عادل ضرغام

الرواية التاريخية والمنظور النسوي رواية شغف للكاتبة رشا عدلي

غلاف كتاب    الرواية التاريخية والمنظور النسوي رواية شغف للكاتبة رشا عدلي
الرواية التاريخية والمنظور النسوي رواية شغف للكاتبة رشا عدلي عادل ضرغام الكتابة الروائية التاريخية من منظور نسوي تعمل على تحريف المستقر والمتفق عليه بحثا عن وجود نسق مغاير حين تحاول الالتحام بالتاريخ، فهذه الكتابة من خلال أقطابها- ذكورا ونساء- لشعور أصحابها الدائم بالتهميش ومحاولة تغييب الصوت النسوي بداية من التاريخ القديم، وحتى السنوات الأولى من الوعي بعملية التحول المجتمعي والتحديث إلى الوقت الراهن لا تقابل هذه النصوص التاريخية بالتسليم، وإنما تعدل فيها بحثا عن تأسيس إطار يدفع الظلم، ويحاول تصحيح الصورة من خلال تشكيل سردية جديدة تنتهجها في مقابل سردية مهيمنة تثبت حضورا واضحا في كتب التاريخ الخاصة بتلك الفترة. القارئ مع وجهة النظر النسوية في الكتابة الروائية التاريخية الحديثة يطالع كتابة روائية نفعية في الأساس، وهي في سبيل قد تغيّب حادثة أو تشكك فيها أو تبدّل في إطارها وجزئيات وجودها من خلال التعديل المستمر، حتى تصبح ناجعة وصالحة لحمل أيديولوجيا مشدودة إلى مقاومة الأبوي المهيمن. فالخطاب الروائي الذي يتماس مع التاريخ يمكن أن يكون مشدودا إلى توجهات عديدة، أو إلى مراحل عديدة، منها مرحلة البداية التي تقف عند حدود التعلم مع إضافة عنصر أو خيط من خيوط الإبهار مثل قصص الحب التي يشكلها المؤلف على نحو ما نراه عند جورجي زيدان. ومنها المرحلة التالية التي يقف محفوظ علمًا عليها، وتقف عند حدود إسقاط الماضي على الآني. وتأتي بعض الروايات مجدولة على الأعراف بين التوجه الثاني الذي يمثله محفوظ، والتوجه الأخير المرتبط بالتخيل التاريخي، فرواية مثل (السائرون نياما) لسعد مكاوي، باهتمامها بالهامش والعادي بعيدا عن طبقة الحكّام، أبرقت إلى توجه جديد في كتابة الرواية المشدودة إلى التاريخ، فلم تعد الطبقة العليا هي المهيمنة، ولم يعد الحكّام أصحاب الحضور الطاغي، وإنما أصبح الحضور الطاغي لطبقة الهامش. أما التوجه الأخير في كتابة ذلك النوع فأعتقد أنه يبدأ في الأدب العربي من رواية (الزيني بركات للغيطاني)، وبدأت بعدها الرواية العربية في معظم الأقطار تحتفي بالتاريخ، بشكل لافت للنظر مثل (مجنون الحكم) و(العلّامة) و(وهذا الأندلسي) لبن سالم حميش، و(البشموري) لسلوى بكر، و(الأزبكية) لناصر عراق. هذا التوجه لا يكتفي بنسخ التاريخ المسجلة أو المتفق عليها، وإنما يقدم من خلال نصه الروائي نسخته الموازية لنسخ التاريخ، فلا يقف عند إضافة عنصر التشويق كما فعل جورجي زيدان، ولا يأتي اهتمامه منصبا على عقد مشابهة بين الماضي والحاضر مستندا إلى التلقي القائم على فكرة الإسقاط، وإنما يهتم انطلاقا من لحظة آنية معاصرة، بالكيفية التي يمكن أن يرى بها الماضي، ويضيف ويعدل فيه وفقا لمنطلقاته ولوجهة نظره مستندا إلى السياق العام أو الخاص. فإذا كان التاريخ في التوجهين السابقين يرفد الآني المعاصر المرتبط بحاضر ما، فإن الحاضر في التوجه الأخير