الرواية التاريخية الجديدة من التاريخ للهوية- مقدمة الكتاب
الرواية التاريخية الجديدة
من التاريخ للهوية
لا يعود الاختلاف في تعريف الرواية التاريخية إلى التباين الواضح بين البداية التاريخية والبداية الفنية فقط، وإنما يعود – في جزء كبير منه – إلى التطور الذي يلحق النوع الأدبي، النابع – حتما- من طبيعة النظرة إلى التاريخ، فالنظرة إلى التاريخ – في إطار الروايات التاريخية الكلاسيكية – نظرة إجلال وتقديس، بوصفه خطاباً تم الاتفاق على حقيقته، وقيمة هذه الحقيقية، بالإضافة إلى أن التوجه إليها كان مرتبطا بنشأة القوميات، فروايات (والتر سكوت) وأتباعه، شكلت القصص العظيمة المرتبطة بالقوميات وبالأيديولوجيات السياسية التي كانت قاعدة للكتابة التاريخية في القرن التاسع عشر، وهذا جعل أولوية الاهتمام مرتبطة بالطبقة الحاكمة، وجعل بناء القصص مرتبطاً بتطوير الدولة القومية.
فالرواية التاريخية في إطار ذلك التصور القديم للتاريخ مرآة للحقيقة المتفق عليها من الجميع، ولديها نزوع لتشكيل القومي، وترتبط- نظراً لطبيعة النظرة إلى التاريخ – بالطبقة الحاكمة، وفي سبيل ذلك تهمل الهامش البسيط، وفي ذلك تقول فرجيينا وولف الرواية التاريخية في القرن التاسع عشر تفتقد إلى الابتكار، وتركز على الأشياء التافهة وغير الأساسية، بينما كان يجب أن تركز على إشكالية التجربة الإنسانية والمعرفة.
فكتّاب الرواية التاريخية الجديدة يشتغلون في إطار توجه مغاير يرتبط بقص مباين للحقائق المتفق عليها، لكي يعكس وعيا مغايرا في التعامل مع الماضي، يرتبط بمراجعة ومساءلة التاريخ المستقرّ الذي نعرفه. وفي ذلك تقول هتشون – في مجال حديثها عن رواية ما بعد الحداثة – الرواية التاريخية ليست مرآة الحقيقة، وليست إعادة بناء لها، إنها لا تقوم بذلك. هي تقدم خطابات أخرى، من خلالها نستطيع أن نبني صوراً أخرى لهذه الحقيقة.
لم يعد لدينا إذن خطاب واحد للحقيقة، وإنما أصبح لدينا خطابات عديدة، ولهذا نجد أن كثيرين من الباحثين ينظرون إلى الرواية التاريخية الجديدة، نظرة مغايرة، لأنها لا تسجل التاريخ بوصفه حقيقة تاريخية عليا، بل تخضعه للمراجعة والمعاينة، وفق وجهة نظر ناقدة تحرف سلطانه وهيمنته، ويتطور – طبقا لذلك- الشكل التاريخي للرواية التاريخية، إلى أنماط عديدة، لا تطمس – بالضرورة – الشكل الكلاسيكي لها، وإنما تحور في تقاليده المؤسسة.
والجديد في هذا التصور الخاص بالرواية التاريخية – من خلال التساوق مع الرصيد الإبداعي في الرواية العربية – يتمثل في إعطاء قيمة واضحة للمتخيل الذي يغير في طبيعة المرجعية التاريخية من خلال المساءلة والمراجعة والإكمال لجزئيات لم يهتم بها خطاب التاريخ، فكل تعريفات الرواية التاريخية – كما تقدمها لنا المعاجم والدراسات المتخصصة حولها – تتفق على كون الرواية التاريخية عملا سرديا يرمي إلى إعادة بناء حقيقة من الماضي بطريقة تخيلية، حيث تتداخل شخصيات تاريخية مع شخصيات متخيلة، إننا في الرواية التاريخية نجد حضورا للمادة التاريخية، لكنها مقدمة بطريقة إبداعية وتخيلية.
