عادل ضرغام

الوعي الذاتي بالآخر في شعر صلاح عبدالصبور

غلاف كتاب الوعي الذاتي بالآخر في شعر صلاح عبدالصبور
الوعي الذاتي بالآخر في شعر صلاح عبد الصبور إن فكرة التطور الأدبي تأتي في الأساس لصيقة بالسياق الحضاري بتجلياته المختلفة ، وينتج عن فكرة التطور أو التغيير فكرة المفهوم الخاص بالإبداع الأدبي مهما تنوعت هيئاته وأساليبه . والشعر هو أحد الأساليب الأدبية المهمة ، وقد تنوع الاهتمام به ، بين راصد للنظرية الشعرية ، وراصد للمفهوم الشعري ، وقد فرق الباحثون في ذلك السياق بين النظرية والمفهوم ، » فالنظرية – على حد تعبير عز الدين إسماعيل – لازمانية ، والمـفاهيم لصـيقة بـالزمن أو الــتاريخ ؛ لأنــها ولــيدة تأملات فردية لأشخاص بأعيانهم» ( ). وقد أدى المفهوم الشعري بالزمن أو التاريخ ، إلى انفتاحه للتغيير والتبديل ، ففي نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي ، بدأت الروح الكلاسيكية تنحسر تدريجياً، وبدأ يحل مكانها روح جديدة ترتبط بالذات الفردية ، «فنقطة الانطلاق الوحيدة عند جميع الرومانسيين مهما تنوعت نقاط وصولهم هي حتمًا فعل وعي الذات»( ). فالشعر - عند أقطاب هذا الاتجاه – وسيلة للتعبير عن الذات ، وقد كان هذا التوجه منطقيا ومبررًا ، في ظل السياق الخاص بالنزوع إلى التحرر ، ولكن هذا التمحور حول الذات أثر تأثيرًا واضحًا على نغمة القصيدة وجعلها خطابية إلى حد بعيد ، فقد تحولت القصيدة إلى غناء مرسل تتداعي فيه الخواطر والأحاسيس مباشرة دون محاولة لتأطير هذه التعبيرية المباشرة ، «وكان الشعر والأدب عندها تغريد طائر، أو خرير ماء ، أو دوي رياح أو قصف رعد ، لا يصدر عن صنعة مقصودة أو نشاط ذهني وعمل إرادة .وضابطها الوحيد هو هدي السليقة وإحساس الطبع»( ) إن الرومانسية وإن حررت الشعر العربي من أغراض القصيدة التقليدية ، التي كانت شائعة في الكلاسيكية ، فإنها أدت إلى ميلاد التقوقع الذاتي وأدى في بعض الأحيان إلى وجود نوع من المباشرة التعبيرية «وهذا المنهج في كتابة القصيدة كفيل بإنهاكها ، ويجعلها وجودًا هلاميًا يعسر الإحساس به»( ). وربما كانت جزئية النبرة الذاتية ، التي وجدت بشكل ملحوظ بعد طغيان المفهوم الرومانسي ، إحدى الأسباب الأساسية في وجود مفهوم جديد للشعر ، لم يتشكل كاملاً إلا في إطار نسق متقابل ومتضاد مع المفهوم الرومانسي السابق ، يتمثل ذلك في المفهوم الواقعي ، «فهو يقوم على العناصر الواقعية ، بما فيها من شر وحقائق ، إنه موقف يستهدف تصوير الحياة بأمانة مع البحث والنظر في جميع جوانب الواقع المختلفة »( ) الواقعية – إذن – مذهب يتقابل مع المذهب الرومانسي بداية من الفلسفة التي نما في إطارها ، ومرورًا بالمفهوم الشعري الذي تشكل في أحضان كل مذهب منهما، فإذا كان الشعر – حسب الرومانسية – تعبيرًا عن المشاعر أو العواطف ، فإنه – حسب التحديد الواقعي – تمثيل موضوعي للواقع ، وفي ذلك يقول رينيه ويلك «ولقد صاغت هذه الكتابات – يقصد كتابات الواقعيين – مذهبًا أدبيًا محددًا يركز على أفكار بسيطة تقول إن على الفن أن يصور العالم الحقيقي تصويرًا أميناً، لذلك فإنه يجب أن يدرس الحياة المعاصرة عن طريق الملاحظة الدقيقة ، والتحليل المتأني ، وعلى الفنان أن يفعل ذلك بدون انفعال ، أي بدون حشر الذات، أي بموضوعية»( ) وقد رأينا صدى لهذا المذهب الواقعي في شعرنا العربي الحديث ، استجابة لسياق حضاري معين ، «فقد انتهت الحرب العالمية الثانية ، وقد تمخضت – بالنسبة للعالم العربي – عن ثورات عديدة اجتماعية وثقافية وسياسية وعسكرية ، أدت مجتمعة إلى وعي أكثر بقضية الفن والفنان ، وإلى انغماس أشد من الفنان في واقع مجتمعه»( ). يتجلى صدى هذا التحول من المفهوم الرومانسي إلى الواقعي في وجود أشكال بنائية جديدة ، بالإضافة إلى تخلص الشعر من الغنائية المسرفة المرتبطة بالتقوقع الذاتي ، فقد بدأ الشاعر يبدع نصه الشعري في إطار وجود مساحة فاصلة، تتيح له هذه المساحة الرؤية الحقيقية ،« فقد راح يبحث عن أصوات شعرية أخرى بعيدًا عن صوت الشاعر الغنائي ، فالتقى في بحثه بالأشكال الشعرية الموضوعية التي منحته عناصر وأبعادًا، أغنت القصيدة الحديثة »( ).. وقد أتاح البعد عن صوت الشاعر المباشرة –بالإضافة إلى المساحة التي يتيحها هذا البعد – للشعراء أن ينظروا للنص الشعري بوصفه كيانًا مستقلاً ، يوجب الانتباه إلى قيمة البناء ، وإلى قيمة الرصد الموضوعي الواقعي . صلاح عبد الصبور والمفهوم الواقعي يعتبر صلاح عبد الصبور واحدًا من الأصوات الشعرية الرائدة ، وقد كان لشعره الغنائي – بالإضافة إلى أشعار آخرين – دور فعال في التأسيس للشعر الحر ، والمتأمل لكتابه «حياتي في الشعر» يدرك على نحو واضح وصريح ، ذلك الترابط الخاص بين مفهومه للشعر والمفهوم الواقعي يتجلى ذلك الترابط في جزئيات أساسية ، تتصل بمهموم الشعر ، فقد تعرض في البداية لمفهوم الشعر الرومانسي، ورفضه ؛ لأن هذا المفهوم يجعل القصيدة مجرد غناء تنثال فيه الخواطر والأحاسيس ، دون رابط يكون شكلاً بنائيا للنص ،حيث يقول عن هذا المنهج الإبداعي «إن هذا المنهج في كتابة القصيدة ، كفيل بإنهاكها ، ويجعلها وجودًا هلاميًا ، يعسر الإحساس به .وفي ظني –أيضا – أن ما ينقص شعراؤنا هو هذه المقدرة على وضع أحاسيسهم وعواطفهم في نسق متكامل»( ). ونتيجة للرفض السابق للمفهوم الرومانسي ، نجده يحاول أن يبين طريقُا خاصة للشاعر ، من خلال المفهوم الذي يعتنقه ، فالشاعر – عندئذ – في حاجة إلى التحول عن النظر الداخلي أو ما يطلق عليه بعض نقادنا الآن – جريًا وراء مصطلح علم النفس – الاستبطان الذاتي ، إلى النظر الخارجي في الكون والحياة»( ). وقد أدى إيمانه بفكرة التحول من مفهوم إلى مفهوم آخر إلى تكوين تصورات خاصة ترتبط بفكرة التجربة ، التي كانت تمثل مصطلحًا نقدياً في ذلك الوقت ، فهو يرى أن مدلولها تحت تأثير المفهوم الرومانسي قد انحسر في حدود التجربة العاطفية وحدها ، في حين «أن التجربة بالمعني الفني أو الفلسفي قد تعني كل فكرة عقلية أثرت في رؤية الإنسان للكون والكائنات ، فضلاً عن الأحداث المعاينة التي قد تدفع الشاعر أو الفنان إلى التفكير » ( ). وتبرز – أيضا – في ذلك السياق فكرة التشكيل البنائي الشعري ، بوصفها نتيجة للإيمان بالمفهوم الواقعي ، منبثقة عن فكرة الخلق فالشاعر في رأيه – لا يعبر عن الحياة ؛ ولكنه يخلق حياة أخرى معادلة للحياة ، وأكثر منها صدقاً وجمالاً ، فمن خلال فكرة الخلق المرتبطة بالواقع على نحو ما ، تأتي فكرة التشكيل البنائي ، على أساس أن القصيدة كيان يختلف عن المبدع ، وإن انطلقت منه ، «ففكرة التشكيل تنبع من الإقرار ، بأن القصيدة ليست مجرد مجموعة من الخواطر أو الصور ، أو المعلومات ، ولكنها بناء متدامج الأجزاء ، منظم تنظيمًا صارمًا»( ) إن ذلك التقابل الحاد بين المفهومين الرومانسي والواقعي ، يمكن أن نجد له صدى واضحًا في تكوين ثنائية أخرى، كان لها وجود وبريق ، في فترة سابقة وهي ثنائية الذات والموضوع ، وهي ثنائية أصبحت في الوقت الراهن (*) ليس لها ما يبررها ، وخاصة بعد اكتشافات باختين الحديثة ، ويقينه أن «الأنا» ليست خالصة أو محددة تحديدًا تامًا ، بل تحتوى في تكوينها الأساسي على جزئيات من الآخر ، وقد أجلنا الحديث عنها ، لأن صلاح عبد الصبور يحمل عليها حملة قاسية ، خاصة في جزئية توهم التفريق بين الذاتي والموضوعي . وقد أشار الدكتور شكري عياد إلى ارتباط هذه الثنائية بالفلسفات المادية المعاصرة وذلك حين يقول «ونستطيع أن نعيد هذه الثنائية إلى أصل واحد : وهو ثنائية الأنا والآخر ، أو الذات والعالم ، وهي الثنائية التي تكمن وراء المدارس الفكرية المعاصرة على اختلافها : من الليبرالية الحديثة إلى الوجودية إلى الماركسية ، أنها ثنائية تنطوى في جميع صورها على نوع من الحوار مع الواقع » ( ) والجزئية الأخيرة من كلام شكري عياد ربما تشير إلى حالة من الجدل بين الذات والموضوع ، وإلى نوع من الحوار ، يستحيل من خلاله الفصل بينهما ، والشاعر في ذلك الإطار لا يقدم إلا وعيا خاصًا بجزئيات الواقع المحيط ، الذي يمثل الموضوع ، ومن خلال هذا الوعي يقدم أو يخلق واقعاً جمالياً . وفي تنظير صلاح عبد الصبور ، نجد أن حملته ضد المفهومين – الذاتي والموضوعي – نابعة من فكرة الفصل ، وليست نابعة من إنكار وجودهما فهو يرى «أن استعمال المصطلحين في عالم الفن تخريب وسوء فهم فلا ذاتية ولا موضوعية في الفن ، إذ إن كل فن جيد هو ذاتي وموضوعي في ذات الوقت ، ولن تستطيع فصل جانب عن جانب إلا إذا استطعت فصل اللون عن الرائحة والزهرة»( ) التركيز في فكرة صلاح عبد الصبور النقدية يرتبط بجزئية صعوبة الفصل بين الذات والموضوع ؛ لأن الفصل بينهما سوف يؤدي إلى وجود واستمرار الثنائيات في تفكيرنا النقدي ، وفي حياتنا الثقافية ، تلك الثنائية التي تجعل رؤيتنا للأمور ناقصة وغير كاملة ، منحازة دائمًا في إطار الأطراف المتقابلة .