عادل ضرغام

مرايا السرد والنهايات المتشابهة والمتباينة في رواية لعبة مصائر للكاتب العماني هلال البادي

غلاف كتاب مرايا السرد والنهايات المتشابهة والمتباينة في رواية لعبة مصائر للكاتب العماني هلال البادي
مرايا السرد والنهايات المتشابهة والمتباينة في رواية لعبة مصائر للكاتب العماني هلال البادي عادل ضرغام في رواية (لعبة مصائر) للروائي العماني هلال البادي، هناك خطاب منفتح على الفرد العادي، وعلى المجموع، وعلى الوطن بوصفه مكانا له خصوصية، فيه إشارة لتحولات من شكل بدائي للحياة إلى شكل أو أشكال متعددة خارجة ومنبثقة من هذا الشكل البدائي الذي يشد الجميع في لحظات محددة، ويوقف حركتهم. وفي مراقبة وتأمل هذه الأنماط أو الأصناف لا يستطيع القارئ أن يلمّ بوجهة نظر نهائية ترتبط بهذه التحولات أو المتغيرات، لأن هذه الأنماط التي انتهى النص الروائي في مراقبتها ممثلة في الشخصيات وردود أفعالها، لم تصل إلى نهاية مختلفة، بل ظلّت عالقة دائرة في مدار من التشويش والنقصان، فالماضي حاضر بقوة وحركات التحوّل والتحديث تبدو شكلية زائفة، وخالية من المعنى، في فقدان الاتصال والحميمية بين البشر، فالبشر في ظل عملية التحديث لم يعودوا مرتاحين في دعتهم السابقة. الرواية في منطلقها تقدم سيرة للأفراد في مصائرها الذاتية، وسيرة أيضا للمكان، ولا تتحرّك الشخصيات نحو متخيلها بشكل سلس، فدائما هناك الحدث الذي يهشم هذا المتخيل، أو يصبح الوصول إليه في موعد مختلف وغير مناسب، وهناك إحساس عام بأن حركة المكان نحو فعل التحديث والتغيير محل شد وجذب، وشك ويقين، فطبيعة الوجود تفرض نفسها في مصائر الشخصيات وحركتها. ففي هذه الرواية لا تنفصل إشكالية الشخصيات عن طبيعة المكان. الشخصيات تعاني نوعا من الانفصام الذي يفضي إلى التعدد، أو على الأقل إلى وجود شخصيات موازية للشخصيات التي تتحرّك، لها ردّ فعل مغاير، وتلق يباين الشخصيات الواقعية المتحركة، ولهذا يشعر القارئ بصعوبة في تلقي العمل، وتخليص الواقعي من الخيالي الموازي. المكان نفسه له هدوؤه المخيف، وتسليمه اللافت، حيث يخفي الكثير من التباينات والتناقضات الداخلية، تتعلق بالحداثة والتحديث، وفي الوقت ذاته مشدود إلى تقاليد وماض لا سبيل للانفكاك منهما. الرواية تمثل تفكيكا لكل إشكاليات الفرد، الإشكاليات التي يدركها الجميع، ولكن يتمّ التواطؤ حولها دون مواجهة. الرواية تضع كل ذلك في بؤرة التركيز، سواء أكانت مرتبطة بالوجود التقليدي القديم أو بالجديد المنفتح على أنماط الحداثة، فهي- في منطق النص- لم تؤد إلى وجود مغاير، فالتحديث بكل أشكاله ونماذجه لم يؤد إلا إلى نتائج شبيهة وثيقة الصلة بالوجود القديم. هذه الرواية فعل من أفعال الكشف، كشف التناقضات، وتعرية المجتمع المثالي الراغب في التحديث، والتحوّل من البداوة والتقاليد والماضي، لتضعنا في مواجهة العري، عري الذات الفردية أمام مرآتها، وعري الذات الجمعية في مساءلة نسق العلاقات في ظل التحوّل نحو الحداثة، حيث يبدو كل فرد- وكذلك المجموع- متحركا إلى الأمام، إلا أنه في الحقيقة يتوجه نحو الخلف، لأنه مشدود بخيوط داخلية دامغة، تجعل الأكثر تحررا أكثر تقليدية في لحظات فاصلة. فالقارئ هنا ليس أمام أفراد أو شخصيات تراقب صورتها في المرآة، سواء أكانت مرآة حقيقية، أو مرآة سردية في النص الروائي، ولكن أمام مجتمع أحس وشعر بأزمته، وبدأ في مراجعتها، والكشف عن التشكلات الروحية التي تلازم التوجه الموزّع والمنقسم على ذاته، ففي الرواية اشتغال حاد على تعرية الكذب الشكلي والنصاعة الزائفة التي تشعرنا بالطمأنينة، ولكن الحقيقة مغايرة من خلال الإشارة إلى أمراض تلازمنا على الدوام. بنية الرواية والنهايات المتشابهة والمتباينة في الرواية بداية من الاستهلال الذي يعدّ مقدمة لنص الحكاية أو الرواية، يجد القارئ نفسه أمام انقسامات ذاتية فالمؤلف منقسم على ذاته من خلال الرسالة التي يرسلها من البريد المزيّف إلى نفسه، وهي رسالة تحمل النص الروائي الذي يبدأ بعد الاستهلال، في قراءة متأنية لمجموعة من الشخصيات المتداخلة داخل الحيز الروائي. هناك أشياء بالضرورة سبّبت هذا الانقسام، منها الرتابة وآلية الحياة والروتين. فالبشر لا ينتبهون للحياة إلا من خلال حدث يهشّم هذه الآلية والسكون والهدوء، وقد تجلى ذلك في الاستهلال، وفي النص الروائي في أجزاء عديدة، منها موت (شوين) شقيق (وداد)، ومنها موت والدي وداد نفسها أثناء عملهما في مدينة العين. إن حدث موت والدي وداد وشوين أثناء رحلتهما إلى عملهما في مدينة العين، حدث مهم في النص الروائي، لأنه يوجّه شخصية مهمة من الشخصيات الدالة والرامزة في النص الروائي، ويحوّلها- حتى لو كانت طفلة- من الارتباط بالأفق الذي يتوجه إليه الجميع، إلى المكان الهادئ الساكن، حيث سلطة الخال (أبو طلال)، حارس النمط والتقاليد. فالارتباط بالعين أو دبي ارتباط بنافذة للرؤية أو للخروج، وقد تكرر ذلك كثيرا في النص الروائي، للكشف عن تراتبية خاصة بالمكان، تراتبية تتصل بالانفتاح والانغلاق، فدبي تمثل في أحيان كثيرة في النص الروائي، ولشخصيات كثيرة خاصة الشخصيات المشدودة للانفتاح والتحديث أفقا ومجالا للارتباط والخروج من أفق ومكان مغلقين، فشخصية (أمل) بنت (شوان) حين تخرج من سكنها الجامعي تشترط على صديقها (أحمد) الذهاب إلى دبي، و(غرايس) البريطانية في بحثها عن مسقط بعد تعاقدها للعمل هناك يقول عنها النص الروائي (على الأقل هي تعرف الآن من بعض الأخبار التي كانت تستمع إليها، بأن هذه المدينة قريبة من الكويت وبغداد ودبي والرياض، لا حضور لها مثل الأخريات على واجهات الصحف أو في نشرات الأخبار). ومن ذلك أيضا عمل (أبو طلال) في دبي، وارتباط ذلك بمساحة من الحرية، قلّ حيزها بتسريحه وعودته، لتصبح حدة التقاليد حاضرة من خلاله. بعد هذا الحضور المنقسم للمؤلف في الاستهلال، سيغيب بوصفه شخصية حاضرة في النص الروائي، ويترك المهمة لراوي الغياب في كل جزئيات النص الروائي، ولا يطل بوصفه شخصية (دون اسم) داخل الحيّز الروائي إلا في الجزء الخاص (بطلال)، فيتم تقديم سرد الجزء الخاص بطلال عن طريق ضمير الغياب، ويطلّ المؤلف بوصفه شخصية في جزئين من خلال ضمير المتكلّم. وهي- أي التحوّل من الغياب للتكلّم- لعبة سردية لها دلالتها في الإيحاء والتقييم والبحث عن الموضوعية في تأمل الذات، مما يؤسس لإشكالية الحقيقي والخيالي في النص الروائي. وهذه الآلية ظل لها