فالمتأمل للرواية التاريخية في العقود الأخيرة يدرك أن هناك تحولا لافتا إلى حد بعيد، يتمثل في كون هذا النوع الأدبي بدأ في التحلل، ليأخذ شكلا جديدا بالتدريج، وهناك مظاهر عديدة لهذا التحول والتحلل. أولى هذه المظاهر تتجلى في كون التاريخ في الرواية لم يعد مقصورا على طبقة الحكّام أو الطبقة العليا، وإنما أصبح مشدودا للبسيط والعادي والهامشي. واهتمام الروائي المعاصر بتلك الطبقات المهمشة جعل الجزء التاريخي أو الواقعي المسجل في كتب التاريخ ضئيلا، ويفقد فاعليته، ومن ثم كانت الحاجة ملحة لكاتب الرواية التاريخية الجديدة، إلى الاختراع. فيبدو عمله الأساسي- انطلاقا من دراسة العصر سياسيا وثقافيا وحضاريا- قائما على تنضيد الفجوات وإكمالها، من خلال خلق شخصيات غير موجودة في الحقيقة.
ففي رواية مثل رواية (هذا الأندلسي) لبن سالم حميش، يدرك القارئ أن النصوص التاريخية عن ابن سبعين لا تكفي الروائي للحركة، وبناء أطر معرفية واضحة المعالم، خاصة أن فلسفته بها الكثير من الغموض، بالإضافة إلى أن الخيط الفاعل في هذه الفلسفة يجعلها وثيقة الصلة بالغنوصي والإشراقي. فالخيط الفاعل يتمثل في الحركة من الأندلس للوصول إلى غار حراء بمكة، لتلقي الوحي، وهو خيط يفتح بابا للشد والجذب، ولمقاربة العلاقة بين الصوفي والنبي، ومقاربة فكرة ختام النبوة وانفتاحها.
فالإطار التاريخي بسياقاته الحضارية له دور مهم في تأطير وتشكيل الأطر المعرفية للرواية التاريخية، ومن ثم يشعر القارئ أن هناك فارقا بين إنجاز حميش في رواية (العلّامة) - عن ابن خلدون- وإنجازه في رواية (هذا الأندلسي). فالمرصود عن ابن خلدون - نظرا لقيمته في مجال فلسفة التاريخ من خلال المقدمة، وعلاقته الوطيدة بالسلطة في المشرق والمغرب، بالإضافة إلى منجزه في كتابة سيرة ذاتية مبكرة خاصة به- كاف وواضح لكتابة رواية، فرواية العلّامة - بالرغم من كونها لا تخلو من شخصيات مخترعة مثل حمو الحيحي، وشعبان السكيت- تكشف عن مناح معرفية شبه جاهزة، ترتبط بالمثقف والسلطة، وتشظي الهوية العربية مشرقية كانت أو مغربية. ولكن في رواية (هذا الأندلسي) بالرغم من الجهد المبذول، ظل الهدف مشتتا، وظلت المناحي المعرفية غير واضحة، وذلك لغياب الإطار الذي يكفل لها ميلادا طبيعيا بشكل تام.
المظهر الثاني من مظاهر تجلي هذه الرواية التي يمكن أن نعتبر أنه السبب في تحرك الرواية التاريخية من كونها تحكي حكاية للعبرة والتسلية إلى كونها تقدم حالة معرفية ليست وثيقة الصلة بالعصر التاريخي، وإنما هي منفتحة على الإنساني في مداه الرحب غير المحدود بزمن، وإنما تتحول إلى معان مجردة، لها سمة الفوقية مما يجعلها حاضرة على الدوام، يتمثل في السرد المتوازي، حيث يستند الروائي إلى تواز ما، ويقيم دعائمه من خلال الاستناد إلى تواز زمني أو تواز مكاني. في إطار التوازي الزمني يستند الروائي إلى إطارين سرديين، أحدهما قديم، والآخر حديث معاصر. وبين الخطابين يستطيع الروائي أن يقارن بين الماضي والحاضر، ويقارب مدى الثبات والحركة والتحول في فكر الحضارة العربية بشكل عام، ويقارب أيضا فاعلية الأنساق المضمرة وتمددها بالاستقواء أو تحولها وتلاشيها، ويقارب الإضافات أو التحويرات التي تلحق بالمفاهيم المجردة الكبرى مثل الهوية والثقافة والسلطة والعدل والخير والجمال.
