عادل ضرغام

المعارضة الروائية

غلاف كتاب المعارضة الروائية
المعارضة الروائية عادل ضرغام في مقاربة النصوص (شعرية أو نثرية) تتعدد المداخل والإجراءات، ويستمرّ لهذه المداخل حضورها اللافت، حتى بعد انتهاء فترة سموقها وفاعليتها في كتابات النقاد. ففي مجال تداخل النصوص تولدت استراتيجية التناص بوصفها توجها أو آلية قائمة على الشك في الأسس الفلسفية التي تولدت في إطارها البنيوية، وخاصة جزئية البنية المغلفة المرتبطة بمركز يشدها إلى الداخل بعيدا عن الفضاءات الخارجية السابقة أو الآنية أو المستقبلية. والتناص في ظل ذلك الفهم ليس إلا تعاظما على هذا الانغلاق، ويكشف في الوقت ذاته عن استحالة عزل النص عن سياقاته، فالنص توالد إنتاجي مستمر، وفي توالده يغير جلده ويقشط منه ما لم يعد ملائما، ويثبت قشرة جديدة على الكتلة المستمرة بمرور العصور والأزمنة، ولكن الكتلة تظل موجودة مشيرة إلى تجل قديم للفكرة المعرفية. ويتحول المنجز الأدبي في ظل هذا الفهم إلى محاولة للإجابة عن أسئلة قد تأخذ أشكالا متعددة، ولكنها تظل مشدودة إلى مفاهيم كبرى مجردة تظل وثيقة الصلة بالإنسان وفي مقاربته للحياة وللوجود، وفي قراءة نزوعاته للكشف عن الباطني الخفي الذي لا يظهر بشكل مباشر وجلي. ويرتبط بهذا المنحى استخدام توجه وثيق الصلة بآلية التناص بشكل أكثر حضورا وشمولا حتى يمكن للمتلقي الشعور بذلك الترابط من البداية، وربما يتماس معها أو يتشكل في إطارها على مستوى من المستويات، فالمعارضة الروائية لا تنحو باتجاه التناول الجزئي، وإنما هي في الأساس محاولة تنم عن التجاوب أو الاختلاف بين نصين ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين أو ثقافة واحدة، وبين لحظتين متغايرتين بينهما مدى زمني ممتد، ففي بعض النصوص الروائية هناك محاولة تشكيل طبقة فكرية مغايرة قد تتماس مع طبقة أو طبقات سابقة للفكرة ذاتها. يتأسس التشابه في المنحى الفكري، وفي التوازي في تشكيل الشخصيات، وتنضيد عناصر البنية، بوصفها موتيفات رئيسة يظل لها حضورها، ولكن هذا الحضور يختلف من نص إلى آخر، لطبيعة الثقافة وتابوهاتها، ودرجة ضغط هذه التابوهات على الكاتب. فالاختلاف الزمني بين النصين- وأسباب أخرى بالضرورة- يمارس دوره في نفي التطابق بين النصين، وإن كان النص الآني ينطلق من الغائب السابق، ولكنه من خلال مقاربة الروائي يعيد طرح المنحى الفكري، ويعيد الاشتغال على الأسئلة ذاتها، متأملا فجواتها أو تعميماتها التي تحتاج إلى إعادة نظر، لاختلاف زاوية الرؤية أو لاختلاف طبيعة التناول لأسباب عديدة، أو موجها نحو جزئية لم يتم التنبه إليها في فترات سابقة. المعارضة الروائية أساس الإبداع الروائي، خاصة إذا كانت النظرة شمولية عامة، تنحو بالأمر نحو التجريد الذي يعود بالكتابة الأدبية إلى تساؤلات لها صفة التمدد والديمومة بوصفها منطلقات أساسية للفن بشكل عام، فنحن في ظل ذلك الفهم أمام قيم مثالية كبرى تحرك الإبداع في مجمله في كل الثقافات على تنوعها واختلافها. وتكمن قيمة الكاتب في قدرته على الإضافة إلى السابق، وفي حدة المغايرة والاختلاف من خلال التساؤل الجذري للمفاهيم، حيث يضعها في بؤرة جديدة، ويخلل مرتكزاتها