يرفد الماضي ويضيف إليه، ويجعلنا نعاينه بشكل مغاير عن الثابت والمقرر سلفا من خلال الخطابات التي تم الاتفاق حولها. رواية (شغف) والسردية المغايرة للتاريخي وجهة النظر النسوية لها دور فاعل في المساءلة المستمرة لوضع المرأة، وما تمرّ به من انحيازات يحتمها النوع البيولوجي والسياقات الحضارية التي تشكل ملامح هذا الوجود، ومن ثم تحاول بمنجزها الإبداعي خلخلة النسخ الجاهزة من خلال تقديم تصور مغاير، تحاول أن تبحث من خلاله عن توجه ينطلق من تضاد واضح للأعراف والقوالب وأنظمتها الأبوية. وقد أثرت الحركات النسوية بأشكالها المختلفة على طبيعة الوعي بهذه الأفكار خاصة في ظل ميلاد الشك بالسرديات الكبرى وإعادة مقاربتها. وحين تتحد وجهة النظر النسوية مع محددات ومنطلقات ما بعد الحداثة نجد أن التغييرات التي تحدثها النسخة الروائية حاضرة متواشجة مع كشف الانحياز المستمر ضد كل ما هو نسوي. تأتي رواية شغف للكاتبة رشا عدلي مشدودة إلى مقاربة جديدة للتاريخ، المتفق عليه، وذلك من خلال تمرير وجهة نظر مغايرة للسائد والمستقر، ومن خلال استكمال الفجوات التي سكت عنها التاريخ. تقوم الرواية على إعادة التفكير في التاريخ، وعدم الوثوق بالنسخ المتاحة التي يتشكل حولها الاتفاق أو شبه الاتفاق حول مشروعيتها، بداية من اعتناق سردية تاريخية مغايرة لصورة زينب البكري ابنة الشيخ خليل البكري، وذلك بإنشاء سردية مشدودة إلى النسوي مقابل البطريركي الذكوري، والمستعمِر مقابل المستعمَر، ومن خلال مساءلة مستمرة لمفاهيم مثل (المجرم) و(البطل) والتوصيف الخاص بهما حين يرتبط الأمر بشخصين متقابلين تختلف حولهما وجهة النظر استنادا إلى أيديولوجية محددة مثل كليبر والحلبي. والرواية في ظل ذلك الجانب المعرفي تعيد طرح أسئلة خاصة عن أثر الحملة الاستعمارية في التحديث من خلال الفكر، ومن خلال النماذج المقدمة لتمثيل تلك الفكرة، مشيرة في ذلك السياق إلى اختلاف الرؤية لدى رجل الحرب ورجل الفكر من خلال شخصيتي نابليون وألتون جرمان، والأول يلح على الهدف العسكري وعلى النصر والهزيمة، والآخر تحركه المفاهيم الإنسانية. تعتمد الرواية سردية أخرى تقر بمشروعيتها، وهنا يتحول التاريخ في النص الروائي إلى وسيلة وليس هدفا أو غاية، وسيلة لمقاربة المناحي المعرفية المرتبطة بمناحي التحديث في نهاية القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي تفتحت فيها عيون الشرق على المنجزات العلمية والعسكرية للآخر الفرنسي. فالمقارنة بين العسكري (بونابرت) والفنان (ألتون جرمان)لا تلقي بظلالها على وجهة النظر السابقة فقط، وإنما تخطط وتظلل طبيعة الحركة والتوجه في رؤية المصريين، وطريقة التعامل معهم. فالأول ينطلق في تعامله معهم من الأفكار الشائعة والمستقرة في ذلك السياق، وانطلاقا من الخديعة بإيهامهم بالانتساب إليهم، ولكنها محاولات لم تؤد إلى نصر أو إلى مغايرة في رؤية المصريين له. أما الآخر انطلاقا من الخلفية المعرفية لبناء الشخصية، فهو ينتمي إلى أسرة من النبلاء الذين جنت عليهم الثورة الفرنسية التي زلزلت النسق والتراتب الطبقي. فألتون لتكوينه