وفي التوازي المكاني نجده يتجلى وثيق الصلة بالفكرة المعرفية التي يتم الاشتغال عليها انطلاقا من طبيعة الشخصية التاريخية وحركتها واستمرار وطبيعة علاقاتها بالسلطة، ففي رواية (العلّامة) لا نجد هناك إطارين سرديين، ولكن الرواية تقدم لنا مكانين(المغرب والمشرق)، ومن خلال التوزع إلى مكانين تقارب الرواية فكرة على نحو كبير من الأهمية هي علاقة المثقف بالسلطة في مكانين مختلفين، وكأنه يرصد هوية متلبسة بالثبات، فالعلاقة تتجلى في المكانين في إطار بطش السلطة دائما بالمثقف، وليس أمام المثقف والحال تلك سوى أن يفعل مثلما فعل ابن خلدون في المطاوعة والهجرة للمحافظة على صوته ومشروعه.
وفي رواية (البيت الأندلسي) يؤسس واسيني الأعرج سمة أو مظهرا جديدا في كتابته لتاريخ الموريسكيين، فيجد القارئ نفسه أمام خطابين، خطاب سردي معاصر، وخطاب يلتحم بالتاريخ الموريسكي من خلال المخطوط المتخيل. وهي آلية لافتة في الروايات التاريخية المعرفية، وربما كان إمبرتو إيكو أول من استحدثها في رواياته بداية من (اسم الوردة). وبين هذين الخطابين السرديين يقارب واسيني الأعرج تشكيل الهوية وفشلها الدائم في الوصول إلى هدوء ناصع بعيدا عن القلق الملازم لها.
من خلال البيت الأندلسي الذي تأسس في إطار السرد التاريخي، تتجلى إشكالية الهوية، فالبيت في الأساس يخص وليا من أولياء الله- قد يمثل المكوّن الصلب للهوية- ثم تحول في فترة الاستعمار إلى بيت للبلدية، ثم إلى مكان سكن وإقامة لنابليون، ثم إلى دار للغناء، وفي النهاية أصبح مكانا لعقد الصفقات المشبوهة، وتطلعات الرأسمالية في اللحظة الآنية لهدمه وإقامة برج سكني. ونهاية الصراع وفق الشكل الأخير يجعل تلقي العمل مشروعا على هذا النحو. فالبيت يمثل إشارة الثبات، ويظل قبوله للتعديل والإضافة انطلاقا من حركة التاريخ في ظل فكرة انفتاح الهوية للفقد والاكتساب تطورا مشروعا يجعل أصحاب تلك الهوية متصالحين مع التاريخ، ولكن هدم البيت معناه في النهاية أن هناك مساحة من القلق في تشكيل هوية تستطيع أن تتعامل مع حركات الحداثة.
من التاريخ للهوية
لا يعود الروائي للتاريخ من أجل العودة إلى الماضي، وليس بالطريقة التقليدية، وإنما من أجل مساءلة فرضية آنية يحاول التأكد من تجذّرها في سياقه العام القديم، ومن خلال هذه العودة يحاول الإجابة عن هذه الفرضية التي قد تتعدد إلى إشكاليات عديدة تحيط بالإنسان المعاصر. وهو في محاولته للإجابة عن هذه الفرضية، لا يستطيع أن ينفصل عن سياقه الآني الذي يحيا فيه، والمشدود حتما إلى ماضيه الذي يتكرر دون عبرة أو تأمل، ولكن من خلال الاتكاء على فرضية مقررة في الدرس الأدبي تتمثل في كون هذا الماضي لا يتشكل إلا من خلال خطابات ونصوص، وليس من أحداث، لأن الماضي لا يصلنا إلا في شكل خطاب.
إن الإضافة التي يضيفها مثل هذا النوع من الروايات، لا ترتبط فقط بكون الماضي يرفد الحاضر، بآلية مقاربة أو توجيه للمقاربة انطلاقا من أن التاريخ يعيد نفسه باستمرار، وإنما تتمثل الإضافة في كون الآني يرفد الماضي بمعان ودلالات وتوجهات فكرية معرفية لم تكن متاحة لحظة المرور بالتجربة، وكأننا من خلال هذا النوع من الروايات نعيد قراءة ماضينا، وتأمل أنفسنا وذواتنا ونحن مشدودون إلى رؤية حداثية مغايرة، ووفق توجهات فكرية لم تكن حاضرة بسبب تغييبها أو اندحارها في إطار سلطة تتعمد إقصاءها والتقليل من شأنها.
