دوائر العلامة وأبنية الحجاج والسردية في عمائم وطرابيش وكلمات للناقد محمد عبدالباسط عيد
دوائر العلامة وأبنية الحجاج والسردية
في عمائم وطرابيش وكلمات
للناقد محمد عبدالباسط عيد
عادل ضرغام
في كتابه (عمائم وطرابيش وكلمات) يستند محمد عبدالباسط إلى الحرية في أشكالها العديدة المتنوّعة، ليقدم لنا مقاربة لموضوع فيه الكثير من الطرافة والجدة في تناوله لمجموعة من الألفاظ أو العلامات التي تحوّلت إلى أيقونات دلالية، محاولا بعث طبقاتها الدلالية المتباينة في حضورها على قترات زمنية متباعدة. تتجلى أولى أشكال الحرية في الانعتاق من اللغة الأكاديمية والاقتراب من اللغة المحكية البسيطة، فليس هناك حضور لمصطلحات أو تعقيدات أو خلافات تحتمها مقاربة مثل هذه الموضوعات، بل هناك رؤية متأملة لموضوعات جادة، ولكنها رؤية تقربها إلينا بهدوء، ودون جلبة، وتنبهنا إلى أشياء تستقرّ بوعينا، وتغييرات حادة في تلقينا لهذه المفردات، دون إدراك كامل لهذا التحوّل الدلالي.
وتتمثل مساحة الحرية الثانية في التحلل من المنهج المحدد، ففي هذا الكتاب يتحوّل المنهج إلى إجراءات متواشجة، يجمع بينها وحدة التوجه، أو وحدة الانطلاق في التعالق بكل ما هو ثقافي تداولي. فالقارئ سيتوقف أمام هذا الكتاب طويلا، خاصة القارئ المهموم بالتصنيف والتسكين، وسوف يجد نفسه موزّعا بين الحجاج والسيميوطيقا والنقد الثقافي، دون أن ينفصل كل ذلك عن تناول السياقات الحضارية التي تمارس الفعل والانفعال مع الإنسان أو مع العلامة التي يتواصل بها. وكلها- وهذا شيء يكشف عن وحدة التوجه لا التوفيق والتلفيق- ممارسات متجاوبة في المنزع، وفي الحركة الدائمة بين النصي والاجتماعي، وبين النصي والثقافي، في مقاربة فاعلية العلامة وحضورها، داخل سياق يؤطر حضورها، ويكيفه بتشكيل نزوعاته الدلالية.
يتمثل الانفتاح في جانب أخير، من خلال الحرية في مجال الاشتغال، فالأمر- ما دام مرتبطا بألفاظ أو بدوائر دلالية لفظية- يظلّ منفتحا على مجمل الفنون، وعلى مجمل الأنواع والتخصصات قديمها وحديثها. فهناك انتقال في مقاربة أية لفظة ومداراتها ودوائرها الدلالية- خاصة في إطار الحجاج للفكرة أو لدائرة العلامة- بين بيت شعر أو قصة أو رواية، أو خبر من التراث. وهذا الانفتاح كفل للباحث آليات عديدة لسرديته في مقاربة الألفاظ، ومنحه نوعا من السهولة في الانتقال من فن إلى فن ومن سياق إلى سياق.
