداعي ينشأ بالتوازي مع هذه اللحظة اتجاه إبداعي يكون أكثر قدرة على الإمساك باللحظة الفنية بشكل أكثر إحكاما من الاتجاه الفني الذاهب للتلاشي. ومن هنا يجب أن يكون التفكير جادا في أسباب نشأة الانعطافات الشعرية، لأن وجوده لم يكن إلا إحساسا بشكل ما بتيبس الشكل العمودي أو ثباته أو جموده، خاصة مع شعر التفعيلة الذي يعتبر الشكل الأول لكسر بنية النمط الموروث، وأول معول من معاول تفتيت الهيمنة الإبداعية. فهناك شعراء كثيرون من كتاب القصيدة العمودية لا يزال مفهومهم للشعر متجذرا داخل حدود هذه الأحادية الصوتية التي تحيل النص إلى موقف عاطفي قائم على المشاعر أو غيرها من الجزئيات البسيطة. فالشعر من خلال تأمل الإبداع بشتى صوره بدأ يعتبر ذلك المنحى الأحادي توجها من الماضي، وبدأ متلقو الشعر ينفرون من هذا التوجه الإبداعي القائم على ذلك المنحى الذاتي في الكتابة الإبداعية، فلم تعد القصيدة- في ظل اكتشافات نمو الجانب الفكري والفلسفي بجوار التعبيري أو مدمجا به- مجرد نزوع تعبيري أو عاطفي، بل أصبحت التماسا وخلقا لتجارب عميقة تحتفي بالإطارات المعرفية والفلسفية، وربما يكون ما كتبه صلاح عبدالصبور عن لحظة الانطفاء الرومانسي وغياب التوجه الإبداعي القديم، وبداية تجذّر وتوغل التوجه الجديد، وحديثه عن التجربة الإبداعية التي أصبحت تجربة وجودية ومعرفية في كتابه (حياتي في الشعر) يعد إدراكا مبكرا لرفض الأحادية الصوتية التي ما زالت تغلّف وتوجه منجز الكثيرين من شعراء القصيدة العمودية. فالصوت الأحادي للذات مهما كانت موهبة الشاعر لافتة لن يكفي بمفرده بتشييد بناء شعري له علامة فارقة تشعرك بشيء من المغايرة الفنية عن آخرين يشابهونك في الاستناد إلى القالب الموروث، بل يصبح من الضروري على هؤلاء الشعراء أن ينطلقوا من أزمة الشكل المختار إلى تجليات وآليات الأشكال الأخرى التي مرقت من إطاره، وما تتيحه من منطلقات إبداعية تقوّض- أو على الأقل تقلل- الإحساس بالثبات الناتج عن الشكل الموروث، فانشداد القصيدة العمودية إلى الوزن والقافية ليس كافيا لتحقيق الشعرية، أو لإنجاز نص مختلف، بل يحتاج الأمر إلى فاعليات وآليات أكثر تأثيرا. فزحزحة الشكل أو كسر هيمنة الشكل الموروث من خلال منجز شعراء التفعيلة لم يكن عملا قائما على كسر النمطية الشكلية فقط، وإنما كان عملا يمسّ العملية الإبداعية كلها، فشعراء التفعيلة لم ينجحوا في إرساء قواعد شعر التفعيلة بوصفه شعرا له مشروعية، وله مقبولية لافتة من خلال كسر النمطية الموروثة، وإنما من خلال آليات أخرى واستعدادات خاصة، ربما يكون أهمها الثقافة في جانبها المعرفي، إن أية نظرة متأملة لمنجز أي رائد من رواد شعر التفعيلة ستثبت تلك المعرفة الخاصة بالتراث والأسطورة العالميين. وهي الآليات ذاتها التي استند إليها شاعر مثل البردوني- وهو شاعر عمودي- في تشييد خصوصيته الإبداعية من خلال الاتكاء على الثقافة وعلى التراث والأسطورة، ولهذا نرى أن بعض الباحثين يرون أن معاول التجديد لم تبدأ مع شعر التفعيلة، وإنما بدأت مع الشعراء الرمزيين بتوجههم نحو الأسطورة وتوظيفها، فالشعر المعاصر أو فكرة التطور قد تأسست منذ أن بدأت الأسطورة تتحقق، ومنذ أن بدأ حضور الأسطورة والتراث بوصفهما مكونيين أساسيين من