عادل ضرغام

الأسلبة الأيديولوجية وتعدد الأصوات المتجاوبة في رواية كل الأبواب مواربة للكاتب سمير فوزي

غلاف كتاب الأسلبة الأيديولوجية وتعدد الأصوات المتجاوبة في رواية كل الأبواب مواربة   للكاتب سمير فوزي
الأسلبة الأيديولوجية وتعدد الأصوات المتجاوبة في رواية كل الأبواب مواربة للكاتب سمير فوزي عادل ضرغام تأتي رواية (كل الأبواب مواربة) لتشكّل عالما ليس بعيدا عن ذاكرتنا، يرتبط بالمناخ المتاخم للثورة المصرية في 2011 وما بعدها، وتقف عند التغييرات أو التحولات التي تصيب البشر بوصفهم أفرادا، وبوصف بعضهم جزئيات أو أدوات داخل تكوينات أيديولوجية أكبر، وبوصف بعضهم أفرادا يمثلون السلطة في وجه من وجوهها. فهناك متغيرات أو تحولات أصابت السلطة، وبعض فصائل الشعب، وهي متغيرات تصبّ في حالة السيولة، وذوبان التماسك، وفي ظل هذه المتغيرات قد تتجلّى بعض الوجوه بسمت مغاير، فينحسر الوجه الطيب المصنوع، ليحل محله الوجه الانتهازي القبيح، ومعه تتحوّل هذه الشرائح- أو ممثلوها- إلى نمط قوي شرس يقمع الآخرين ويخيفهم. تمثل هذه الرواية في وجه من وجوهها ذاكرة ضد المسح والنسيان، في محاولتها القيام بالتعرية للتوجهات الدينية وأصحابها الذين ظلّوا يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى، حتى ظهر الأمر وأبان عن حقيقته. ففي النص الروائي المكتوب ما يساوي ويوازي المخزّن في الذاكرة الممسوحة من الكاميرا من كشف وتعرية. لم تشر الرواية إلى نوعية الصور، ولكن عملية المسح توازي فعل النسيان. المكتوب في نص الرواية يمثل خطاب مواجهة واستبقاء، ينبّه ويذكّر بكل الأفعال والحركات المطموسة في ذاكرة الكاميرا التي تمّ الاستيلاء عليها. يجد القارئ نفسه أمام تقوم رواية بفعل الاستصفاء والاختيار لأحداث محددة، لكي تثبتها داخل المتخيل الجمعي، وتصنع منها ذاكرة ممتدة، تستمر دائمة الصحو داخل الذهن أو الوجدان أو العقل المصري، لكي تنبّه من خطر التكوينات الأيديولوجية الدينية، لأنها بوجودها تشكّل شرخا في هوية راسخة ممتدة، تقوم على الاعتدال والتآلف والاستيعاب، فهذه التكوينات تحمل حسّا بالتعالي، وروحا شوفينية، وكأن ارتباطها بالديني يكفل لها نوعا من اختلاف أو تعال أو تسام على الجميع، فليس هناك عند التدقيق معرفة سوى معرفتهم، ولا إدراك سوى إدراكهم. يجدل النص الروائي تعالقه مع الخارج المحيط، من خلال حدث يجعل الجميع يعيدون معاينة الارتباط بصاحبه، فيعيد كل صوت من الأصوات الساردة مساحة الارتباط بالشخصية الرمز التي قتلت بقسم الشرطة الذي احترق. فقتل (جمعة ياجوري)- الشيخ والدرويش والأفّاك- يبدو موجهّا لحركة السرد، فتكتسب هذه الشخصية لأسباب عديدة دلالات رمزية شديدة التكثيف. السرد يكشف عن البساطة التي تخفي الجهد المبذول في الاختيار والتوجيه والترميز، خاصة في مثل هذه الروايات المملوءة بتقابلات وتباينات أيديولوجية. فكل شخصية- وإن كانت مملوءة بواقع مشدود للحياة- لا تخلو من مسّ أيديولوجي، في الانتماء إلى الشريحة أو الفكرة. تقوم الرواية على فكرة المكان المغلق (البيت- أو الشارع)، يعرف سكّانه بعضهم البعض، وفيها نعاين حياة كاملة بتطلعاتها وآمالها وصراعاتها وخياناتها، ولكن اللافت