ما يقوم به عبدالباسط في هذا الكتاب، يمكن أن يكون محاولة لإعادة النصاعة للكلمة، في تخليصها من التداول المحدد وثباته، أو كسر المساحات الضيقة للكلمة. فالتداول يؤسس- مع بعض الكلمات- نوعا من شبهة الاصطلاح الجمعي، لأنه يجذّر الكلمة في سياق دلالة محددة، وهذا التوجه يعمي البصر، ويبعد الذهن عن نصاعتها وعطائها الدلالي المتعدد في طبقاتها السابقة. في هذا الكتاب، ومن خلال تركيزه على مجموعة ألفاظ تنتمي في مجملها إلى كيانات أكبر، هناك تركيز على الثقافة العربية، وعلى الإنسان العربي، وكيف يدرك واقعه في إطار هذه الثقافة بأنساقها، وكيف يشكل على امتداد الزمن مفاهيمه التجريدية، ويؤسس علاقته بالجزئيات المادية المحيطة، في إطار أنساق تصنعها وتولدها هذه الثقافة، فيكون لبعض هذه الألفاظ تأثير على حركته وتوجهه واختياره، وعلى علاقته بلغته والوعي بألفاظها، فيتشكّل لها امتدادات موغلة في القدم، تتجلّى وكأنها طبقة مؤثرة، ويستمرّ تأثيرها فاعلا، حتى تتعرّض لزلزلة دلالية، ويتولّد لها ارتباطات خاصة في فترات تالية.
يتجلّى الكتاب في معظمه بوصفه اشتغالا على حركة العلامات ودورانها التداولي، واكتسابها بفعل السياقين اللغوي والحضاري دلالات فوق دلالتها الأولى. ففي كل المقاربات على اختلاف طبيعتها من النقصان إلى حدود الاستقصاء والكمال داخلة في إطار هذا التوجه.
سياقات الشيوع والانحسار
ربما كانت المشابهة الخاصة بالعلامة في تمددها من المركز الأيقوني إلى دوائر متتابعة بأثر الحجر الذي يلقى في الماء هي المشابهة المؤثرة في اتساع الدلالة الخاصة بكل علامة انطلاقا من السياق اللغوي، وانشدادا إلى السياقات الحضارية، فالأخيرة هي السياقات الأكثر تأثيرا في تأسيس نقلة إضافية جديدة، تكاد تقترب من الدلالة الاصطلاحية، فمعها لا يتبقى من دلالة العلامة الأيقونية الأولى- إن أمكن تصوّر شيء كهذا- سوى خيط رفيع يشير إلى تأسيس سابق، وإلى طبقة أولى، فقدت وجودها بالنمو، ارتباطا بالخارج، وإن ظلت محافظة على خيط اتصالها بالمركز الدلالي البدائي.
يبدو ذلك واضحا حين نتأمل وقوف الكتاب عند لفظة (باب)، محاولا معاينة طبقاتها الدلالية التي تتسع تدريجيا، وارتباطاتها السياقية، بداية من فكرة الحماية من الوحش والبرد، وتحولات هذا الكيان المادي من الحجر إلى الخشب، فيغدو الباب وثيق الصلة بإسدال مساحة من الأمان للإنسان بعد السقوط من الرحم/ الجنة، ضد الوحش والبرد. وتتشكّل طبقة أو دائرة جديدة من خلال فتح مكة، وقول الرسول الكريم (من أغلق بابه عليه فهو آمن)، وفيها تنمو للباب دائرة جديدة وثيقة الصلة بالعزلة وتأمل الذات والوجود، وهناك- بالإضافة إلى ما سبق- الانقطاع ومراجعة الذات والانشغال عن العام للنهوض بالذات، على نحو ما يمكن أن نرى في غار حراء.
وتنمو الدوائر الدلالية متتابعة من خلال الأسوار المحيطة بالمدن، فالسور باب في تجلّ جديد، يحافظ على المجتمع وأفراده، وعلى نصاعة الهوية من الاختلاط، ومعها تنمو دائرة الستر وعدم الجرح بالرؤية والبصر. وعلى إثر دائرة الباب/ السور تتمدد الدلالة في العصر المملوكي، من خلال أبواب القاهرة التي تأخذ معها كلمة باب دلالات أقرب إلى الاصطلاح، تصل في الأخير إلى دلالة المسئولية في (الباب العالي) في العصر العثماني، ففي الاسم تجسيد للمسئولية والقوة، تقابله في لحظة نهايته وتحلله التوصيف المقابل (رجل أوربا المريض). ففي كل هذه التجليات الدلالية هناك محافظة على النواة، ولكن النمو المستمر، يجعل هذه النواة مشحونة بالإضافة والفيض الدلالي الذي تتّسع دوائره وتتعالق.