من خلال وضعها في أطر مغايرة، يجعلها تتجلى وكأنها جديدة انطلاقا من عمق الطرح، وتخلصه من الإرث القديم، ومن الاستلاب الذي تمارسه النصوص السابقة بتجلياتها المختلفة. ويبدو أن تأثير ما بعد الحداثة في وجود ذلك النزوع نحو فكرة المعارضة الروائية كبير، خاصة إذا أدركنا أن مصطلح النص نفسه أصابه الكثير من التغيير والتحوير، أهمها الارتباط بالخارج الآني والتاريخي، فالنص عند هؤلاء المنظرين الذين يمثلون ما بعد الحداثة هو إعادة نصوص قديمة، ولكن هذه النصوص القديمة تتشكل داخل شبكة علاقات جديدة ترتبط باللحظة الزمانية، وبالسياق الحضاري في مجمله، ولكن ذلك لا يجعلها منفصلة عن التجليات الماضية السابقة، فهو دائم الإشارة إليها من خلال الحوار أو الإضافة أو التحوير، فكأن النص في لحظة الاستلاب التي يشعر بها المتلقي هي لحظة انعتاق كاملة في الآن نفسه. لقد شكلت فكرة الانفتاح على الخارج الآني أو التاريخي مرتكزا أساسيا في كتابة ما بعد الحداثة من خلال الاعتماد على المعارضة، وفي ذلك يقول بارت إن الكتّاب الذين ينضوون تحت لواء ما بعد الحداثة لا يقلدون آباءهم المنتمين إلى القرن العشرين، ولا يقطعون الصلة مع أجدادهم الذين عاشوا في القرن التاسع عشر غير أنهم لا يحملونهم فوق مناكبهم، مثلما يُحمل العبء الثقيل. ففي الكتابة الروائية القائمة على المعارضة هناك حضور تام وملموس للقديم، ولكنّ هناك نفيا تاما له أيضا، لأن هذا القديم حين يحضر لا يحضر للتعبير أو الكشف عن الإجلال والتقديس، وإنما للتعبير عن الشك في الأسس والأفكار التي يسدلها، فكأن هناك عملية مراجعة مستمرة، فالنص الآني يعارض السابق، ويحاوره مرتكزا على إظهار القصور الذي يستدعي إعادة المقاربة والرصد، وإسدال مقاربة جديدة للفكرة المعرفية، من خلال إثارة الشك حول طبيعة التصورات أو التشكيلات المقدمة للواقع، بوصفها واقعا يتجلى وفق حوادث، وليس وفق خطاب. وفي ذلك تتجلى المعارضة الروائية بوصفها خطاب نفي وتدمير للمتفق عليه حياتيا وجماليا، وكأن في نزوعها تدميرا للأسس الفنية التي تم التركيز أو الاستناد إليها في تجليات سابقة لدى كتاب آخرين. تتجلى فكرة المعارضة في الكتابة الروائية في العقود الأخيرة بشكل لافت من خلال بعض النماذج الكاشفة، ويمكن أن نتوقف في ذلك السياق عند روايات مثل (فردوس ) للبساطي وعلاقتها (بامتداح الخالة) ليوسا، ورواية (الزوجة المكسيكية) لإيمان يحيي واشتغالها الماكر حول رواية (البيضاء) ليوسف إدريس، بالإضافة إلى رواية (طعم النوم) لطارق إمام وارتباطها برواية الياباني كاواباتا (الجميلات النائمات)، ورواية (ذاكرة عشيقاتي الحزينات) لماركيز الذي قال عن نص كاواباتا إنه النص الذي وددت لو أكون كاتبه. علاقة نص( فردوس) للبساطي بنص يوسا تجلت من البداية واضحة، لدرجة أن هناك عددا من النقاد أشاروا إلى أن هذه الرواية تعدّ تمصيرا لنص (امتداح الخالة)، ولكن هذا الحكم يحتاج إلى إعادة مراجعة وتقييم منطلقين في ذلك السياق إلى مجمل أعمال الكاتب التي طرحت الفكرة(جنس المحارم) بأكثر من تجل كتابي فهناك حضور لملامح شخصية فردوس تكشف عن تماه مع شخصية سعدية في رواية أخرى له، هي (بيوت وراء الأشجار)، بالإضافة