يتمثل في زحزحة هذا الواقعي- مع إمكانية بقائه في نسقه ونطاقه الواقعي- إلى فضاء أكثر اتساعا ودلالة، فضاء لا ينفصل عن صراعات أقوى، وتحولات ممتدة، وأيديولوجيات تذهب أو تغيب متلاشية، ثم تعود كاشفة عن القوة، وعن الوجود الساكن الذي يطل برأسه حين يشعر بمدد، وحين يشعر بتحوّل في السياق العام. الرواية تقارب التحوّل والوجود الجزئي المنقطع في لحظة ضعف سابقة، ولحظة قوة لم تستمر، انتهت بالقتل على النحو الذي صورته وشكلته الرواية من خلال الأصوات السردية المتعددة. التعدد الصوتي المتجاوب تتشكل الرواية سرديا من خلال أصوات مختلفة تقارب حدث القتل، والتعبير عن وجهات نظر مختلفة تجاه السياق العام والأحداث من جانب، وتجاه مقتل جمعة ياجوري من جانب آخر، تلك الشخصية التي تكتسب مساحات كبرى للرمز. ولكن هذه الأصوات العديدة (حمزة الزبال- نعيمة- إبراهيم المخبر- إسلام- عنتر- نوّار- الشيخ مفتاح- غناوي- عبودة- أم هاني- القسّ عبدالشهيد- هانم- أنتكا- كريمة) تتكامل وتتجاوب فيما بينها لإعطاء صورة كاملة أو شبه كاملة لحكاية (جمعة ياجوري) الذي حرمه النص الروائي من السيطرة على منصة السرد، وكأن في ذلك توجيها نحو التغييب، فما يرتبط به يأتي في ظل الحكاية من أصوات آخرين. ففي هذه الأصوات المتجاوبة- بعيدا عن اكتمال الحكاية- تصحيح لمرويات التضليل أو الكذب في علاقة الشخصيات ببعضها البعض، ودور في فعل التعرية، فيما يخصّ الشخصية الرمز والشخصيات الأخرى. في تعدد الأصوات نوع من كشف النمذجة والتنميط بالنسبة لجمعة ياجوري، فمن خلال الأقوال المحكية عنه في أصوات الآخرين، نلمح محاولته في صناعة تاريخ قديم، لكن هذه المحاولة تظلّ محل شك من الأصوات السردية الحاملة لها، إلى أن يتكشّف زيفها في نهاية النص من خلال صوت أنتكا، فيبدو التباين واضحا من خلال المشاركة في أسر ياجوري إلى عسكري مراسلة، وما يرتبط بذلك من من تشويه وتعرية. فالتعرية هنا ترتبط بكشف الكذب الذي يتوسّل مشروعيته من الإلحاح وصمت الناس، لأن صناعة تاريخ وطني لواحد ينتمي إلى فصيل مسيطر- أو مقبل على السيطرة والحكم- جزء من السردية المؤثرة على تصوير وتخييل الشخصية في دلالتها ورمزها المتّسع. وإذا كان التعدد الصوتي كاشفا عن المناحي الأيديولوجية الفردية لكل صوت، فإنه يكشف في كل صوت من أصواته عن الشرائح الإنسانية المكوّنة للمجتمع المغلّق الذي يصلح أن يكون نواة لكيان أكبر، ولتركيبته الاجتماعية، وتأثيرها على خيارات أفراده. فقد أجمعت كل الأصوات على انتهازية جمعة ياجوري وتحولاته في كثير من اللحظات، وتحولات ردّ فعله بين القوة والضعف، ولكن هناك صوتين أشعرا القارئ من خلال سردهما وملفوظهما بالتعاطف معه. ويمكن أن يكون ذلك مرشدا للفهم والتأويل والاختيار، لأن قدرة خداعه تمتدّ في غالب الأحيان إلى شخصيات وانتماءات طبقية محددة، مثل ابن البوّاب (إسلام)، وزوجته الثانية الريفية (كريمة) التي تنتمي إلى أصول متدنية. مع تعدد الأصوات نجد أننا أمام تنميط خاص للشخصية الرمز، فنراها تمرّ بمراحل محددة: الأولى مرحلة الضعف العام أمام زوجته وبناته، وطرده في ليالي الشتاء عاريا، وفيها- لحاجته- يعمل على إنشاء مساحات اتصال خاصة مع ساكني البيت أو