مكونات الشعر الحديث. فالجديد الذي أوجده أصحاب الشكل الجديد يتمثل في حضور الجانب المعرفي، وكانت هيمنة الصوت الأحادي داخل النسق العمودي تغيبه بشكل ما، دون أية محاولة للترشيد أو الاستيقاف. والمعرفة في الإبداع الشعري، لا تنفي صوت الذات، ولكنها ترشده، وتجعله يتجلى بشكل مختلف خارج نطاق الأحادية التعبيرية، لأن المعرفة أو الثقافة أبنية مشيدة، تجعل الصوت الذاتي في مساحة المراجعة الدائمة ابتعادا أو اقترابا، أو في مساحة التناظر مشابهة واختلافا، ومن خلال الابتعاد أو الاقتراب أو المشابهة أو الاختلاف مع النماذج الثقافية أو المعرفية المؤسسة، يتكون نوع من الإرجاء الذي يهدهد الأحادية التعبيرية، فتطلّ محتمية بعدم اليقين الذي نرى نقيضه لدى الشعراء الآخرين من خلال إلحاحهم على البعد الأحادي المملوء باليقين. فالثقافة أو المعرفة حين تكون كبيرة ومتشعبة تُحدث مساحة صمت، تؤثر على النسق التعبيري، وتدفعه إلى التروي، وإلى مساحات من الاحتراز، ولهذا نجد أن هذه الغنائية التعبيرية مصحوبة دائما بالطول النسبي، في النصوص التي تنتهج هذا النمط الإبداعي التعبيري، وأن هذا التمدد في أبيات القصيدة يقل بالتدريج كلما زادت مساحات المعرفة أو الثقافة. إذا حاولنا استكشاف حضور المعرفي أو الثقافي في القصيدة العمودية فإن الأمر لن يكون سهلا، خاصة في ظل وجود بنيات شعرية تحتمي بالشعري التعبيري في الغالب، ويأتي الفكري انطلاقا من ذلك مغيّبا، أو متأخرا في مرحلة تالية، في شكل لا يعبر عن التوازن بين ما هو تعبيري وما هو فكري أو معرفي. وتزداد الصعوبة إذا أدركنا أنه لا يوجد تنضيد واضح بينهما، ولا يوجد فصل نهائي يحدد بداية أو نهاية التعبيري، أو يحدد بداية أو نهاية الفكري، فكل تعبير بالضرورة يحتوي على أمشاج من الفكر، وكل فكر لا يظهر أو يتجلى إلا في نسق تعبيري. فسطوة نسق الأحادية التعبيرية في مجمل النصوص العمودية باستثناء نماذج قليلة، يغيّب المعرفي، ويجعل الأمر شبيها بالغناء الذاتي الذي لم يتم امتحانه في ظل بروز أو حضور تجليات أخرى لحظة الإبداع، فالإبداع لا يتجلى في نسق رؤية وحيدة منعزلة، وإنما يتجلى داخل التعددية. وهذا التوجه لا يغيّب المعرفي فقط، بل يجعل- فوق ذلك- ظهوره إن ظهر في بعض النماذج مرتبطا بالظهور الجزئي. ومن هذه الصعوبة الخاصة بالفصل بين التوجهين التعبيري والفكري أو المعرفي، يمكن الإشارة إلى معاينة ظهور الأعلام التي تكشف عن وهج معرفي، سواء أكان هذا العلم أو النموذج شخصية أدبية شعرية، أو شخصية فكرية، أو دينية، لأن في حضور هؤلاء حضورا للأفكار والمعارف التي يمثلونها إبداعا شعريا أو فكرا يؤسس لتوجه ما. والمتأمل لحضور الشخصيات أو الأعلام في الشعر العمودي يدرك أن هناك حضورا جزئيا يكشف عن السرد المعلوماتي في أحيان كثيرة، وفي أحيان أخرى يكون هذا الوجود كاشفا عن دلالة جزئية مشدودة للدلالة النامية في النص، ولكن هذا الوجود الجزئي لا يكشف في كثير من الأحيان عن إقامة حوار مع هذه الشخصيات بما تحمله من معارف وأفكار مؤسسة. فحضور هذه الشخصيات الكاشفة عن حضور معرفي، يظل مسطّحا ودائرا في دلالته القديمة البسيطة والمعهودة التي لا تكشف عن حضور خاص يباين وقعها في الذهن، سواء بالإضافة إليها في سياقها الدلالي، أو