فالتفكير الصحيح يشير إلى صعوبة تحقق الأنا أو الذات تحققًا كاملاً إلا في إطار جدلي مع الآخر أو الموضوع. ولكن الإلحاح على رفض الثنائية السابقة ، لا ينفي أن هناك تغيرًا في الأفق لمفهوم الشعر ، وأن هناك توجهًا جديدًا للوعي الذاتي ، فقد تحرك من رصد واستبطان الداخل إلى رصد الخارج والحوار معه، يتجلى ذلك في قوله عن أفلاطون «فمن الواضح أن أفلاطون قد أعاد تفسير اعرف نفسك ، بحيث جعلها لا تنصرف فحسب إلى الإنسان الفرد، بل تنصرف إلى الجماعة البشرية »( ) والبحث- في أصل غايته – يحاول أن يرصد تجليات هذا الوعي الذاتي بالموضوع أو الواقع المحيط في شعر صلاح عبد الصبور ، ودور هذا التوجه في ميلاد آليات وتقنيات جديدة إلى حد ما في شعرنا العربي ، تلك التقنيات والآليات التي وجدت في أشعار بعض الشعراء الذين ينتمون إلى جليه ، أو ينتمون إلى أجيال تالية . المتأمل لشعر صلاح عبد الصبور- في المرحلة الأولى – يدرك أن شعره كان يدور في إطار تلك التجربة الرومانسية ، فالقصيدة لديه في تلك المرحلة كانت تتسم بالغنائية ، والبساطة في الغناء ، والميل إلى استبطان الذات ، للتحليق في أجواء الخيال الرومانسي ، وتتجلى هذه السمة في بعض قصائده ، منها «عيد ميلاد»و«وسوناتا» و«الرحلة» و«الوافد الجديد». ويربط أحد الباحثين ذلك الاستبطان الذاتي في الإبداع الشعري لدى صلاح عبد الصبور بسيادة نمط القصيدة القصيرة باعتبارها الشكل الحديث للقصيدة الغنائية «فلقد بدأ صلاح عبد الصبور رحلته الشعرية في أوائل الخمسينات شاعرًا رومانسيا ، متأثرًا بالاتجاهات الرومانسية التي طورتها مدرسة أبولو الشعرية ، والاتجاهات الشعرية في المهجر ولبنان ، بالإضافة إلى تأثيرات الحركة الرومانسية الإنجليزية التي تمثلت في أعمال «وردزورث» ،و«كوليردج »و«كيتس » و«شيلي»،و«بليك« . وكانت القصيدة عنده آنذاك القصيدة القصيرة ( )؛لأن القصيدة القصيرة «تقدم الفكرة المتوترة بصورة انفعالية ، وتصاغ في صورة لفظية خاصة ، وفي صورة من المعاناة المباشرة » ( ). ويمكن – بعد تأمل قصائد هذه المرحلة – أن ندرك أن البناء العروضي أو الإيقاعي ، كان يدور في إطار المحافظة على النسق المتوارث والمعهود والمقرر ، وجاءت تجديداته في ذلك الإطار ، واقفة عند حدود مدرسة المهجر والمدارس الرومانسية بتجلياتها العديدة في شعرنا العربي . ولكن صلاح عبد الصبور – استجابة للحظته الحضارية الخاصة – بدأ يتخلص من أثر المدرسة الرومانتيكية العربية بموسيقاها الرقيقة ، وقاموسها اللغوى المملوء بألفاظ تحمل دلالات متماوجة مجنحة ، بدأ في التحول من استبطان وعي الذات ، إلى وعي الذات بالواقع والحوار معه، واتخذ هذا الوعي أشكالاً وتجليات مختلفة ، حيث يتوارى صوت الشاعر المباشر ، وتظهر في الأفق النصي أصوات أخرى ، وأشكال إنسانية أخرى تحمل في تكوينها الداخلي وهج الذات ، ووجهة نظرها المتوارية. وقد تعددت هذه الأشكال منها: *الاهتمام باليومي والإصرار على التفاصيل : ربما كان الاهتمام باليومي جزئية أساسية ، وشكلاً أساسيًا لإثبات طبيعة تحول الوعي من الداخل إلى الخارج ؛ لأن رصد اليومي ، يجعل الذات تدرك أنه لا وجود لها خارج السياق الواقعي فطبيعة الذات تتشكل في حدود ذلك السياق . وهذا التحول إلى اليومي والمعيش في ديوان صلاح عبد الصبور الأول على وجه الدقة يحاوبه – أو ربما يكون ناتجًا عنه – تحول آخر يتمثل في الاهتمام بلغة الحياة اليومية ، وهذا الاهتمام يؤكد نفي فكرة ارتباط الجمال بألفاظ معينة ، وقد كان صلاح عبد الصبور – على حد قوله – متأثرًا بجرأة إليوت في التعامل مع اللغة بعيدًا عن النسق القاموسي . يتجلي ذلك التوجه في قصيدة «الحزن» ( )، التي كانت مثار جدل بين النقاد، حيث يقول: يا صاحبي إني حزين طلع الصباح فما ابتسمت ولم ينر وجهي الصباح وخرجت من جوف المدنية أطلب الرزق المتاح وغمست في ماء القناعة خبز أيامي الكفاف ورجعت بعد الظهر في جيبي قروش فشربت شايًا في الطريق ورتقت نعلي ولعبت بالنرد الموزع بين كفي والصديق قل ساعة أو ساعتين قل عشرة أو عشرتين وضحكت من أسطورة حمقاء رددها الصديق ودموع شحاذ صفيق وأتي المساء في غرفتي دلف المساء والحزن يولد في المساء لأنه حزن ضرير . ففي الجزء المقتبس السابق ، سنجد أن هناك إلحاحًا على « اليومي» و«المعيش» ، والنص حين يلح على «اليومي» ، لا يقف عند حدود «الذاتي» الضيق ، وإنما يحاول الخروج «إلى ما هو إنساني عام، أي جعل ما هو مألوف محليًا حاملاً لرؤية فكرية وإنسانية كبيرة ، من خلال اشتراكه الإنساني الكلي مع ما هو عالمي» ( ). وحتي يتسنى لنا أن تدرك أن هذا الإصرار على تصوير « اليومي» يرتبط بفكرة إنسانية عامة يمكن أن نقف عند حدود الجزء المقتبس السابق ، ومحاولة تحليله .فالنص يبدأ من خلال الجملة التقريرية «يا صاحبي إني حزين » ويرتبط بها «طلع الصباح ولم ينر وجهي الصباح » ، وهنا إشارة إلى أن الحزن ميراث وإحساس داخلي ، والسطران الأول والثاني يقعان في دائرة الإخبار التي تجعل الصورة واقفة في إطار المشهدية الخاصة . وتأتي السطور الشعرية التالية من الحركة الفعلية من السارد مرتبطة في الأساس بالفعل لدى كل توجه في بداية كل سطر شعري «خرجت – غمست – رجعت – شربت – رتقت – ولعبت وضحكت» ، وتكرار هذه الأفعال في بداية كل سطر شعري يشير إلى نوع من الحركة ، وإلى نوع من التتابع والتعاقب السردي ، فهذه القصيدة «تحاول ما أمكنها الاستغناء بالحكاية عن توليد الاستعارات وأنوع المجاز الأخرى » ثمة دخول في مغامرة التخلي عن العناصر التي شكلت جوهر شعرية القصيدة العربية الحديثة ، والاكتفاء بالعنصر الموسيقي مضافًا إليه بعض عناصر السرد » ( ). ويمثل كل فعل من هذه الأفعال بداية حركة أو توجه من السارد ، وذلك حتى يستطيع التغلب على هذا الحزن ، فالخروج مرتبط في الأساس بالبحث عن الرزق، ويأتي السطر التإلى من خلال الفعل «غمست» في ماء القناعة خبز أيامي الكفاف؛ ليشير إلى حالة من حالات الرضا الجزئي ، التي تتماس مع فعل «الرجوع» بالقروش القليلة . إن الحركات التالية تتأثر – بالضرورة – بنهاية رحلة الرزق المرتبطة بالقروش القليلة ، التي حصل عليها ، من خلال فعل شرب الشاي ، ورتق النعل ، وتبدأ فكرة الإلحاح على اليومي في أخذ ملامحها من خلال إكمال عناصر المشهد الصوري ، بلعب النرد مع الصديق ، والارتباط بالجو الحياتى المعيش ، القائم على الحوار ومراقبة الآخر . إن النص يمثل سيرة ذاتية للكائن العادي ، ومن ثم سنجد ذلك الاحتفال «باليومي» ، بداية من اللجوء إلى لحظة البداية ، التي تمثل لحظة النهاية في الوقت ذاته ، والمرتبطة بالصباح ، ومروراً بالإلماح إلى أن أثر الليل المرتبط بالحزن مازال مسيطرًا بالرغم من ضوء النهار ، ومن ثم تتوالى الحركات بداية من فعل الخروج والرضا بالمتاح . ويتجاوب مع العناية باليومي الإلحاح في بعض الأحيان على التفاصيل التي يمكن تجاهلها في أحيان أخرى ، لكن الالتفات إليها مهمًا ، لإضافة دلالات ضرورية . يتجلى ذلك حين نتأمل السطور الشعرية ، التي مثل كل سطر فيها توجهًا حركيًا خاصًا ، والسطور الأخرى التي تمددت بنائيا ،وهي لم تتحقق إلا في جزئيتين : الأولى (ولعبت بالنرد الموزع بين كفي والصديق – قل ساعة أو ساعتين – قل عشرة أو عشرتين) والأخرى (وضحكت من أسطورة حمقاء رددها الصديق – ودموع شحاذ صفيق ) . فالعناية بالتفاصيل من خلال هذا التمدد التركيبي ، لا تأتي عارية من الدلالة ، فالجزئية الأولى تشير إلى حياة خاصة لا تحفل بالوقت ، وإنما تحمل نسقًا يوميًا متواليًا يبدأ من لحظة البداية إلى النهاية التي تفتح باب الحزن المنتظر والمنتظر ، والجزئية الأخرى تضعنا وجهًا لوجه مع خيار الشاعر الذي يحتفي بالذاتي والموضوعي في آن . إن الاقتباس السابق يغلق الرحلة اليومية من خلال (وأتي المساء – في غرفتي دلف المساء- والحزن يولد في المساء لأنه حزن ضرير) وكأن الحركات المتوالية النهارية ، والتي تحاول استنطاق اليومي وإدخاله في شبكة علاقات سردية ، كلها كانت محاولات لوضع قشرة رهيفة على جرح التوحد مع الذات/ أو العودة إلى الذات مع المساء ، وكأن هذه الحركات المتوالية ، كانت محاولة للاندماج حتي يخفت الإحساس بالحزن قليلاً . إن الإلحاح على اليومي والتفاصيل في النص السابق ليس إلا مرحلة تقع في المنتصف ، بين البوح الرومانسي القديم ، الذي كان مسيطرًا في مرحلته الشعرية الأولى ، وبين محاولة التجرد الذاتي في الوعي بالواقع المعيش من خلال الارتباط بأفراده وجزئياته ، تلك المحاولة التي تجعل ضمير «الأنا» ، يقل وروده ، أو يخفت الإحساس به ، ويحل مكانه ضمير «الغائب» بوصفه وسيلة سردية تجعل السارد أو الشاعر محايدًا في تقديم الواقع « فالواقعية تحاول إدراك الوجود على حقيقته ، ولا تسمح للخيال أن يزيفه ، وهي تربط الفكرة بالمجتمع الذي نشأت فيه» ( ). *تكوين أو بناء النموذج : تعتبر جزئية رصد الواقع الحياتي المعيش، هي السبب الأساسي في وجود مثل هذه التكوينات الشعرية ، والتي تحاول أن تكون نموذجًا إنسانيا خاصًا يكتسب نموذجيته أو اختلافه من تشابهه مع الآخرين وارتباطه بسماتهم ، والشاعر «إذ يفعل ذلك فإنه يقوم بنفي الأسطورة وإثبات الواقعي البسيط » ( )، الذي يعطي هذا العادي سمة النموذج . والشاعر في بنائه لنماذجه الخاصة يستند إلى نسقين ، النسق الأول يعتبر صورة أولى للبداية ، التي بدأت تأخذ ملامح الاكتمال في النسق الثاني ، ففي النسق الأول نجده يبدأ بعرض العام ، والمتشابه ، ثم ينتخب من هذا العام نموذجًا يشير إليه ، وينطلق منه ، يتجلى هذا النسق في قصيدة «الناس في بلادي» التي تحقق من خلال عنوانها البعد عن التعبير الذاتي المباشر ، وذلك لأن النص – كما يتجلى من عنوانه – لا يرتبط بالذات ارتباطاً مباشراً ونهائياً ، وإنما يقدم وعي الذات بالواقع المعيش ، في إطار رؤية سردية أو وصفية . والنص في بنائه التركيبي يبدأ بتقديم رؤية إجمالية لذلك العالم الخاص، وذلك من خلال إسدال بعض الصفات المتوالية والمتعالقة تعالقًا لفظيًا خاصًا ( ). الناس في بلادي جارحون كالصقور غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة الشجر وضحكهم يئز باللهيب في الحطب خطاهمو تريد أن تسوخ في التراب ويقتلون ، يسرقون ، يشربون، يجشأون لكنهم بشر وطيبون حين يملكون قبضتي نقود ومؤمنون بالقدر إن هذا الصورة الإجمالية ، والتي تعطي إطارًا عاما لهؤلاء البشر ، ويتجلي من خلالها سمات خاصة ، تأتي وكأنها مقدمة تمهيدية ، أو تمثل مساحة لاختيار النموذج ، الذي ينبع منهم ، ويرتبط بهم ، وهذا النموذج لا يحمل سمات أسطورية أو خارقة للمعهود ، بل هو شخص يحمل سمات عادية ، ولكنها - بالرغم من بساطتها الواقعية – تصنع الاختلاف الذي يجعل «عم مصطفي » قائدًا للمشابهين له : يحكي لهم حكاية ... تجربة الحياه حكاية تثير في النفس لوعة العدم وتجعل الرجال ينشجون ، ويطرقون ويحدقون في السكون في لجة الرعب العميق والفراغ والسكون ما غاية الإنسان من أتعابه؟ ما غاية الحياه ؟ يا أيها الإله إن النموذج في النص السابق نشعر بوجوده الملموس من قدرته على التغيير في المحيطين به ، ومن طرقه – ربما تحت تأثير فكرة الجدل بين صوت الذات وصوت الآخر المعبر عنه- لموضوعات قد تكون وجودية في الأساس ، بالرغم من بساطة النشأة والتكوين . وإذا تأملنا النص السابق أدركنا أنه موزع من خلال البناء النصي ، بين تقديم صورة إجمالية لهؤلاء البشر ، تنبع ملامحها من النقيض إلى النقيض ، وتقديم صورة أخرى أو انتخاب نموذج يكون ممثلاً ( وسار خلف نعشه القديم- من يملكون مثله جلباب كتان قديم). أما النسق الثاني في تشكيل النموذج فهو السائد في شعر الشاعر ، بمعني أننا نجده يتخلص من هذا التوزع ، ونجده –أيضا – يدخل إلى نموذجه الخاص دون مقدمة إجمالية للانتخاب ، ويتجلى هذا في قصيدة « شنق زهران »( ) .والنص في بنائه للنموذج أو تكوينه ، لا يتبع منطقًا تراتبيًا ، وإنما يأتي وفق منطق خاص ، فالنص يبدأ من لحظة النهاية أو الموت المادي ، الذي أسهم في تشكيل النموذج ، وفي شحنه بحياة لا تنتهي : وثوى في جبهة الأرض الضياء ومشى الحزن إلى الأكواخ ... تنين له ألف ذراع كل دهليز ذراع من آذان الظهر حتي الليل ... يا الله في نصف نهار كل هذي المحن الصماء في نصف نهار مذ تدلى رأس زهران الوديع . فالنص يبدأ من لحظة النهاية أو الموت أو الحزن ، الذي تحول إلى كائن خرافي ، يمتد ويتفرع إلى دهاليز القرية ، وهذه إشارة إلى عمومية الشعور بالحزن إن البداية الخاصة للنص ، والتي تنبع من لحظة النهاية المتمثلة في الحزن الذي شمل الأكواخ ، تجعل الانتقال في المقطع الثاني لتصوير لحظات سابقة لتلك النهاية منطقياً .فالمقطع الثاني يبدأ من قوله ( كان زهران غلامًا ) والبداية بالفعل » تجعل النص داخلاً في دائرة الإخبار التقريري ، ويبدأ تكوين النموذج أو على الأصح سمات النموذج ، فأمه سمراء الأب مولد ، والنموذج في ذلك الإطار لا يختلف عن كثير من المجموع ، وتأتي جزئية أخرى تجعل البطل أو النموذج داخلاً في شريحة اجتماعية معينة (وعلى الزند أبو زيد سلامة- ممسكاً سيفاً ، وتحت الوشم نبش كالكتابة –اسم قرية – دنشواي » فهذه الصفات تضعه في نطاق الفلاح العادي الذي لا يعرف القراءة أو الكتابة . المقطع الثاني يسهم في إضاءة جانب مهم من جوانب تكوين البطل ، يرتبط بالأصول الخاصة الكاشفة من جهة الأم والأب ، أو الشريحة الاجتماعية .أما المقطع الثالث فإنه يقدم لنا التكوين النفسي الخاص بذلك النموذج ، وذلك من خلال الإخبار بداية من «كان ..» وتتولي الصفات (قويًا- نقيًا –أليفًا – ضحوكًا – ولوعًا بالغناء)، وكلها صفات تضع البطل/ النموذج في إطار خاص متفرد ، وتلمع في نهاية المقطع ذاته بداية التوهج والشعور بالحب . وإذا كان المقطع الثالث قد انتهي عند جزئية الشعور بالحب ،والشعور بقيمة الحياة والشباب في المجاهدة للحصول على الحب، فإن المقطع الرابع ينفتح على جزئية الزفاف والإنجاب . وتلمع في ذلك المقطع جزئية أخرى ترتبط بالقادم من الأيام ، وهي تأتي في نسق تقابلي مع الميلاد والنمو والشعور بالحب في المقطع الثالث (ونمت في قلب زهران زهيرة – ساقها خضراء من ماء الحياة – تاجها أحمر كالنار التي تصنع قبله)، أما في هذا المقطع فإن بوادر الموت تبدو في التشكل والنمو،(ونمت في قلب زهران شجيرة – ساقها سوداء من طين الحياة – فرعها أحمر كالنار التي تحرق حقلاً ..) فهذا التمهيد الخاص للحظة الحزن القادمة ، يسفر عن وجهه القاتم في المقطع الخامس ، من خلال سرد خاص للحكاية المعروفة . إن تشكيل النموذج /زهران في هذا النص وثيق الصلة بالواقع المحيط ، الذي يقدمه في أنساق جمالية خاصة ، عن طريق الإلحاح على رؤية المجموع لهذا النموذج ، وارتباط حياتهم بحياته ، ثم الارتداد لتصوير التكوين الاجتماعي والتكوين النفسي ، وهذا الإلحاح الخاص ، يجعله – على حد تعبير محمد بدوي – من خلال صورة الحمامة على الصدغ ، وصورة أبي زيد سلامة ، والإشارة إلى الوشم على الذراع ، يقترب من النمط ، على النحو الذي نظر له لوكاتش» ( ). والمتأمل لشعر صلاح عبد الصبور يدرك أن هذا المنحى الخاص ، الذي يكون فيه نماذجه الخاصة ، له وجوده البارز في أعماله الشعرية ، ويلح فيه على نموذج حياتي لا يحمل سمات أسطورية أو ملامح بطولة واضحة ، يتجلى هذا في قصيدة (موت فلاح) ( ). لم يك يومًا مثلنا يستعجل الموتَ لأنه كل صباح ، كان يصنع الحياة في التراب ولم يكن كدأبنا يلغط بالفلسفة الميتة . لأنه لا يجد الوقت في السطور المقتبسة السابقة ، تتجلى صفات ذلك النموذج ، ذلك الفلاح البسيط ، الذي لم يشغله السؤال الوجودي ، الذي كان يؤرق الشاعر من خلال إبداعه الشعري وكتاباته النثرية ، والتي أشار فيها إلى توزعه بين الإيمان والإنكار .فالجزئية الأولى التي لفتت نظر الشاعر ،وكونت – في الوقت ذاته – سمة من سمات النموذج ، تتمثل في تلك المصالحة الخاصة مع الذات، وذلك التسليم الخاص بعيدًا عن السؤال الوجودي ، أو السؤال عن الموت ، بوصفه تجلياً ملموساً ، ويبرز النص ذلك التسليم بكونه شاهدًا – من خلال عمله – على الميلاد والموت كل يوم، من ثم لم يكن محتاجًا إلى الفلسفة، التي تؤرق صاحبها . إن هذا النموذج الإنساني البسيط يصنع تفرده من خلال هذا التسليم ، وهذا الإيمان الصافي بعيدًا عن تعقيدات الفلسفة ، ويقدم النص بعد ذلك جزئية أساسية، ترتبط – في الأساس – بتقديم تفاصيل خاصة للنموذج تجعله مرتبطًا بالأرض . والشاعر حين يهتم بتكوين هذا النموذج أو بخلقه شعرياً ، يعتمد على مبدأ الاختيار ؛ فالإشارة إلى عدم اختلافه أو مغايرته عن الأخرين ، تشير – بالضرورة – إلى تشابهه معهم في رحلة الحياة ، وفي ذلك الإيمان البسيط من جانب ، والقوى من جانب آخر ، وإلى تكرار هذه السيرة بشكل دوري ، فبعد أن يوسده الناس التراب ، يعودون إلى ديدنهم السابق : ثم مضوا لرحلة يخوضها بقريتي الصغيرة من أول الدهر الرجال من أول الزمان حتي الموت في الظهيرة . إن المعاينة عن بعد جعلت تشكيل النموذج في شعر صلاح عبد الصبور واقعياً إلى حد بعيد، ولكن هذه الواقعية المرتبطة على نحو ما بالتجرد الموضوعي ، بعيدًا عن صوت «الأنا» الشاعرة ، لم تفلح في النهاية في كبت زاوية الرصد الذاتية ، خاصة فيما يخص السؤال المعرفي أو الوجودي ، الذي كان بالنسبة للشاعرة همًا متؤرقًا ، ولهذا نجد أن هناك شعورًا بالشد والجذب ، مكونًا في نهاية المطاف نوعًا من الجدل . *السرد القصصي : لقد كان اللجوء إلى استخدام السرد القصصي أو عناصر السرد الحكائي في النص الشعري ، إحدى التقنيات المهمة ؛ لأنها تتيح للشاعر أن يخلق شخصياته ويقدمها ، وهو منفصل عنها بعيدًا عن النبرة الذاتية ، فالفنون الحكائية – على حد تعبير صلاح عبد الصبور – تخلق أشخاصًا آخرين غير صاحبها ، وتدير بينهم جـدلاً حيــًا ، يخــتفي وراءه الــكاتب لــتبرز مــخلوقاته ، ويـــــنمو فيه رأي الكاتب ورؤيته» ( ). فاستخدام تقنيات عناصر السرد القصصي في النص الشعري ، يجنب النص مغبة الوقوع في أسر النبرة الذاتية ، ويعطيه بعدًا موضوعياً، يمنعه من الوقوع في المباشرة التعبيرية .وقد أثر استخدام صلاح عبد الصبور لتلك التقنية في نصوصه الشعرية ، في تقديم صورة محايدة للحدث . وهنا تجدر الإشارة إلى أن استخدام تقنيات القص في إطار النص الشعري ، ليس شيئاً سهلاً ، بل هو عمل صعب إلى حد بعيد، «فالشاعرة يجب أن يجعل المتلقي في كل لحظة وفي كل كلمة يحس بالشعر ، وفي الوقت نفسه يحس بالقصة ، الإضافة إلى أن ضم الشعر إلى القصة ليس مجرد زينة ، وليس مجرد إثبات للقدرة على نظم الكلام ، إنما تستفيد القصة من الشعر التعبير الموحي المؤثر ، يستفيد الشعر من القصة التفصيلات المثيرة الحية ، فهي بنية متفاعلة يستفيد كل شق فيها من الشق الآخر وينعكس عليه في الوقت نفسه »( ) إن الشاعر الذي يستخدم تقنيات فن في إطار فن آخر ، ربما يقع في قبضة الثنائية ، فتقنيات القص حين تستخدم في النص الشعري ، لا تملك وجودًا قائماً بذاته ، فهي جزئية في إطار النسق الشعري الأساس ، وتكمن مقدرة الشاعر في صهرة لهذه العناصر القصصية حتي تتحول إلى لغة شعرية ، فالإبداع – أو الفعل الشعري – الذي يحول تلك العناصر إلى قصيدة « إنما يلغي الثنائية المقترحة بين تداخل الأنواع والطبيعة والأشياء ، ويقدر ما يبرز الشاعر قوة في إعدام هذه الثنائية تكتسب القصيدة بنيتها الخاصة المغلقة » ( ). وفي إطار ذلك الفهم تصبح مقدرة الشاعر من خلال إبداعه الشعري في القضاء على الثنائية ، التي يمكن أن تتولد بين الشعري والقصصي ضرورية ، لكي يظل الكيان الشعري من خلال لغته المكثفة له حضوره ، الذي لا يتأثر – في الوقت ذاته – بتفاصيل فن القص . وقد مر استخدام صلاح عبد الصبور لتقنيات القص ، الذي صاحب الاقتراب من التجربة الجماعية للناس ، بمراحل عديدة ؛ منها المرحلة الأولى أو مرحلة البداية ، وفيها نجد صلاح عبد الصبور يستسلم لتقنيات القص ، ولم يستطع أن يقيم نوعاً من التوازن ، بين جماليات النص الشعري ، وآليات الفن القصصي ، يتجلى ذلك في قصيدة «أبي » فعثرات التجربة