في بعض الأحيان يصبح المنحى الأقرب للاصطلاحي الذي يكتسبه اللفظ غير عار من محاولة بعض المجتمعات التطهر والوصول إلى نصاعة زائفة، مثل لفظ (الشهوة)، ففي أذهان الناس استقرت لفترة طويلة، وكأنها معادل للدنس والخطيئة. فالدلالة المستقرة المهيمنة هنا ليست طبقة دلالية من طبيعة الكلمة، ولكنها جاءت من سياقات الظهور والتخفي والكبت والإعلان. وربما تكون هذه جزئية من الجزئيات التي كانت تحتاج إلى عمل، فالأمر في كل هذه الألفاظ كان بحاجة لتأمل سياقات الشيوع والانتشار وسياقات الخفوت والتلاشي. ففي سياق التخفي والظاهر والباطن عند المجتمع الباحث عن النصاعة تكتسب بعض الكلمات- وتفقد في سياقات استعمالها- دلالات متباينة.
فقد تولّدت للفظة الشهوة دلالة مهيمنة شبه ثابتة، وفي ظلّ هيمنتها استبعدت دوائر دلالية أخرى، وظلّت المعاني- أو دائرة المعاني الدلالية السلبية- دائمة الحضور في تعالقها بالجسد ورغباته المقموعة. فالتعلق بالمثالي الزائف له دور في هيمنة دائرة بعينها للفظة، وقمع الدلالات الأخرى وتغييبها. وقد يؤكد صواب مشروعية هذا المنحى في التفسير الوقوف عند ألفاظ وثيقة الصلة بحاجات الجسد، لم تعد مستخدمة في لحظتنا الآنية، كانت حاضرة في أحاديث الرسول، وتفسيرات ابن عباس، وكتابات الجاحظ، ولم تكن تثير- أو تحمل- هذه المناحي الدلالية المستقرّة.
تناول الموضوعات ومقاربتها لا يخضع لوتيرة واحدة من حيث استقصاء الطبقات والوقوف عند طبقة دلالية لها أهميتها من خلال تأمل سياقها اللحظي، فهناك مقاربات ضافية نظرا لطبيعة الموضوع، وفيه يتناول الباحث حركة التوسع والانحسار الدلالية التداولية على مدى طبقات وفترات زمنية مختلفة، فنجد فيها الحيادية في تعدد الدلالات الذي يشير إلى صفرية معجمية. ثم نجد بعد ذلك شيوع دلالة وهيمنتها وغياب أخرى، وفي طبقة تالية نفقد الكلمة هذه الدلالة، أو على الأقل تتوارى هيمنتها نتيجة لتغيير في طبيعة المجتمع، وهو أمر في النهاية يشير إلى انحسارات واتساعات دلالة الكلمة.
وفي ظلّ الفكرة السابقة، وانفتاح المقاربة على جزئيات مرتبطة بحركة البشر وتطورهم الفكري والشكلي، وعلى موضوعات مثل الأزياء، واعتبارها رموزا أو علامات للفقد والاكتساب، يدخل الكتاب مجالا جديدا، حيث توجّهه المقاربة نحو معاينة تحولات الشخصية، أثناء مقاربة تطور الزي والملابس، فتصبح علامات دالة على الشخصية المصرية بتنازعاتها الأيديولوجية والطبقية بوصفها طبقات متوالية لحركة العلامة، ولحركة الشخصية في سياق تداولي، يرفد كل جانب الآخر بشيء من أفقه الدلالي، فشيوع أية دلالة وهيمنتها لا يأتي من فراغ، وإنما من توجّه أعلى يمارس دوره في مساحات الشيوع والانحسار.
