عادل ضرغام

السرد المونولوجي وأفق المعرفة في رواية ترف الانكفاء للكاتب وائل هادي الحفظي

غلاف كتاب  السرد المونولوجي وأفق المعرفة في رواية ترف الانكفاء للكاتب وائل هادي الحفظي
السرد المونولوجي وأفق المعرفة في رواية ترف الانكفاء للكاتب وائل هادي الحفظي عادل ضرغام في روايته (ترف الانكفاء) يرصد الكاتب السعودي وائل هادي الحفظي حالة الإنسان في سنواته أو في عقوده الأخيرة، في دخوله حيز التضاؤل أمام عالمه لأسباب عديدة، تجعله منعزلا، دون أدنى محاولة لعقد اتصال بالعالم. رواية أشبه بمديح الوحدة أو السأم. وهناك أسباب عديدة لوصول الإنسان إلى تلك الحال، لعلّ أهمها يتمثل في غياب الإجابات عن الأسئلة العديدة التي تحيط به، منها ما هو وجودي ميتافيزيقي، منها ما هو سياسي، ومنها ما هو ذاتي يتعلّق بالبشر وطبائعهم. ويأخذ الإنسان وقتا طويلا حتى يدرك أن هناك أسئلة وأحوالا عليه أن يتقبّلها بحالتها الصامتة المدببة دون إجابة شافية، لأن من يصرّ من البشر على تلمّس إجابة يجد نفسه- فوق تسرّب يقينه- في مواجهة المجهول أو العدم. الرواية تمثل مقاربة مرحلية للعالم، تتحرّك حول التساؤل العميق عن الإنسان والهوية والقيم والصراعات، ومشدودة إلى المعاناة والمتاهة، وارتباط كل ذلك بالإنسان متجذّرا داخل سياقه التاريخي ولحظته الحضارية. تقترب الرواية في ظل ذلك من المناحي المعرفية، خاصة في ظلّ اكتمال الأدوات الكتابية الروائية، فاكتمال الأدوات ربما يكون بوّابة أولى للتوجه نحو المعرفي ومقاربة جزئيات تتعلق بالوجود، برصد محاولات الانسلاخ منه، والهروب من دورة الحياة المعهودة ورتابتها وصراعها من خلال هرم (ماسلو) للاحتياجات الإنسانية، وعجلة (هامستر). وكل ذلك لا يتأسس إلا على أدوات شبه مكتملة، وعلى وعي فائض يتمّ بناؤه. تبحث الرواية عن طريق آخر للحياة، أو طريقة للارتباط بها بشكل مغاير للتعوّد والتكرار والتنميط واللهاث، فعجلة هامستر تشير إلى أداة للعب الحيوانات داخل الأقفاص، وما تفعله الرواية فكريا ومعرفيا، يتمثل في التوجيه نحو الانعتاق من فكرة الصراع، والدعوة إلى الانعزال عن صخب الحياة، فالإنسان الأعلى في منطق النص – في تضاد مع تصوّر نيتشة- يتمثل في التعافي بالاستغناء عن العالم، أو الانخراط في حدوده وإشكالياته. والبطل في كل ذلك يصنع عالمه من الهواجس والمخاوف والتخيلات التي لا يعرف أحد مداها سواه، وكلها أشياء تشكّل عالمه غير المتأثر أو المرتبط بأعراف، فالذات في النص الروائي تؤسس ارتباطها بالوجود منعتقة ومتخلية عن هذا الصراع ومتطلباته بقصدية عالية. من الإهداء والتصدير يمكن للقارئ أن يتخيل الفضاء الروائي الذي يتحرّك في إطاره البطل، فبيت أبي العلاء (تعب كلها الحياة...) يوجّه نحو علاقة شبه مبتورة مع الوجود، بها الكثير من القلق وسوء التكيّف والسأم. فالخروج من أسر الآلية منطلق من منطلقات الرواية، لأنها تأكل الوجود الطبيعي للكائن البشري، وتعمل على تلاشي وجوده وفاعليته، فبدخوله إلى مدارها يتحوّل إلى وجود منفعل زائف. وفي النص الروائي ثمة اشتغال على نسبية القيّم، فهي في منطقه ليست ثابتة أو آبدة، ولا يوجد في الوقت ذاته مقياس نهائي قار