الخاص بالإضافة إلى فعل الثقافة له وجهة نظر مغايرة، وهو في ذلك السياق يمثل الوجه الرائق أو الحضاري للفرنسيين، فلم يستطع الكذب على نفسه أو على فنه، ويصور بونابرت من خلال لوحاته في لحظات انتصاره، وإنما كان صادقا من خلال تصويره فريقين- المصريين والفرنسيين- متساويين يقفان على بساط واحد، فلا تخلو صورة المصريين لحظة الثورة على بونابرت من شموخ وعزة المدافع عن أرضه. ولهذا لم يجد رغبة في نفسه من الاقتراب من أهل السلطة، ولم يقترب إلا من (مينو) بعد مقتل كليبر الذي عقد اتفاقية الجلاء بعد ذلك. وقد كان ذلك السبب الرئيس في محو كل منجزه، فقد(كان -على حد تعبير النص الروائي- يصور المصري ندا للفرنسي، وكأن الفنان أراد أن يظهر الحقيقة التي تغافل عنها كثيرون) ونظرا لأهمية الدور الفعلي لشخصية المثقف ألتون جرمان، في تثبيت نص تاريخي مغاير للسائد والمقرر، نجد أن البناء الروائي الذي يتوزع إلى خطين سرديين، قديم وآني حيث يبدو الآني مرتبطا بمحاولة الكشف عن صاحب اللوحة الخاصة بزينب البكري من خلال أستاذة جامعية متخصصة في تاريخ الفن وترميم اللوحات- يترك له الفرصة من خلال ضمير المتكلم، لكي يقدم وجهة نظره، وكأن في ذلك التحديد التعبيري تأصيلا للموقعية المهمة في النص الروائي، واحتفالا بالدور الذي يقوم به، وكشفا للملابسات والظروف التي شكلت تلك الفترة، وهذا يشكل مساحة كبيرة في محاولة الكشف في الخط السردي المعاصر. فالرابط بين الخطين السرديين هي تلك اللوحة التي رسمها ألتون. وقد ساعده ذلك على تخليصه من شوائب الاستعمار، وتحويل صوته إلى صوت إنساني مشدود إلى الثقافة والفكر، فهو المثقف الذي يمتلك رؤية في ذلك الغزو، فهو يراه نوعا من جنون العظمة، وفي تعامله مع الظواهر الاجتماعية المصرية لا يقاربها وفق الجاهز المؤسس لدى الآخر المباين، وإنما يقاربها من خلال وجهة نظر مشدودة إلى تحميل الحكّام والاستعمار ذلك الارتهان نحو الجهل والوقوف بطريقة ما عند الأنماط القديمة في التفكير، وعدم القدرة على الاستجابة للتحديث، فنراه يبرر ذلك بعيدا عن نمطية الصورة والأحكام الجاهزة. تتعامل روايات ما بعد الحداثة مع التاريخي السائد المتفق عليه، بطريقة تنطلق من الشك في مصداقيته، وفي قيمة النسخ التي تكون حولها نوع من الإجماع، انطلاقا من كون التاريخ يتشكل في إطار خطاب، ومن ثم فهو منفتح على الأيديولوجي، وعلى القيم والتراتب السائدين لحظة إنشاء هذا الخطاب. نجد بعض هذه الروايات تغيب وتحرف هذه النسخ، مؤسسة نسخة جديدة أو خطابا جديدا للحادث ذاته، تمرر من خلالها وجهة نظرها التي تعتنقها، وتؤمن بها، مفترضة وجودها في ذلك الماضي البعيد، ولكن هذا الوجود تمّ تغيبه نظرا لسيادة نظام تراتبي خاص. فالرواية تفترض أن الفتاة- وهي الكائن الأكثر هشاشة وتهميشا في تلك الفترة الزمنية- لم تكن كما يشير النص التاريخي في نسقه المتفق عليه، وإنما كانت تتحرك وفق توجه مثالي خاص. يؤسس النص الروائي استراتيجيته في الإطار السردي القديم على طمس ملامح النص التاريخي المتفق عليه، أو حول مشروعيته، من خلال نصوص الجبرتي التي ترى أن نزوع زينب