الشارع، كاشفا عن المودة الظاهرة، سواء مع (إسلام) ولد صديقه البواب، أو مع الشيخ (مفتاح) إمام المسجد الراتب، لأنه في حاجة مستمرة إليهما أذا طردته زوجته وبناته. ترتبط الصورة الثانية بالدروشة والتقية، حيث يبدو بوصفه واحدا من المتصوفة، يحترف حضور الموالد مشاركا فيها، وهي صورة تتحد في مخيلة الناس أو قاطني الشارع بالغياب أو النسيان. أما الصورة الأخيرة فهي مرتبطة بالتحوّل إلى القوة في تعامله مع زوجته وبناته، ومع أهل الشارع، والتركيز على الشخصيتين نفسهما (خطيب المسجد- ابن البوّاب)، فيحتل مكان خطيب المسجد، ويحرض على ابن البواب، بالإضافة إلى المشاركة والتحريض على حرق قسم الشرطة. في المرحلة الأخيرة التي سبقت قتله، هناك قوة ما تكشف عن كونه أداة داخل فضاء كبير، لا تدرك من يحركه، فنراه- أي جمعة ياجوري- يقوم بأعمال خارقة للنسق، لا يمكن القيام بها إلا من خلال مساعدة أكبر من قدرته وتكوينه، مثل سرقة كاميرا أنتكا المسجل عليها أحداث الثورة، وإعادتها إليه ممسوحة الذاكرة، فصورة الكاميرا تكشف عن الوجود الفاقع والمتواري في الآن ذاته، بالإضافة إلى تهريب السيدة المسنة (هانم) التي ألقيت من سطح العمارة، لكي تنتهي القضية دون دليل كاشف عن التورط في الجريمة أو الفعل المشين المنسوب إلى شريحته أو فصيله. التعدد الصوتي في النص الروائي لا يتعلق بالآخر/ الرمز المهيمن أو الحدث، لكنه في النص الروائي وفي أحيان ليست قليلة ينفتح على الذات مصوّرا فاعلية للمتكلّم، من خلال تيار الوعي أو فعل الذاكرة، فنجد لدى كل صوت سردي حدثا سرديا، يمارس تأثيره في الحركة والتوجه. مع شخصية نعيمة هناك خيانة الأم، وإدراكها لذلك في سن صغيرة، وظلّ هذا الحدث في مرحلة الطفولة مؤثرا في تسويغ الخيانة في اقترابها من وهج (حمزة الزبال) في مقابل البرودة مع زوجها المخبر (إبراهيم). تعيد نعيمة في لقائها مع حمزة الحركة بين الصمت والتسليم من جانب في مساحة العام، وصناعة عالمها الفريد حيث الاشتعال والوهج، كما كانت أمها تفعل مع الشاب، وكأنها تسير على هدي خطوات سابقة، تقول الرواية على لسانها (قررت أكثر من مرة التوقف، لكن جسد أمي المشتعل، كان يجرّني من شعري إليه). ويمكن أن نلمح في إطار صوت المتكلم نوعا من التعرية للسلطة لحظة الهزيمة، وكأنه اتجاه مواز لتعرية الفصائل الدينية على تنوّعها. فالزبال حمزة يسكن غرفة الحجز بالقسم المحترق وهو مكان من أمكنة السلطة، ويضاجع نعيمة زوجة المخبر الذي يمثل وجها من وجوه السلطة، واستخدام القسم مخزنا للزبالة. يتجلى ذلك واضحا حين يعاين القارئ صوت إبراهيم المخبر، وإشارته من خلال حديثه الخاص، وخيانة أمه مع المدرس جورج، ومن خلال الصفات التي يسدلها عليه الآخرون، مثل العبيط. يؤسس لها النص الروائي على لسانه من البداية، حيث يقول ( منذ طفولتي جسدي أضخم من سنّي، أنمو بالطول والعرض بمعدل يفوق كل أقراني، وإن ظلّ عقلي وقدرته على الاستيعاب أقلّ الجميع، كنت أجلس في سنوات التعليم الأولى كالأبله). خيانة نعيمة زوجة المخبر مع حمزة الزبال، نموذج كاشف عن التغيير الذي يكشف عن خلخلة في الأنساق الثابتة الموروثة، وما يخصّ الطبقات المتدنية للشعب. ففعل الخيانة الذي تكرّر كثيرا