لها، فهي قيم تتبدّل من عصر إلى آخر، وقد أدى ذلك إلى وجود اشتغال دائم على الأعراف المتجاوبة معها. وقد يسوّغ ذلك الاشتغال وجود إشارات متناثرة في النص للإشارة إلى الوصول إلى حالة من الاكتمال التي تستدعي انهيارات قادمة كاملة، وهي انهيارات تتبعها بالضرورة بدايات جديدة أقرب إلى بداية نوح والسفينة. السرد المونولوجي وآليات مواجهته الرواية من خلال انعطافاتها إلى الخلف في مقابل السرد التصاعدي النامي، تكشف من خلال إشارات موزّعة بدقة عن بروز هذه الحالة للبطل، وميلاد الأسئلة القلقة التي تتعلق بالحياة والوجود. فموت الأم يأتي بوصفه حدثا غيّر وزلزل انسجام البطل في مرحلة الطفولة، فقد كشف عن عبثية الحياة، وأصبح الباب الأساس للأسئلة التي تنسرب بسيطة، ثم تكبر لتشكّل حضورا مؤرقا، فموت الأم بالنسبة لطفل في الثامنة، يفتح الباب لمواجهة مبكرة مع العالم دون جاهزية، يقول النص (وإن كان قد حدث مكروه، فكيف لصغير مثلي أن يعيش؟). يأتي موت الأب فاعلا في توليد تلك الحالة، فتبدّل حاله من القوة إلى الضعف، وفقدانه الذاكرة أدى إلى تحوّل في مفاهيم الأبوة والبنوة من النقيض إلى النقيض، ففقدان الذاكرة اختيار مبكر للوصول إلى النهاية، وكأن خيار المغادرة جزء من لعبة الحياة، بتكرارها الدوري والأبدي، فقد جعله هذا الفقد، ضد النشوة بالزواج والإنجاب، فنراه يصوّر مشابهيه في قوله (ولكن إذا قرّر أحدهم أن ينجب عليه أن يتوقع ممن أنجب أن يقرّر تركه وحيدا في الحلبة مدخرا قوته لصراعه الآتي، أو صراعاته الآتية التي يواجهها مرغما). هذا الفقد الذي تجلّى في فقد الأم والأب يؤسس اكتمال حلقاته بفقد الأخ الأكبر، ويؤسس تشابها في هذه الجزئية مع سيرة نيتشة، وكأن التشابه في الظروف، يؤدي إلى نتائج متناقضة في تصوّر الإنسان الأعلى لدى كل واحد منهما. ولا يمكن في ظلّ تلمّس أسباب لحالة القلق الوجودي في النص الروائي أن نهمل السياقات العالمية التي لم تعد الدول العربية تملك ترف الابتعاد أو الانفكاك عنها، وكلها سياقات محلية وعالمية كاشفة عن التفاهة والآلية، مثل وجود يوم في أجندة الأمم المتحدة خاص بسمك التونة، أو يوم للمساواة في الأجر غير الموجودة، بالإضافة إلى نمط الحياة اللاهث والسريع، فقد أوصل البشر إلى مساحة من البرود، وإلى حركة منطلقة من القصور، فقد ذابت الحدود بين دلالة المفاهيم، وهناك أيضا إشارة إلى الاستعباد الناعم للبشر، وبشكل خاص للأطفال ومحاولة تسويغ ذلك. وقد أدى كل ذلك بالنسبة للبطل- لم يذكر اسمه أو اسم أية شخصية أخرى في النص، للإشارة إلى كونهم إشارة لنماذج عديدة- إلى مشروعية الانعزال وقطع كل أسس التواصل مع الخارج الواقعي. في ظلّ ذلك الحيّز الفضائي الضيق، أو الأقرب إلى الفضاء المغلق، إلا من خروجات جزئية تحتمها الحاجة، لا تقضي على مشروعية الانكفاء داخل المكان أو الجحر على حدّ تعبير النص الروائي، تخترع الرواية آليات للتعاظم على هذا الأفق الضيق الذي لا يسمح بحركة واسعة، أو الانفتاح على العالم، أو الارتباط بشخصيات كثيرة. آليات تصنع عالما روائيا، وتجعل دخول العمل تحت مظلة الجنس الروائي- بعيدا عن العمل الفكري- مبررا في انفتاحها على إطارات توسّع فضاء