سيرة الروح والنهايات المحتملة في عتبة تشايكوفسكي للشاعرة أمل الأخضر
سيرة الروح والنهايات المحتملة في
عتبة تشايكوفسكي للشاعرة أمل الأخضر
عادل ضرغام
في ديوان (عتبة تشايكوفسكي) للشاعرة المغربية أمل الأخضر هناك محاولة لافتة لتأسيس سيرة ذاتية جانبية للروح، بابها الموسيقي، وبدايتها حركة أصابع العازف، فالموسيقي التي تلتقطها الذات وتصنعها تفتح غرف الروح المظلمة والمنطوية على ألمها الذي تقاربه، وتؤسس ملامحه وحدوده في كل عودة لهذا الماضي. فالنصوص تبني من خلال الموسيقى سيرة الفرح الجزئي، لمقاومة الخراب الواقعي، مع احتشاد لافت في تقديم جانبي الفرح والحزن بالانتباه إلى مكوناتهما.
هي قصائد مشدودة للبنية والتراكيب البسيطة، لكنها لاتقف عند حدود البساطة، فنراها منفتحة على سياقات مملوءة بالمعرفة وبالمراقبة لكيانات وأطر ممتدة، تشتبك معها الذات اشتباكا جزئيا، ويجيء رصدها قائما على التعدد، وليس قائما على واحدية المشابهة والوصول بها إلى نهايتها واستقصائها، لأن كل وجه من وجوه هذه التعدد يقدم جانبا أو صورة من صور الذات تتماهى وتتداخل معه، وتتجاوب مع منحنياته. النصوص الشعرية في هذا الديوان تستند على رصد الحالات وتقديمها وفق منطق مشابهة لحظي، ولا توغل في إكمال وإتمام هذه المشابهة، فالفيصل في منطقها ليس الإكمال، ولكن القدرة على إدراك التشابهات الخفية، فتطلّ كلها تركيبات تمثل مقترحات دلالية.
الموسيقى في الديوان باب للخروج والتملص من سطوة الواقعي للدخول إلى الخيالي، هي نافذة لزحزحة الزمني المعهود والمحدد بماض ومستقبل وآني، إلى زمن خاص تذوب فيه الحدود، لأن جزئيات الذاكرة المنثالة في تشكلها بفعل الموسيقى لا ترتبط بالزمن التراتبي، وإنما ترتبط- انطلاقا من اللحظة الآنية- بما تثيره من أحاسيس تتبدّى متعالقة ومتداخلة ومتجاوبة فيما بينها، دون أدنى إشارة لهذا التراتب الزمني المعهود. فالموسيقى باب لصناعة المتخيل، من خلال الذاكرة، وفعل التذكر في التحديد الأخير ليس سوى خيال، يتمّ صنعه وتشكيله في كل مرة، وفي صناعته وتأسيسه المتكرر لا يرتبط بزمن تراتبي، ولكن يصنع زمنه الخاص. الذاكرة تحريف للزمن المعهود، وانفتاح على أزمنة عديدة تتجمع في لحظة واحدة، يمكن أن نطلق عليها اللحظة الزمنية الشعرية التي تتمحور حول منطق التجربة والشعور ووحدة الأثر النفسي لكل الخيبات التي تتراكم وتؤسس لسيرة روحية تتشكل من التكرار والتأمل والانتظار، فالذات لا تتلقى العالم وتقاربه وهي خالية، بل وهي مشدودة لأبنية جاهزة من التجارب.