وجود منتظم في الجزء الخاص بشخصيتي (أمل) و(وداد)، حيث أعطى للأولى منصة السرد للتعبير عن نفسها بضمير المتكلم، وأعطى الراوي الحق في التمثيل والتعبير عن وداد بضمير الغياب، مما يشير- إذا استحضرنا ذلك التماهي بين المؤلف وطلال- إلى أن (أمل) و(وداد) بالرغم من الاختلاف في التكوين واختلاف ماضي كل واحدة منهما تشكلان حالة واحدة، لا فارق بينهما سوى الفارق بين الشخص وصورته في المرآة. هذه المرآة التي تمثل حضورا لافتا في النص الروائي، مما يرشد إلى أن النص ليس سوى قراءة أو إعادة قراءة للذات الفردية والجماعية، لأن هناك انحيازا للذات في التكلّم، وعودة أو محاولة عودة للموضوعية من خلال الغياب. من خلال التوزّع بين التكلّم والغياب يتشكّل الكون الروائي من خلال شخصياته التي تشكل رموزا وتمثيلات لحالات معرفية كاشفة عن ارتباك القيم الخاصة بكل مجتمع، يجذّر ساقيه في الحداثة من خلال الأبنية والعمارة، بينما عقله وحركته مشدودتان إلى أفق ثابت بالتقاليد والقيم الرازحة. فالارتباط بالقديم والتقاليد يتجلى في حديث الرواية عن بيت والدة (شوان)- أم أمل- حيث يقول (يبدو من بعيد مثل نتوء شائه، يفسد اللوحة الأسمنتية التي تكبر وتكبر مع الأيام). فشوان تمثل الماضي الذي ينفر منه الجميع، وتنفر منه بقدر طاغ ابنتها (أمل)، ويتوازى مع هذا النفور موقف وداد من خالها (أبو طلال) حيث يمثل بطريقته حدة خاصة لهذا النمط المعرفي. يكشف النص الروائي بالتدريج، ومن خلال مفارقات زمنية سردية عن أنماط ثلاثة، في تلقي ومقاربة العالم أو الوجود، النمط الأول يتجلى من خلال شخصيات عديدة مثل شخصية (أبو طلال) الذي يبدو أكثر الشخصيات كاشفة عن طبيعة التقاليد التي تتمثل في كود النمط والأخلاق المرتبطة بمجتمع معين، تجلى ذلك النموذج في طبيعة التعامل مع القسيم النسوي، سواء أكان امرأة ناضجة أو طفلة، فهذا النموذج يصنع سلطته من القهر العام القائم على تغييب وجود الآخر، وتغييب وجهة نظره واستقلاله، استجابة لنمط موروث، يحاول تحقيقه والحفاظ عليه، وهو نموذج يكتسب صفة التقديس، ولا يقبل المناقشة لآراء الآخرين. يتجاوب مع هذا النموذج أو النمط مجموعة من التجليات المساعدة، أو الأسباب التي تكفل له وجوده واستمراره، منها الخطاب الديني الذي يتشكّل فيما يقوله (أبو عبدالله) إمام المسجد، حيث ينصت إليه (أبو طلال) بمفرده دون الحضور، ويطبق ما يقوله بشراسة. وتؤسس لهذا النمط في السياق ذاته وجود استمرارية لصورة المرأة (الملاك) في نمط زوجته الأولى (أم طلال)، حيث أبرق النص الروائي إلى ذكر بعضهن من جارات وداد في مسقط. ويتجاوب معه - أيضا- الارتكاسات القديمة في أنماطها البالية، فالرواية تشير إلى جانب من ذلك بعد عودة ابن سهيلة من الخارج (حلق لحيته، وحفّ شاربه، ووضع نظارة شمسية، وارتدى بنطال جينز، ولم يكن يذهب إلى المسجد للصلاة، كما كان قبل غيابه في بلاد النصارى)، وتؤكد الفعل المقاوم من خلال الذهاب إلى (ود معيلي) الشبيه بالمشعوذ، مما يعطي مرشدا لمشروعية هذا الفهم، بوصف هذا الفعل استمرارا لنسق التقاليد القديمة. وتبدو شخصية (شوان) جزءا من هذا النمط، وإن كانت تجرح نصاعته، فهي- بالرغم من كونها أيقونة للخروج