المكان وارتباطاته. في كثير من الأحيان هناك نزوع إلى السرد المونولوجي مندمجا في السرد أو الحركة السردية النامية للأمام. هذا السرد المونولوجي يفتح الخطاب على الماضي والآني في لحظة واحدة، ويحيل الخطاب الروائي إلى خطاب معرفي شديد الالتصاق بالحياة والوجود، خاصة إن هذا الخطاب منفتح على تجارب فلسفية ووجودية ونفسية عديدة، وكلّ هذه المعارف تتآزر فيما بينها للكشف عن حالة وجودية مهمومة ومشغولة بأسئلة فلسفية، منها السرد العادي، ومنها السرد المونولوجي المرتبط بحركة ذهنية معرفية أكثر من ارتباطه بنمو سردي. السرد المونولوجي يؤثر في آلية تقديم الشخصيات، فهي لا تتجلى بشكل واضح أو كامل، حيث تتشكّل في إطار لحظي ممسوسة برؤية البطل، وتعقيداته النفسية، وثقافته الفلسفية والعلمية المتنوّعة. الشخصيات في النص ليست كثيرة في أفقها وفضائها المحدود، فليس هناك سوى البطل السارد بضمير المتكلم، وجاره العجوز وزوجته، والطبيبة النفسية، وصاحب البناية التي يقطن بها البطل، وكلها يمكن أن تكون رموزا لأفكار تجريدية مثل الرغبة التي تتساوق مع زوجة العجوز، أو الضمير الذي يتجاوب مع الطبيبة النفسية، حتى البطل السارد نفسه يمكن أن يكون نموذجا للإنسان في لحظة حضارية آنية، تتفكك فيها أواصر الارتباط بالحياة، وتتلاشى أطر الانتماء، وتصبح لصيقة بالذات في خياراتها وتوجهاتها. والسرد المونولوجي ليس المونولوج بوصفه أداة لاكتمال أو لإضافة أو لتنوير، لكنه سرد عادي به نوع من النمو والتراكم، لا يحدد بغيته في إضافة حدث إلى حدث وشخصية بجوار شخصية لتنميط العلاقة، فهذا يتجلى في أضيق الحدود، ليغدو نمطا سرديا منفتحا على تجربة الذات الوجودية في ارتباطها بالعالم وجزئياته. تجربة الذات في تجليها في النص السردي ليست مرتبة، بل شديدة التعقيد في تقديمها من خلال ارتدادات إلى الماضي، ولكن الأكثر تأثيرا يتمثل في المعرفة التي تلجم هذا السرد، وتجعله ثقيلا معرفيا، وذلك من خلال حضور أسماء الفلاسفة وأصحاب النظريات من العلماء. الرواية في تجليها العميق أقرب إلى كونها تمثل تلقيا لا يخلو من خصوصية لمجموعة فلسفات ونظريات علمية، لا يزال بريقها موجودا، فالإنسان لا يواجه العالم بذات فارغة ملساء، لكنه يواجهه بأخاديد معرفية بارزة وحاضرة، يمكن أن تؤثر على طريقة ارتباطنا بالحياة، وعلى رؤيتنا لها، وعلى طريقة مقاربتها من بين خيارات عديدة متاحة، منها النزال أو الانكفاء أو الانعزال، أو الفاعلية أو الانفعال. في السرد المونولوجي دائما ما يكون في النقلة السردية النامية باب للحركة أو التمدد، تتولّد منه المونولوجات الارتدادية للماضي، أو المناحي المعرفية في معاينة مقولات عامة قد تكون علمية أو نظرية. يحفل نص الرواية بهذه الارتدادات للماضي، لكنها تشكل نسبة أقلّ إذا تمت مقارنتها بالتمددات المعرفية التي تشكل بترا ظاهريا للسرد، وإن كانت- عند التأمل الدقيق- جزءا كاشفا عن الحركة، يؤثر على الحركة والتوجه والاختيار. فحين يتحدث النص الروائي- على سبيل المثال- عن التصميم الذي يقوم بتصميمه على النت الخاص بالمساواة في الأجر، ينفتح السرد على إشكاليات جانبية، مثل مقولة (الرجل لا يعيبه إلا