إن التوسّع والتضييق فيما يخص العلامة، يخضع لأسباب حضارية، وتوجهات تحتمها لحظة ما، وهي غالبا تأتي كاشفة عن مساحة تلاش أو مساحة اكتساب دلالات أو توليد دوائر دلالية. في تناوله للأزياء بوصفها علامات كاشفة عن هوية، وعن موقف من التحديث قبولا أو رفضا، يكشف الكتاب من خلال هذا التناول عن التوزع في مقاربة النهضة والتحديث إلى فريقين. فالزي الذي اعتمده كل فريق يفصح عن قناعات فارقة، وآليات توطين: الأول يمثله الزي التقليدي (الجلباب والجبة والعمامة)، ويمثل علامة على المحافظين بشكل عام، والآخر الحديث (البدلة والكرافت والقبعة)، ويكشف عن الارتباط بلحظة التحديث، وما توجبه من تعلّق بالآخر المجاور ومنطلقاته. وفي لحظات تالية - في ظل هيمنة التحديث- حدث نوع من الانكماش لعلامة المحافظين، ووقوفه عند شريحة معينة، فقد أصبح هذا الزي لصيقا بخريجي الأزهر.
تظل أية طبقة دلالية للعلامة مشدودة إلى حركة المجتمع في شيوعها وانحسارها أو ترهينها نحو أفق خاص. ففي مقاربته للعلامة/ الزي في مساحة سابقة يقف عند انحسار الزي التقليدي إلى دلالة خريجي الأزهر، نظرا لشيوع الزي الحديث، وحضوره المهيمن في السياق العام. ولكن نظرا لحيوية الموضوع- وربما لاستكمال الفكرة- يعود إليها مرة أخرى كاشفا عن طبقة جديدة لهذه العلامة، طبقة لا تقوم على التنازع الدلالي بين متقابلين، لكنها- انطلاقا من النمط الاستهلاكي في سبعينيات القرن الماضي، وخفوت الوظيفة الخاصة بالزي في الكشف عن تصانيف أيديولوجية أو طبقية- تقوم على دلالات النمذجة، وينتقل التصنيف بين متقابلين إلى تصنيف داخل الطبقة الواحدة، حسب الماركات العالمية. ولم تقف توسيعات الدائرة الدلالية للنموذج المحافظ عند الإطار السابق، خاصة حين يتمّ استحضار ما تجاوب مع هذا النموذج المحافظ من زي للأنثى التي تنتمي إلى التيار ذاته، فلم يعد علامة وظيفية للستر المرتبط بزي المرأة في طبقات التحديث الأولى للنهضة، وإنما أصبح كاشفا عن نسق أيديولوجي، فقد أخذت العلامة/ الزي مسارا آخر.
وفي مقاربة تالية لجزئيات محددة من الزي خاصة في (طربوش العقاد) و(طاقية الشعراوي) يظهر التبادل الواضح بين العلامات وسياقات الشيوع والانحسار. في مقاربته لطربوش العقاد- على سبيل المثال- وقوف عند بداية وجوده وارتباطه بالفئة الحاكمة، ثم انتقاله للدلالة على شريحة الطبقة الوسطى المثقفة، وتحوّله أخيرا إلى حيرة التساؤل عن سؤال النهضة المستمر منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى اللحظة الآنية، وقد تطوّر التساؤل- لوقوعه في المسافة الوسطى بين العمامة والقبعة- إلى سؤال حول جدوى الوسطية، وإمكانية البحث عن طريق أخرى بدلا من التوزّع بين قطبين لا يلتقيان، تغطي الخسارة فيه- إذا استمرّ التوفيق أو التلفيق- الجانبين.