إلى شيوع الفعل في إطار ثقافة تهدهد وتسيّج تابوهاتها بالصمت. ربما كان لنص يوسا حضور في التنبيه إلى معاينة الظاهرة، ولكن هناك اختلافا واضحا بين الروايتين، فانتقال الفكرة المعرفية لا يعني انتقالها بحذافيرها، وإنما تتولد لهذه الفكرة مجرّة ترتبط بالأنساق الثقافية، وبمجمل التوجهات والمداخل الفكرية السابقة لمنجز الكاتب، فيتولد تحوير وتعديل مستمران ينفيان عنها صفة الغرابة، ويجعلانها متجذرة في سياقها الثقافي، وإطارها الفني الممتد. فتمثل الأنواع الأدبية خاضع لنسق ممتد من فترة إلى أخرى في طبيعة الاشتباك، وفي التوزع بين الاستلاب ومحاولة التفوق، إلى الانطلاق منه والتحليق بعيدا عنه ليصبح إشارة حرة لتشكيل طبقة مغايرة، تنازع وتقف على بساط واحد مع طبقات سابقة. البساطي في هذه الرواية لا يسير على الخطوات الممهدة في رواية يوسا، خاصة في الجزئيات الحاكمة للحركة المرتبطة بالثقافة العربية بأنساقها الضاغطة، ففي روايته تأخذ الرواية أفقا خاصا، لا يرتبط بالرغبة المتجذرة في رمز البراءة المشدود للطفل (كما في رواية يوسا)، وإنما هناك كشف وتشكيل لسردية المراهق أمام نموذجه أو تمثاله الأنثوي، وهي سردية خطية لم تتشكل في إطار خطاب مقابل (فردوس) زوجة الأب، ذلك الصوت الذي ظل مكبوتا لارتباطه بتابو الثقافة والدين. فالمراهق في رواية فردوس تتفسخ البراءة لديه من خلال أفعال السرد الكاشف عن التعري في سردية أحادية يتخللها نقل لحديث أصحابه عن تفرد أو تميز جمال زوجة الأب الذي يضعها في إطار نموذجي متعال، ولكن في إطار عرض السمات النموذجية تتأسس محاولات للمواجهة من خلال الكلام المكشوف لمشروعية ما يريده، وما يدفعها إليه. فالحديث عن وصفها جماليا على لسان أصحابه، بالإضافة إلى الحديث عن مشابهات تحدث مرارا في القرية في تحد واضح لتابو الثقافة والدين مثل ما أشار إليه في سردية من سردياته الأحادية عن علاقة بين أخ وأخت غير شقيقين كلها أمور كاشفة عن التلميح الذي يعصمه من الظهور الجلي والواضح الاحتماء بلفظ (خالتي) الذي يكرره كثيرا، بالإضافة إلى صمت الخالة، ففي نص الرواية يقف رد فعلها عند حدود الإنصات. ولكن فردوس وإن كانت لا تتورط في الرد أو الحوار مع السردية الأحادية من المراهق لفتح نافذة للاتصال من خلال عرض الشبيه والنظير المخالف للأعراف والتقاليد والدين لاتقف في مساحة الصمت السلبي، فهي تتحرك في اتجاه آخر يكشف عن تورطها الداخلي في هذه السردية وذلك من خلال الحلم، فالإنصات باب للمخيلة التي تصبح والحال تلك مظلة للحركة والاستمرار. ففي حلمها نجدها تستيقظ ليلا، وتصل إلى حافة النهر، وتصبح من خلال حلمها واحدة من العشاق الذين يهيمون ويتحركون في إثرها، استجابة للرغبة ونزوعهم الجنسي. فإذا كانت رواية يوسا تتحرك دلاليا نحو اكتشاف الجسد حقيقة، سواء من خلال الطفل وتفسخه أو توزعه بين البراءة والإثم، أو من خلال المرأة في ارتباطها بذلك الفعل وانتظاره، فإن رواية البساطي رحلة لاكتشاف سطوة الجسد من خلال السرد الأحادي للمراهق أو من خلال سلطة المتخيل وفاعليته بالنسبة لزوجة الأب (فردوس)، فالصمت بوصفه آخر حدود رد الفعل يشير إلى طبيعة الثقافة القامعة