جيبه)، ومنها يتحوّل إلى مقاربته لاستهلاك النساء، ولطبيعة اللهاث في حركة العالم، ويعاين اصطلاحات مثل (القوة الناعمة). ففي منطق الرواية هناك مصطلحات تطلق على الأشياء غير المحددة أو غير الواضحة. ويمكن في كثير من الأحيان يخايل القارئ أن الطبيبة النفسية- وهي يمكن أن تكون الضمير أو الوجه المراجع للذات أو الأنا المضادة- تقوم بوظيفة الحوار في النص الروائي من خلال اللقاء الافتراضي، للحدّ من هيمنة هذا السرد المونولوجي المنفتح على المعرفة، وإن لم تفلح هذه الآلية في القضاء على هيمنته وحضوره، فقد ظل المونولوج- في حضور الحوار المتبادل- طويلا، ولا يخلو من استناد إلى عكاكيز معرفية، لتسويغ فكرة، أو للحجاج للوصول إلى مشروعيتها. فوجودها يرتبط بهذه الوظيفة البنائية، بالإضافة إلى وظيفة أخرى في نهاية النص، ترتبط ببحث الذات عن وجود مهيمن فاعل، خروجا من الانزواء والهامش، وذلك من خلال عملية قتل المرأة العجوز القاطنة أمامه بعد وفاة زوجها. يتجلى ذلك في قول كاشف عن التأسيس لعملية القتل القادمة في حواره مع الطبيبة، وكأنه يبرر مقدما عملية القتل التي ربما تكون غريبة على رجل منزو وهامشي يأخذ الحياة من أيسر جوانبها، في قوله (أتدرين ما يعني أن يرفض الإنسان شكل وجوده؟ إنها مرحلة خطيرة، خطيرة للغاية، إنها التجلي الأكثر عدوانية للغضب. يبدأ الإنسان حينها في التفكير بتغيير شكل وجوده، من وجود مزدر هامشي، إلى وجود مركزي. وما هي أسهل الطرق للحصول على وجود مركزي، إنه القتل والتدمير، زرع الخوف داخل كل من ازدروه يوما، وداخل كل من تسبب بتشوههم، وكل من يشبههم). إن الجزء المقتبس السابق الذي يأتي في شكل حوار متبادل، وإن لم يكن له من آليات الحوار سوى الإطار العام، فقد هيمن السرد المونولوجي عليه، جزء مهم، لأن القارئ أمام حدث يباين أو يناقض الكثير من التأسيس المعرفي الخاص بالبطل. فقد جاء تأسيسه مرتبطا بالخوف من المواجهة داخل حدود العالم الكبير، أو عقد أية صلة به. ففكرتا الانعزال والانزواء تمثلان هدفا أساسيا للحياة، من خلال الوصف المقدم لشقته، أو مكان إقامته (الجحر) الذي يكشف عن وجود يرتبط- فوق كل ماسبق- بالكسل وقطع كل فرص الاتصال بالعالم، سواء في الوظيفة التي استقال منها، واختار عملا يقوم به من جحره، أو في مكان سكنه في علاقته بالجيران أو صاحب السكن، حيث ابتكر آليات تجعل مجرد الحديث مع أي فرد محاولة صعبة التحقق باختيار مواعيد خروجه لأسباب لا يمكن التغلب عليها. القارئ للرواية يدرك أنه أمام بطل ينفر من العالم، ومن البشر، يسدّ مسارب اللقاء بهم، لديه نوع من الإيمان بقيمة هذا التوجه في مقاربة العالم، فهو اختيار ناجم عن قناعة بأن الإنسان الفائق لا يتشكل بالقوة أو الصراع، وإنما بالكسل والتسليم بالنهاية القادمة، وناجم أيضا عن مشابهة عملت الرواية على إسدالها طوال النص الروائي وبأشكال مختلفة. فالبطل- خاصة في الجزء الأخير من الرواية- شبيه (بحيوان الكسلان) الذي أطلق عليه هذا الاسم بسبب كسله وحركته البطيئة، ويأكل وينام في وضعية واحدة، ويترك مولوده الصغير حين يسقط على الأرض بسبب الكسل. فالقتل هنا مبرر، لأن المرأة حاولت أن تنزله من تصوره