عن السائد، والتهتك في الحديث عن زوجها (فايوز) المحوّر عن فايز، ومع الأخريات بقصصها الفاضحة، وارتباطها برجال غير زوجها ألمح إليهم النص الروائي بأشكال عديدة- تعدّ واحدة من موجبات النمط وآليات اشتغاله، خاصة في جزئية صورة المرأة النمطية وارتباطها بالرجل بوصفه سبيلا أساسية للنساء، وانتهاء لأفق رحلة الحياة. فدورها في عملية تزويج البنات كاشف عن ذلك، فهي تدعو لوداد وغيرها من البنات (بزوج زين). فشوان جزء من النمط بالرغم من كونها تمثل خطوة أولى في جرح نصاعته، فقد كانت شخصيتها ومحيطها الذي دلفت منه الرواية إلى عوالم الكشف والتعرية، مثل الإشارة إلى (أمل) ابنتها وأخيها قاسم، أو الإشارة إلى فعل شقيقها مع صبي صغير. يتشكل النمط الثاني شدّا وجذبا مع حارس النمط الأول، وصاحب الفاعلية الأكبر في استمراره وبقائه. فمن خلال النزاع بين طلال وأبيه بدأت ملامح هذا النمط في أخذ شكلها المفارق، وكذلك في الخلاف بين وداد وخالها في أمر تزويجها ممن اختاره أثناء دراستها الجامعية دون مناقشة أو انتباه لرأيها أو وجهة نظرها. فهذا النزاع الثنائي يأتي فاعلا في تشكيل نمط جديد في مقاربة الحياة والعالم. فطلال الموجّه توجيها خاصا من بداية السرد، يأتي بوصفه نموذجا كاشفا عن التحوّل عن نسق التقاليد المؤسسة، ومن مساحة الأعراف وسطوة النمط الممثل في الأب، يتجلى ذلك في معاينة الإشارات التوجيهية المشكلة للنمط بطريقة تدريجية بداية من تأجير الروايات إلى آخر الأعمال الخارجة عن النمط المقبول. أما (وداد) بعد انتقالها إلى مسقط مع أخيها (شوين)، فنراها تجذّر نفسها داخل نمط نسوي خاص، فقد كوّنت مع اثنتين- لبنى وراية- نمطا أقرب إلى المرأة الجديدة، متساوقا مع حركة التحديث التي تركت أثرها في كل شيء. ففي بحثهن عن المساواة، والخصوصية الذاتية، والحركة دون وصاية، تقابلن مع واقع مطبق لا يقيم وزنا للحرية الفردية. فوداد- وكذلك البلد والمكان- تمثل بحثا عن وجود خاص ملموس بعيدا عن الوصاية الأبوية بمفهومها الواسع التي قد تأخذ أشكالا عديدة، فتارة نجدها في الخال، وتارة مع الأخ الشقيق، وأخرى مع صاحب السلطة في سياق العمل. يتبقى نمط أخير، يظهر موزّعا بين القديم والجديد في آن، دون حسم نهائي لحركته وتوجهه. (فشوين) شقيق (وداد) يأتي رمزا لكل هؤلاء الموزّعين بين نمطين للحياة، النمط التقليدي الموروث، والنسق المنفتح على حركة الحداثة، فأصحاب هذا النمط لم يستطيعوا التخلص من القديم، وفي الآن ذاته لا يستطيعون القبول بشكل نهائي بهذا السيل الجارف الخاص بحركة الحداثة الشكلية على مستوى العلاقات أو على مستوى الأبنية في التحوّل التدريجي لشكل يلتهم مساحات البداوة والنمط القروي. وقد أشارت وداد إلى خوفها وتوزّعها - بالرغم من وقوفه ضد خاله في أزمتها- في إخباره بعلاقتها بصالح، ففي منطقها أن بداخله نموذجا جاهزا لخاله. وفي تأمل مآلات هذه الأنماط الثلاثة في النص الروائي يجد القارئ نفسه أمام مآلات عامة مرتبطة بالتشويش والتفاوض، نتيجة لفاعلية الماضي، حتى مع أكثر الأنماط حداثة وانفلاتا. فقد كشفت الرواية عن نهاية (أبو طلال) من خلال فقده للسيطرة والحركة بالعكاز، وانفتاحه على التفاوض مع النمط