ربما تأتي مساءلة النسق ومقاربته بامتداد العصور والأزمنة هدفا أساسيا من أهداف ذلك النوع من الروايات، لأنه بعودة الروائي إلى التاريخ تتأكد مشروعية الفكرة الجاهزة في كون أنساقنا المضمرة ما زالت فاعلة، وتقف حجر عثرة في تمدد حركة التحديث، وفي انفتاح العقل العربي على الأفكار المعاصرة. ففي رواية (رواق البغدادية) لأسامة السعيد تتشكل العوالم وفق آلية التوزع بين خطابين قديم وآني معاصر، وفق محاولة لإسدال نوع من التشابه والتوازي بين الفترة المملوكية والإقصاء الأخير للحاكم ناصر الدين محمد بن قلاوون(حكم مصر ثلاث مرات: الأولى من 1293م حتى 1294م، والثانية من 1299م حتى 1309م، والأخيرة من 1309م حتى وفاته1341م) إلى الكرك في عام 1309م، والفترة الأخيرة لحكم مبارك وامتداد فترة حكم الإخوان في 2012م، حيث تتوزع السلطات بالرغم من الفارق الزمني بسبب غياب قلاوون بين بيبرس الجاشنكير والآخرين من المماليك في الخطاب السردي القديم، وبسبب غياب الحاكم المعاصر عن التأثير وتتوزع السلطة بين أفراد يشكلون حلقة اقتصادية لا يهمها سوى نهش المصريين.
إن التناظر أو المشابهة بين زمنين أو عصرين قد تكون مدخلا مهما لمقاربة العمل، فهذا هو المدخل الظاهر بجلاء، خاصة أن تشكيل الإطارين جاء بشكل كاشف ومتوال عن هذا التفسير الدلالي، ولكن التأمل الدقيق يكشف أن هناك نسقا متواريا يمكن الكشف عنه. ففي ظل حضور بطولة نسوية في الإطارين: خوند فرح أو دنيا الدمشقية في إطار السرد التاريخي، وريم عبدالمنعم باحثة التاريخ المملوكي في الخطاب السردي المعاصر، بالإضافة إلى تغييب للذكوري غير القادر على الفعل، فزوج خوند فرح الأمير علم الدين سنجر الجاولي مغيب بالهروب إلى الكرك مع قلاوون في خطاب السرد التاريخي، والسارد الفعلي في إطار خطاب السرد المعاصر الصحفي حسام يسري مكبل من خلال انتمائه إلى جريدة حزبية، وتكوين خاص يجعله ينزع إلى المراقبة أكثر من شروعه إلى الثورة، ولا يتخلى عن حياده إلا من خلال هذه الروح الثورية التي تشعها ريم.
تتجلى فاعلية النسق في آلية وطبيعة النظرة إلى المرأة، وإلى كل ما هو نسوي في الخطابين التاريخي والمعاصر، ففي الخطاب التاريخي يتم إدخال خوند فرح إلى رواق البغدادية، وهو مكان مخصص في هذا العصر للأرامل والمطلقات، وذلك حفظا لهن وللمجتمع من الوقوع في الإثم. وفي الخطاب المعاصر تتشكل طبيعة النظرة وآلية التعامل مع المرأة في البطش بها، لأنها قالت في مؤتمر تحضره السيدة الأولى أن هناك تشابها بين العصر المملوكي وعصرنا الحالي. وتصل قمة البطش بهذا الكيان النسوي- بعيدا عن الفصل من الجامعة وقتل الروح بالتدريج- في كشف العذرية الذي أوجد زلزلة لافتة، وإعادة مقاربة للأمور بشكل خاص.