بالحوار معها في محاولة لتجذيرها في سياق فكري تجريدي مغاير. هذه الإشارات الجزئية السريعة إلى المعرفي أو الثقافي قد تعني في جانب من جوانبها معرفة جزئية مزدانة بالهشاشة، ولكنها في جانب آخر قد تكون ذات منحى إيجابي يتمثل في أصالة المنحى الشعري الذي يؤسسه الشاعر بنصه، تلك الأصالة التي تستوعب كل الإشارات الثقافية والمعرفية الجزئية التي تبدو في ظل هذا الفهم ذات وجود جزئي يتكاتف مع عناصر فنية أخرى لصناعة الشعري، والعمل على ظهوره محتميا بهذه الجزئيات المعرفية. فالعودة المعرفية الجزئية إلى الشخصيات بوصفها دالة على منحى معرفي، قد تصنع من خلال تجاوبها بوصفها إشارات جزئية إطارا معرفيا، يستمدّ وجوده من هذا التكاتف والتجاور بين الجزئيات العديدة التي تحفر في اتجاه واحد، لكنه لا يستمدّ وجوده من طبيعة تجلي الشخصية وتوظيفها، لأن أحادية الصوت التعبيري وهيمنة الشعري على الفكري، لا تسمح بظهور المعرفي بشكل خاص، فهي تهيمن عليه، وتجعله دائرا في منحاها التعبيري. إن نظرة فاحصة إلى قصيدة (أبو تمام وعروبة اليوم) للبردوني، سوف تثبت مشروعية هذا التوجه، في كون الثقافي أو المعرفي حتى لو كان جزئيا- يمكن أن يؤسس من خلال التعاضد بين كل هذه الإشارات المعرفية إطارا كليا خاصا، يقوم على المقارنة بين الأمس واليوم، وتكرار التاريخي بنماذجه الدالة في كل لحظة، واستمرار هذا التكرار في إطار من الثنائيات المتقابلة بين (بابك الخرمي) و (المثنّى). تلحّ فاعلية النسق هنا في كونه إطارا مغلقا، لا يسمح للفكري أو المعرفي بالتجلي في أنساق مغايرة، فهمينة النسق تحيل الذهنية الإبداعية إلى ذهنية محتلة، ومرتبطة بالجاهز، ولا قدرة لها- والحال تلك-في التوجه نحو المعرفي توجها مغايرا، حيث يتمّ الاشتغال على طبيعته الجزئية الجاهزة، فيحيله إلى أفق رحب، يقوم على استجلاء ملامحه وفق قراءة ناقدة، تحرّف وتخلخل بنيانه ومرتكزاته التراثية الجاهزة. بنية التكرار وتمدد النصوص وهي ظاهرة لن يتمّ الوعي بها أو بأثرها، إلا إذا كان لدى المتلقي وعي بحدود النسق المنفتح على الماضي وعلى الجاهز، سواء تمثل ذلك الجاهز في حدود بنية إيقاعية، لها قدرة وفاعلية حضور في اللحظة الآنية، أو تمثل في الارتباط ببنية الصور المجهرية الموروثة التي تلحّ حاضرة في أكثر النصوص العمودية حداثة من الناحية الزمنية، أو من خلال تأسيس وصناعة هذا الجاهز في حدود بنية تكرارية داخل النص الشعري تكون جاهزة وسببا في تمدد النص الشعري بشكل يعريه بنائيا، ويحافظ من خلال ذلك على صورة وصوت الشاعر المحفلي الغنائي. وهي آلية لا يمكن أن تعدّ عيبا أو مظهرا من مظاهر الإخفاق على إطلاقه، خاصة إذا كان الشعر في الأساس قائما على التكرار لصناعة الإيقاع التركيبي أو الإيقاع الصوتي. ولكن ما نود الإشارة إليه هنا يتمثل في كون الشعر نتيجة لأسباب عديدة، منها حضور التلقي المحفلي والشفاهي الذي يؤسس في بنية القصيدة لحالة من حالات الثبات، يولّد ثباتا قائما على الاستعادة من خلال بنية تكرارية قائمة على تكرار اللفظة التي يمكن أن تكون نقطة الانطلاق أو بداية الحركة، في كل محاولة من محاولات مقاربة الحالة واكتشافها من جميع وجوهها، فهذا التوجه الإبداعي من خلال انشداده إلى فاعلية الإيقاع والصوت