الديوان يمثل سيرة ذاتية للروح بعيدا عن الوجه الذي تلصقه على قسمات الجسد، وتضعه الذات في تواصلها مع الحياة. وهي في سبيل ذلك تعلن انتسابها إلى فئة وشريحة المقموعين روحيا والمنتحرين الذين يهادنون الحياة بصناعة حياة روحية جانبية، فتصبح هذه الحياة المصنوعة من دبيب الموسيقى وانفتاحها على المتخيل وسيلة من وسائل الاستقواء ضد الهشاشة وضد القمع. وبوسعنا في ذلك الإطار أن نتناول العنوان المراوغ (عتبة تشايكوفسكي) حيث يوجهنا إلى فاعلية الموسيقى وتساوقها مع الروح المعذّبة بهذا البون الشاسع بين ما تؤسسه خيالا، وتعاينه كل ليلة بالرغم من النهاية الحتمية، وما تلمسه واقعا وإفضائه إلى كابوس، فتصبح بالتدريج قريبة من النسق الذي عددت بعض أفراده وأقطابه في نص من نصوصها.
سيرة الروح والحياة الجانبية
في معظم نصوص الديوان هناك اشتغال على خلق عالم مواز، تخلقه الذات، بابه الموسيقى، لتأسيس سيرتها الخاصة، وهي سيرة لا يدركها أحد، تتشكل داخليا، وتخلق صخبها وحركتها وعنفها داخل نفق مغلق صامت، فالموسيقى والأصوات-وهما من أدوات هذا العالم وجزئياته- يسهمان في خلق العالم، والانتقال المباغت من سياق إلى سياق. فالذات إذا لم تجد اتساقها وتكيفها مع عالمها الملموس تصنع وتؤسس عالما خياليا، من خلال نزوعات يسمها التكرار، وتحتمها العادة، كأن في هذا الفعل تثبيتا لنسق مقاوم للوصول إلى الانسجام والتكيّف الجزئي، وانفتاحا على أبواب سحرية تصنعها المخيلة في جلب الراحة والهدوء.
في نصوص الديوان هناك نوع من صناعة الانسجام الجزئي بالاتكاء على المتخيل، وهو توجه كاشف عن وضع خاص للذات، حيث تبدو متجذرة في واقعها من خلال القصور الذاتي الذي يفضي إلى توجهها نحو صناعة عالم وتأسيسه بالعودة إلى ذاتها، فالعالم الذي تؤسسه لا يتأسس في الاتصال بالواقع، ولكن بالانفصال والارتهان نحو عالم تنتقي جزئياته وتعود إليه في فعل دائري تكراري. والموسيقى والصوت تشكل مساحة الأعراف بين العالمين، فهي –أي الموسيقى – البدء والمنتهى، هي مفتاح الحكايات ومقاربة الحياة الماضية، وباب لتشكيل الذاكرة، للوصول إلى المنطوي الخفي في عتمة الروح، على نحو ما يمكن أن نرى في نص (دندنات)، في كشفه عن بوادر الصراع والتوزّع إلى تقابلات ضدية.
والقارئ لنصوص الديوان يجد أنها مشدودة لوتيرة وحيدة كاشفة عن تكرار تأسيس العالمين، ففي نص (دون سبب واضح) سيلمح القارئ تشكل الرموز الهادئة البسيطة دون جلبة من خلال (المطارق)، و(الحبال المتينة)، و(عقد المشانق)، للكشف عن الضغوط والانشداد تحت سطوة عالم خاص، وغياب التكيف. ولهذا تأتي النقلة التالية كاشفة عن تلمّس سبيل أخرى للروح والحفاظ عليها، وذلك من خلال موجبات هذا التوجه، وكأنه انتقال تلقائي، فإذا تعرّت الروح من انسجامها بالفقد أو بأسباب أخرى، تتحرّك للمحافظة على مشروعية وجودها إلى عالم آخر تتلمس حيويتها فيه، تتلقى مؤشرات حضوره، وممهدات صناعته في حضور (اليد المرحّبة)، و(الصوت الأليف) المملوء بموسيقى نايات الرعاة، لتفتح كوى أو سيرة الروح، وتتجلى الحياة الدافقة للروح وفق حركة ودفق صاخب داخليا، في مقابل وجوه ملساء، وابتسامات مصنوعة تلصقها الذات للتواصل بعيدا عن عالمها الخيالي المصنوع. فكأن القارئ في مطالعته لنصوص الديوان أمام مرايا متعارضة، تعكس حركة مغايرة لامرأة واحدة، وهذا كاشف عن التوزّع والانقسام.