القارئ للكتاب يدرك أن هناك أمرا ربما يكون نابعا من نقطة الانطلاق في التناول. في بعض الأحيان يخايل القارئ أن نقطة الانطلاق في المقاربة لم تكن العلامة في كل الحالات، فتأمل المتغيرات قد يهيمن في بعض الأحيان، وقد يصبح في بعض الجزئيات سباحة في المقرر داخل حدود التناول في مجاله الأساسي. وربما يكون السبب في ميلاد ذلك الشعور أن الكتاب يحمل قلق المعرفة ونقلها للآخر، فكأن الكتاب تبئير على وعي أو مساحة إدراك. وحين تتوزع نقطة الانطلاق أو الشعور بها بين منطلقين يقل بالتدريج وميض المنطلق الأساسي، وتصبح الإشارة إليه في متن المقاربة متجلية على مساحات متباعدة لإعادة التذكير بالوجود أو الحضور، قبل أن يذوب في موضوعات استطرادية قد تختلف مع المنطلق الأساسي للمقاربة.
وقد ينمي هذا الشعور بتراتبية نقطة الانطلاق أن هناك حضورا للتوزّع الخاص بين الاتجاهات الثقافية والأيديولوجيات الفكرية في صلب الكتاب، بالرغم من تنوّع العلامات وأيقونات الشخصيات، وقد يدفعنا ذلك إلى التساؤل عن المنحى الذي انطلق منه، هل يرتبط بالعلامة على تعدد أشكالها؟ أم يرتبط بالحالة الثقافية، وثبات سؤالها المؤرق، حول السبيل الناجعة لتحقيق النهضة؟. ما أودّ الإشارة إليه يتمثل في كون العلامة- أو تناولها- يذوب في بعض الأحيان في ظلّ هذه المقاربة، أو تصبح- بشكل قد يكون أكثر دقة- نافذة على قراءة العوالم المتنازعة والمتباينة في شدّ وجذب، بحيث لا يستطيع القارئ تحديد أولوية الحضور في كلتيهما.
أبنية الحجاج والسردية
لمحمد عبدالباسط- بسبب مساحة اشتغاله الطويلة بالحجاج- أساليب وأدوات حجاجية تتسرّب لمقارباته النقدية، لإثبات مشروعية تصوراته، وانفتاح الدوائر الدلالية للألفاظ التي قاربها وتوقف عندها. وفي جزئيات الكتاب هناك وسائل حجاج مهمة ترتبط بالمقدس، بما له من دلالة نفاذ داخل الذهن، فهناك اعتماد على آيات القرأن الكريم، وأحاديث الرسول، وعلى حكايات وروايات وأخبار من التراث العربي، وهي حكايات- لقدمها- يتشكل لها نوع من الإشعاع الحجاجي.
الوقوف عند مساحة النمو وتشكيل نص المقاربة يكشف عن نوع من المزاوجة بين هذا النمو السردي والتشكل البنائي وآلية أو آليات الحجاج، بشكل لا يمكن معه للقارئ أن يفصل بين ما هو حجاجي يدعوك إلى تأمل الفكرة، وما هو سردي، حيث يفصح عن تتابع وتجاور النماذج الحجاجية لتأكيد الفكرة، فكأن الحجاج والسرد يشكلان وشيجة أو ضفيرة أو شيئا واحدا، وإن اختلفت الأسس والمنطلقات. ويمكن أن يظهر ذلك بشكل واضح في تأمل الكتل الموضوعية للفصلين المكونين للكتاب.
في الكتلة الأولى من الفصل الأول هناك وقوف أمام علامات تجريدية غير مادية وغير ملموسة (الزينة- والشهوة- والأصول)، وفي الكتلة الثانية في مقاربة جزئيات الحواس (الأذن- والعين- والرقبة)، وفي الكتلة الأخيرة من الفصل ذاته بمقاربة المحو والإثبات، بداية من (مقامات الكلام) في معاينة قيمة اختلافات الأداء الصوتي في قراءة القرآن للعلامة نفسها، في إضافة دوائر دلالية تؤثر على الحكم الفقهي والتفسير، ومرورا (بالبلاغة البيضاء) ويؤسس فيها- إذا كان ذلك متاحا بعيدا عن حضور العلامة- بلاغة للصمت المتولّد في حوار شخصين، وانتهاء (بأستيكة) و(رسالة مطموسة)، وفيهما يؤسس لبلاغة وحضور المحذوف. تجاور الجزئيات على هذا النحو في تلك الكتلة لا يخلو من قيمة حجاجية تتشكل بالتكاتف، تؤسس بناء ضد الشك المتسرّب في المشروعية لغياب العلامة، ولا يخلو- في الآن ذاته- من قيمة سردية تعتمد على التجاور، وتشابه التعالق والتداخل داخل حيّز الموضوع الواحد.