ليس فعلا واقعيا، وإنما يمكن تلقيه في حدود مستوى تأويلي، يرتبط بالثورة وخلخلة النسق القامع، فيبدو فعل الخيانة (لنعيمة وأمها وحماتها) فعلا من أفعال الثورة والخروج بعد الكبت المستديم. يكشف عن ذلك أن صوت (غناوي)- زوجة جمعة ياجوري – بالرغم من تأسيسه لفكرة الحضور والغياب للشخصية الرمز، يمثل من جهة أخرى تأسيسا للطهارة التي تتجلى في شخصيتها، في مقابل دنس كل نساء الشارع، وفي مقابل اتهام زوجها لها ولبناتها، وكأن خطابها ينقض خطابه، مما يجعل شخصية غناوي- باختلافها الممتد- تتوشّح أو تتزيّا بزي أو تتلبس برمز يخلخل وجودها المادي، ويجعلها أقرب إلى الفكرة، منها إلى شخصية من لحم ودم. التعدد الصوتي في السرد الروائي له علاقة في الغالب بالتباين والتناقض، لكن في بعض النصوص يأتي كاشفا من الناحية الدلالية عن التجاوب. لإن إجماع وجهات نظر كثير من الشخصيات بالرغم من اختلاف التكوينات الثقافية والوظيفية لكل واحد منها، كاشف عن موثوقية ومشروعية وصواب الرؤية، خاصة حين يتعلّق الأمر بالشخصية الرمز التي تقوم الحكاية حول وجودها وسيطرتها وضعفها في لحظات سابقة وقتلها في النهاية، واختلاف الناس حولها في كل ذلك. وفي التعدد الصوتي المتجاوب لإكمال الحكاية كشف للأكاذيب التي تمررها الشخصية لصناعة نوع من المشروعية والتبرير لفعل الخيانة، وكأنه فعل يوازي فعلا، كما قالت نعيمة عن زوجها إبراهيم (ليس صحيحا ما حكيته لحمزة، وأقنعته أن إبراهيم فلاتي، يطارد الحريم، ويساومهن على مرافقته، وتزوجني، لأني تمنعت عليه، ولم يجد طريقا لينالني سوى الزواج). ويتجلّى التوجّه ذاته مع السيدة المسنة (هانم) في توجيه نظر جمعة نحو ابن البواب إسلام، بضلوعه في إيذاء ابنته الخرساء شهد، والاعتداء عليها، فيأتي صوتها السردي كاشفا عن تلك المغالطة والتحوير. إن كشف الانحرافات التي تمرّر في الأحاديث المتبادلة دون دليل جزء من القيمة السردية للتعدد الصوتي، مثل قول (هانم) التي تجاوزت السبعين (أوهمت جمعة أن إسلام قد يكون السبب، مناورة مني لإقناعه بإخراجي من المستشفى). وقد يتجاوب مع تلك الوظيفة للتعدد التجاوب في إكمال الجزء الناقص من الحكاية أو تصويبه، فمن خلال صوت الأم- أم زوجته الثانية- يتجلى جمعة كأنه من غرر بابنتها، وأوقعها في شباكه، لكن النص السردي مع صوت الفتاة نفسها- كريمة- يكشف عن نقيض ذلك، فهي من قامت بإغوائه، ونصب شباكها حوله، في قولها (تركت أهلي على عماهم يصدقون أنه ضحك على طفلة صغيرة مثلي، وأغراها بالمال والذهب لينالها بالزواج. عشت دور بنت طمّاعة، زهقت من حياة الفقر، وضحّت بشبابها، وارتبطت برجل في عمر أبيها، لأجل خاطر أهلها). اللافت للنظر أن كل الشخصيات التي امتلكت ناصية السرد بصوتها، وعبّرت عن رؤيتها للسياق العام، وللشخصية الرمز، ووصل الاتهام بالقيام بالقتل إلى بعضها، نفت بإصرار أن تكون لها علاقة بقتله، بالرغم من إشارة بعضهم إلى رغيتهم وأمنيتهم في القيام بهذا الفعل، وإشارة بعضهم بالمشاركة في قتله بالصمت على تغوّله وتغوّل شريحته وفصيله الأيديولوجي، لكن معظم وجهات النظر تشير إلى تبرئة الذات، أو إلى تبرئة شخصيات أخرى، تقول الرواية على لسان نعيمة (أحلف يأيمانات المسلمين أن