والضاغطة. في رواية يوسا هناك انتظار للفعل، وفي رواية البساطي هناك انتظار لفاعلية السرد، لأن السرد الأحادي من المراهق سعد يحرر المخيلة، ولكنه لا يفلح في تحرير الجسد في كسره لشرنقة الأعراف المتراكمة. فردوس في رواية البساطي وجدت ضالتها في الإنصات إلى السرد، وفي التضحية بطعامها للمراهق، وفي انتظار حضوره، ولكن كل ذلك ظل تحررا مكبوتا مقيدا. أما في رواية يوسا فتلح الفكرة الأساسية في الرواية من خلال تداخل البراءة بالتفسخ من بداية الطفولة، يتجلى ذلك من خلال العناية بالجسد من البداية والعمل على تحريره، والبحث عن مبرر مقنع، تقول الرواية على لسان لوكريثيا زوجة الأب( إنه ليس عشيقي. وكيف يمكن أن يكون وهو في هذه السن؟ ماذا يكون إذن؟ إنه السيبرنتا إنه الطفل الذي كان رسامو عصر النهضة يضيفونه إلى مشاهد مخادع النوم، لكي تبدو المعركة الغرامية أشدّ احتداما). الحديث عن الصور في رواية يوسا يقابله في رواية البساطي حديث عن الطبيعة المحيطة، وإن كان الأول أفرد لها إطارا سرديا يتماهى في إطار الاتصال والانفصال، ففي رواية يوسا يشير إلى كون الرواية أصبحت بنية مفتوحة، فهذا المزج بين السردي واللوحات التشكيلية لفنّانين عالميين يطرح جزئية تتمثل في علاقة التضاد بين الواقع والخيال، وذلك لإحداث انعطافات تتعلق بالمنحى الفكري المولد من خلال النص الروائي. أما في رواية البساطي فإننا أمام عالم له خصوصية وثيق الصلة بالشخصية الرئيسة التي لم تفلح في تحقيق اتصال صاف بالعالم وشخصياته، ولم تفلح في تحرير جسدها من ربقة الأعراف والأسر، بداية من أخيها الذي زوّجها بعد وفاة أبيها (لموافي) الذي يكبرها في السن بعقود، ومرورا بالصمت الساكن تجاه التعرية السردية للاقتراب من فعل المواجهة وتهشيم الطبقات المتتالية للمقاومة، من خلال السرد الأحادي الأقرب إلى الموال الغنائي بفرديته دون حوار من المرأة على الطرف المقابل الذي يقوم به سعد المراهق ابن زوجها، وانتهاء بالارتباط بالنهر- ولو من خلال الخيال- للوصول إلى فعل التهدئة للسير والامتثال نحو الطريق المحدد بحدود قامعة ضاغطة. في رواية (الزوجة المكسيكية) للكاتب إيمان يحيي كان يمكن للرواية أن تقف عند حدود الخطين السرديين الخاصين بيحيي بطل رواية البيضاء (ليوسف إدريس)، وصوت الزوجة المكسيكية ابنة الفنان اليساري المعروف، وأن تظل في إطار هذين الصوتين السرديين محافظة على حدود التشويق الروائي للبحث في جذور واقعة حقيقية، لا يعرفها الكثيرون من القراء، وهي زواج يوسف إدريس في مقتبل حياته من فتاة مكسيكية عاشت معه في القاهرة، وعادت إلى بلدها بعد ذلك، وتوفيت بمرض السرطان. ولكن الخط السردي الثالث الذي ينفرد به الراوي لتشكيل حكاية آنية معيشة بين أستاذ جامعي يشرف على رسالة عن أعمال يحيي كاتب رواية البيضاء تقوم بها باحثة أمريكية يجعل الرواية متجذرة في إطار فكرة المعارضة وإعادة الحادثة والمرور بالتجربة بشكل مغاير، وذلك من خلال الوقوف- بعد مرور فترة زمنية كافية- على طبيعة التغييرات التي تصيب المجتمعات والأفراد على حد سواء، بالإضافة إلى مساءلة فكرة اليسار أو الانتماء لليسار في معناه الواسع، وفي فلسفة وجوده، حيث يتشكل بعيدا