القافوي في نهاية البيت يجعل الاهتمام بالبنية محدودا، وتتحوّل الجزئيات أو التفاعيل السابقة لتفعيلة القافية إلى جزئية ثانوية، ولهذا يتمّ الاعتماد في هذه الجزئيات على الجسور التعبيرية الجاهزة التي تتكرر في النص بشكل لافت. فقراءة أعمال بعض الشعراء الذين ينتمون داخل النسق الإبداعي في مصر أو في بعض بلدان الوطن العربي، تثبت قيمة هذا المنحى في التفسير، فقد تحوّلت الكتابة الشعرية إلى مساحة للاجترار، ففي هذه النصوص تتمّ صناعة جسور تعبيرية جاهزة للاتكاء عليها للتمدد النصي، مما يجعل سمة التكرار سمة جاهزة، ويفقد النص نتيجة لذلك الكثير من قيمته على مستوى البنية، فنشعر بغياب الترابط وحلول التفكك البنائي، ويحلّ التشابه بين معظمهم. إن هذا النمط في الكتابة الشعرية نمط كاشف في بعض الأحيان عن الفلس الفكري، وعن بداية التفكك خاصة إذا طالت القصيدة، لأن نقطة الانطلاق لا تتعلق بمقاربة جديدة تستقوي بالتبادل والتغيير اللفظي والحالات الإبداعية، ولكنها مشدودة إلى لفظة القفلة والإغلاق في البيت الشعري، فلا يعنى الشاعر بفراغات البيت الأخرى، طالما أعدّ عدته للفظة النهاية المشدودة للاستجابة المحفلية في الشعرية التعبيرية، ولتكديس المعنى الهارب الذي يضاف إلى منجز سابقيه داخل النسق أو الشكل الشعري، لأن هذا المعنى الهارب يشكل مجمل الإضافة داخل حدود النسق الإبداعي الذي يدور فيه. وبناء على ذلك فإن البنية التركيبية التكرارية للنصوص هنا تتمثل في طبيعة النوع الشعري، والشعراء في ذلك الإطار يسيرون على خطى جاهزة، أو يعتمدون على آليات لها الكثير من الجاهزية لدى آخرين سابقين، وهذا التوجه يفقد الظاهرة الشعرية جديتها وتطورها الخلّاق وتجليها الحرّ، لأن الاتكاء على بنيات جاهزة يحيلها أو يشدها إلى نوع من الثبات، يمكن أن ندرك حضوره في أنماط إبداعية في الوطن العربي، وهي أنماط شعرية تتعاظم بالوجود داخل نسقها الإبداعي، لكنها لا تملك القدرة على التواجد بفاعلية في حضور أنساق إبداعية أو توجهات شعرية مغايرة، فهذا النمط الإبداعي أو الشكل الشعري الذي لا يزال محافظا إلى حد ما على الجماهير الشعرية، يعاني عزلة بجوار الأنماط أو الأشكال الشعرية الأخرى، عزلة تجعله يؤسس فرادته أو نسقه في حدود هذا الانعزال مستندا إلى سلطات تراثية، وإذا كان قد حافظ على المحفلية والغناء وحضور الجمهور، فإنه في الوقت ذاته فقد مظلة الحضور الفني بجوار الأنساق الأخرى التي لا تحفل بالغناء بقدر احتفائها بالمعرفة أو بحالة من حالات التوازن بين الغنائي والمعرفي. فمن بين الدراسات النقدية العديدة لا يتوجه أحد إلى مقاربة هذا الشكل الشعري نقديا، إلا إذا كان ناقدا متجذّرا داخل حدود النسق، ومؤمنا بهويته الفنية التي لا تكفّ عن الإلماح إلى هوية عربية ممتدة. وربما يكون من المفيد في هذا السياق التوقف أمام جزئية تبدو إيجابية في الظاهر، لإثبات الانتساب إلى الهوية الفنية التراثية المشدودة إلى الارتباط بالنسق العروضي والبحور الشعرية، ولا سيما البحور المركبة والصعب منها، خاصة بحر المنسرح. لكن هذا التوجه على وجاهته في قيمة الانتساب إلى الهوية الشعرية الموروثة له مزالقه الخطيرة في بقاء الشعرية في بعض الدواوين مكبّلة بالماضي في ارتهانها إلى بنية قديمة