البكري فتاة الامبراطور كان نزوعا مقصودا برغبتها، وذلك في قوله(وفى يوم الثلاثاء رابع عشرينه طلبت ابنة الشيخ البكري، وكانت ممن تبرج مع الفرنسيين بمعينين من طرف الوزير فحضروا إلى دار أمها بالجوديرية بعد المغرب وأحضروا والدها فسألوها عما كانت تفعل، فقالت تبت من ذلك، فقالوا لوالدها ما تقول أنت، فقال إني بريء منها فكسروا رقبتها". يكشف النص عن توبتها في النهاية. إن الرواية في اختيارها سردية جديدة حولت مدار الارتباط والتعلق من نابليون العسكري الذي يحمل رؤية جاهزة عن المصريين إلى ألتون جرمان المثقف أحد رسامي الحملة، ليتحول الأمر من علاقة جسدية إلى علاقة روحية، من رجل عسكري إلى فنان مثقف يبتعد في رؤيته للآخر عن النمطي الجاهز، ولديه قدرة على النفاذ إلى الإنساني بعيدا عن الشكلي الزائف، تكشف الرواية عن ذلك من خلال خطاب وحوار دائرين بين ألتون وزينب البكري(احذري منه يا زينب، ومن الأفضل ألا تلبي دعوته مرة أخرى. كان يطوقها بنظراته، فتساءلت بينها وبين نفسها، لماذا يطلب منها ذلك؟ هل يغار عليها؟ هل يمكن أن يكون أحبها؟ لقد وقع حبه في قلبها منذ أن وقعت عيناها عليه) الرواية هنا تمرر علاقة الحب المقدسة بوصفها سردية مغايرة لخطاب التاريخ، من خلال نفي علاقة زينب بنابليون، وإثبات علاقتها بألتون جرمان، لنفي التاريخي الجاهز للمرأة، وإعادة الاعتبار إليها، وللإشارة إلى مناحي الارتباط بين ثقافتين، لا تقوم على منحى استعلائي أو عسكري، وإنما تقوم على بساط واحد من المساواة، وعلى رؤية إنسانية تستطيع أن تنفذ إلى الجوهر، يتم اللقاء من خلالها. فألتون جرمان يرى المصريين- بعيدا عن مظاهر الجهل والبؤس في تلك الفترة- ضحايا الحكام، ويثبت لهم بعض السمات الإنسانية بالغة الرهافة. يتم تغيير التاريخ بإزاحة نسخة مكان أخرى وفقا لمناح أيديولوجية، فالرواية تعيد تشكيل الماضي ورفده بمنطلقات آنية مهمومة بحقوق المرأة ودورها، وتقارن في الوقت ذاته بين وضعها القديم ووضعها الآني من خلال أم الساردة الفعلية في النص التي تتساوق مع تحديد المرأة (الملاك) في اهتمامها ببيتها وأولادها، ولكنها لم تفلح في النجاة من مصير مشابه لمصير زينب البكري، وفي النجاة من الحمولات السلبية لوضع المرأة، وكأن الرواية ترصد هوية للثقافة في التعامل مع المرأة، بالرغم من وجود الموجات والحركات النسوية العديدة. فالقتل من خلال قصف الرقبة مع زينب البكري، والانتحار مع والدة الساردة يثبت آلية ثابتة وحمولات سلبية ممتدة، حتى بالرغم من نفي النص التاريخي، وزحزحته إلى علاقة بها نوع من القداسة بعيدا عن الجسد، تقول الرواية(هي التي اقترب منها نابليون للحد الذي لم يفصل بينهما عدة أنفاس، ولمس خدّها، وملّس شعرها، ولم يحرّك شيئا سوى إحساس بالذعر والقلق، أما معه- ألتون- فالأمر مختلف، يكفي أن تقع عيناها عليه لترقص فرحا) الجزئية الأكثر أهمية في تحريك النص الروائي من المدنس-زينب العشيقة لنابليون- إلى المقدس في سموه وارتفاعه عن حاجات الجسد تتمثل في تحويل هذا المدنس المشدود للنص التاريخي إلى أفق جديد، من خلال قصة الحب التي جمعت بين