ويجد القارئ التوزّع بين العالمين في الارتباط بالواقع ونمطيته ومرتكزاته، والاستجابة لعالم الخيال السري للروح، وتعهده بالرعاية والمعاودة والتكرار في نصوص عديدة، مثل (عمر طويل)، و(بفم مفتوح)، و(في مهب الريح). ففي النص الأول هناك اشتغال على خلق عالم ذاتي مواز، فحين يقول النص الشعري (ثمة موسيقى تهدر- في أبهاء الروح القصية- ثمة أصابع تقلب المواجع التي غفت- منذ دهر بعيد- ثمة باب مواربة- يتسلل منها ما فاض-عن حاجة القلب من شوق) ندرك تكرار الاستراتيجية البنائية لتأسيس سيرة ذاتية خفية للروح، بحضور الموسيقى التي تنفتح في سياق لا يدركه أحد سواها، وتتكشف ملامحها داخليا، من خلال صور، تشكل تقابلات ضدية كاشفة عن الفرح والحزن واليبوسة مثل ريش العصافير العابرة، وحصى بلا عدد، ونثار رمل، وجرار أرق ودموع.
وفي النص الثاني (بفم مفتوح) يدرك القارئ أن تشكيل العالمين في هذا النص- وربما في كل نصوص الديوان- مشدود لبساطة لغوية، فالقارئ للوهلة الأولى لن يلمح مغايرة أو خروجا متعمدا عن النسق المنطقي على نحو مباشر، ولكنّ هناك مغايرة لافتة وخروجا متعمدا على مستوى أكبر، فالخروج هنا لا يتم بين جزئيات، وإنما بين رموز وأنساق، فليس هناك تحدّ متعمد للعقل في تشكيل المجهري الصوري، بل بناء لمناح مؤسسة في الإبداع العربي والعالمي، تتمثل في التوزّع المستمر بين الواقع والمتخيل، أو بين المأمول والمتحقق، وكأن هذا التوزّع جزء من طبيعة الوجود الإنساني. والتحديد الزمني في الحالين مهم، ففي نسق المتخيل أو المأمول نجد حضورا للمساء (أنام كل ليلة بفم مفتوح- وعينين غائرتين- وأفيق صباحا- أجرّ أذيال الخيبة) فالليل مساحة تأسيس ومدى للمتخيل، في مقابل الصحو الذي يؤكد الخيبة والارتطام. ولكن تصوير المتخيل والصحو منه في النص الشعري، ينبني على الإيغال والتمدد كسرا للعادة في نصوصها القائمة على التعدد دون اكتمال، من خلال عقد المشابهة مع الحانوتي الذي يغلق المقبرة-مقبرة الآمال والأحلام والمتخيل- ليعود إلى حياة الزوجة والأولاد والرتابة المعهودة، وسط كيانات دلالية كاشفة مثل التفاح الرخيص والخبز اليابس.
الصور المجهرية في نصوص الديوان كاشفة عن البساطة، بالرغم من ارتباطها بتوجهات معرفية واقتراحات دلالية في طور التكوين، ولكن تغييب حدة الشعور بها راجع في الأساس إلى كونه-أي النص-يمارس توجيها تركيبيا وسرديا. فالمتخيل الذي يتمّ الاستعداد له على نحو لافت في نص (أمضي في الحب)، بداية من صناعة التغييرات حتى تتمّ النقلة والتحوّل من عالم إلى عالم آخر، يداهمه صوت الواقع في فعل (التعثر) الذي يمكن أن يتحول إلى أيقونة دلالية في نصوص الديوان، للكشف عن بداية تلاشي المتخيل، فالتعثر حركة مفاجئة ضد استمرار الحال المصنوعة بالخيال. فالتعثر يخلخل الاستمرار، ويؤسس الحضور الواقعي جنبا إلى جنب مع المتخيل، ليتجاوب مع صور أخرى تمارس التوجيه للشعور بالواقع، فنلمح في الحسرة والحشرجة الطازجة (بداية الصحو)، والسأم، وهي صور كاشفة عن زوال المتخيل، والانتباه لدفق الواقع.