حمزة لم يقتل الشيخ)، وتقول في جزئية أخرى مبرئة نفسها (لا يعقل أن أقتله من أجل رؤية). وفي أجزاء كثيرة تمارس آلية الأصوات فعل الكشف التدريجي لبعض الجزئيات السردية في الحكاية، مثل جزئية ابن الشيخ، فقد قدمت متدرجة من خلال أصوات عديدة، بداية من الصوت الأول حمزة الزبال باكتشافه شهادة ميلاد للطفل مع الجثة، ومرورا بإشارات في المنتصف، مع (إسلام)، أو مع خطيب المسجد (مفتاح)، وفي النهاية مع الحماة والزوجة، وفي هذا التدرج محافظة على الإغواء والإغراء بالقراءة. الأسلبة الأيديولوجية والتوجيه السردي حرفية الكتابة في صناعة الصوت السردي لا تقف عند الشكل الخارجي من التعدد الذي يكشف عن التجاوب، وإنما يتعدّى ذلك إلى نوع من الأسلبة اللغوية التي تكشف طبيعة كل صوت، فالاختلاف لا يقف عند اختلاف الشخصية، بل في اللغة التي ينطقها كل صوت، فتصبح هذه اللغة كاشفة عنه، وعن تكوينه الفكري والأيديولوجي. وليس بالضرورة أن يكون صاحب الصوت أو وجوده الفعلي ضمن الأصوات بملفوظه السردي أو بنيته اللغوية المباشرة في النص، ولكن يمكن أن يكون حضوره قائما على الحكاية داخل أصوات الآخرين على تعددها. الحكاية أو نقل الملفوظ السردي عن شخصية غير موجودة، ونقل ألفاظها وأسلوبها ولغتها نقل لخصائص هذه اللغة، وإشباع للدلالات الأيديولوجية المتعلّقة بها، فحين يحكي حمزة الزبال عن جمعة ياجوري (بأنه أغرى المتجمهرين الغاضبين الثائرين الساخطين- بمن فيهم أنا- بالاستيلاء على ما تطوله أيديهم شارحا للمقتحمين أن ما بالقسم غنائم حرب مع الدولة الكافرة يجوز اقتسامها)، ندرك أن اللغة وملفوظها- بالرغم أنه منقول على الحكاية- تطلّ دامغة في كشفها عن أيديولوجيا، فإذا كانت اللغة أداة اتصال وتوصيل، فإنها في الوقت ذاته بانية الرؤى في معترك الحجاج والتنافس، فهناك في الاقتباس السابق ألفاظ حادة كاشفة عن أيديولوجيا. وحضور ناقل الحكاية للموقف الاتصالي، يعطي لفعل الحكاية نوعا من المشروعية. الحكاية التي تنتقل بالحضور تحتفظ بجزئيات من الملفوظ اللغوي، وتكشف عن التوجه العام في إسدال مساحة من الانتساب والاختيار من الله، مما يضفي على فصيله نوعا من القداسة يسدلونها على أقطابهم، ينقل حمزة الزبال قوله- جمعة ياجوري- أثناء مشاركته في حرب أكتوبر(حالفا بالله أنه رأى بأم عينيه ملائكة بيضاء تحارب إلى جوارهم). وفي ذلك خطاب مملوء بألفاظ وأساليب خاصة، تتوازى مع خطاب شائع لحظتها، وربما عملوا على إيجاده وتكوينه في كل اللحظات. في الرواية- في ظل تباين وجهات النظر- هناك نوع من الأسلبة المتقابلة، وهي أسلبة مرتبطة بتيارين أيديولوجيين، ربما ينشأ بينهما في بعض اللحظات الحادة الكاشفة عن التقاطب نوع من التباين والتضاد، ففي صوت القسّ عبدالشهيد تظهر هذه الأسلبة كاشفة عن خطر وجود التكوينات الأيديولوجية المبني على أساس ديني في قوله عن جمعة ياجوري (يشيع أن الدولة تحابينا، تخاف منا، تطبطب علينا، تسترضينا، عكس حقيقة واضحة كالشمس، يراها الأقباطـ، تكدّرهم، وتشعرهم أنهم مواطنون من الدرجة الثانية). يظهر هذا التقابل اللغوي والأسلوبي بشكل أكثر حدة في الحوار المحكي الذي ينقله (عنتر) البائع السرّيح الشقي الذي حاول إنقاذ ابنة ياجوري