الحداثي. ومآلات شخصيات النمط المنفتح على الحداثة لم تختلف عن التوجه السابق، أو عن التوجه الجامع بينهما، إلا في اختيار طلال للهجرة، وهذا توجه يمثل ذروة الرفض لكل عمليات التفاوض أو الاستنامة، من خلال قطع تذكرة سفر دون عودة. و(راية) - بعد تجربة أخيها في خلية المجاهدين- وافقت على الزواج من أول رجل، وخلّصت نفسها من سلطة المتخيل في الحب والزواج والنزوع النسوي الخاص، أما وداد وأمل- إذا اعتبرناهما منفصلتين- فقد جاءت نهايتهما واحدة في ارتباطهما بمزيد من الحيرة والتشويش والثبات. وهذا يكشف عن قصور الاتجاهين من جهة أولى، ومن جهة أخرى يكشف عن أن الوصول لمفهوم خاص للاستقلال النسوي لا يمكن أن يكون فرديا، بل يجب أن يكون تطورا كليا من جميع الجهات. مرايا السرد: الشخصية وصورتها بمكن القول أن بنية الرواية بألاعيبها السردية من جزئية الاستهلال إلى الفصل الأخير وثيقة الصلة بالهدف الأساسي من الكتابة السردية وإطاراتها المعرفية، فالهدف قائم في الأساس على المراجعة وإعادة النظر، للوصول رؤية نقدية لمجمل البثور والنتوءات الموجودة بالجسد الفردي أو الجسد الجمعي، ولهذا نجد الرواية من خلال بنيتها السردية تنتهج نهجا كشفيا، فيه من التعرية الكثير، لإحداث نوع من المواجهة الذاتية. تتجلى اللعبة السردية في البداية في حضور المؤلف في جزئية الاستهلال، وكأن القارئ يعاين عالمين مندمجين في إطار اللعبة السردية، فيصبح في مواجهة عالم واقعي لا تتخطّى حدوده مساحة الاستهلال، وعالم تخييلي أرسله المؤلف إلى عنوان بريده الإلكتروني، في إطار جزئية الانقسام الفاعلة في جزئيات عديدة من النص الروائي، ففي نهاية الاستهلال تقول الرواية (أعاد قراءة الرسالة بتمعن: عزيزي هلال...) كان لمثل هذه الآلية أو اللعبة السردية أن تكون عادية، خاصة أنها دائمة الحضور في روايات سابقة، ولكن الذي يجعل القارئ يشعر أن بها نوعا من الجدة هو حضور المؤلف بوصفه شخصية موازية دون اسم في جزئيتين من الفصل الخاص بشخصية (طلال) مستخدما ضمير المتكلم في إطار سردي مباين عن الجزئيات الأخرى التي يستخدم فيها ضمير الغياب، للاقتراب من الشخصية ذاتها. وفي ظل ذلك الفهم ستظل جزئية الاستهلال دالة في إسدال مساحة من التشابه بين طلال والمؤلف من جهة، وبين المؤلف والشخصية الطيف التي تتحمل عبء السرد من خلال ضمير المتكلم. يدرك القارئ بالتدريج أن مساحة التشابه بين طلال والمؤلف لا تقف عند حدود التشابه، بل تأخذ مدى أقرب إلى الوحدة أو التوحّد بينهما، يقول النص الروائي على لسان الشخصية الحاضرة دون اسم (لحظتئذ أدركت أن ثمة ما سينمو بيننا، يمكن تسميتها بالصداقة، إلا أنني أرى أنها أعقد من ذلك، وأكثر شمولية، ثمة حياة كاملة سوف أقرأها بداية، ثم أكتبها، وأشكّل تفاصيلها). ويتأكد هذا الحضور والتماهي بينهما من خلال الحضور الثاني في النص الروائي، أو الحضور الثالث إذا اعتبرنا الاستهلال جزءا من بنية الرواية في النص الروائي بشكل عام، ذلك لأن النص أعطى سلطة السرد للكاتب من خلال ضمير المتكلم، وفيه يقول (كنا قريبين، وكان كل شيء يحدث دون غياب أو تستر). قيمة هذا الحضور بين المؤلف والشخصية أو تماهيه معها، تتمثل في إحداث حالة