المتخيل في نصوص الديوان والمرتبط بسيرة الروح التي تفرق من الواقع، يتحوّل إلى نموذج، ويلتحم بالمثال، خاصة إذا توقف القارئ عند نص (في مهب الريح)، وإشارته إلى لوحة دافنشي (رأس امرأة مائلة)، وهي لوحة وثيقة الصلة بالمؤسس من صورة العذراء، مما يضفي على هذا المتخيل نوعا من القداسة والمثالية التي تتأسس متعالية في مقابل خسارات الواقع العديدة. ويتجاوب مع هذا التوجه في تلقي النص الإشارة إلى (عتبة تشايكوفسكي) الهادئة التي تشكل - بما لها من دلالات مؤسسة بالشخص (الموسيقار تشايكوفسكي) وبنصوص الديوان- بداية للخروج والدخول من نسق واقعي إلى نسق متخيل، خاصة حين تدلف إلى النص الشعري آلات الموسيقى مثل الكمان، والكورال الضاج بالنداء السماوي، والإيقاع العربي.
صناعة أو تشكيل سيرة للروح في مقاومة الفقد والتشظي في نصوص الديوان، صناعة قائمة على تكرار الفعل وتواليه، لأن الفقد أوجد للجزئيات التي تتعلق بها الروح وجودا فائضا في قداسته. فسيرة الروح تتشكل في الانفتاح ومطاردة هذا المثال المقدس، ومن ثم فالوصول إليه والالتحام به يتمّ وفق آلية محددة، تتكرّر في لحظة زمانية خاصة. ففي نص (أمضي إلى الحب) هناك إصرار على تكرار المطاردة والوصول إلى الانتشاء والالتحام بالرغم من الوعي المسبق بالنتيجة الحتمية والصحو. فالذات في النص الشعري تدرك النهاية والخذلان، لكنها تظل أسيرة ترتيبها اليومي وعاداتها. فهذا الاحتشاد اللافت للنظر في بداية النص والإصرار على إحداث فاعلية (أمضي إلى الحب كمن يمضي إلى حتفه- أضع الخوذة على رأسي والدرع الحديدي حتى لا ألتهب) احتشاد الواعي بفاعلية التكرار الليلي، وصناعة التماثيل ومراقبتها.
ويأتي تحريض الكمنجات الراقدة أو الذاكرة والأغنيات استعدادا وتجهيزا وتهيئة للعالم الذي تصنعه، فالأغنيات والموسيقى عتبة المخيلة، ونافذة للعوالم المستحيلة، فالموسيقى تحدث زلزلة للحواجز الفاصلة بين ما نعيشه ونلمسه واقعا، وما تؤسسه بوصفه نماذج وتماثيل متخيلة، يتحد فيها الحب بالأمل بالنموذج والتمثال. في المقطع الثاني تتأكد فكرة الفقد وسوء التكيف التي تؤدي إلى تجهيز إطار المخيلة بما يتجاوب معه من تأسيس يستوعب فضاء المكان، مثل الستائر العاكسة لأشعة الروح، والمائدة بصحنين متقابلين، والعطر ونثاره المرشوش على السجاد. وبعده يلحّ تجهيز الذات على نحو كامل الاستواء في الملبس والمكياج، وكلها أشياء ترتبط بتنميط التحول والانتقال من عالم إلى آخر، وكأن فعل الحب- حتى لو كان متخيلا- شيء مقدس يقربنا من المعرفة. ويلحّ في المقطع الأخير تحديد الإطار الزمني لصناعة وتشكيل العالم، ويظهر ذلك ليلا، لأنه ذاتي وثيق الصلة بالروح والأمل، ولكن في نهاية النص يتجلى صوت الواقع، فيلمح القارئ (التعثر) في الخطو في مقابل خفة المخيلة المصنوعة واستقامة الحركة وانسجامها في المقطع السابق، وكأن الواقع يعرّي كل ما تمّ تأسيسه من خلال الحشرجة الطازجة والأصابع المخذولة.