إن هذا التناظر أو التشابه في طبيعة النظرة إلى كل ما هو نسوي، وشراسة التوجه في لحظات النهاية من كل سلطة، يجعلنا نعيد قراءة أنفسنا، والتعرف على العلل التي تصاحبنا على الدوام، ونقرّ باستمرار الأنساق البالية التي تطل فاعلة، وتكشف عن وجود لافت ومستقرّ أمام أي اختبار حقيقي، فنشعر أننا دخلنا العصر الحديث، ونعيش فيه بعقول مغلقة على الساكن والآسن الفاسد المستمر، فتشدقنا بالحداثة شكلي، لا يغيّر سلوكنا وقناعاتنا.
في مثل هذه الروايات انطلاقا من طبيعتها المعرفية المستندة إلى التأمل والتساؤل المستمر، نجد هناك محاولات كتابية جادة للنظر وفق رؤية مغايرة للمستقر والمتغلغل في أرواحنا من جيل إلى جيل دون قدرة جادة لزحزحة هيمنتها، حتى لو كانت هذه الأفكار دينية تتوسل باليقين، على نحو ما فعل يوسف زيدان في (عزازيل) من مساءلة للأسس المستقرة، أو في رواية (النبطي)، ربما تأثرا بما قدمه أمبرتو إيكو كتابيا ونظريا، في إشارته المستمرة إلى قيمة الزائف ودوره الفعال في تحديد الحقيقي والوصول إليه. فخطاب رواية النبطي يعيد مساءلة الفكرة المتفق عليها من أن غزو العرب لمصر تم بشكل هادئ ودون مقاومة، فالرواية تعتمد خطابا مغايرا يهشم أسس هذه الفكرة، فالاعتماد على روايات مغايرة لهذا السائد، بالإضافة إلى الاستعانة بجواسيس من النبط للمساعدة على نجاح الغزو، يجعلنا نقارب الموضوع مقاربة مختلفة للخطاب المؤسس والمتفق عليه في كتب التاريخ.
تفكيك الديني والهوية الإنسانية
الهوية في الأساس وجود صلب في المركز المشدود للتاريخ السحيق، ووجود مرن على الهامش الآني المشدود في الانفتاح على العالم الذي يتشكل من أعراق وسياقات حضارية عديدة، ومن ثم فهي في معرض دائم للاكتساب والفقد، ومن ثم قد تضاف إلى الهوية جزئيات غير حقيقية، وتستمر زمنا طويلا فاعلة وحاضرة، حتى يخيل لبعض الدارسين والباحثين، أنها أصبحت جزءا من المكوّن الصلب للهوية الذي لا يمكن أن يتوارى أو يفقد بريقه وحضوره.
يؤسس ناصر عراق في رواية (الأزبكية) خطابه الروائي على تفكيك الهوية المصرية مما علق بها، وظل حاضرا لفترة طويلة. فالرواية ترصد لنا في الأساس مدارات التحول، التي تصيب المثقف المهزوم، وتجعله يستعيد صوته الفعلي، الكاشف عن الهوية، ويخلصه من جزئيات عديدة، علقت به أو أعاقت صوته عن الوجود، وعن القدرة والفاعلية لتمثيل الذات أو المجموع الذي ينتمي إليه.
فعل المقاومة بما يثيره ويولده من أسئلة تتصل بطبيعة الفعل وحتمية وجوده، أوجد تقليبات عديدة لإشكالية الهوية، المختفية تحت تأثير ركام زمني طويل، ومن ثم بدأت مساءلة الأفكار التي تعود المصريون على وجودها، كأنها أنساق حتمية ثابتة، انطلاقا من أن المصريين نتيجة لتاريخهم الاستعماري الطويل لا يستطيعون إدارة شئون أنفسهم، فنراهم يظلون بحاجة إلى نسق أعلى، أو حاكم يفرض عليهم من خارج بلادهم. فالسؤال الأول الذي تطرحه الرواية في لحظتها الزمنية الماضية، لماذا لا يكون الحاكم مصريا، فهي تلح على تفكيك النسق واستمراره، من خلال صوت أيوب (إن جماعة من مشايخ الأزهر والتجار الكبار، قرروا تنصيب محمد علي واليا على مصر).