الأولى واضحة فيه، فمن حيث الشكل لم يستطع أن يتخلص تمامًا من رواسب الشعر العمودي ، الذي ألفه لسنوات في كل ما نظم قبلها . ومن حيث النسيج ، لم يستطع أن يحافظ على التوازن بين عناصر الرؤية القصصية – أو قل استسلم لها- حتي جاءت القصيدة أشبه بالقصة القصيرة»( ). أما المرحلة الثانية فهي المرحلة التي استطاع فيها أن يقيم هذا التوازن بين تقنيات الشعر وآليات فن القص، ولكن بالرغم من هذه المقدرة على إقامة التوازن، فإن السرد الحكائي في قصائد هذه المرحلة كان تتابعيًا أو تراتبيًا ، وبعبارة أخرى – على حد تعبير صلاح فضل- كان يمتد غالبًا في اتجاه واحد ، فلم يكتسب قوته ومتانته إلا عندما انتظم في جدائل متخالفة عبر تقنيات الاسترجاع والاستباق»( ) وتتجلى طبيعة هذه المرحلة من السرد التتابعي في قصائد مثل « هجم التتار» و«الناس في بلادي » و«نام في سلام» حيث تظهر فيها مقدرة الشاعر في إقامة أو تكوين ضفيرة خاصة تتكون من الشعري والقصصي في آن. أما المرحلة الأخيرة في شعر صلاح عبد الصبور فنجدها تأتي في قصائد مرتبطة بجزئية أساسية وهي التكثيف الشعري ، في ظل وجود السرد الحكائي أو القصصي ، بالإضافة إلى جزئية أساسية أخرى ترتبط بالسرد التراتبي ،فالقصائد في هذه المرحلة لا تتبع هذا المنطق التراتبي ؛ وإنما تصنع وجودها من خلال منطقها الخاص ، ومن خلال استخدام آليات قصصية تقضى على خطية الزمن وتمدده الطبيعي . ويتجاوب مع الجزئيتين السابقتين سمة أخرى ترتبط بهيكلة البناء النصي ، بحيث يبدو بناء النص خاضعًا لنوع من الإحكام الشديد ، وسوف نتناول في إطار هذه المرحلة قصيدة « الشمس والمرأة » ( ). كانت تتململ في ضجعتها شمس غاربة ، تتفصد نورًا مكتومًا تتمزق في منحنيات الظل، وتهوى أشلاء. كانت تتململ في ضجعتها تخفى بعض خطوط في ساقيها تتمدد زرقاء عيناها تنطفئان وتشتعلان هدباها يرتخيان ويرتعدان تتذاكر عهدًا ذهبيًا قضته في صحبة رجل مجنون ، «..........................» «..........................» * * * هبطت عن مضجعها لما جاء الليل، بلت شيخوختها في ماء البحر ، أغفت حتي تولد في الصبح الداني ، عذارء . * * * هزت نهديها الممطوطين بحثت بينهما عن مفتاح الغرفة نظرت تتلمس خطوتها في الرمل وقامت مرهقة شمطاء أخذت من أول دكان، ما يكفيها من خبز ونبيذ ودخان ذهبت كي ترقد في ماضيها تنشئه إنشاء * * * الصبح يشدّ ذؤابات الشمس العذراء ويفرشها الحصباء * * * كانت تتبسم ميتة ، ويداها في نهديها فمها يتحلب ماء. إن القصيدة (الشمس والمرأة) تجمع في إطارها المتشكل تقنيات القص، مندمجة إلى حد بعيد باللغة الشعرية المكثفة ، وتتكون القصيدة من خمسة أجزاء .الجزء الأول يبدأ بالفعل «كانت » ليبدأ فعل الإخبار الوصفي أو السردي ، الذي يضع المتلقي في الفضاء الزماني وفي الفضاء المكاني . والدلالة في الجزء الأول تنفتح على فعل التململ الناتج عن هذه المرأة ، وهذا الفعل ربما يكون كاشفًا عن حالة باطنية مرتبطة بالإطار الزمني ، الذي تعيش فيه ، ويلمح في خلفية هذه الصورة السردية الزمن الفعلي الواقعي الذي يرتبط به هذا التململ ، وهو زمن النهاية اليومية من خلال (شمس غاربة) وهي قد تشير إلى بوادر النهاية الفعلية لتلك المرأة . وتتمدد الدلالة تدريجيًا من خلال الوصف بالجملة الفعلية ( تتصفد نورًا مكتومًا) لتجعل لحظة النهاية مرتبطة ببرق إشعاعي في الزمن الأخير، ومن ثم نجدها تتمزق وتنتهي إلى أشلاء. إن هذا التوجه الذي يربط بين نهاية اليوم والعمر الفعلي لتلك المرأة ، ربما يكون كاشفًا عن جزئيات مهمة ، يبدأ هذا التوجه من خلال (كانت تتململ في ضجعتها ) وهي تشير إلى الحركة والقلق في مقابل السكون المرتبط بالسكينة والرضا ، ويأتي الوصف الكاشف عن جزئيات دلالية معينة ، والمتمثل في الخطوط الزرقاء التي تتمدد في الساق ، ليحمل صدى مرحلة راهنة مرتبطة بمراحل زمنية سابقة ، وربما يكون الجمع بين المرحلة الآنية (الخطوط الزرقاء) ، والمراحل السابقة ، سببًا مباشرًا للتململ . ومن خلال هذه اللحظة الزمنية الخاصة التي تستدعي – بالضرورة – لحظات ماضية ، يبدأ هذا التوزع أو التقابل بين (تنطفئان وتشتعلان)، و(الارتخاء والارتعاد) وهذا التوزع يعيدنا إلى الماضي من خلال تيار الوعي أو الذكر ، وتنقطع من خلاله خطية الزمن فنشعر بلهيب أو دفق الماضي والعهد الذهبي المرتبط بمرحلة زمنية تتوحد مع العشب الذي يشير إلى الاخضرار والليونة . إن هذا المقطع الذي جاء طويلاً حين يقارن بالمقاطع الأخرى يكشف عن جزئيات دلالية مهمة ، ربما تكون صالحة للبناء عليها ، والانطلاق منها لاستمرار السرد أو الوصف المكثف في المقاطع التالية ، والقائمة على اختيار اللقطة الكاشفة ، التي تتجاوب مع الصورة الكلية في المقطع الأول بعيدًا عن السرد التفصيلي المتنامي . في المقطع الثاني يطل فعل الحركة والنزول عن المضجع إلى محاولة تغيير الأفق الحياتي المعيش ، ولكن هذا التغيير – بالرغم من المحاولة – يظل مشدودًا إلى الشيخوخة وإلى حالة الوحدة التي تمثل بحرًا . ومن خلال هذا الإطار الواقعي الذي يشير إلى الشيخوخة والوحدة ، يأتي فعل الغفوة ؛ وكأنه فعل يخرجنا من الزمن الواقعي ،إلى الصبا بعيدًا عن الواقع الآني: أما المقطع الثالث فنجده يهمل تفاصيل عديدة ، حتى يظل عنصر التكثيف حاضرًا ، فيضمر النص لحظة النزول والخروج وجزئيات تتصل بالنسق اليومي المعتاد ، ويبدأ البوح الدلإلى بداية من الاقتراب من غرفة المعيشة ، ومن ثم كان تحرك يدها بين نهديها للبحث عن مفتاح الغرفة مبررًا ، ويتوالى النسق السردي الموغل في تصوير حالة الوحدة من خلال الإلحاح على ذكر النوعيات التي تحتاج إليها مثل الخبز والنبيذ والدخان ، فهذه الأشياء وقودها الحقيقي إلى ماضيها المورق ، الذي تعود إليه ، وتوقظه خيالاً مشتعلاً . إن التركيز على فعل التململ في المقطع الأول ،وعلى فعل الهبوط ومحاولة تغيير الأفق في المقطع الثاني ، وجزئية العودة والارتباط بنسق يومي في المقطع الثالث ، يأتي وكأنه شيء مقصود للإشارة إلى حالة الوحدة التي حاولت القضاء عليها من خلال الحركة ، والتي تجلت في الأفعال المتوالية (هزت – بحثت – نظرت – قامت –أخذت – ذهبت ). بعد العودة إلى غرفة المعيشة ، والعودة إلى الماضي النضير ، المغاير ، للحظة الآنية ، نجد النص الشعري ، يترك المرأة بوصفها بطلاً مسرودًا عنه من خلال النص ، ليرتبط بجزئية الفضاء المكاني والزماني المرتبطين بهذه المرأة ، وذلك من خلال الإشارة إلى لحظة الميلاد ، التي ينبثق الصباح فيها من الليل . ويترك النص هذه اللقطة الخاصة بالفضاء المكاني ليضعنا وجهًا لوجه في المقطع الأخير ، مع صورة ترتبط من خلال فن الصور المتتابعة أو المونتاج باللقطة السابقة ارتباطًا شديدًا ، من خلال فعل الابتسام الناتج عن المعرفة والإدراك بعد الموت ، وتنقلنا الصورتان التاليتان ،( ويداها في نهديها ) و(فهما يتحلب ماء ) إلى لقطة النهاية ، لكي تشيرا إلى أن النهاية نابعة من البون الشاسع بين الماضي والحاضر ، ويأتي النهد وكأنه شاهد على ما كان وما هو كائن ، والفم يشير إلى لحظة الظمأ الخاص للري . إن النص ( الشمس والمرأة) يحمل عناصر مهمة أهمها التكثيف ، بمعنى أن النص لم تستوقفه الثرثرة والتفاصيل القصصية ، ولم يسيطر القصصي على الشعري ، فظلت آليات القص واردة في نسق أكبر استطاع أن يكفيها وفق نسجه الجمإلى الخاص ، ولذلك جاءت جماليات الشعر واضحة بشكل واف. وربما يشدنا الحديث عن التكثيف إلى جزئية أخرى مهمة ،وهي جزئية الاختيار أو الانتخاب للقطة الكاشفة عن مضمون دلإلى ما ، فاختيار اللحظة الزمنية أو قرص الشمس لحظة الاحتضار والتلاشي ، اختيار له دلالته الكاشفة في إطار العمر الزمني لتلك المرأة ، وفي إطار النهاية التي سوف نتلقاها مع بدايات الصباح. إن السرد القصصي في البناء الشعري ، يتيح للشاعر أن يتأمل جزئيات الواقع عن بعد ، أو من خلال مسافة تقلل حدة النبرة الذاتية ، «لأن التجربة الشعرية – في الحكاية الشعرية – تتحرك بوصفها عالمًا بصريًا وحسيًا متكاملاً ، له أبعاد الوجود الحقيقية ، فيحقق هذا التشكيل في النهاية الوسيط الفني الملائم « المعادل الموضوعي » لتجربة الشاعر وعواطفه وأفكاره » ( ). *تعدد الأصوات : تناولنا في تشكيل النموذج والسرد القصصي جزئية أساسية تتعلق بالرؤية عن بعد ، فالتجربة الشعرية في إطار النسقين السابقين تتحرك في إطار الوجود الكامل المستقل ، ويحقق هذا الوجود الخاص للتجربة أن تقدم بحيادية ظاهرة ، دون محاولة للتدخل من الأنا الشاعرة . وقد كان صلاح عبد الصبور على وعي كبير بهذه الجزئية الخاصة ، فقد حاول تجسيد رؤيته من خلال هذه المعاينة عن بعد ، التي تمثل في عرف الباحثين الرؤية الموضوعية للواقع ، ولكن أساليبه الفنية لم تقف عند حدود هذه المعاينة أو حدود هذه المحاورة الموضوعية ، خاصة وقد كان لديه ميل في مرحلة من مراحله لكتابة المسرحية الشعرية ، وهذه الموضوعية قد تخلق السرد القصصي ؛ ولكنها لا تكوِّن – في النهاية – الشكل الدرامي الذي كان يحاول ارتياده ، ولذلك مجده ينتقل خطوة أخرى في ذلك السياق تتمثل في تقنيات جديدة ، مأخوذة من مجال المسرح مثل الحوار ، الذي لا يقدم أبعادًا ذاتية واضحة ، بل يقدم بعدًا درامياً « فالحوار يرتبط ارتباطًا وثيقاً بتكنيك تعدد الشخصيات في القصيدة ،حيث يفترض الحوار وجود أكثر من صوت أو أكثر من شخصية في القصيدة ، ومن ثم فهو في الغالب يستخدم كتكنيك إضافي مع تعدد الأصوات أو الشخصيات »( ). وهذه التقنيات المأخوذة من فن الرواية أو فن المسرح مثل تعدد الأصوات والصراع والحوار ، مرتبطة في الأساس بالتفكير الدرامي ، حيث يدرك الإنسان أن