الفائق لنفسه حسب مفهومه، فقد حاولت العجوز انتهاك خصوصيته، والاعتداء الجنسي عليه مرة ثانية، وقد أصبح البطل في إطار ذلك، في مجال الازدراء الذي يؤثر على صورة الإنسان الفائق المغاير لمفهوم نيتشة. من المعلوماتي إلى المعرفي يدرك القارئ للرواية أن هناك حضورا لافتا لفلاسفة وعلماء ومنظرين وفنّانيين، ولكن هذا الحضور لا يتجلى على شكل واحد، فهناك حضور أشبه بالحضور الجزئي المرتبط بالوجود اللحظي للبنية المتكوّنة، خاصة إذا أدركنا أن الرواية في منطلقها الأساس قائمة على النفي، ورفض ومساءلة كل القيم والأعراف مساءلة جذرية، في تحديداتها الثلاث المتعارف عليها في الإرث الفلسفي، وهي على الترتيب الميتافيزيقية والدينية والأخلاقية. تتعدد أشكال هذا الحضور الجزئي، فيأتي حضوره وثيق الصلة باللحظة أو بالدلالة النامية في النص، ويقف دوره عند المعلوماتية المقنّنة الاستخدام والتوظيف في النص الروائي، كالحديث عن بعض الأعلام بشكل سلبي، مثل (فليمنج) مخترع البنسلين، لأن منجزه العلمي ضد الإطار الفكري للرواية، في مساعدته الجوهرية لإطالة عمر الإنسان. ويظهر هذا التوجه الجزئي في الإشارة إلى اكتشافات علمية ونظرية، مثل الإشارة إلى هرم (ماسلو) للتوجيه نحو الاحتياجات الإنسانية وتنوّعها ونسب حضورها، أو فأر (هامستر) للإشارة إلى الأفق الواسع والمغلق للحياة، أو إلى نظرية (الحداثة السائلة) لصاحبها الفيلسوف (باومان) أو إلى وسام سميث، حيث تذوب الفواصل بين الأنواع والأجناس. والسيولة- كما تجلت في النص الروائي- تأخذ مناحي عديدة، منها انتفاء التحديد الصارم للأشياء، وتفكك المفاهيم التجريدية، إلى مفاهيم قد تكون متناقضة مع المستقر لها في الذهن، مثل مفهوم (الإنسانية)، أو مفهومي (الخير) و(الشر)، فكلها أصبحت في حالة سيولة، مما أدى إلى تداخلها، وفقدانها لنصاعتها. وقد يتوقف هذا الحضور الجزئي المعلوماتي عند حدود الإشارة لنظرية المصادفة أو الأنتروبيا من خلال (أثر الفراشة)، وذلك للحفاظ ولتأكيد مشروعية الانعزال والثبات بالنسبة للبطل، وعدم الرغبة في التوجه نحو التغيير، حتى لو كان طفيفا. فنظرية أثر الفراشة مفادها أن الأشياء الصغيرة يمكن أن تكون ذات تأثير كبير، فرفرفة جناح فراشة في مكان ما من العالم، قد يؤدي بالمصادفة إلى إعصار في مكان آخر، فالحدث الصغير يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات كبرى. وتعتبر لوحة (الصرخة) للرسام النرويجي (إدوارد مونك) التي تعبر عن شخص يصرخ ووجهه بين كفيه، وتأتي معبرة عن التعب والقلق الوجودي، لوحة متجاوبة مع حالة البطل بعد مواقعته للسيدة العجوز، في حضور جزئي كاشف عن الندم، ليس إحساسا بالذنب، وإنما لأن ذلك الفعل يمثل خروجا عن تحديدات الإنسان الفائق في منظور البطل. إن الوجود المعلوماتي الجزئي السابق لا يمكن أن يقاس بجزئيات أخرى، تخطّت مساحة المعلوماتية، لتنحت وجودها داخل الإطار المعرفي للنص الروائي، وذلك من خلال الحضور المهيمن بفعل التكرار، وبفعل آلية وطريقة مقاربة الفكرة، فقد يشعر القارئ أن هذه الفكرة أو هذه النظريات تشكل منطلقا أساسيا للعمل، إما بالموافقة أو بالمغايرة، فحضور النظرية في النص، لا