عن اللدونة والتطويع، وتتأسس فلسفته في مطلق الخروج ومطلق المعارضة بعيدا عن فكرة الأعراق والأجناس، خاصة إذا كانت رواية البيضاء في رؤية الكثيرين من المنتمين لليسار تشكل خروجا مقصودا عن أسسه ومرتكزاته. من الجزئيات المهمة التي تربط بين الروايتين جزئية تتمثل في العلاقة الإشكالية بالمرأة بشكل عام، وبالمرأة بوصفها آخر يختلف في الثقافة والجذور، فالراوي مقابل ليحيي مؤلف رواية (البيضاء)، وسامنثا التي يشرف على أطروحتها عن روايات يحيي بالجامعة الأمريكية مقابلة للشخصية الحقيقية (روث ريفيرا) ابنة فنان الجداريات المكسيكي اليساري (ديجو ريفيرا). فنظرة الشرق المثالية إلى الحب كانت مدخلا مهما من مداخل مقاربة رواية (البيضاء) ليوسف إدريس، وهذه النظرة مغايرة لنظرة القسيم الأنثوي الغربي في الرواية ذاتها، ففي نظرة الشرقي هناك تباين بين الحب والجنس، ولكنها عند الغربي تتمثل في الاتحاد بينهما، فكأن المقاربة الروائية في رواية الزوجة المكسيكية تعيد طرح هذا الأمر، ليتمّ التيقن من أن هذه النظرة المثالية- وإن لم توجه السلوك العام- ظلت حاضرة وفاعلة على المستوى الشكلي الظاهر في هذا الالتباس المستمر في علاقة الراوي بالباحثة على امتداد صفحات الرواية، وفي العناء الظاهر في محاولة تحديد أطر للتواصل والتعامل، بعيدا عن الحرية والسهولة التي يشعر بها القارئ في رد فعلها، وكأن الرواية في إطار هذا المنحى تشير إلى الثبات وإلى الحركة البطيئة نحو تطوير المجتمع، وإلى إدانة مبطنة للحداثة المزعومة التي يتشدق بها الكثيرون. وثمة جزئية قد تكون على نحو كبير من الأهمية تتعلق برواية البيضاء ليوسف إدريس، وهي وجهة نظر اليسار المصري إلى الرواية، فهناك شبه إجماع على أن رواية البيضاء فيما تقدمه من علاقات مبتورة بين اثنين (رجل وامرأة) ينتميان إلى اليسار، وإلى حركة السلام ببزوغها وازدهارها في بداية الخمسينيات تمثل ارتدادا عن قيم اليسار المشدودة إلى الاستناد للقيم الكبرى، والانشغال بمقاومة الظلم في أي مكان بالعالم دون الوقوف طويلا أمام العرق واللون، فاليسار هنا مظلة كونية تستطيع أن تجمع وتنتصر في مستواها المثالي للجميع. إن (الزوجة المكسيكية) من خلال المقارنة بين لحظتين زمنيتين بينهما مساحة ممتدة تصل إلى سبعين عاما، تعاين من خلال هذا البناء المتوازي فاعلية اليسار المناهض في أسسه العليا للظلم، والمناوئ والمحارب لسيادة الدكتاتوريات في العالم، وتصل في جزئيات كثيرة من نص الرواية مشيرة إلى تلاشيه في اللحظة الراهنة. الرواية هنا تعاين التحولات من الإيمان بفكرة اليسار، إلى الوصول للهزيمة. في رواية طارق إمام (طعم النوم) هناك حوار ممتد بين عملين سابقين، ولكاتبين ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين، وهما الياباني كاواباتا في (الجميلات النائمات)، وماركيز في (ذاكرة عشيقاتي الجميلات). يصور الياباني كاواباتا العجائز المصابين في رغباتهم، فهم يدخلون إلى منزل لقضاء الليل بجوار مراهقات، لا يذهبن إلى النوم بشكل طبيعي، بل تحت تأثير مخدر. رواية تصور فرصة للسرد والحكي بديلا عن الفعل حيث يصبح السرد محاولة للتذكر والتطهر عن ذنوبه السابقة في لحظات