شهد الخرساء من الحريق الذي يطل في النص الروائي بوصفه عقابا لمحاولته حرق الكنيسة. يتجلّى ذلك في قول عنتر على سبيل الحكاية (طبعا تتمنى تبقى من الزمرة التي اصطفاها ربنا لتخليص بلاد الإسلام من الكفرة المشركين)، أو في قوله (عارف طبعا إن فرح سمعان بن عريان الجزمجي يوم الحد، والإكليل في الكنيسة). وتبلغ قيمة الأسلبة في جزئية هدم البيت الذي لا يزال قويا. فهذا الهدم، ليس إلا تأسيسا لمتخيل أكبر يتجاوز وجوده المادي، ليصبح انفتاحا على الخارج الأيديولوجي، خاصة مع طرد جميع السكّان، وفيهم زوجته وبناته والقسّ وأسرته، ففي هذا عقد اتصال مع كيان أكبر خارج حدود البيت أو الشارع، تنقل غناوي زوجته قوله عن مشروعية هدم البيت (فيه النصراني والخمورجي، وأنت وبناتك، ولازم ينضف). وفي حديث القسّ عبدالشهيد عن مشكلة هدم البيت كشف عن مساحة التحوّل في الشخصية الرمز من الضعف إلى القوة، فقد أدرك أن الأمر محسوم، وأنه أمام تشكيل آخر للبطل الرمز، من خلال تحولاته العديدة من الاستكانة والضعف، إلى الانتهازية المشفوعة بقوة لحظية، بوصول- أو قرب وصول- أشباهه إلى الحكم. القارئ للنص الروائي يدرك أن هناك- بعيدا عن الأسلبة اللغوية الحاضرة في الخطابات المحكية للأصوات الساردة- نوعا من التوجيهات السردية، توجيهات تتعلق بعدد الساردين، وآليات التشكيل لهذه الشخصيات، وتوجيهات تتعلق بالحدث وكيفية تمدده، وكلّها وثيقة الصلة بالمنحى الفكري أو الرمزي، خاصة الرمز المهيمن أو المسيطر، شخصية ياجوري المقتول الموضوع بغرفة الحجز بقسم الشرطة المحروق. أولى هذه التوجيهات يتمثل في عدد الساردين الذي وصل إلى أربعة عشر ساردا، هو عدد شهور حكم الإخوان من يونيو 2013 إلى يوليو 2014. وكأن الرواية تسجيل للوجود والنشأة والتلاشي. يتمثل التوجيه الثاني في اختيار الفئة التي يقع عليها أو يطالها الاتهام، وهم جميعا من الأصوات السردية في النص الروائي، ويظهرون في النص على الترتيب (حمزة الزبال، ونعيمة، وإسلام، وعنتر، وأنتكا). والتأمل في تكوين هذه الشخصيات يكشف عن مساحة خاصة من الانتماء وسياق طبقة اجتماعية محددة، فجميعها ينتمي إلى طبقة البروليتاريا، أو الطبقة المتدنية. فليس هناك وجود لشخصية مثقف واحد في الرواية، وربما يكون هذا متعمدا، ولا يخلو من قصدية، في تشابكه مع دلالة الرمز الرئيس، لإسدال حالة من الرفض الشعبي ضد قيادة هذا النمط الديني الذي يزحزح الهوية من تجليها المتوارث المعهود والمستقر، وللإشارة إلى حالة إجماع ترتبط بالشعب. أما توجيه الشخصيات الأخرى، فيتمثل في الابن الأخير (محمد)- وهي تسمية لا تخلو من دلالة الإيحاء بالفكرة ذاتها- فقد ظل أملا يراوده طوال حياته، بعد أن وصلت غناوي إلى سن اليأس ولم تنجب له سوى البنات. فمرض هذا الطفل بالتوحّد- وهو لا يخلو أيضا من توجيه سردي- وثيق الصلة بالنتيجة والوصول للحكم، فكلاهما- في منطق النص الروائي من خلال المشابهة- واحد. التوجيه هنا إشارة إلى موت الحالة والوصول إلى أفق مسدود، فليس هناك مساحة للتمدد أو الاستمرار، بل هناك مساحة لانقطاع النسل، والوقوف عند أفق ما. ثمة توجيه آخر، يتمثل في فعل تغييب القاتل، فالرواية بالرغم من تعدد الأصوات، وتعدد المشتبه