في بعض نصوص الديوان تتحول كتابة سيرة الروح من نسق ذاتي فردي إلى نسق جمعي، في إطار يجمع انحياز المتكلم وموضوعية الغياب لتشكيل تمثيل للأنماط والمعاني المجردة، وكأن هناك إعادة مقاربة تتسامى فيها الذات عن ارتباطها المباشر بنفسها. ففي نص (في الحب) هناك رؤية تجمع الذات في التحامها بالرصد الموضوعي من خلال المراقبة، وفي إطار ذلك تتخلّق أساطير لا ترتبط بماضيها بقدر ارتباطها بالآني المعيش في محافظته على التيمة مع توسيع أطرها بنفس واقعي يضيف للأسطورة جوانب سردية، تجعلها تتجلى بشكل مغاير. فالنص يفتت الأسطورة، ويهشم وجودها الصلب، ويخلق في سبيل ذلك أساطيره الخاصة، من فعل الزحزحة أو التعدد، وإعادة الشحن والتحديد والتعريف للألفاظ التجريدية للوصول إلى تحديد فلسفي خارج الأطر المؤسسة المعهودة. فالحب- وهو جزء من عنوان النص وكثير من النصوص- يتحوّل إلى تحديدات ذاتية، يخلقها النص الشعري، وتخلقها طبيعة المقاربة.
فالحب يتجلى في شال الرجل، حين يحل مكانه للوقاية من البرد، وفي الانتظار الذي تتوحّد صاحبته مع بنلوبي في اللحظة الراهنة. فالنص ينحو منحى القراءة الباطنية للمواقف والحوادث، فيفرغ الألفاظ من دلالتها، ويعيد شحنها من جديد، فنرى الحب متوحّدا مع الرجل الذي يتأمل خيباته ويبتسم، ومع العوانس المهجورات، ومع المرأة الخمسينية التي تتأمل بروفايل حبيبها. كل هذه الصور تمثل مقترحات شعرية، ولكن محاولة تقريب وتأسيس هذه الاقتراحات، وتجسيدها بوصفها وجودا دالا مقبولا، يأتي مشدودا لصور تتفلّت من الإمساك، مثل تناثر فراشات الروح، والطريق العمياء، والنوارس التي تظلل سفينة عشّاق تائهة.
النص الشعري في صناعته سيرة جانبية للروح، يفتح الباب لهذه التركيبات الجديدة التي تتجلى في النص ليس بوصفها كلمات تدمج وفق المقترحات والاستبدالات شديدة الخصوصية، ولكن بوصفها إشارات أو تمثيلات لتجارب ممتدة في نسق موضوعي، يرتبط بتحديدات أو تأسيسات مشدودة للمعنى الفلسفي العميق الذي يخايل الذات، ولا تستطيع الإمساك به. ففي نص على (حافة بئر مهجور) تتعدد المحاولات للوصول إلى كنه الوجع، وكلها لا تحيل إلى شيء صلب يمكن الإمساك به من الناحية المنطقية، فالوجع هاتف أخرس، وامرأة وحيدة، وغربة طرفين، وصمت ثقيل، ورسائل الحب التي لم ترسل، وشمعدانات نحاسية، وكلها تكديسات غير مبررة على المستوى الواقعي، وتحد متعمد للعقل للاقتراب من سيرة الروح.