استخدام الحجاج داخل الكتاب لا ينفصل عن السردية، في تمدد وتعالق الجزئيات ونموّها في السياق البنائي للفكرة. ففي جزء بعنوان (أذني لبعض الحي عاشقة) تنتقل المقاربة من الوقوف عند مفتتح رواية (الحرافيش) لمحفوظ، وقيمة الصوت في الإيحاء بميلاد الفتوة والنبوة، ومعهما إشكاليات الوجود وأسئلته، إلى مقاربة شطر بيت لبشار بن برد، انتصارا لنمو الفكرة، والانبناء السردي على مساحات التشابه والتعالق. فمقاربة النصوص في بعض الأحيان تتحوّل إلى أشكال حجاجية متوالية، وكأنها طبقات متداخلة داخل إطار سردي متواشج بالتشابه.
نجد غالبا في سرديات النقد حضورا لافتا لضمير الغياب، لأنه وثيق الصلة بالموضوعية التي يبحث عنها النقد الأدبي في تجليه المثالي، ولا تنقطع استمرارية هذا الضمير السردي إلا في جزئيات يكون حضور المتكلّم أو المخاطب مرتبطا بوظيفة جزئية خاصة يقومان بها، فالخروج إلى المتكلم هنا غالبا يأتي للتنبيه إلى الاستطراد الطويل، وإعادة الفاعلية لحركة المعنى أو السرد المرتبطة بموضوع المقاربة، أو لإدخال التجربة الذاتية في صلب العملية النقدية، وتتشكل من خلالها دائما وظيفة الاستقواء، فيتمّ استخدام ضمير المتكلم الجمعي لإسدال نوع من الحماية الجمعية على الحكم أو على الفكرة التي يريد الكاتب أو الناقد الاحتجاج لها في كتابته أو تفسيره. أما مع المخاطب فالوظيفة تتمثل في صناعة مساحة من الوحدة والمشاركة مع القارئ أو المتلقي.
في كتابة محمد عبدالباسط هناك حضور للذات، ليس في الوعي بالنصوص، فهذا من نافلة القول، ولكن حضور الذات لديه في الكتابة النقدية- فضلا عن كونها وسيلة استمالة وإيجاد مساحة من التوحّد أو الاندماج بينه وبين المتلقي- يتمثل في كونها آلية سردية تمارس دورها من خلال فاعلية التكلّم في الترتيب للأجزاء، والتنبيه إلى مساحات الاستطراد، حين تنمو وتكبر بشكل يخلخل وحدة الهدف لموضوع المقاربة، فكأنه من خلال فاعلية حضور الذات، يستعيد الإمساك بالموضوع المتسرب تحت سيل الاستطرادات الكثيرة في الكتاب. يتجلّى ذلك في نماذج عديدة، منها قوله (بالتأكيد ليس هذا مقام الاستطراد...)، أو قوله (نعود إلى صوت المحبوبة على نحو ما قدّمه بشار...).