زينب البكري والفنان والمثقف ألتون جرمان، وذلك من خلال الحركة الدائبة بين خطي السرد، والبحث المتأني في الخط السردي المعاصر. فالرواية في خطها السردي المعاصر مهمومة بالكشف عن صاحب اللوحة الخاصة بفتاة أو وجه مصرية ترتدي ملابس فرنسية حديثة. اكتشفت أستاذة تاريخ الفن التي تمر بتجارب خاصة وبميراث حياتي خاص بين أبيها الذي هاجر إلى فرنسا وأمها التي انتحرت، أن الفنان اعتمد على خصلات شعر حقيقية لتلك الفتاة، وأنها قصت هذه الخصلات حتى يكف نابليون عن الإرسال في طلبها للحضور إلى قصره، وحتى تتفرغ لحبها الطاهر العفيف مع الفنان، الذي عاقبه نابليون بحذف كل لوحاته من كتاب وصف مصر، لأنها تنتصر للإنسان ولا تنتصر للمستعمر. فكاتب قصص ما بعد الحداثة يتعامل مع التاريخ بوصفه وسيلة مستقلة للسيطرة والتوجيه والتعديل، حيث تتشكل النسخة من خلال أفكار راهنة تتعلق باهتماماته يريد أن يمررها، ويجذرها في إعادة قراءته ومساءلته للتاريخ المتفق عليه. الأبوة ونسق التقليد والهجنة الرواية لم تكتف بتحريف التاريخي المتفق عليه، ولكنها استندت إلى جزئية ثانية، للإلمام بتشكيل وتبرير الحدث بشكل عام، فالرواية تجمع عن قصد بين دخول العبد (رستم) وزينب ابنة البكري لحظة دخولهما دار نابليون، لكي تمرر لنا فكرة أساسية تتمثل في أن محرك العلاقة ومن بيده الخيوط هو الأب، وأن زينب في خطته التي لا يعلم حدودها سواه لا تزيد عن مكانة العبد، فقد أهدى العبد رستم إلى نابليون بالرغم من حاجته الشديدة إليه، وتسامح في لقاء ابنته بنابليون( ما إن وطئت قدم زينب ورستم حديقة الدار حتى ارتجفت أوصالهما، وعلا نبض قلبيهما من شدة الخوف والقلق، كل منهما لا يعرف مصيرا ينتظره داخل جدرانه الأربعة). تتمثل الجزئية الثانية التي اعتمد عليها النص الروائي في تحريك النص التاريخي إلى منحى مغاير في إسدال عنصر مهم وهو عنصر البطريركي الذكوري، الممثل هنا في الأب الشيخ خليل البكري. فالنص الروائي قدم لنا شخصية زينب ابنته- لا يزيد عمرها لحظتها عن خمسة عشرة عاما- وهي واقعة تحت تأثير ذلك النسق، لا تستطيع له دفعا. فقد تجلت صورة الأب مؤيدة للاستعمار ولنابليون، وكأنه في هذه الجزئية- علاقة ابنته بنابليون- الإله الخفي الذي يحرك الخيوط وفق ما يراه أو وفق ما يخطط له، فلديه نمط سابق يتمثل في أحد قادة نابليون الذي أعلن إسلامه وتزوج بمصرية، وغير اسمه من أجلها، يكشف عن ذلك في رده على زوجته حين نبهته إلى رفضها لهذا النمط من السلوك، وهذا التحول(يا امرأة افهمي.. لا تكوني غليظة العقل، هناك شيء برأسي إن تم..) وقد تجلت تلك الصورة واضحة، في إطار جدل الأصوات المتباينة في النص الروائي، وخاصة الجدل بين صوته وصوت زوجته (الأم) التي تمثل رؤية قطاع كبير من المصريين الجاهزة للفرنسيين بشكل عام. فالأم لا ترى في نابليون إلا قاتلا مستعمرا. وتتجلى صورته(صورة الأب) في إطار يظهره بأنه أناني بإمكانه أن يضحي بأي شيء في سبيل تحقيق أحلامه، وذلك من خلال قول الزوجة( ألهذه الدرجة أنت عبد للمكانة والمنصب؟). فالأب وفق هذا التصور صاحب خطة جاهزة للتقرب من نابليون، وصاحب