توحّد المشابهة والنهايات المحتملة
في إطار التقابل بين العالمين، والانقسام والتوزّع بين ثبات وحركة، وقوة وهشاشة، والتحام وانفصال، صمت وأصوات متخيلة وموسيقى مصنوعة مكبوتة، تستند الذات في مقاومتها وتأسيس روحها على النسق الجانبي المقموع، ومن ثم نجد نصوصا تكشف عن هذه الأشياء المقموعة حين تطلّ برأسها كاشفة عن حركتها ووجودها، بالرغم من تغيبيها الدائم، ففي نص (وعود ماطرة) تطل الأشياء المقموعة بوصفها وجودا ظلّ خفيا، وحين يطل يزلزل هوية الذات المصنوعة، لرغبته في اكتساب صفات الحضور والفعل (ما لم تقله العيون- مالم تنبس به الشفاه- ما لم تهمّ به الرعود الماطرة- يجرح الآن أوتار حلقي- يريد أن يستريح).
وجود هذه الثنائية في العالم أو في الحركة والتوجه داخل فضاءات متعارضة، يكشف في الديوان عن تشظٍ أو تعدد هويّاتي، خاصة في ظلّ التأرجح أو التوزّع بين الارتباط بالواقع وانشداد إليه، والاحتماء منه- بوصفه عالما ضديا- بعالم المتخيل الذي يغدو النسق المهيمن المقاوم المنتصر لهشاشة الذات. ففي نص (عزلة حبيبة) يستند النص إلى التقابلية الضدية الكاشفة عن هذا التوزع أو الانشطار، حيث يؤدي إلى هوية منقسمة على ذاتها، فبنية التناقض والتباين واضحة في النص، فالإشارة إلى ذات مشدودة للواقع، وذات مهمومة بصنع العالم النقيض (تقصين أظافر الحلم عنوة- وأربيها لتغدو مخالب معقوفة)، و(تتوخّين سمت الرزانة مكرهة-وأغرق في نزقي حد التعب)، و(ترزئين تحت ثقل الجروح- وأتخفف تحت ثقل المجاز) تؤدي إلى تأسيس هذا التناقض الضدي.
والذات في مقاربتها للعالم على هذا النحو المتشظي متعدد الهوية، لا تقاربه بمفردها، بل تقاربه وفق أطر تتماهى مع نماذج سابقة، وتجعل طريقتها وأسلوبها إشارات دالة على الطريق في الارتباط بالعالمين، وتأمل هذه النماذج يؤسس للذات نوعا من التوجيه الجاهز نتيجة لحركات السابقين، وردود أفعالهم في تعاملهم مع قسوة الواقع وفظاظته، ويؤسس لها أيضا- كما يتجلى في نص عتاد حربي- البقاء في مساحة الريب أو البياض دون حسم، فهي تقارب حياتها بشيء من القصور الذاتي للحركة. فنصوص الشاعرة في عرضها للمشابهين المهزومين في مواجهة سلطة قامعة، لا تشير إلى الذات بقدر إشارتها للمشابهين أو للجزئيات الخانقة التي تعرقل الروح في حريتها، فالاختيار هنا فاعل في تحديد الانتساب والاشتغال عليه، وإن ظلت الذات بعيدة عن حدود المقاربة
حين نتأمل عنوان النص الشعري (لا يد لي) والسطر الأول (لا يد لي فيما حصل)، نشعر أن هناك تماهيا وحضورا للذات مع كل الجزئيات التي يتمّ عرض المتغيرات التي لحقت بها. فالنص الشعري ينتخب الجزئيات التي تعوق القدرة على الفعل، بداية من اللبلاب الذي أنشب جذوره في الشجر، واللقلاق الذي يزاول مهامه. فالمتغيرات هنا خروج عن النسق العادي، وإثبات للحيرة والثبات، وعدم القدرة على الفعل، وزيادة مساحات التصحر. ولكن النص في المقطع الثاني يفتح الباب لرؤية جامعة تضع الذات والأشياء والبشر داخل حدود السطوة التي تمارسها الحياة، فالحياة بسلطة العولمة تسدل قانونها، قيتولّد نسق شامل للقمع وتغييب الروح، ويتجلى هذا التوجه بشكل لافت في نص (لا ادعي الغناء)، حيث تتجلى كل الألفاظ وثيقة الصلة بالغناء والموسيقى مثل (موال جبلي)، و(موال أمازيغي)، و(العواء الداخلي)، بوصفها وسائل صناعة وتجهيز.