ولكن تفكيك مقولة الحاكم الخارجي لا تطرح بالرواية بمفردها، وإنما من خلال جزئية أخرى وثيقة الصلة بها، وهي جزئية دين الحاكم، وربما تأتي زحزحة تلك الرؤيا وبداية تفكيكها وخلخلتها من خلال مواقف بسيطة، مثل مساعدة (المقدس حنا) وأسرته لأيوب في ثورة القاهرة الأولى، فهذه الحادثة من خلال تعاطف هذه الأسرة المسيحية، وابتهالهم بالدعاء على الفرنسيين، ولدت تساؤلات عديدة لدى أيوب، وأسهمت في وجود توجه جديد مشدود إلى النسق المصري، فحين يتساءل أيوب بعد مساعدة الأسرة المسيحية له (أين الصواب في هذا العالم؟)، فهذا معناه أن هناك خلخلة في هذا المبدأ، لأن ما حدث زلزل اليقينيات الممثلة في فاعلية التجذر في دين واحد لميلاد التعاطف، والارتباط به، وميلاد يقين جديد بعيد عن الانتماء الديني، يرتبط في تحديده الأخير بفكرة المواطنة.
لقد أفاد بطل الأزبكية (أيوب) في تشكيل تحولاته في كل جزئية فكرية، وفي تأصيل منطلقات ومكونات هويته، ونفي الزائف والعناية بالحقيقي من أفكار (شارل) الذي يمثل الوجه الرائق للثقافة الفرنسية، ويمثل الانتماء للإنساني في اتساعه ورحابته. ولكن هناك روايات لا يتم تفكيك الأثر السلبي لتعاظم أثر المكون الديني، وكأنه يشكل رائحة تجعل المنتمين إليه في خطابه المتشدد يفرقون من الرائحة الغريبة لتلك الرائحة، إلا من خلال نسق الرحلة بوصفها انفتاحا على سياق منفتح مغاير، مما يكون سببا أساسيا في تفكيك المركز المغلق لدى كل بطل من أبطال الرواية.
يمكن التوقف في ذلك السياق عند مؤلف (الهويات القاتلة) أمين معلوف، من خلال روايته(ليون الأفريقي) المكتوبة بالفرنسية والمترجمة إلى العربية، ورواية البشموري لسلوى بكر، ورواية (الموريسكي) للمغربي حسن أوريد المكتوبة بالفرنسية.
في رواية ليون الأفريقي نجد البطل (الوزان) الذي تحوّل إلى ليون الأفريقي بعد وقوعه في الأسر، وتعميده من قبل البابا، تتشكل حركته بعد معاناة من محاكم التفتيش الإسبانية، حتى خروجه إلى المغرب ومصر، وتحوله من الإسلام إلى المسيحية، ثم العودة إلى الإسلام. من خلال هذه السفريات الممتدة والرحلات الطويلة، ومقاربة الأديان الثلاثة، ومعاينة أثر التعصب في جميع الأديان، سواء في المسيحية أو الإسلام أو اليهودية، تفكك الرواية مقولة أو فكرة الدين بوصفها رؤية جاهزة تستند إلى مجموع، وتتحول إلى الاستناد إلى نسق إنساني، يرتبط بسلوك الفرد ونزوعه الثقافي، يتجلى ذلك في آخر جملة في الرواية حيث يقول(حاذر أن ترضخ لوطأة الجمهور، فمسلماً كنت أو يهودياً أو نصرانياً عليهم أن يرتضوك كما أنت، أو يفقدوك، وعندما يلوح لك ضيق عقول الناس فقل لنفسك أرض الله واسعة).
ويبدو أن نسق الرحلة والاقتراب من الآخر، كان له تأثير كبير في معاينة الجمال الإنساني في نفس بدير في رواية (البشموري) لسلوى بكر، فبدير- يذكرنا بسانشو تابع دونكيشوت- رأيناه في بداية الرواية ملازما لثاونا حيث يمثل بدير الإيمان المسيحي البسيط الشعبي، ويشكل ثاونا الإيمان القائم على المعرفة والعلم في رحلته إلى البشموري قائد ثورة المصريين الأقباط في عصر الخلافة العباسية، وبعد ذلك نجده واقعا في الأسر بعد القضاء بغلظة على تلك الثورة، ثم رأيناه متخلصا من هذا الأسر، متأملا لذاته ولأسئلته الوجودية، ثم يتحول إلى الإسلام، ويعود إلى ثاونا في لحظات مرضه ونهايته لكي يدعوه إلى دينه.