يعني حتما الإيمان بها، بل غالبا ما تأتي هذه الهيمنة في سياق نقضها أو تقديم مقابل لها، قد ينطلق منها، ولكنه يهشمها من داخلها. تأتي نظرية الانتخاب أو الاختيار أو التطور الخاصة (بداروين) كاشفة عن صدى واسع في الرواية، بداية من إشارات جزئية إلى تحولات في سلوك القطة، قد تصلح أن تكون إشارة أو إيحاء له فاعلية وحضور للنظرية، فالقطة تتحوّل إلى انتقاء الطعام بعد تغيير السياقات، ولم تعد تأكل كل ما يلقى إليها. وفي أجزاء أخرى من النص الروائي نجد اعتمادا على منطق القوة، للوصول إلى مشروعية البقاء، تقول الرواية (هي ذي الحياة، لم نختر أن نحياها، وإنما ولدنا محاربين، وعلى الجميع أن يتحمل أن يكبر ويمرض ويموت، وألا ينتظر تعاطفا من غيره). بالإضافة إلى فكرتين مهمتين ظهرتا كثيرا في النص الروائي، الأولى تتمثل في أن الكائنات أو الفصائل البشرية التي لا قيمة لها في منطق النص، يجب أن تنتهي بقانون الانتخاب الطبيعي أو التطور، ففي تخيله لقتله صاحب البناية، يقول مصوّرا فائدة ذلك القتل (أن يكفّ عن تمرير جيناته لأجيال أخرى، وهذا أعظم ما أقدمه للبشرية، فمثل هذه المخلوقات الكريهة لا أدري لم تتكاثر). أما الأخرى فتتمثل في الإشارة إلى التكرار الدوري لفناء العالم، ذلك الفناء الذي يوجهنا نحو التعلّم والبداية من جديد. ولكن هذا الحضور الخاص للنظرية في جزئيات سابقة، ثم الحضور المهيمن بعد ذلك، لا يوجّه بالضرورة نحو اعتمادها بوصفها فكرة مهيمنة، فهذا الحضور أقرب إلى الحضور الذي تنمو على أنقاضه وبقاياه فكرة جديدة، وقد تجدي هنا الإشارة إلى جزئيتين لهما أثر في بعث الشك في اعتماد القارئ لهذه النظرية محرّكا أساسيا للعمل، وللفكرة المعرفية: الأولى ترتبط بإشارة الرواية إلى أن ذيل الطاووس بشكله يهدد نظرية داروين. وفي ذلك توجيه إلى أن ذيله بهذا الشكل الطويل والخلّاب الذي لا يكف عن رفعه ونشره في شكل مروحة، يجعله واضحا لأعدائه ومفترسيه، ويعرقل فرص نجاته إذا دخل في صراع، ومع ذلك ظل موجودا ضد نظرية داروين. وتتجلّى الثانية في وقوف الرواية طويلا أمام حيوان (الكسلان) الذي يشكّل بصفاته التي تتماهى في إطار كاشف عن التوجيه والقصدية مع صفات البطل، بديلا للإنسان الفائق أو الأعلى في نظرية نيتشة، في تخليه عن منطق القوة والصراع بكسله المعهود. وقد أفاد النص الروائي في هذه الجزئية الخاصة بنقض نظرية وتقويضها ببناء إطار مغاير لها من عمل البطل في التصميمات الإلكترونية. ففي واحد من هذه التصميمات التي يتقوّت من خلالها في جحره أو في شقته، نجد أن الرواية تنفتح على الرمزي والمعرفي، بارتباطها بنظريات مهمومة بمقاربة وتفسير الوجود وطبيعة حركته. المشابهة المعقودة بينه وبين حيوان (الكسلان) في طريقة مقاربة الحياة، والانعزال والكسل، والشعر الذي ينمو في كل مكان من جسديهما، يفتح النص على تصميم معرفي يضعنا في قلب الإشكالية الوجودية وتحولاتها التي أرّقت البشر بمرور العصور والأزمنة. تصميم يستدعي فيه الفكرة المعرفية الأساسية التي تحاول الرواية الاقتراب منها بأشكال مختلفة، فقد تأتي مرتبطة بالذكر المحدود في جزئيات كثيرة من النص الروائي، لكنها في التصميم الأخير