الكلمات في قصيدة النثر بشكل عام ليست كلمات عادية، وفي هذا الديوان بشكل خاص تتحوّل الكلمات إلى بؤر دلالية، لها تاريخها الرمزي والدلالي، أو يُصنع لها تاريخ خاص، يجعلها ملتحمة بآفاق شبيهة، تتوحّد وتنفصل عنها، خاصة حين ترتبط الكلمات بأعلام في التراث العالمي لهم إشعاع دلالي. فالإشارة إلى فان جوخ وماياكوفسكي وفرجينيا وولف وداليدا وأبطال ديستوفسكي إشارة إلى فصائل ورموز وأيقونات لفكرة سوء التكيف، والاختلاف في تلقي ومواجهة العالم، وهي إشارة كاشفة عن الهشاشة في تحمل صلادة الواقع وصلابته، مما يؤدي بكل هذه الشخصيات إلى النهاية المتوقعة المعروفة، والنص الشعري (إنهم يتقدمون) في سطره الأخير (يا إلهي كم عليّ أن أحتمل؟) يؤسس لوجود الذات داخل ذلك الإطار، بفعل الاختيار والتحبيك الشعري.
الوقوف أمام النص يجعلنا نصل إلى كونه يعتمد على ثنائية الصخب الداخلي والصمت الخارجي الكاشف عن التسليم المقموع، فالأصوات التي تعمل عملها بالداخل وتتعارك فيما بينها كاشفة عن التناقضات والتصادمات، يتباين معها سكون وصمت خارجيان وتسليم في التواصل مع الخارج، وكأن كل شيء خاص بالذات يتحرّك وفق العادية والعاديين من البشر. في هذا النص هناك تأسيس لنسق المنتحرين، وفي إطار هذا النسق يتولّد وعي جديد بالعنوان (فعتبة تشايكوفسكي)، هي محطة الوصول أو الانتهاء، لأنه واحد من شريحة المنتحرين التي يؤسس لها نص (إنهم يتقدمون)، خاصة وإنه الموسيقي الوحيد داخل هذه الشريحة، ولديه قدرة على تشكيل تناقضات العالم بالموسيقى. في النص هناك تبئير واحتفاء بسير هؤلاء المنتحرين بسبب الهشاشة المفرطة، بداية من فان جوخ، وفرجينيا وولف، وداليدا وأبطال ديستوفسكي. فكلهم- على حد تعبير النص الشعري- (إنهم يتناسلون..-من ضوء المرآة الماثلة أمامي- فان جوخ يحمل بيد أذنا مقطوعة...).
واللافت في النص يتمثل في الكيفية التي يتمّ بها إدخال الذات الشاعرة داخل هذا الفصيل، فجميعهم يشكلون وجهها في المرآة، ويتأكد ذلك في بداية ونهاية النص (إنهم يتقدمون، يتقدمون- يا إلهي كم عليّ أن أحتمل؟). فالإنسان- فضلا عن الشاعر- لا يتلقى الحياة أو يقاربها - بعد اكتساب وعي كاف- وهو خال من تأسيسات سابقة جاهزة، لها القدرة على توجيه حركته، فيتماهى ويتجاوب معها بفعل الاختيار لمن يماثلونه في الوعي والتوجه. فكل هذه النماذج تمثل تشكيلات كاشفة عن الضعف والهشاشة في تحمل تناقضات الحياة. ومن ثم كانت نهاية هذه الشخصيات- ومعها الذات الساردة في النص الشعري بوصفه نوعا من الاحتمالية- وثيقة الصلة بفصيل المنتحرين.