سناريو معد سلفا انطلاقا من نمط ضابط الحملة مينو الذي تزوج وأعلن إسلامه، وغير اسمه إلى عبدالله، تتكشف حدود هذا السناريو من خلال جزئيات مبثوثة في النص الروائي، ربما يكون أهمها يرتبط بالحوار الدائر بينه وبين زوجته( ما الذي يريده بونابرت من ابتنا، ولأي شيء يعدّها هذا الغازي- ابنتك إن طاقة القدر فتحت لها- ولكن أي طاقة قدر تلك، وأي شؤم ينتظرنا وراء هذا الكافر؟). إن الرواية في خطابيها السرديين تستند إلى فاعلية الأبوة الذكورية الممتدة، ودورها السلبي في استمرار معاناة المرأة ووضعها التاريخي الكاشف عن التغييب والظلم، لأنها الكائن الأكثر هشاشة. ففي إطار السرد القديم يأتي تعامل الشيخ البكري مع ابنته بوصفها جزئية من مخطط عنصرا فاعلا في النهاية التي وصلت إليها، بالإضافة إلى تخليه عنها وتحميلها المسئولية لحظة الحساب بعد رحيل نابليون من خلال قوله(لا دخل لي بها، افعلوا بها ما شئتم)، وفي إطار السرد المعاصر، تأتي خيانة الرجل واضحة الدلالة عن تسببها في انتحار الأم. الرواية تستند إلى جزئية أخرى لتقليل حدة الحدث، وكأن البطلة زينب البكري كانت تواجه عالما قويا، من خلال جزئية الانبهار بالمغاير، والوقوع في تقليد المنتصر، تشكل الرواية هذا التحول، وكأنه سياق عام ليس هناك فرصة للابتعاد عنه. فالمنتصر يواصل دائما تشكيل حياة المهزوم من خلال آلياته وقناعاته، وذلك من خلال إسدال الكثير من النظم التي لم تكن موجودة، فكل منتصر بطريقة ما يحاول أن يجبر المهزوم على أن يشابهه. وفي إطار ذلك يمكن فهم كثير من التطورات التي ألمت بحياة زينب البكري، بداية من الأزياء الفرنسية، وتعلم لغة المنتصر، ويمكن أيضا فهم كثير من الأنظمة التي فعلها الفرنسيون انطلاقا من فعل التمثيل والتطويع لمشابهة النموذج المنتصر. فالحركة ليست أحادية فالمهزوم ينطلق من التقليد، والمنتصر ينطلق من قدرته على التمثيل والتغيير والتطويع في الآخر. فقد تجلت زينب في الرواية في مساحة التعرف الأولى بصدمتها المعروفة مبهورة بملابس النسوة الإفرنجيات بملابسهن المبهرة المنقوشة، والمطرزة بفصوص تبرق كلما داعبها ضوء، تمنت أن تملك فستانا يشبه هذه الفساتين، فقد تحول ذلك إلى حلم يداعب خيالها، فهي تتمنى أن تصبح مثل النساء الفرنسيات، ترتدي ملابسهن، وتسلك سلوكهن، وتتحرك بحرية كاشفة وجهها، تقول الرواية كاشفة عن هذا المنحى(أعجبتها هذه الحياة حياة الفرنجة، لغتهم، طعامهم، مشربهم، رقصهم واحتفالاتهم. وتساءلت ما المانع أن تكون واحدة منهن، وهي التي لبست ملابسهن، وتحدثت لغتهن). وباستحضار مداخل نظرية ما بعد الاستعمار، وإشارتها إلى تقليد المنهزم للمنتصر، ندرك دور هذا التقليد في ميلاد هجنة، لأن التقليد لا يقضي بالضرورة على مجمل السلوك الخاص بالأنماط الماضية، ولا يصل في النهاية إلى الأصل الذي يقلده، فيكون الناتج شيئا هجينا، فبعد أن ارتدت تلك الملابس أصبحت زينب فتاة (هجين)- بتعبير منظري ما بعد الاستعمار- فلا هي تنتمي كليا إلى المصريات، ولا إلى الفرنسيات، وإنما في منطقة وسطى يصعب فيها تحديد ملامح قارة ومسيطرة لنسق دون آخر، فقد بدت