وتغدو الفاعلية في حضور الذات والمتكلّم واضحة في تجسير النقلة السردية إلى زاوية جديدة، وحركة استئناف للنمو السردي في معاينة الفكرة، في مناطق عديدة من الكتاب، خاصة حين يمتدّ الاستطراد كاشفا عن تكرار نماذج شعرية مؤكدة للفكرة، على نحو ما يمكن أن نرى في حديثه عن (العين)، وحضورها الخاص الذي يفيض عن الوجود المادي ووظيفته، لتصبح فاعلة ومؤثرة في تشكيل حالة انشداه متخيلة بين الشاعر والمرأة، أو حركة استلاب تجعل هذه الحالة داخل صراع خاص. فتأكيد الفكرة وتوليد جوانبها وأطرها جاء بداية من نموذج شعري لامرئ القيس، ثم لجرير، وأخيرا لابن الرومي، ولهذا نجد حضورا للذات والمتكلّم فاعلا في توجيه النقلة نحو الختام، ونحو التأطير الفكري الذي بدأ به في قوله (ولا أريد أن أطيل عليك في سرد الأمثال...).
ومن ضمن أساليبه الحجاجية والسردية في التسويغ لمشروعية الفكرة الاستقواء بالآخر، ومحاولة إدماجه في حدود التلقي الفردي للكاتب، فهذه الآلية- أو هذا التوحد أو التشارك- يخرج الحكم من وجوده الفردي، إلى وجوده الثنائي، أو وجوده الجمعي، إذا اعتبرنا أن المتلقي المخاطب يضمّ كثيرين في إطار هذا التوصيف الفردي. فالحكم يخرج من محدودية الذات ومن توهّم انحيازها إلى موضوعية وبراح المجموع، ففي قوله (ولعلك انتبهتَ إلى أن بشارا...) تسويغ لمشروعية خروج من مشروعية الحكم الذاتي الفردي إلى الحكم الجمعي الذي ينفتح على رؤية موضوعية، لإسدال اليقين كما في النموذج السابق، أو لإسدال الشك كما في قوله عند تناوله للفظة (باب) (ولعلّك تتفق معي أيضا أنه من الصعب على كاتب- مهما عظم اجتهاده - أن يخمن أو يحدس متى وقع الإنسان أول مرّة على هذه المفردة العجيبة).
وفي بعض الأحيان حين تتداخل المساحات بين الذاتي والموضوعي، أو بين الكتابة النقدية والكتابة الذاتية الأدبية، يطلّ ضمير المتكلّم في بعض الجزئيات فاعلا، ليس لإسدال قيمة بلاغية جزئية ترتبط بالتحول من الغياب إلى المتكلم أو إلى المخاطب، وإنما لزلزلة الحدود الصارمة بين ما هو نقدي موضوعي وما هو ذاتي إبداعي، حيث يهيمن المتكلم في جزئية (رسالة مطموسة على الواتس)، وربما في كل الجزئيات المرتبطة بعنوان (أستيكة) وإن بشكل أقل حدة. ففي هذا الجزء هناك مقاربة لفكرة المحو والإثبات، والنسيان في مقابل التذكر، وهو جزء- بعيدا عن المقاربة الأدبية الذاتية التي تجلّى فيها- كان من الممكن أن يصبح جزءا مهما من الكتاب، ملتحما بإطاره المعرفي، لأن طمس العلامات وبقاء أثرها يمكن أن يدخل بنا إلى موضوعات أكثر ثراء، فهناك النسخ، وهناك النهايات المتعددة في النصوص، وكأنها محو وإثبات، بافتراض نهايات مغايرة، وهناك الطبقات المعرفية للنصوص، في إطار التباين والتجاوب، وتوليد دلالات وطبقات جديدة للأطر المعرفية والمفاهيم التجريدية، وفقا للسياقات الحضارية واختلافها.