ذاته لا تقف وحدها معزولة عن بقية الذوات الأخرى ، وعن العالم الموضوعي بعامة ، وإنما هي دائمًا ومهما كان لها استقلال ليست إلا ذاتًا مستمدة من ذوات تعيش في عالم موضوعي ، تتعامل فيه مع ذوات أخرى»( ). وتعدد الأصوات(**) حين يستخدم في النص الشعري ،يشير إلى مدى أوسع من الرصد عن بعد للوصول إلى التجرد الموضوعي للحوار مع جزئيات الواقع أو تشكليه ،كما رأينا في تشكيل النموذج أو السرد القصصي ،لأن هذا التعدد حين يقدم في الشعر يقدم وجهات متباينة في رصد هذه الجزئيات الواقعية( ). ييتجلي هذا المنحي في قصيدة «أربعة أصوات ليلة للمدينة المتألمة( ) » ، وفيها تختفي الرؤية الذاتية أو يخفت الإحساس بها من خلال مسرحة الحدث أو توزعه إلى أصوات عديدة ، وكل صوت يقدم رؤيته الخاصة للمدينة المتألمة : صوت: آه ، ليس هو الليل ، بل الرحم، القبر، الغابة * * * آه ، ليس هو الليل ، بل الخوف الداجي أنهار الوحشة والرعب المتمدد والأحزان الباطنة الصخابه آه، ليس هو الليل ، بل القدر ، الرؤيا الهولية ، وسقوط الحاضر في المستقبل * * * آه، ليس هو الليل ، بل الجرح اليومي ، ينز دمًا أسود، في الصبح المقبل .. هذا هو الصوت الأول في النص ، وهو يتكون من أربعة أجزاء ، يبدأ كل جزء فيها بقوله « آه ليس هو الليل » ، وهذا النفي المتعمد في بداية كل توجه ، أو كل حركة ، يشير إلى نفي الشائع والمقرر والمعهود والمتوقع من ارتباط الألم ، الذي جاء في عنوان النص ، بالليل المادي المعهود ، ولهذا سنجد النص في كل توجه يحاول الارتباط بجزئية ليلية داخلية ، أو بتعبير آخر يخلق ليله الخاص ، فالليل ليس ليلاً مادياً ، وإنما هو ليل خاص في كل توجه من التوجهات العديدة . ففي التوجه الأول ندرك بعد النفي المقدم ، أن الليل يستدعي (الرحم- القبر – الغابة) وكل هذه الأشياء تكون في الأساس سؤالاً معرفيًا وجوديًا ، فهناك ليل الرحم ،وهناك ظلمة القبر ، وهناك بينهما ظلمة الوجود نفسه في هذه الدنيا الغابة ، فالليل الأول يرتبط بسؤال معرفي خاص عن الوجود والحياة . التوجه الثاني أو الحركة الثانية تنطلق –أيضا – من نفي المتوقع أو المتوهم ، لتدخل بنا في دهاليز ليل ذاتي آخر ، يرتبط «بالخوف » ، وما يشيعه داخل الذات من ظلمة داجية ، ويأتي في الإطار ذاته أنهار الوحشة والرعب المتمدد ، والأحزان الباطنة ، التي لا يشعر بها أحد ؛ ولكنها تتوتر بالدخل ويرتفع صوتها إلى درجة الصخب ، وكل هذه الأشياء تشير إلى سوء التكيف أو القلق الذي يشعر به صاحب الصوت. وانطلاقًا من سوء التكيف الذي ألمحنا إليه في الحركة الثانية ، سنجد أن الحركة الثالثة – تتوجه اتجاهًا يرتبط بالعجز؛ لأن هناك قوة فاعلة أكبر تتمثل في القدر ، والرؤية الهولية ، فالليل الثالث هو ليل العجز عن الفعل في إطار الوقوف عند قوة القدر ، وهذا ربما يكون مدخلاً مناسباً لليل الأخير المتمثل « في الجرح اليومي» ، وهذا يشير إلى انفتاح خاص لليل دائم في اللحظة الآنية واللحظة القادمة ، وهو ليل الانعتاق من التعلق بسلطة الأمل. وبعد هذا العرض تتكامل عناصر الصورة الليلية الخاصة بالصوت، والتي تصر على نفي الليل المعهود ، وتشكل نطاقها الدلإلى أو ليلها الداخلي الخاص من خلال إطار وجودي أو معرفي ، وسوء التكيف ، والعجز والانعتاق من الأمل في الغد القادم . الصوت الثاني يتكون من صوت «مجموعة من الرجال» أنذرنا من قبل أن يجئ تراب لونه الردئ أنذرنا من قبل أن تدهمنا خيولة المفاجئه بطبله الخافت في إيقاعه البطيء أنذرنا من قبل أن ينشر ريح الوحشة الوبيء بموت قطعان السحاب وانحدارها في كهفه الخبيء وهدأة الصمت البليد، والنجوم ثابتات كأنها طحالب ميتة ملقاه على امتداد بحر الظلمة الكابية المليء أنذرنا من قبل أن يجيء بأن يومًا مجدبًا تقدمه وظل يلتف على أرواحنا حتي تهتكت خيوط نوره الصدئ . إن التعدد في هذه المجموعة التي تقدم رؤية خاصة لليل المدينة المتألمة يختلف عن الرؤية السابقة التي ترتبط بالفردي، أو بكلام قد يكون أكثر دقة، ترتبط بالليل الداخلي الذي يحيا فيه الصوت .أما هنا فإن التعدد ربما يدفعنا إلى رؤية شمولية شبه موضوعية أو وصفية سردية ، لهذا الليل الحقيقي .وتبدأ عناصر هذا الليل الحقيقي من خلال غبشة الإظلام التي تقدم إنذارًا باقتراب هذا الليل المادي ، من خلال لونه ،ويتجلي الإنذار –أيضا- من خلال الإقبال البطيء التدريجي ، فيبدأ التلاشي التدريجي للسحاب ودخولها في كهف الليل المظلم ، ويتساوق مع هذه الصورة صورة الصمت البليد ، والنجوم التي تعلن الوجود المادي لليل . ويتمثل الإنذار – أيضا – في طبيعة النهار الذي سبقه ؛لأن صفة الجدب المقدمة لذلك اليوم تجعل النهار لا يختلف كثيرًا عن الليل ، وهي دورة آلية لهذا الليل ، الذي يستمر حتي شروق نورٍ جديد . إن أهم جزئية في ذلك الجزء الخاص «بصوت مجموعة من الرجال ، تتمثل في السردية التقريرية المرتبطة بوصف إقبال الليل التدريجي من خلال إنذاراته العديدة ، ولكن الإلحاح في نهاية المقطع على أن النهار –أيضا – كان مجدبًا يشير إلى شيوع حالة من الشعور بالليل لا ترتبط بالليل المادي المعهود ، وفي إطار ذلك يتشكل «صوت المجموعة من الرجال » في إطار الخلفية الأساسية والضرورية . ويأتي الصوت الثالث تحت عنوان «صوت مجموعة من النساء »: شجر الليل على مفرقنا مال وأرخى شعره المحلول في أكتافنا ثم ألقي ثمر الوجد ،وأزهار الكآبه في مآقينا وفي أكمامنا واعتنقنا وغصون الشجر الموحش حتي دب في أعطافنا شبق الحزن الذي كلّ دجى يعتادنا فاضطجعنا ، ووهبناه ، وذبنا ، حتي لفنا واشتفنا ثم ...ألقانا هنا جائعات نشتهي كلّ مساء موحش ، شجر الليل لكي يعصرنا يلقي بذور الألم الموجع في أحشائنا أظن أن المغايرة بين( صوت مجموعة رجال) و(صوت مجموعة نساء) ربما تكون ذات دلالة كاشفة عن التنوع في رؤية ليل المدينة ؛ لأن اختلاف الجنس بالضرورة ، يضفي اختلافات في الرؤية ،ومن هنا ندرك حالة الترابط الحميم بين صوت مجموعة النساء ، والليل في بداية المقطع الشعري ، وذلك لارتباط السواد الليلي بسواد الشعر ، وهذا يشير إلى مرحلة عمرية معينة ولكن هذا الترابط الحميم لا يستمر على طول الخط ، فسرعان ما يبدأ الليل بالكشف عن وجهه من خلال ثمر الوجد ، وأزهار الكآبة ، التي تتبقى في المآقي والأكمام . والمتأمل للسطور الشعرية يدرك أن الليل يبدأ في مغادرة طبيعته المادية المعهودة ؛ وذلك لأن الإحساس بالليل في الشباب يختلف عن الإحساس به في المشيب ، يتجلى ذلك من خلال فعل العناق المرتبط بالشجر الموحش الذي يشير إلى مرحلة عمرية . وهنا تتغير الصورة وتتبدل إلى إحساس خاص ، وتبرق من خلاله الحاجة الملحة إلى الدفء . فالشعور بقبضة الليل الخانقة لدى(صوت مجموعة من النساء) يرتبط بمرحلة عمرية قاسية ، يشعرن فيها بالوحدة والاحتياج إلى الدفء ، وبدبيب النهاية ، ومن ثم كان الاشتهاء والتوجع والتألم ، وكلها أشياء مرتبطة بليلهن القاسي . أما الصوت الأخير ،فجاء تحت عنوان (صوت الشاعر): كلّ مساء، قبل أن يأوي إلى فراشه الكليم وقبل أن يغيب في غياهب الإغماء يطوف في خياله الحلم العقيم أن تفتح السماء أبوابها عن نبأ عظيم . كل صباح ، قبل أن يطالع الحياة والأحياء مسهد الجفون ، مقروح الفؤاد سأمان مما حملت صحف الصباح من أنباء يسأل هذا الشاعر السقيم سؤاله السقيم رباه رباه ما سر هذه التعاسةٌ العظيمه ؟ ما سر هذا الفزع العظيم ؟ الإشارة في البداية إلى جزئية مهمة ترتبط بالضمير السارد، الذي جاء متمثلاً في ضمير الغائب ضرورية ؛لأنها فاعلة في نفي الارتباط المباشر بين الصوت والذات الشاعرة المبدعة ،وهنا يمتد نسق النص الدلإلى إلى كل شاعر يرتبط ارتباطاً خاصاً بالليل . وهذا الجزء الأخير يمكن تقسيمه إلى جزئين أساسيين ومتكاملين ، لأنهما يمثلان دائرة ، الجزء الأول يبدأ من لحظة المساء (كل مساء) ، المرتبط حتمًا بالليل المثير الأساسي لميلاد النص ، فالمساء يرتبط لدى شاعر الصوت/ شاعر النص بالعودة إلى الذات وإلى الأسئلة الباطنية الخاصة ، ومن ثم فإن دلالة وصف الكليم في هذا الجزء لا ترتبط بالفراش ، وإنما ترتبط بالجرح المنفتح ، الذي يحاول السارد من خلال رحلته النهارية وضع قشرة رهيفة عليه ، ولكي هذه القشرة تزول بمجرد العودة والمواجهة مع الذات ، قبل أن تأخذه غفوة النوم ، ويبدو أن فكرة الموت أو سيطرة فكرة الموت تعتبر المثير الأساسي لهذه المواجهة بوصفه النبأ العظيم الذي ينتظره كل ليلة . أما الجزء الثاني فإنه يبدأ من لحظة الولادة التي تتم كل يوم بعد الصحو ،وهذا الصحو مرتبط بالليل الماضي ، ومن ثم تأتي الصفتان (مسهد الجفون – مقروح الفؤاد) مناسبتين للقلق الليلي السابق ، يضاف إلى ذلك الإطار السأم المتولد من طبيعة الواقع من خلال الأخبار وصحف الصباح ولهذا كان التوجه إلى الرب بالتساؤل منطقياً ومبررًا عن سر هذه التعاسة وسر هذا الفزع الداخلي . إن محاولة المقارنة بين هذه الأصوات الأربعة التي تشترك في رؤية مشهد واحد ، وهو (ليل المدينة المتألمة ) ، ربما تشير إلى جزئية مهمة ترتبط بمسرحة الحدث ، بمعني أن هناك رؤى مختلفة باختلاف الأصوات ، ولكن التأمل الدقيق في الأصوات الأربعة يشير إلى أن هناك مساحات من التوحد ،ومساحات من الاختلاف، فإذا كانت الصوت الأول يقدم للمتلقي ليلاً غير عادي يرتبط في الأساس بأحاسيس مختلفة ، تبدأ بالليل الوجودي أو الليل المعرفي ، ثم تنتقل إلى ليل خاص يرتبط بسوء التكيف ، والليل الثالث يرتبط بالعجز والاندحار والاستلاب تحت سيطرة قوة عليا ،ويختم هذا المنحى الدلإلى بجزئية أخيرة ترتبط بموت الأمل أو الانعتاق من فكرة ترقب القادم وانتظاره ، فإذا كانت هذه هي صورة ليل المدينة في الجزء الأول (صوت) ، فإن ليل المدنية في الجزء الثاني – وإن أشار إلى نوع جنسي للكورس – فإنه يأخذ شكل الخلفية التي تقدم صورة سردية واقعية لإقبال الليل ، حين يأتي مرتبطًا بريح الوحشة ، وموت قطعان السحاب ، والصمت البليد، وكلها صور تشير إلى الموت المرتبط بجدب النهار الذي يسبقه . أما في الجزء الثالث فالليل لديهن له شقان ، وهن لا يشعرن بوطأة هذا الليل إلا في الشق الثاني ، حيث يبدأ المشيب بفعل الزمن ، وتعلن الوحدة أو الوحشة عن وجودها. ويأتي الصوت الرابع – صوت الشاعر – لكي يشير إلى إحساس خاص بالليل، حيث يرتبط بانتظار الموت ، ويرتبط بالسؤال الوجودي ، الذي ألمحنا إليه في حديثنا عن الصوت الأول، وهذا يشير إلى أن تعدد الأصوات في النص الشعري ، لا يقضى على ظهور صوت الأنا الشاعرة ، ولو بشكل خفي بالرغم من محاولة مسرحة الحدث . *القناع : تتبقي جزئية أخيرة تتعلق بالتقنيات الخاصة التي استخدمها الشاعر المعاصر في رحلته إلى تجريب الكثير من الأدوات والتقنيات الحديثة لتطوير القصيدة المعاصرة لكي تكون رؤيته الشعرية موضوعية ومحايدة ، بعيدًا عن التعبير المباشر للأنا الشاعرة . وتتمثل تلك الجزئية في استخدام أو تشكيل أو تكوين القناع في النص الشعري ، ويرى بعض الباحثين أن هذا المنحى « يرتبط بالنزوع نحو الموضوعية واللاشخصية في الشعر ، والابتعاد عن الالتصاق بنزعة ذاتية غنائية » ( ) ويبرز بعض الشعراء المعاصرين في استخدام تلك التقنية ،وتقل عند آخرين ،ويختلف الشعراء الذين يستخدمون القناع اختلافًا واضحًا فهناك القناع المركب ، وهناك القناع البسيط ،وقد برز في استخدام تلك التقنية شعراء عديدون ،أهمهم « أدونيس» ، و«البياتي» ،و«صلاح عبد الصبور" وتناول البياتي تكوين القناع أو استخدامه في كتابه «تجريبي في الشعر » موضحًا تعريفه ودوره الفني ، في قوله« القناع هو الاسم الذي يتحدث من خلاله الشاعر عن نفسه ، متجردًا من ذاتيته ، أي أن الشاعر يعمد إلى خلق وجود مستقل عن ذاته ، ولذلك يبتعد عن حدود الغنائية والرومانسية ، التي تردى كثير من الشعر العربي فيها » ( ). وربما تكون دلالة هذه النبرة الموضوعية في استخدام القناع في النص الشعري موجودة في دلالته المعجمية ،فالقناع يحمل في دلالته الحرفية معنى إخفاء الوجه ،ويتيح للشاعر رؤية نفسه بشكل محايد إلى حد ما ، « فيبطئ القناع من إيقاع التقاء القارئ بصوت الشاعر ،إذ لن يصل الصوت إلى القارئ مباشرة ،بل من خلال وسيط متميز » ( ). إن ارتداء القناع يؤدي دورًا مهمًا بالنسبة للشاعر ؛ لأنه بداية هذا الفعل سوف تثبت ملامح التغير الحادث ، فهناك شيء جوهري قد حدث ، يتمثل في الابتعاد أو الخروج من ذاته الأصلية ، ليدخل في ذات أخرى ، هي ذات القناع ، يسمها عبد الرحمن بسيسو «هوية الروح» ، «فارتداء» القناع يفضى إلى تحولات وإحلالات متواكبة ،خروج من الشخصية وتجاوز للذات ،ودخول في شخصية أخرى[...] وبذلك يصبح القناع هو العين التي يرى بها المقنع ذاته ، والوجه الذي يطل به على الآخرين»( ). إن استخدام القناع في الشعر العربي المعاصر يدمج صوتين أو إطارين في نسق واحد ، صوت الشاعر وصوت القناع الذي يمكن أن يكون شخصية تاريخية أو أسطورية أو نموذجية كونها الشاعر تدريجيًا ،وهذا الدمج يكون صوتًا ثالثًا مختلفًا عن صوت الشاعر وصوت القناع ، «فكلا الصوتين – في القناع – لا يظل في حال من العزلة والثبات ، يتفاعل كل منهما مع الآخر ويعدل منه ، ويفقد كل منهما – داخل هذا التفاعل – شيئاً من وضعه الأصلي ، ويكتسب وضعًا جديدًا ،ومن ثم دلالات جديدة نتيجة تفاعله مع الطرف الآخر»( ). وفي ذلك السياق يمكن القول إن القناع يسهم في ولادة هوية جديدة تختلف عن صوت الشاعر ،وتختلف – بالضرورة – عن شخصية الدرامية أو القناع الذي استمده من التاريخ أو الأسطورة أو الواقع المادي المعيش ، فالصوت الذي نسمعه في النص صوت مكون من صوت الشاعر والقناع معًا. أما إذا انتقلنا إلى ديوان صلاح عبد الصبور ،وحاولنا تقصي هذه الظاهرة عنده ، فإننا سوف نجد أن الشاعر في ديوانه الأول «الناس في بلادي » ، كان مشغولاً بالتعبير أو الحوار مع الواقع عن طريق المعاينة عن بعد ، التي تكفل له نوعًا من الحيادية ، ولكن الأنا – بالرغم من هذه الحيادية – تظل موجودة واضحة ،حتى لو كانت راصدة تقدم الموجود ؛ لأن انتخاب الجزئيات المقدمة بالإضافة إلى وضعها في نسق بنائي ما ، يشير إلى وجودها ،وإن حاولت الاختفاء . وفي ديوانه الثاني «أقول لكم » ، نجده – كما يقول فاضل تامر- يقترب من بنية القصيدة القناع ،إلا أن الشاعر بسبب عمق جذوره الغنائية ، يمنح الأقنعة الشعرية التي يخلقها نبرة ذاتية غنائية ، تجعلنا ننسى في بعض الأحيان الشخصية التاريخية المتقمصة ، لنلاحق أنفاس الشاعر الحارة ( ). يتجلى استخدام تلك التقنية على نحو واع ، في ديوانه الثالث «أحلام الفارس القديم»، وذلك من خلال نصيه « مذكرات الصوفي بشر الحافي ». و«مذكرات الملك عجيب بن الخصيب» وتظهر تلك التقنية في قصيدة «مذكرات رجل مجهول » من ديوانه « تأملات في زمن جريح » وفيها تبدو قصيدة القناع – لأنها لا تستحضر شخصية تراثية أو أسطورية – نموًا واضحًا لتقنية تشكيل النموذج التي أشرنا إليها سابقا ولكن هناك فرقًا واضحًا يتمثل في تشكيل النموذج في الرصد عن بعد، أما القناع فنجد حالة من التماهي تولد هوية جديدة . مذكرات الصوفي بشر الحافي «النمو المعرفي وزلزلة اليقين» حين يقرأ المتلقي هذا العنوان ، يشعر أن هناك فيضًا من المعاني والدلالات يرتبط بشخصية «بشر الحافي » (***)، وهي شخصية ثرية إلى حد بعيد ، ولكننا لن نقدم تفصيلاً يوضح ذلك الثراء ، وسوف نكتفي بالنص حين يحيلنا إلى جزئية من هذه الجزئيات ، يستمدها من الماضي لإضاءة لحظة حضارية راهنة ، يتجلى التماهي بين القناع والشاعر أو بين الماضي والحاضر بداية من المقطع الأول: حين فقدنا الرضا بما يريد القضا لم تنزل الأمطار لم تورق الأشجار لم تلمع الأثمار حين فقدنا الرضا حين فقدنا الضحكا تفجرت عيوننا بكا حين فقدنا هدأة الجنب على فراش الرضا الرحب نام علي الوسائد شيطان بغض فاسد معانقي ، شريك مضجعي ، كأنما قرونه على يدي حين فقدنا جوهر اليقين تشوهت أجنة الحبإلى في البطون الشعر ينمو في مغاور العيون والذقن معقود على الجبين جيل من الشياطين جيل من الشياطين في الجزء الأول من النص ، تتجلى هوية الروح التي تكونت من جمع الصوتين ، صوت الشاعر وصوت بشر الحافي، وفي إطار هذه الهوية سنجد أن النص لا يطغى عليه صوت بشر، ولا يتورط في التعبير المباشر عن الذات الشاعرة ، ولكن هناك – بالضرورة – إطارًا يرشح صوت الشاعر ويغير فيه، من نقطة الانطلاق التي ينطلق منها ، والمرتبطة أساساً بحياة بشر وصفاته ، والنص في تقديمه لتلك الصفات لا يبقي عليها أو على هيئتها ، ولكنه يقدمها في إطار وثيق الصلة بلحظة حضارية . يبدأ النص من جزئية المغايرة عن السابق المتمثل في حالة الرضا ، فالحالة الآنية تبدأ من المغايرة، ومن ثم يأتي الفقد مرتبطًا بفقد الرضا بالقضاء وانطلاقًا من هذه الحالة الجديدة – التي يمكن أن تكون مرتبطة بالداخل الساكن ظاهراً- تبدأ النتيجة في التعدد من خلال لحظة الجفاف أو الموت النامي بالتدريج ، بداية من عدم نزول المطر ، وجفاف الشجر ، وعدم وجود الثمار . إن الدفقة الأولى السابقة ربما تجعل المتلقي يحصر المعني في الجفاف الواقعي الحياتي المحيط ، وربما يلمح النص – ولو من طرف بعيد – إلى جفاف الداخل .ومن هنا فالنص يتوجه توجهًا جديدًا معتمدًا على بنية جاهزة من خلال تكرار «حين فقدنا» ،ويتعدد المفعول إلى «الرضا» و«الضحك» ، ومن خلال هذا التعدد يتأكد دخول النص إلى جزئية جفاف الروح ، ويتمثل ذلك في النتيجة المترتبة على عملية الفقد ، وما يجاورها أو يجاوبها من محاولة الكتمان ، فسرعان ما تعلن نفسها من خلال انفجار العيون البكاء . ينتقل النص بعد الإلماح إلى جفاف الداخل/ أو جفاف الروح إلى جزئية أخرى ربما تكون فاعلة في توليد أو تشكيل الجفاف السابق ، يتمثل في التوحد أو المواجهة لفقدان هدأة الجنب المبنية على الرضا ، وتتمثل النتيجة في ميلاد شيطان البغض ، الذي يمكن أن يشير إلى الشك أو إلى التبرم فيصبح شريكا في المضجع . إن اختيار أحد التفسيرين للإشارة إلى الشيطان الفاسد ، ربما يكون مجدياً في تلقي الجزء الباقي من هذا الجزء ، المعتمد على تكرار نسق الفقد والمرتبط باليقين، وهذا اليقين يرتبط على نحو ما بالرضا ،فكلاهما مرتبط بالآخر ومتحد معه ، وتبدأ نتيجة هذا الفقد في التجلي من خلال وجود صحراء الروح، ومن خلال تشوه أجنة النساء ، ونمو الشعر في مغاور العيون وكلها جزئيات تشير إلى مغايرة السائد المعروف للإشارة إلى قيمة الشعور بالرضا المشفوع باليقين . إن المقطع الأول يرتبط بتصوير الحالة الآتية المغايرة عن السابق ، ويرتبط في الأساس بتصوير صحراء الروح ، التي تتكون نتيجة نمو معرفي يتنافى مع التحديد الصارم للأشياء مع بداية الوعي ، الذي يصاحبه يقين قوى، هذا اليقين يبدأ في الاهتزاز تدريجياً ، ويبدأ تولد «شيطان البغض» ، وهذه الحالة تولد نوعا من فقدان التواصل أو العزلة المرتبطة بالتقوقع ، ومن هنا يأتي الصوت السارد مطالبًا المخاطب في المقطع الثاني : احرص ألا تسمع احرص ألا تنظر احرص ألا تلمس احرص ألا تتكلم قف! .. وتعلق في حبل الصمت المبرم ينبوع القول عميق لكن الكف صغيره من بين الوسطي والسبابة والإبهام يتسرب في الرمل كلام . إن في هذا المقطع صوتين يتحاوران ، أو – على الأصح – هناك صوت يوجه خطاباُ إلى آخر ، وطبيعة هذا الخطاب نابعة من فقدان الرضا واليقين السابقين ، ومن هنا جاء التقوقع والعزلة من خلال الحرص على