على حد تعبير نص الرواية(كأميرة لا هي شرقية، ولا غربية)، ولهذا جاءت اللوحة المرسومة لها- وهي مدار البحث والإشكالية التي دار حولها الخط السردي المعاصر- كاشفة عن تلك الهجنة، فصورة الضفائر تتجلى بشكل يباين الملابس الفرنسية المعاصرة في حينها. تصور الرواية تلك الهجنة بقولها لحظة دخولها وهي مرتدية الملابس الفرنسية( كمن فقد هويته، ويبحث عنها، فلم تعد زينب الفتاة المصرية البسيطة، وأيضا لم تشبه الفرنسيات، ظلت واقفة في منطقة وسطى، تلك التي يصعب فيها الخطو للأمام أو للخلف، وتظل تتوارد عليك الأسئلة من أنا؟). وقد يسعفنا هنا- في التأكيد على طبيعة مقاربة الفتاة للأمور- ما أشار إليه منظرو أدب ما بعد الاستعمار، فهم يرون أن هناك خلخلة دائمة تصيب ثوابت المهزوم أو المستعمَر. فالمستعمِر يتشكل في ظل انتصاره- بعيدا عن سطوته وتفعيل واستخدام تلك السطوة- نوع من الأفضلية فيما يخص سلوكه وأنماط حياته وتفكيره، لأن هذه الأنماط وذلك السلوك كفلا له الانتصار، ومن ثم تتولّد لدى الفريق المنهزم رغبة في التقليد، فيؤدي ذلك إلى الهجنة، ولهذا نجد الرسام ألتون – المثقف الذي يدرك طبيعة الثقافات وحتمية اختلافها- يقول لها في حفل نابليون(أعتقد أنك ستكونين أجمل في ملابسك الشرقية). يجب أن نشير هنا إلى أن تقليد المهزوم للمنتصر وما يسدله من هجنة ملموسة، تتجاوب معه محاولة التطويع والتغيير التي يمارسها المنتصر، طلبا لإسدال نوع من التشابه مع نمطه المستقر. يؤيد ذلك أن مظاهر الهجنة في النص الروائي لا تقف عند حدود شخصية من الشخصيات، وإنما أخذت مدى واسعا، يمكن ملاحظته أو التنبه إليه من خلال تأمل نسق التقليد الذي اتبعته الشخصية المصرية في إسدال سمات التحديث ومحاولة التطوير التي حدثت في القاهرة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، من خلال أسماء الشوارع، والمحلات الإفرنجية، والخمارات التي بدأت تنشأ وتظهر للعلن بعد أن كانت تعمل في السر. إن الرواية بهذا الشكل الذي ينطلق من محددات وفاعلية المجتمع الأبوي والانبهار بالمنتصر وتقليده، تزحزح التاريخي المتفق عليه، لتثبت التاريخي المتخيل، حتى تقيم له المشروعية ذاتها، وربما تكون مشروعية التاريخي المتخيل ذات حضور أكبر، خاصة إذا كان سؤال الهوية هو السؤال الأساس لتلك الروايات، بالإضافة إلى أسئلة عديدة تتولد عنه، ترتبط بالثقافة المصرية، ومدى قدرتها على التماس مع ثقافات أخرى، وانطلاق هذا التماس من التوازي والمساواة، وليس من الاندحار والتلاشي، ويأتي ألتون بتجليه في النص الروائي النموذج الأليق بفكرة التحديث والارتباط بالآخر، فكأن الرواية بتأسيس النسخة المتخيلة، وتحويلها من دنس زينب مع نابليون إلى قداسة العلاقة بينها وبين ألتون جرمان، تعيد تأسيس علاقتنا بالآخر في سياق عملية التحديث التي يجب أن تنطلق من الوقوف على بساط واحد. تجلى ذلك واضحا في الخيط السردي المعاصر في لقائها مع أبيها، ومع مدير المتحف العسكري الفرنسي. هي رواية تطرح الأسئلة الصعبة المرتبطة بالأفكار، ومحاولة تقديم إجابة منطلقة من لحظة راهنة تجعل الماضي يتجلى بشكل مغاير.