من الالتباس والتداخل بين الواقعي والخيالي، بوصف ذلك وظيفة أولى لذلك الحضور، فالقارئ- منطقيا لأنه أمام نص متخيل- لن يستطيع أن يحسم أيهما يمثل الواقعي، وأيهما يمثل الخيالي. ولكن القيمة الأساسية لهذا الحضور تتمثل في مراجعة التعبيرية الخاصة بخطاب التكلّم من خلال عرضها بشكل جدلي في مقابل الغياب الموضوعي. فالتعبيرية الخاصة بالفرد تستدعي- نظرا لطبيعة الانحياز الذاتي- تأملا موضوعيا، تقول الرواية على لسان الراوي/ الكاتب/ المتكلّم (ما كنت ألحظ ذلك التغيير، كنت ذائبا في ذات منفصلة، وأظن أن الآخرين حولي، ما كانوا ليلحظوا أي رياح باردة مرت على المكان، لم يكونوا ليروا وجوههم في المرآة فيسألوا إن كانوا يعرفون الأشخاص في المرآة). إن هذا التماهي وثيق الصلة بالمراجعة الذاتية للتوجهات والمواقف، وكأن المؤلف بحضوره يمارس نوعا من المراجعة لصورته وصورة العديد من المثقفين المشابهين من خلال صورة الطيف المتخيل في المرآة/ طلال في انفلاتها من الواقعي والتحامها بالمتخيل، وتبرمها على سلبية المثقف، وذلك في إطار المراقبة والتأمل التي تتحوّل في جزئيات عديدة إلى نوع من التعرية. فهذا التماهي والتوحد والانفصال في الآن ذاته كان مهما لمعاينة سلبية المثقفين والكتّاب في عالمنا العربي، فيما يخص المتغيرات، أو فيما يخص العمل بأمانة دون خوف للإشارة إلى الظلم، وسوء الوضع العام. فالمثقف الكاتب/ الروائي/ الراوي يتجلى نقيض الشخصية الخيالية الطيف (طلال) التي تتناقض في لحظة ما مع كل تاريخها السابق الموسوم بالانعزال، وكأن في الوجهين تتجلى إشكالية المثقف على مرّ العصور. القيمة هنا لا ترتبط بإعادة القراءة والمراجعة لكل من الأصل والصورة في المرآة فقط، وإنما يتحرّك التماهي لاكتساب قيمة جديدة، ترتبط بالمتخيل المتفلّت من الحدود المادية، فيحدث التعاظم على الخوف، أو على السير وفق النمط الجاهز، بالانشداد إلى وظيفة المثقف الذي يقول كلمته دون احترازات مسبقة، تذهب به إلى القهر، وتغييب كلمته وصوته، يقول الراوي متحدثا عن طلال الذي يمثل الذات بعد فعل المراجعة والانفتاح على الخيالي (بعد أشهر كنت جالسا في مقهي الكون أرتشف فنجان قهوة تركية، عندما فتحت تطبيق الفيسبوك، فأشاهد إشعاره الذي يشير إلى سفره، وأسفل منه كتب: أنا الآن حر تعسا لكل التافهين. لحظتئذ تبدت لي معالم الرواية الجديدة التي سأكتبها). وإذا كانت قيمة كلمة المثقف والمحافظة على حريته ودوره هي أساس التماهي بين المؤلف والشخصية الخيالية (طلال)، خاصة إذا كانت هناك إشارات إلى أن المؤلف تعرض لمساءلة نتيجة لنشره رواية سابقة، فإن التماهي الأخير في نص الرواية بين (وداد) و(أمل) يدور حول الحرية، لكنها حرية من نوع خاص، فإطار الحرية هنا إطار فكري خاص بالنسوية، وبما حققته بعد كل هذه المراحل والسنوات السابقة التي مرّت بها. فالرواية من خلا هاتين الشخصيتين تضع حركة النسوية العربية عامة، والعمانية خاصة داخل إطار المساءلة والمراجعة، أو داخل إطار المرآة. أوّل جزئية للكشف عن هذا التداخل بين (وداد) و(أمل) تتمثل في البناء التناوبي في الفصل الأخير من الرواية، حين أعطت الرواية لأمل منصة السرد لكي تتكلم عن نفسها، وقام