إن الخطاب الدائر بين الاثنين في نهاية الرواية يفكك الديني، بوصفه مرتكزا لإسدال المغايرة والتعصب بين نقيضين، ومن خلال هذا التفكيك تتولد المحبة الإنسانية التي يجب أن تسود وتهيمن بعيدا عن استخدامات هذا التعصب الديني في تشكيل حجاب للتغطية على الظلم، أو غياب العدل الذي يصيب الإنسان بعيدا عن دينه، يقول ثاونا في لحظات مرض الموت عندما طلب منه بدير أن يدخل إلى الإسلام( بتّ لا أفكر في الطرائق قدر تفكيري في الغايات، لقد أدركت منذ هروبي من الأراضي الموحلة، أن لا فائدة من هذه الدنيا، طالما غاب العدل بين الناس، وما دامت الرحمة لا تشمل الضعيف من القوي، وكنت أتساءل بعد كل هذه الحروب الغشوم التي رأيتها ببؤبؤ العين أليس كل هؤلاء الناس من ضحاياها، سواء أكانوا مسيحيين أو مسلمين مستحقين لدخول الجنة؟).
فرواية البشموري تؤسس لنسق يتغلب على صراع الأديان، بحيث تجعلها مدادا للمحبة، يتولد من خلالها هوية قائمة على الغايات، فغاية الأديان كلها في أصل تأسيسها الوصول للعدل ورفع الظلم والبطش، وأن جوهر كل ديانة- على حد تعبير نص الرواية- ما هو إلا هداية البشر، ودفعهم إلى طريق السلام والطمأنينة، وصعود بمداركهم الوحشية إلى مراتب إنسية سامية.
أما رواية الموريسكي لحسن أوريد فهي رواية تعتمد على نص تاريخي يتمثل في كتاب شهاب الدين أفوقاي(ناصر الدين على القوم الكافرين)، وهي رواية ليست أحادية المنزع، وإنما هي رواية منفتحة على مناقشة ومقاربة موضوعات مهمة مثل الهوية، ومرونتها وصلابتها، والصراعات المجانية التي تتجلى في النهاية بلا جدوى حقيقية. ومن خلال الاعتماد على نسق الرحلة والاندماج مع الفرنسيين والهولنديين تتشكل رؤية مغايرة للمفاهيم، ولكن أهمها الهوية المرتبطة بالانغلاق على مركز ديني قائم على التعصب والانحياز، ومن ثم تطرح الرواية بديلا مغايرا لتشكيل الهوية قائما على الانفتاح، وعلى فكرة الإنسان الذي يتسامى على الفهم الضيق للأديان، وارتباطاتها الجاهزة المشدودة حتما للانحياز.
كل هذه الروايات تكشف عن اهتمام خاص بفكرة الهوية، أو بنسق من أنساقها المضمرة الفاعلة، بالإضافة إلى تعدد خطاباتها السردية بين خطاب تاريخي وخطاب آني معاصر. فهل يكشف هذا التحول البنائي المشدود حتما إلى تحول معرفي إلى تغير في طبيعة النوع الأدبي؟ من كونه نوعا ظلّ مكفولا بسمات محددة لعقود طويلة، ولكنه في السياقات الآنية، ومع وجود تحول في طبيعة النظرة إلى التاريخ، وابتعاده عن المدرسة (الرانكية) المشدودة إلى الموضوعية والعلم في تحديد التاريخ، إلى توجه ما بعد الحداثة، المشدود إلى تعدد النسخ الخاصة بالتاريخ، ووقوفها على بساط واحد، وانفتاحها على الذاتي والشخصي والأيديولوجي والأدبي يتحلل ويتخلص بالتدريج انطلاقا من فكرة تعدد الخطابات السردية من أسس وجوده المحدد بكون الخيط التاريخي هو الأساس، فالتاريخ في كل أو معظم هذه الروايات خيط مهم، ولكنه ليس الخيط الوحيد، بالإضافة إلى أنه يتحول إلى أداة وليس إلى غاية لمناقشة جزئيات معرفية ترتبط بالهوية، خاصة في الدول التي ما زالت تعاني قلقا في تثبيت هويتها وتشكيلها في إطار صلابة المركز السحيق، ومرونة الأطراف المنفتحة على الآني.