بهم من الشخصيات، ومحاولاتهم دفع التهمة وإبعادها عن أنفسهم وإنكارها، لم تفض في النهاية إلى حلّ، أو إلى وصول واهتداء للقاتل أو للقاتلين أو المنفذين. والتغييب هنا لا يخلو من توجيه مقصود، لأنه يشير إلى انفتاح وتعدد خيارات من يقوم بهذا الفعل، فالتخلص من الشخصية الرامزة في ظل ذلك التأويل يصل إلى كونه مطلبا عاما، فالبحث في النص الروائي ليس معنيا بتحديد القاتل، بقدر اعتنائه بالكشف والتعرية لأسباب القتل، حيث يتجلّى طمس حاد لجزئيات حيوية من الهوية من خلال تمثيلات الآخرين الكثيرة، وهي جزئيات ترتبط بالتعايش والاستيعاب، وقبول الآخر المباين، تحت مسمّى أكبر من حدود الدين. يؤيد ذلك التوجه في فهم العمل، قول (نوّار) الشخصية الوحيدة التي ربما تملك نوعا من المعرفة أو الثقافة الجزئية (أدرك تماما أن لا أحد يخطر على باله اتهامي بقتل جمعة (...) أشعر بمسئوليتي عن قتله. كلنا شركاء في قتل جمعة، وفي كل ما يجري على أرض مصر، كل بقدر طاقته). ففي رأيه أن الصمت عن أفعال التغوّل قد أدّى إلى تعاظم المنتمين إلى هذا الفصيل، وفي سياق ذلك يتوحّد القتل بالتخلص أو بالتحرير، يكشف عن ذلك قول أنتكا في رده وشجاره مع جمعة قبل موته (خلصنا من حاكم ظالم، عشان يتحكّم فينا ضلالي). من التوجيه السردي أن يشكّل الروائي من خلال هذه الأصوات السردية رؤية عامة متجاوبة تجاه الشخصية الأساسية/ الرمز، وهي رؤية تتشكّل من معاينة محطاته وتحولاته. وتوزيع الجزئيات المكوّنة للرؤية على أكثر من صوت سردي يدفع بها إلى نوع من الإجماع من جانب، وإلى نوع من الموضوعية من جانب آخر، فالاختلاف في الانتماء والأيديولوجيا قد يولّد الشك، أو يكون سبيلا للانحياز، ولكن هذا الإجماع يلقي بظلاله على الرفض العام، وهو منطلق أساسي من منطلقات الرواية، وقد تأسس وجوده الفني من خلال هذه التوجيهات السردية واستراتيجياتها البنائية. إن جزئية الجهل المتعلقة بهذه الشخصية نجد لها حضورا في صوت الشخصية التي تمثل الوجه المقابل لرجل الدين أو الشيخ البسيط المقبول، في قوله (ياجوري مزقوق من آخرين للسيطرة على المسجد، ألم يستول الشيخ حافظ سلامة على مسجد النور بالعباسية) وهذه الرؤية يصاحبها ظهور أشكال غريبة في الشارع أو في المسجد، مثل الشيخ (سامي) الذي كان شقيّا، له رغبة دائما في الإيقاع بشريحة النساء المتزوجات. ودائما ما تكون هذه الرؤية الصادرة عن الصوت الديني المعتدل مزدانة بالتاريخ القديم للشخصية التي تغيّرت وتبدّلت، فيعود الصوت بالذاكرة إلى لحظات قديمة تكشف عن الضعف أو المهانة بشكل عام، ولكنه- بالرغم من هذا الضعف وتلك المهانة- لا يتخلّى عن مخططه الذي يكشف عن تكوينه الأيديولوجي، بمحاولة إشعال الفتنة بين المسلمين والمسيحيين. تتجلى الشخصية الرئيسة في تنميط جاهز، له أسس حاضرة في الذهنية المراقبة، فزوجته الأولى (غناوي) تكشف في صوتها السردي عن المحطات الأولى لهذا التوجيه المرتبط بالطبقة والمكانة الاجتماعية، حين تشير إلى كونه ابن مزيّن- حلاق- القرية، ومن ثم يصبح كل ما يقوم به استجابة لأسس النمط التي يأخذ في كل مرحلة صورا جاهزة، من البداية حتى مرحلة القيادة، سائرا في حدود النمط في تفرعاته المغايرة لكل مرحلة.