في نص آخر تؤسس الذات الشاعرة خيارا محتملا، يطلّ في بقع دلالية خافتة في نصوص أخرى، بوصفه واحدا من خيارات النهاية المحتملة والمتخيلة، وهو خيار الجنون، لأن الجنون يمثل انهداما لحاجز المتخيل وانفتاحه على الواقعي. فالذات في ظل استغراب وضعها المأزوم في مواجهة العالم بالاندماج الجزئي من خلال معانقة المتخيل تتورّط بفعل التساؤل عن نهايتها، ومن ثم تتجلى أمامنا نصوص باحثة عن النهايات المحتملة بخياراتها العديدة المتوقعة. وكل هذه الخيارات مشدودة للمتخيل، وللصور العديدة التي يمكن أن تنتهي إليها الذات.
ففي نص (أكثر جنونا) هناك صور تتناقض وتتباين، لكنها كاشفة عن هوية متشظية بالتعدد، بداية من الفارسة بدرجة (مارشال)، وهي صورة مشدودة للنموذجي، وتحتفي بالنمطي المشدود لأسس التواصل البشري، تقابلها في الوقت صورة قائمة على تباين السمات، وتحولها من منحى نموذجي إلى منحى سلبي قائم على تشويه النمطي، من خلال حركتها الشبيهة بحركة امرأة (بلهاء)، أو حركة (البهلوان) العجيب الذي يتميز بالحول الكامل والشعر الأشعث. هنا تنضيد لوجهين متقابلين، نمطي متعال، وآخر يتشكل بفعل النزال. يبلغ التباين أو التناقض حدوده القصوى من خلال الإيغال في تصوير النمط الأخير في قول النص (أقلب رجلي إلى أعلى، أخرج لساني في وجوه العابرين- أجعل عيني أكثر اتساعا-وشعري أكثر جنونا).
فالصور الجزئية هنا تبني انفلاتها في الخروج على المؤسس النمطي والرسمي، وفي سخريتها وتهكمها من هذا المؤسس. والصورة الثالثة من صور النهايات المحتملة تتأسس من الثبات، والوصول إلى عتبة ما، بحيث لا تبدو الذات فردا، بل كاشفة عن نسق مقهور، يفقد قدرته على الفعل (أحيانا أخرى أقرفص على عتبة ما- أغرس رأسي بين فخذيّ- وأبكي.. أبكي بكاء نساء عديدات). فتشتيت الهوية من خلال تعدد النهايات المحتملة يصل في نهاية النص إلى هوية الجنون الكاشف عن تداخل العالمين، وسقوط الحد الفاصل بينهما، يقول النص (أصفّر وأهش الفراغ حولي- بعصا قصيرة- يقلدني صغار الحي- وتلحق بنا كلاب الطريق الجرب- وقطط المطاعم القريبة- ويلحق بنا وافد جديد- من مجانين القرى المجاورة- نضرب الأرض بأقدام غاضبة).
إن القيمة الأساسية لهذه الهوية الخاصة الكاشفة عن الانعتاق من الواقع وثقله، والإصغاء للحياة الجانبية للروح بسقوط الحاجز الفاصل، لا يتمثل في التمدد التركيبي كما وكيفا، ولكن في اعتماده على الغناء والموسيقى اللذين يشكلان أساس المقاومة في حالة التوزّع السابق بين الخيالي والواقعي. فالغناء أو الأصوات أو الموسيقى التي تجلت بمفردات كاشفة عنها مثل الأصوات الخرقاء، والدندنة الخاصة، والعواء المجروح والضحك المكتوم، تشكل في النهاية جوقة موسيقية كاشفة عن الانعتاق من ثقل الواقع، وحاجز العقلانية المصطنعة والانحناء نحو المتخيل دون استحضار سلطة قامعة لظهوره حتى لو التحم بالجنون.