في مقاربته هناك انتقال من العام إلى الخاص، وهي آلية نمو سردي من الكل إلى الجزء، فعظمة الكل الخارجة عن الوجود المادي إلى دلالات أكثر ثراء، تجعل المقاربة تنفتح على الجزئيات المكوّنة لهذا الكل المادي. ففي تناوله (للعين) أو (للرقبة) أو (الأذن) يبدو الانتقال من الكل (الجسد) إلى مثل هذه المكونات، بوصفها علامة سيميائية متجذرة في مجالات ثقافية كثيرة، كاشفا عن ارتباط خصوصيتها بخصوصية الجسد، وعلى نحو أكثر خصوصية بالوجه الذي يأخذ- في منطق المقاربة- معاني ودلالات تتحد بصاحبه، وتتوازى مع قيمته، وأوصافه المرتبطة بالحرية والتكريم. قيمة الكل توجه نحو قيمة الجزء، وكذلك قيمة الجزء تشحن الكل بقيمة مستمدة من الجزئية، فكأنهما يتبادلان الأخذ والعطاء، فالعين في طبقات دلالية تظل حاضرة في الذهن والذاكرة منفتحة على دلالات وسياقات، تجذّرها في متخيل أو متخيلات غير مادية، مثل (نظرة العاشق)، و(عين المحبوبة).
وقدرة عبدالباسط في هذا الكتاب المهم، لا تمنعنا من الإشارة إلى أشياء وإيجابيات لم تتحقق بشكل كامل، منها أن الهدف في كل الجزئيات لم يتم الاشتغال عليه بذات الإلحاح أو التقصي المتحقق في نماذج كثيرة من الكتاب. فالوقوف عند هيمنة دائرة أو طبقة دلالية للعلامة، وتلاشي أخرى نحو الانزواء نظرا لسياقات حضارية تجلى في الكتلة الأولى من الفصل الأول، وغاب عن الكتلة الثانية، بالرغم من توفرها في كل النماذج. ويبدو أيضا في السياق ذاته أن الوقوف عند النماذج القديمة- خاصة الشعرية- ظل وقوفا عند حدود إدراك وتلق سابقين، فجاء التناول بريئا من خصوصية الحفر الخاص بالموضوع الجديد، ويبدو ذلك مبررا بمحاولة إدخال القارئ العادي في مجال الاهتمام.
ولكن غياب الحفر في تلقي النماذج الشعرية يقابله حفر شديد العمق والتوهج في الجزئيات التي أسست مدى كتابيا ومعرفيا، دون أن يخل بالبساطة المتعمدة في تناول لفظة (باب)، أو في تناوله لجزئية (الأسماء والألقاب)، فقد تناولها بترتيب لافت من حيث المغايرة بين مسمّى الأشياء المحيطة من الاعتباطية إلى الاتفاق الاجتماعي، إلى أسماء البشر، وهي قد تكون مشدودة إلى دلالات اجتماعية أو أسطورية أو أيديولوجية، فهي- على حد تعبير الكتاب- دلالات فوق وظيفية.
في الكتاب تبدو هناك بعض الجزئيات ناتئة خارج نسق الكتاب، فجزئية (محمد والذين معه) حتى لو تبدّت للقارئ أسانيد مشروعة من خلال الألقاب التي ظهرت في ثنايا المقاربة، يظل التحفظ على وجودها حاضرا، لأن المدخل لم يكن يتوجّه نحو هذه الألقاب التي عولجت في مكان آخر، ولكن المدخل الفاعل هنا يتمثل في فاعلية محمد البشري في انتقاء الألقاب لأصحابه، بالإضافة إلى وجود نغمة- وإن كانت خافتة- من الخطابة. ويمكن أن نقول شيئا قريبا من هذا عند النظر إلى جزئيات مثل (مقامات الكلام) و(البلاغة البيضاء)، و(رسالة مطموسة)، فالمقاربة فيها لا تتورط في الابتعاد عن مجال العلامة في تشكّلها المادي فحسب، ولكنها- فوق ذلك- تنداح في لغة غنائية أدبية، تحوّلت إلى شرك مغرّ، فمثل هذه النماذج جميلة ولافتة في سياقها، لكنها لا تندرج بشكل حقيقي داخل اهتمامات الكتاب إلا بشيء من التجوّز.