الخاص بالعزّاب أو العبّاد أو الكسالى، تنمو هذه الفكرة، ويصبح لها حضور مهيمن على النص، حتى يمكن القول أن قراءة النص معرفيا، يمكن أن تنطلق منها، وهي مساءلة نظرية داروين عن التطور أو الانتخاب القائمة على القوة. في ظل هذا التوجّه نجد أن هناك حضورا للعلماء أو الشخصيات المؤثرة في التصميم لمعاينة مركز الثقل فيه الذي يتمثل في حيوان الكسلان، بداية من فليمنج الذي اخترع البنسلين الذي تسبب في إطالة عمر الكائن البشري، فساهم من وجهة نظر النص الروائي في استمرار المهزلة الوجودية، ففي منطق الرواية إن اختراع القنبلة النووية أكثر فائدة لهذا العالم من اختراع هذه المضادات الحيوية. بعده- بعد فليمنج- يأتي حضور نيتشة الواضح حضورا جذلا، في وضع يده على كتف الكسلان، لأنه ربما حذر البشر من مطاردة أمانيهم. ويأتي داروين لكي يتأمل الكائن الذي أثبت سراب نظريته. الفناء هنا في النص الروائي للأصلح، لأن هناك انقراضا ذاتيا يأتي من الكسل أو الخمول. وفي ظل حضور داروين داخل التصميم، يستدعي بجواره بوصفها جزئيات مكوّنة لهذا التصميم، كائنات مرتبطة بنظريته، مثل قرود (الاسترالوبيثكوس)، ثم (الهومو هابليليس)، ثم (الهومو أريكتوس)، و(الهومو نيانتردال)، وفي النهاية (السوبر سبيشي) الذي سيحسم هذا التواجد البشري. ومن هنا تبدو مساحة التوحد بين الإنسان/ الذات الساردة والكسلان- بعيدا عن التشابه الشكلي- واضحة، لأن كليهما لا يمتهن أو يعتنق- في معارضته لأفكار داروين ونظريته- الصراع أو منطق القوة، فبقاؤه في الحياة- في منطق الرواية- بقاء مؤقت، يحاول من خلاله الوصول إلى نهاية هذه الملهاة الوجودية. وقد تكون عملية القتل التي قام بها البطل في حق جارته المسنة (البكماء الصماء في إشارة للرغبة)، بعد أن رفض مقايضتها في الاستمرار معها بعد وفاة زوجها، انتصارا لكل الأفكار المتجاوبة بداخله عن الانكماش والانطواء، بل وربما فيها أيضا- استجابة لنزوعه في التسليم دون مقاومة- جانب آخر يتمثل في استعجال النهاية، والقدرة على تقرير الخروج من هذه الملهاة الوجودية. فهذا القتل الفعلي- بالإضافة إلى أمنيات أخرى بقتل الطبيبة وصاحب البناية أو كتلة الشحم، والمدير التنفيذي قبل الاستقالة من عمله، وآخرين- ليس إلا انتصارا لنظريته، في مقابل نظرية داروين ومنطلقاتها. فهذا القتل الفعلي- أو الماثل في حدود الأمنية- يمثل حركة وديمومة لفكرته الخاصة بالوجود الهشّ للإنسان والحياة، فالمرأة العجوز باستدراجها له، ومحاولة استمرار هذا الاستدراج ومقايضته، قد حركت لديه جزئيات للارتباط بالخارج، وفيه يفقد وجوده الأعلى المنعزل، فجاء القتل، وكأنه انتقام من محاولات عقد ذلك الارتباط. فكل واحدة من الشخصيات- المقتولة أو الداخلة في إطار التمنّي لفعل القتل- تمثل مساحة ما لهذا الارتباط، وكأنها- أي هذه الشخصيات- توجّه إلى زلزلة لنسق الانكفاء والابتعاد عن الصراع، ونحو منطق القوة للتشبث بالبقاء، ومن هنا يأتي السجن- في ظل هذا المنطق بالانعزال عن العالم وصراعاته- ممثلا لحالة من حالات الحرية التي تجعل اتصاله بالبشر اتصالا محدودا، يستطيع أن يكيّف وجوده في إطار خاص من التسليم دون مقاومة أو حضور للقوة.