بوصفها إطارا كليا، وإلى آلية خاصة في بناء الصور الجزئية والمجهرية، آلية تمتاح من القديم، وتتغذّى عليه، وتتحرك في إطار دلالته المشدودة إلى البنيات والتجليات القديمة، فالإيقاعات أو الأوزان ليست أطرا صماء غير فاعلة، فهي من خلال تجليها في الكتابة قادرة على استحضار واستعادة الصور القديمة ببنيتها، فتأتي كاشفة عن وجودها القديم. ويكشف عن هذا التوجه وجود دواوين شعرية تحتمي بهذا الجانب الإيقاعي من خلال أسمائها المرتبطة ببحور الشعر، وكأن في هذا النسق إعلانا للانتساب إلى الشعرية الموروثة، دون إدراك سلطة هذا القالب في الحدّ من محدودية التطور والإضافة التي يشتغل عليها، وينطلق منها كل نص شعري محاولا الإضافة إلى منجز السابقين، بعيدا عن الدوران في أفقهم. في ظل ذلك الحضور للنسق الموروث بكل كتله البنائية في القصيدة العمودية، يصبح على شاعر القصيدة العمودية أن يغيّب الإحساس بالوزن والقافية، بحيث يكون ذلك التوجه خطوة أولى، لابد أن تتبعها خطوات ترتبط بالآليات الفنية المعاصرة والحداثية، بالإضافة إلى جانب مهم يبتعد بالقصيدة العمودية عن الغنائية، وهو جانب الفكر أو المعرفة. فالإيقاع والفكر جانبان مهمان في النص الشعري، وحضور أحدهما بشكل طاغ لا يشير إلا إلى تغييب للآخر، والحدّ من سطوة وجوده. ولن يتحقق الخفوت الإيقاعي أو الصوتي إلا من خلال الاستناد إلى آليات تبعث على التدبر والتأمل، أكثر من ارتباطها بحركة الصوت وإيقاعه الشفاهي، حيث يأتي إلى النص الشعري المعاصر والآني ممسوسا بدلالاته الممتدة داخل النسق الإبداعي. ويبدو أن تغييب الإيقاع أو تبريده لدى شعراء القصيدة العمودية آلية تمّ الانتباه إليها من خلال مراقبة الاتجاهات الشعرية الأخرى، مثل شعر التفعيلة أو قصيدة النثر، الأولى من خلال احتمائها بالفكري والثقافي، والأخرى في محاولتها التخلص من الاستدانة والاستلاب أمام أي شكل سابق موروث، ولكن سنجد أن النماذج الكاشفة عن تبريد الإيقاع أو تغييبه مرتبطة بالشعراء الذين مارسوا الكتابة الشعرية في أكثر من شكل شعري، لأن طبيعة التطور داخل نسق القصيدة العمودية- نظرا لارتباطها بسلطة نسق الموروث وحدوده- تظلّ مشدودة إلى التطور الجزئي المرتبط بحركة القصور الذاتي الذي لا يقضي على شرعية النسق وتمدده، بقدر ما يعطيه حياة واستمرارا وهيمنة، لأنه تطور لا يشمل البنية النصية من جانب، ولا يشمل البنية العقلية في التوجه الإبداعي من جانب آخر. القصيدة العمودية تحتاج- في ظلّ التجاور الإبداعي للأشكال الشعرية العديدة- إلى وعي حاد وخاص بالمعرفة، وهذا الوعي يقضي على أحادية الصوت وسلطته، ويسدل مساحة من الصمت والتأمل للقصيدة، وخاصة بنيتها التي يجب أن تكون موضوعة داخل حدود التأمل المستمر، حتى لا يقضي على شرعية وجودها الصوت التعبيري الذي يمكن أن يفرّغ وجودها البنائي من خلال بنيات تكرارية جاهزة موروثة أو مصنوعة، فتحدّ من قيمة هذا البناء، ومن التحام أجزائه، وذلك من خلال الانطلاق من الجاهز بنمطية تكراره، وتحتاج – أيضا في ظل ارتباطها بالثقافي والمعرفي- أن تقلل من جهارة الصوت والإيقاع وحضوره، لكي تستطيع أن تحيل الصوت الشعري السارد من الذاتي إلى تعددية العوالم المحيطة التي يتجذّر فيها، وتشده حتما إلى نسق تأملي خاص.