الراوي بالسرد من خلال ضمير الغياب للجزئيات الخاصة بوداد، بالإضافة إلى فارق شكلي كتابي بين السردين، فقد جاءت الأجزاء الخاصة بوداد سميكة، مما يجعل المتلقي يقف متأملا هذه الظاهرة الكتابية، لأنها تشير إلى شكل مباين للخطاب الآخر الخاص بأمل. ومساحة الترابط التي تتكشّف بالتدريج عن أن واحدة منهما أصل، والأخرى طيف أو صورة مرآة تتمّ بها عملية المراجعة والمراقبة الموضوعية لا تتشكل فقط في الفصل الأخير في تناوبه السردي، ففي الأجزاء الأولى يدرك القارئ مساحات لهذا الترابط الذي ينمو بالتدريج. فالرواية تقول في الجزئيات الأولى في سردها عن أمل (تدرك أن حلمها مشابه إلى حد كبير لحلم وداد. وعندما تنظر إليها تتراءى صورتها هي لا صورة وداد)، وفي جزئية أخرى تقول الرواية عنهما (بدتا متشابهتين، أمل ووداد مغلّفتان بالصمت والغموض). وهناك جزئيات أخرى مرتبطة باللغة والأسلبة اللغوية، مما يكشف عن جدارة التلقي ومشروعيته، فتكرار لفظ المرآة في سرد الرواية عن وداد (إلا أنك يا وداد سقطت في الضعف والعجز، ما أوقعك سوى ذاتك نفسك التي في المرآة)، وفي سرد أمل عن نفسها تقول (هل نظر أحدكم إلى نفسه في المرآة، هل تعرّف إلى نفسه الراغبة فيّ الآن؟). بالإضافة إلى وصف (البئر) الذي تكرر في حكاية كل واحدة منهما للإفصاح عن الوقوع في الحب. ولكن بالرغم من كل ما سبق يأتي ثبات المحبوب (صالح) لدى كلتيهما، وفشل العلاقة في الحالين، كاشفا عن أن ثمة تشابها وتماهيا، فهما في النهاية شخصية واحدة، تنظر إلى نفسها في المرآة، للمساءلة عن التزامها بالسنن ومحددات النمط أو النسق المعرفي النسوي المشدود للحرية وللمساواة، ومخالفة الأنساق في عمليات الحب والزواج. وسرد المتكلم سرد بوح وتعبير، وسرد الغياب سرد مراجعة وتأمل، وفي ظل ذلك يستطيع القارئ أن يؤسس علاقة ما بين نهاية الفصول وبدايتها في الفصل الأخير، بالرغم أن السرد في منطلقه الأساسي ينطوي على مغايرة. آلية تقديم الشخصيات بهذا التداخل والتماس والتناوب بين طلال والمؤلف، أو بين أمل ووداد، يضع المتلقي قي قراءة الرواية أمام دلالات حيوية ولافتة، ترتفع بالتدريج إلى مساحة تأويلية أعلى من فكرة التشخيص وحدوده، سواء في تباينها أو تجاوبها في حد ذاتها. فالقارئ يجد نفسه أمام سياق جمعي يعاني نوعا من الثبات، لا يستطيع أن يحدد توجها نهائيا للحركة، إلا بالإفلات من شرك هذا المجتمع وهذا السياق المحتمي بأكاذيبه ونصاعته الزائفة، فالعقلية- بالرغم من كل أشكال التحديث- منغلقة ومشدودة إلى ماضيها، بالإضافة إلى التراتب القائم على العرقي والقبلي، تقول الرواية على لسان أمل (لا أحد سيختارني دون أن يكون طرح أمام عينيه تاريخا من العبث والشك والضياع). وتتجلى النصاعة الزائفة بين سلوك الشخصيات في اختلافه بين الداخل والخارج على نحو ما يمكن أن نرى في رحلة (عزيزة) ورفيقاتها إلى مصر. فما تقدمه الشخصيات في كل قسيم من القسيمين المتماهين والمتحدين والمختلفين في الآن ذاته، بسبب زحزحة الخيالي عن الواقعي، أقرب إلى الوجه وصورته في المرآة، فصورة كل وجه لا تنفصل عنه، فهناك تشابهات وتباينات مشدودة للمراجعة والمراقبة، ولمساءلة المتحقق والمتأبي عن التحقيق.