القدرة على الفعل، فالعجائز في هذا البيت لهم حق في رؤية الفتيات عاريات، ولكنهن لا يملكون حق إيقاظهن أو لمسهن. تتميز رواية طارق إمام بالوعي بما تقدمه، فهي رواية مهمومة عن قصد بتقديم نسخة ثالثة للنموذجين السابقين، وهذا يكشف بداية عن أن أية محاولة للإسهام في تشييد طبقة جديدة تأتي من الوعي بالتجليات السابقة للفكرة، ومساحات التميز في بنائها، وبالجزئيات التي تحتاج إلى إعادة مقاربة، وإلى توجيه الضوء إليها. ففي الرواية نطالع مقالا لناقد اسمه طارق إمام تقوم بقراءته إحدى الشخصيات متحدثا عن روايتي كاواباتا وماركيز، ويتساءل عن سبب غياب فكرة الرواية عن ماركيز، خاصة وأنه كتب روايته بعد مدى زمني طويل من نشر رواية كاواباتا. في رواية (طعم النوم) نجد أن الصيغة الأكثر قربا للتعامل مع النص السابق متمثلة في (الحوار) بعيدا عن الاستلاب أو الدوران في مدارات النص السابق وفلكه، فقد جاء السرد- مغايرة للنصين السابقين- مرتبطا بالفتيات، وليس مرتبطا بالرجال المسنين. فالجزء الأول (منزل النائمات) يتشكل من خلال صوت روزا الأخيرة التي تشدنا من خلال الصور الوصفية- حيث لا تستطيع النوم في سرير واحد مرتين- إلى العجائبية أو إلى الواقعية السحرية من خلال فاعلية الخيال الجامح من المؤلف. أما الجزء الثاني(مدينة العجائز) فيتجلى من خلال صوت الأم (شهر زاد) التي تغادر في تلقيها طبيعتها المادية المعهودة، وتصبح في ذلك السياق علما على الجنس، ودالة على حالة انتصار نسوي مؤسس في التاريخ القديم، حيث تنتصر شهر زاد (الفكرة ) من خلال فتنة الإيغال في الحكي والسرد. ولكنها- أي شهر زاد الشخصية- في هذه الرواية لا تتوقف فاعليتها عند حدود الانتصار بالسرد والحكي، وإنما تضيف إليها آلية أخرى تتجلى حين تذهب لزيارة عجائز المدينة، وتحقنهم بإبر مميتة وقاتلة. وربما تتشكل في رواية (طعم النوم) في إطار هذا المنحى (الحضور النسوي والقدرة على الفعل) القيمة المضافة للنسختين السابقتين حيث ظل الحضور الذكوري فيهما موجودا ومحركا لحركة المعنى وللقيم الفنية والسردية. إننا أمام رواية نسوية بامتياز تستند على التداخلات العميقة بين الواقعي والخيالي، ولا تكتفي بإحداث انعطافات عكسية من خلال امتلاك الصوت الروائي، وجعله في يد رواية أنثى أو فتاة، وإنما هي تحاول استعادة العدل في تشكيل العالم الروائي من خلال الاتكاء على تاريخ الانتصار والقدرة على الفعل، وعلى تاريخ الجنس النسوي، وتحوله في لحظات فارقة من قتيل إلى قاتل، من أداة للتمثل والتمثيل إلى قدرة على تمثل وتمثيل الآخرين والوعي بطبيعة سلوكهم المنتهك، من أداة يتمّ تطويعها واللهو بها، إلى لاعبة تجيد اللعب، وتجيد الانتهاك. الأدب في عمومه وعلى اختلاف تجلياته وفنونه هو فن المعارضة بشكل ما، في ظل وجود مفهوم واسع لهذا المصطلح الذي يكشف عن أن الفن في الأساس استجابة مستمرة لحاجات إنسانية وأسئلة وجودية تتأمل وضع الإنسان في هذا الكون، وتحاول من خلال الإجابة عن هذه الأسئلة إضاءة جانب من الجوانب الخفية داخل الإنسان مشيرة إلى تحيزاته، أو إلى نقصانه أمام قوة عليا، ولا يستطيع أن يتخلص من هذا النقصان إلا من خلال هذا اللعب الفني المحسوب بدقة.