عدم السمع ، وعدم النظر ، وعدم اللمس وعدم الكلام ، وهي كلها تمثل إلغاء للحواس المعروفة ، ويختم النص هذا المنحي من خلال «قف» ، ويكتمل هذا الاتجاه بقول و«تعلق في حبل الصمت المبرم ». وفي هذه الجزئية سوف تلحُّ في الخلفية مقولات بشر ، «إذا أعجبك الكلام فاصمت ، وإذا أعجبك الصمت فتكلم » أو قوله في كتابه (صفة الصفوة ) لابن الجوزي « اللهم إنك تعلم أخاف أني أتكلم ، اللهم إنك تعرف أني أخاف أن أسكت ، اللهم إنك تعلم أني أخاف أن تأخذني بين السكوت والكلام» . ( ) وهذا التوزع بين شهوة الكلام وشهوة الصمت ، يستخدمه النص المعاصر في إطار المقارنة بين شاعر وآخر ، أو بين صورة سابقة للشاعر ، وصورته الحالية، حين يكون إدراكه في الصورة السابقة إدراكا ساكنا مرتبطًا بيقين ثابت ، أما إدراكه في الصورة الآنية فهو إدراك نابع من النمو المعرفي . والفيصل بين الشاعرين أو صورتي الشاعر يتجلى في عمق المتح من الفن ، ويأتي وصف عميق للإشارة إلى فن القول بصفة عامة ، ولكف الصغير المرتبطة بالشاعر المخاطَب للإشارة إلى أن عدم اليقين الناتج عن النمو المعرفي ، يجعل الإبداع صعباً حيث يبدأ في رصد أشياء غير محددة تحديدًا صارماً ، فالكف الصغير إشارة إلى تغير في النسق الإبداعي من إبداع قائم على اليقين إلى إبداع قائم علي فقد هذا اليقين . إن المقارنة بين الشاعر الذي لا يملك إلا كفاً صغيرة في مقابل ينبوع القول العميق ، تأخذ شكلاً مغايرًا في المقطع الثالث : ولأنك لا تدري معني الألفاظ ، فأنت تناجزني بالألفاظ اللفظ حجر اللفظ منية فإذا ركبت كلاماً فوق كلامًا من بينهما استولدت كلام لرأيت مولودًا بشعًا وتمنيت الموت أرجوك ... الصمت... الصمت .. إن المقارنة بين الشاعرين المخاطِب والمخاطَب ، ليست إلا مقارنة بين نسقين أحدهما يمارس سلطة المعرفة انطلاٌقا من الوعي ، وليس بالضرورة – كما ألمحنا سابقا – أن يكون الشاعران منفصلين ، فربما يكون العارف – الذي يملك سلطة المعرفة من وجهة نظر النص – المنفتح على تجربة معرفية جديدة ، فقد معها اليقين والرضا ، ويأتي المخاطَب – في إطار ذلك السياق – مرتبطا بالوعي الثابت أو اليقين الساكن ، ويلح وجه بشر من خلال حركته الدائبة ، ومن كونه واحدًا كالآخرين في مرحلته الأولى ، بالإضافة إلى ركونه إلى الطمأنينة ، مكوناً خلفية يتماهى فى إطارها الصوت في مرحلته الأولى الراضية الخانعة ، والصوت في مرحلته الآنية . وفي ذلك الإطار يمكن فهم الإلحاح على المغايرة في مفهومه عن الألفاظ ، فاللفظة – في منطقه الجديد- يمكن أن تكون حجرًا في إطار سياقها الفاعل ، ويمكن أن تكون مؤثرة إلى حد بعيد من خلال اللفظ «منية » ومن خلال المغايرة المتمثلة في (حجر – منية) يبدأ التكوين وتتجلى رؤيته الخاصة عن الدنيا في إطار لحظته المعرفية الآنية ، فنراها «المولود البشع» ، ومن خلال هذه البشاعة يأتي الطلب بالصمت ، والتمني الخاص بالموت . إن المقطع الثالث ينتهج تقنية الحوار ، حتي لو كان هذا الحوار يتم بين صورة سابقة ،وصورة آنية للشاعر ، تعرف قيمة اللفظ وقدرته ، ومن ثم كان الطلب بالصمت حاضرًا ، وهذا الصمت ربما يكون نابعًا من صعوبة المتح من ينبوع القول ، وربما يكون نابعًا من صعوبة التجربة وتعدد أطرها ، خاصة إذا كانت هذه التجربة تجربة معرفية ترتبط بالوجود. إن الدخول إلى المقطع الرابع يستدعي سؤالاً مهما ، خاصة بعد طلب الصمت الذي يعطي مساحة لسكون الانتظار المشوب بالقلق ، أو طلب الموت الذي يضعنا في قلب اليقين ، ويرتبط السؤال بالتجربة المعرفية المرتبطة بالوجود ، فهناك أزمة حقيقية تظل توجع الإنسان ، ولكنه – بالرغم من محاولة المعرفة والإدراك – لم يستطع أن يصل إليها : تظل حقيقة في القلب توجعه تضنيه ولو جفت بحار القول لم يبحر بها خاطر ولم ينشر شراع الظن فوق مياهها ملاّح وذلك أن ما نلقاه لا نبغيه وما نبغيه لا نلقاه وتتحد الأزمة المعرفية بجزئية مهمة لا تنفصل عنها ، وهي جزئية القضاء والقدر ، فالإنسان لا يصل إلى ما يريده ، ويجد – في الوقت ذاته – ما لا يريده حاضرًا كل هذه الإشكاليات بداية من سكون الإجابة عن السؤال الوجودي ، وفقد الرضا بالقضاء والقدر ، تظل كلها – في إطار منطق الصوت المتحدث – أنواعًا من العذاب والآلام ، ويأتي قوله « ولو ينصفنا الرحمن عجل لنا بالموت » للإشارة إلى جزئية ملموسة ومعروفة . إن النص في إطار الجزئيات الأربع السابقة يقدم حالة معرفية لسياق حضاري يرتبط بالشخص السارد ، المتماهي مع الصوفي بشر الحافي ، وهو يبدأ من النمو المعرفي المرتبط بفقدان الرضا والتسليم والخنوع ، وبداية ظهور الأسئلة المقلقة التي لا تجد إجابة ، ومن ثم جاء طلب الصمت والتقوقع في المقطع الثاني منطقياً، لأن الإجابة لا تبل ظمأ العطشان ، أو تجيب عن أسئلته الباطنية ، التي تظل في المقطع الرابع واضحة وصريحة ومن ثم جاء استعجال الموت واضحًا ، بوصفه يقدم يقينًا ملموسًا. ومن خلال هذا المنطق الدلإلى المتنامي يأتي المقطع الأخير في النص لينفتح عن صوت جديد ، هو صوت بسام الدين ، الذي يأتي رمزًا للتجربة المعرفية الأولى المرتبطة بالتسليم وباليقين ، وتؤمن أن هناك مساحات من الجمال ، وهنا –أيضا – تلحُّ بعض الإشارات التي تحمل سمات شخصية بشر ، يتجلى ذلك فيما حكاه ابن الجوزي في كتابه (صفوة الصفوة) «أن رجلاً قال لبشر : مإلى أراك مغمومًا ؟قال مإلى لا أكون مغمومًا وأنا رجل مطلوب » ( ) وإذا كان «بسام الدين» يمثل رمزًا للمعرفة الأولي ، فان صوت السارد يمثل رمزًا للمعرفة الآنية ، وعرض وجهتي النظر في بداية المقطع يأتي شيئًا مقصودًا، فالوجهة الأولى ترى أن هناك مساحات من الجمال يمكن النظر إليها ، أما الأخرى فترى الأنقاض السوداء واضحة . يجيء انتقال (بشر وشيخه بسام الدين) إلى السوق، للإشارة إلى مساحة الاختلاف والتحول ، للانتصار لوجهة نظر السارد في النهاية .والرحلة في الأساس للبحث عن الإنسان ، والسوق ليست إلا صورة مصغرة للدنيا ، ونتيجة الرحلة أوضحت أن الإنسان لم يعد على هيئة واحدة أو نموذجاً واحدًا وإنما أصبح هناك تعدد مثل الإنسان الكلب ، والإنسان الفهد ، والإنسان الأفعى . إن هذا التعدد يشير إلى صواب رؤية الصوت السردي الأساسي في النص والمتقنع بقناع بشر ، وخاصة ضياع اليقين ، وضياع الحقيقية الخاصة بالإنسان وتشتتها في صور عديدة متباينة ، ولذلك نجده - بعد تعديد أنواع الإنسان التي يمكن بسهولة ردها إلى نماذج ودلالات واضحة – يخاطب بسام الدين: يا شيخي بسام الدين قل لي أين الإنسان الإنسان ويتمدد الحوار بينهما ، وكل واحد يحاول أن ينتصر لوجهة نظره.ويتجلى أن وجود هذه الأنواع العديدة للإنسان ليس إلا خروجًا عن النسق السابق الساكن ، وعن الأطر المعهودة ، فاليوم هو اليوم الثامن من أيام الأسبوع الخامس ، في الشهر الثالث عشر. ويأتي في نهاية النص التوجيه الخاص لجزئية اعتزال بشر للناس وصفة الحافي ، فالذي يقرأ المقدمة النظرية التي قدمها الشاعر لبشر يدرك أن عزلة بشر وخلعه نعليه كان نتيجة لهذا الفزع من تأمل أحوال الناس في السوق ولكن المصادر التاريخية لم تذكر ذلك النسق ، «فقد قالوا : وكان سبب تركه النعل أنه جاء مرة إلى حذّاء ، فطلب منه شراكًا لنعله ،فقال ما أكثر كلفتكم يا فقراء على الناس ؟فطرح النعل من يده ، وخلع الأخرى من يده ،وحلف لا يلبس نعلاً أبدًا»( ). إن النص «مذكرات الصوفي بشر الحافي » يرتبط في الأساس برصد مدارات التحول الإدراكية ، لدى السارد الفعلي للنص أو القناع المقدم ، والنص ينفتح على التجربة الآنية المعيشة ، والمرتبطة بفقد الرضا واليقين ، ويأتي صوت «بشر» بوصفه إشارة للالتحام بالمجموع في مرحلة من المراحل ، ثم التحول نتيجة لحادثة ما كما ذكرت المراجع ، إلى حالة جديدة سريعة الحركة ، لا تركن إلى الثابت . أما التجربة الأولي فإنها تستحضر في إطار متقابل مع الأخرى. والتجربة المعرفية الأولى ترتبط بالثبات والسكون ، والمحدودية والتحديد الصارم للأشياء ، وكلها صفات تعطي برقًا أساسياً لليقين ، وتلتحم بها حالة السارد الأولي التي لم ترد إلى في حالة استحضارها بالتقابل مع الحالة الآنية ، وبسام الدين . أما التجربة الأخرى فهي تجربة حركية لا تقنع بالثبات أو السكون أو التحديد الصارم للأشياء ، وتؤكد نفسها في إطار تشتت الحقيقة وتعدد صورها ، وحركتها الدائمة ، ويتماس معها صورة السارد الثانية ، وسببت في النهاية له ذعرًا ، من خلال الارتداد إلى صورة بشر الذي يأتي نموذجًا للإنسان ، ومن ثم كان الانعزال والتدثر بالصحراء. بعد تناول الآليات السابقة التي وفرت للشاعر صلاح عبد الصبور الرؤية الموضوعية المحايدة ، هل يمكن أن نصل إلى حكم قاطع يرتبط بموضوعية هذه النصوص بعيدًا عن صوت الذات الشعرية المباشر ؟ إن الإجابة عن السؤال السابق ليست سهلة أو يسيرة ، خاصة في إطار النفي القاطع الذي ألمحنا إليه سابقاً للفصل بين ثنائية الذات والموضوع ، فقد أشرنا إلى أن الفصل بينهما يؤسس للثنائيات القاصرة في حياتنا الثقافية ، تلك الثنائية التي تجعلنا مشدودين إلى أحد الجوانب ، مغالين في الاهتمام به . وهذه المغالاة تدفعنا بعيدًا عن رؤية الجدل الواضح والصريح بين الذاتي والموضوعي ، الذي يتجلى في كل الجزئيات التي عرضنا لها . فإذا وقفنا عند جزئية «اليومي والعناية بالتفاصيل » ، فإننا سوف ندرك أن العناية باليومي أو التفاصيل ، ليست منبتة عن الأنا الشاعرة ، لأن الأنا –التي جاءت ضميرًا ساردًا في نص الحزن الذي عرضنا له – تظل صاحبة الفعل والمسيطرة بالرغم من تشظيها وتشتتها في الالتحام بالواقع ، وتظل - أيضا- صاحبة الحركة بالرغم من تقديم الجزئيات الموضوعية في إطار سردي . وفي الجزئية الثانية تشكيل النموذج تأتي جزئية الانتخاب ، التي يعتمد من خلالها نموذجَا خاصًا متوافقًا مع رؤية الذات مشيرة إلى ذلك التداخل ، فالإلحاح على نموذج مثل «عم مصطفي» ،أو« زهران» ، أو الفلاح في «موت فلاح» ، لا يقدم واقعا موضوعياً صرفًا ، بعيدًا عن رؤية الأنا الشاعرة . ويتمثل وجود الأنا في جزئية الانتخاب أو الاختيار ؛لأن الحياة الواقعية تحفل بنماذج عديدة ، وفي هذه الحالة سوف يكون الإلحاح على نسق الإنسان العادي الخإلى من أي بعد سلطوي أو أسطوري إلحاحاً له صداه في تكوين المبدع ، الذي ينطلق في إطار سياق حضاري كان يؤمن بفردية الهامش وقدرته على الوجود . بالإضافة إلى جزئية الانتخاب التي تشير إلى جزئية ذاتية في النص المقدم ، نجد إن هناك –أيضا- زاوية الرؤية ، التي تولد حالة من التعاطف يبديها الراصد ، مما يضفي على النموذج هالة خاصة نابعة من نمطيتها فالثابت من استقراء النصوص في الشعر الرومانسي بتجلياته العديدة أن هناك ميلاً نحو تثبيت أو تكون معين ينطلق من استبطان الذات ، للدخول إلى عوالم مجنحة تمزج المتناقضات بشكل هلامي .أما في إطار شعر التفعيلة ،وخاصة في إبداع الجيل الأول ، فسنجد أن هناك ميلاً للعناية بالعادي والهامش ومحاولة بناء أطر خاصة لتوليد الجمال من النماذج العادية المتشابهة مع الآخرين وفي السرد القصصي سنجد أن هناك تقنية لا تختلف كثيرًا عن تشكيل النموذج ، فهناك دائرة من التشابه ، يتجلى ذلك حين نتأمل الضمير السارد في النصوص التي عرضنا لها في تشكيل النموذج ، والنموذج الخاص بالسرد القصصي « المرأة والشمس » ، فالمتأمل سوف يدرك أن الضمير السارد ضمير الغائب ، وهذا الاستخدام يكوِّن- كما يقول محمد عبد المطلب – انفصالاً داخلياً في الذات بحيث يكون أحد طرفيها هو الحاضر المتكلم ، ويكون الآخر ما يدور عنه الكلام» ( ). وفي قصيدة «المرأة والشمس » التي عرضنا لها في إطار جزئية السرد القصصي ، يتجلى الذاتي – في إطار جدله مع الموضوعي – في التوقف عند نقطة النهاية والمشيب ، وجدلها الأساس مع لحظات سابقة . هذا الحضور الفعلي للمشيب واقعًا آنياً ، بالإضافة إلى حضور الشباب واقعًا ذهنيًا ، يمثل نمطًا إنسانيًا عاليًا( ) ، يجعل المتلقي – أيضا – يشارك الذات الشاعرة جلال اللحظة وعمقها أما في تعدد الأصوات ، التي تمثل بداية للكتابة الدرامية التي تجلت بعد ذلك في مسرحه الشعري ، فنجد أنها تقنية تتيح للذات الشاعرة أن تضع نفسها في أماكن شخصيات مختلفة في الرؤية ، وتحاول التعبير عنها في إطار وجهة نظرها وفلسفتها ، ولكن في هذه الجزئية – أيضاً – يستطيع المتلقي أن يشعر بوجود الذات وباهتماماتها حتي في أصوات الآخرين .ففي النص الذي عرضنا له «أربعة أصوات ليلية للمدينة المتألمة» ، نشعر أن هناك جزئيات متجاوبة تصل إلى حد التطابق في صوت«الصوت» ، وفي صوت الشاعر في الجزء الرابع منها – على سبيل المثال – القلق الوجودي الخاص ، المرتبط لدى الصوت «بالليل » الذي لا يعطي برقًا ضوئياً كاشفًا ، وفي صوت الشاعر يتمثل ذلك القلق في الإحساس بدبيب النهاية كل مساء . وتأتي جزئية القناع – جلية واضحة – لتعبر عن هذا الجدل الخاص بين الصوت أو الأنا الشاعرة وصوت القناع ، بحيث تتكون هوية جديدة تحمل بعضًا من الصوت الأول ، وبعضاً من القناع. إن هذه التقنيات التي يمكن أن نطلق عليها التقنيات الموضوعية صاحبها تقنيات أخرى تكونت في إطارها ، ربما كانت جديرة بالبحث والاهتمام في ذلك الإطار ، يتمثل أهمها في النسق التقريري الخاص بلغة الشاعر ، فلغته لا تكوّن مجازات خارقة للنسق المعهود أو المقرر ، ولكنها تحاول أن تشكل جماليات قائمة على التقريري والسردي ، المرتبط بالضرورة – باليومي والحياتي والمعيش . الهوامش والتعليقات (1)عز الدين إسماعيل ، مفهوم الشعر في كتابات الشعراء المعاصرين ، فصول ، مجلد (1) ، عدد (4) 1981 .ص 50 ( )دانييل برجيز : مدخل إلى مناهج النقد الأدبي ، ترجمة رضوان ظاظا ، عالم المعرفة ، الكويت ، مايو 1997 ص117 ( )محمد مندور : الأدب ومذاهبه ، معهد الدراسات العربية القاهرة ،1955 ص 40 ( )محمد العبد حمود : الحداثة في الشعر العربي المعاصر ، بيانها ومظاهرها ، دار الكتاب اللبناني ط1 ، 1980 ص70 ( )عبد الحميد جيده: الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر ، مؤسسة نوفل ، بيروت ، ط1 1980، ص115 ( )رينيه ويلك : مفاهيم نقدية ، ترجمة محمد عصفور ، عالم المعرفة ، الكويت ،1987 ، ص187. ( )السعيد الورقي : لغة الشعر العربي الحديث ، مطبعة الجيزة الإسكندرية ، 1979، ص 88 ( )فاضل تامر : معالم جديدة في أدبنا المعاصر ، منشورات وزارة الإعلام العراقية ، 1975 ، ص 289 . ( )صلاح عبد الصبور : حياتي في الشعر : الأعمال الكاملة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ،ط 1993 ، ص 30 ( )صلاح عبد الصبور : السابق ، ص 48 ( )صلاح عبد الصبور : السابق ص 49 ( )صلاح عبد الصبور : السابق ، ص 28 (*)حتي في إطار سيادة المفهوم الرومانسي ، لم يخل الأمر من إشارات تشير إلى أن «أنا» المتكلم في النص الرومانسي ليست «أنا» الشاعر ، يقول «إزرا باوند» إن الشاعر حينما ينطق بكلمة «أنا» .فإن هذه «الأنا» تكف عن أن تكون «أنا » الشاعر ،بل تصبح «أنا الشخصية » التي خلقها . نقلاً عن فاضل تامر ، القناع الدرامي . في الشعر ، الأقلام العراقية ، تشرين 1981 ، ص81 ( )شكري عياد: انكسار النموذجين الرومانسي والواقعي ، عالم الفكر ، مجلد 19 ، عدد (3) ، ديسمبر 1988 ، ص 78. ( )صلاح عبد الصبور : حياتي في الشعر السابق ، ص 52 ( )صلاح عبد الصبور : السابق ص 93 ( )فاضل تامر: السابق : ص 343 ( )ف .د : شكوز نيكوف: الشعر الغنائي ، ترجمة جميل التكريتي ، الشؤون الثقافية العامة . بغداد ، 1986 , ص 10 ( )صلاح عبد الصبور : الأعمال المتكاملة ، الهيئة العامة المصرية للكتاب ،ط 1993 ، ص 229 ( )ياسين النصير : اليومي والمألوف في الشعر العربي المعاصر ، مجلة الأقلام العراقية ، العددان 11، 12 ، 1987، ص201 ( )فخري صالح : شعرية قصيدة التفاصيل ، فصول ،مجلد 15 ، عدد (3) ، 1996 ، ص 142 ( )محمد شبل الكومي : النظريات الأدبية ، الهيئة المصرية للكتاب ، القاهرة ، ط1 ، ص 58. ( )محمد بدوي : الجحيم الأرضي ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة : ص 1 ، 1986، ص58. ( )صلاح عبد الصبور : السابق ،ص 18 ( )صلاح عبد الصبور : السابق ، ص 195 ( )محمد بدوي: السابق 58 ( )صلاح عبد الصبور : السابق ، ص289 ( )صلاح عبد الصبور : السابق ص 52. ( )عز الدين إسماعيل : الشعر العربي المعاصر ، قضاياه وظواهر الفنية والمعنوية ،دار الثقافة لبنان، ص 301 ( )بول شاؤول : علاقة القصيدة العربية الحديثة بالفنون السمعية والبصرية ، مجلة إيقاعات ، إبريل 1993 ، ص 253 ( )عبد الرحمن فهمي : الرؤية القصصية في شعر صلاح عبد الصبور ،فصول ، مجلد (2) عدد (1) ، 1981 ، ص 57 . ( )صلاح فضل : الأسلوب السينمائي في شعر أمل دنقل ، مقال في كتاب دراسات نقدية ، تحرير فخري صالح ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط1 ، 1996 ، ص 102. ( )صلاح عبد الصبور : السابق ، ص 485 ( ) فاضل تامر: السابق ، ص 351 ( ) على عشري زايد : عن بناء القصيدة العربية الحديثة ، مكتبة الشباب ، القاهرة ، ط4 ، 1995 ص 222. ( ) عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية المعنوية ، السابق ، ص 280. (** ) مصطلح وثيق الصلة بفن الرواية ، وقد أشار باختين إلى أن الرواية عمل يتسم بتعدد الأصوات ، والصوت لدى باختين لا يقتصر على المستوى اللغوي ، بل يتضمن أيضا الانتماء ، العقائدي والسلطة في المجتمع . ويشير «ماكهيل » إلى استخدام آخر للكلمة لدى عالم الظاهراتية البولندي رومان إنجاردن ، الذي يقول بأن العمل الأدبي تتعدد فيه كذلك الأصوات الأنطولوجية أي المتصلة بالنظرة إلى الوجود بصفة عامة ، راجع محمد عناني ، المصطلحات الأدبية الحديثة ، الشركة المصرية العالمية للنشر ، لونجمان ، القاهرة ، ط2 ،1997 ، ص74. ( ) محمد نجيب التلاوي : وجهة النظر في رواية الأصوات العربية ، كلية الآداب ، جامعة المنيا ، 1996ـ ص54. ( ) صلاح عبد الصبور : السابق ، ص 537. ( ) فاضل تامر : القناع الدرامي والشعر مجلة الأقلام العراقية ، تشرين 1981 ، ص 77. ( ) عبد الوهاب البياتي، تجربتي في الشعر ، منشورات نزار قباني ، بيروت 1968، ص 35 ( ) جابر عصفور : أقنعة الشعر المعاصر ، مجلة فصول ، مجلد (1) ، عدد (4)، 1981 ، ص 123 . ( ) عبد الرحمن بسيسو : قصيدة القناع في الشعر العربي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،ط1 ، 1999 ، ص 8 ( ) جابر عصفور : السابق ، ص 124 . ( ) فاضل تامر : القناع الدرامي الشعر السابق ، ص 81 . (***)هو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطا ، بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي ،أبو نصر ، الزاهد ، المعروف بالحافي ، كان مولده ببغداد سنة خمسين ومائة ، البداية والنهاية لابن كثير ، مكتبة المعارف ، بيروت ،ط 3 ، 1980 جـ 10 ، 297. ( ) ابن الجوزي: صفة الصفوة ،دار الصفا ، القاهرة ، ط1 ، «14» ،جـ1 ، ص 5232 . ( ) ابن الجوزي : السابق ، ص 532. ( ) ابن كثير : البداية والنهاية ، السابق ، 298. ( ) محمد عبد المطلب : قراءات أسلوبية ، الهيئة العامة للكتاب ، ط1 ، 1995 ، ص 149 . ( ) ربما وجدنا لدى الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي نصا شعرياً شبيها بنص « المرأة والشمس » وهو نص «غرفة المرأة الوحيدة » ، راجع الأعمال الشعرية الكاملة ، دار سعاد الصباح ، القاهرة ، ط1 19