ماكيت القاهرة
مقالي غدا الأحد بالقدس العربي 29 مايو 2022
محاكاة الواقع أم الخطاب: التأويل الفانتازي للمدينة
في رواية ماكيت القاهرة لطارق إمام
عادل ضرغام
لا تقدم رواية (ماكيت القاهرة) للروائي طارق إمام بناء سرديا عاديا، يحتوي على حكاية في إطار زمني محدد، فالحكاية مبتورة الأطراف، تعرضت للمحو أكثر من تعرضها للوضوح والكشف، ليس لها بداية أو نهاية، فهي تقدم قطاعا طوليا للمدينة في لحظات زمنية محددة، ولكن هذا القطاع الطولي مشدود لبناء دائري لا يخلو من التشابه والتكرار، فالزمن في الرواية يجمع الآني والماضي والحاضر، ليشير إلى إمكانية تجسيد هذه الأزمنة في آن واحد، وأن هناك إمكانية لتأملها من جانب كل قسيم، فشخوص كل مرحلة لديهم قدرة على النظر ومعاينة مرحلة سابقة، أو آنية في طور التشكل، أو مرحلة قادمة في المستقبل.
تعدّ الرواية امتدادا لمحاولات الإجابة عن الأسئلة الوجودية التي تطلّ برأسها كل فترة زمنية، مع كل حدث يهشم المنطق، ويفرض وجودا مغايرا، ويشيد إمكانية للتغيير، ويجعل الفانتازي والخيالي صاحب الحضور اللافت في تبريره، بل ويصبح هذا الخيالي أو الفانتازي تأويلا ذا مشروعية. فالقارئ لن يستطيع أن يمنع ذهنه أثناء تلقيه لشخصية المسز بقدرتها العجيبة وهيمنتها ومعرفتها للتفكير الذي يدور في ذهن الشخصيات أثناء الحديث والمواجهة، من الارتداد إلى شخصيات كان لها القدرة ذاتها في روايتي نجيب محفوظ (الحرافيش) و(أولاد حارتنا)، للإشارة إلى أن المعرفة أو صورة المعرفة نفسها تتغير من زمن إلى زمن، فالمسز في النص الروائي وثيقة الصلة بزمن طارق إمام بداية من الثورة المصرية في 2011، ومرورا بالماضي القريب في 2020، وانتهاء بالمستقبل 2045م. ففي رواية يتقلص فيها الحدث الروائي، يجد القارئ نفسه أمام بناء معرفي مهموم بهدم الجدار القائم بين الثنائيات مثل الواقع والخيال، أو الحقيقي والزائف، أو الشكل والمضمون، أو الماضي والحاضر.
تقدم الرواية رؤية مملوءة بالتفتت واللايقين الموجودين لدى الكثيرين نتيجة للأحداث الكبرى التي عاينوها ومروا بها، وراقبوا الآمال وهي تتحول إلى سراب، هي شبيهة بالإصبع في يد أوريجا الذي يقتل والده قتلا مجازيا، وظلّ قزما لا ينمو، بالإضافة إلى طبيعة عمله المرتبطة بالمصغرات أو المجسمات المقزمة. فالرواية مهمومة من طرف خفي بمآلات الثورة، وتراقبها من خلال نمط فني، فالثورة في تصورها المثالي مشدودة لكل مثال، ولكن تهشم المثال أو فقده لبعض منطلقاته الأساسية من خلال حدة الصراع يعيد أو يولّد تلك الأسئلة الخاصة بالوجود، وطبيعة هذا الوجود، ويولّد أسئلة الهوية أو السلطة المتحكمة في الحركة وفي تشكيل الأقدار الخاصة بالشخصيات، وذلك في ظل غياب سياق يؤمن بالغيبي والقدرة العليا على نحو ما يمكن أن نجد في روايتي محفوظ، سياق له القدرة على هدهدة غربة هذه الشخصيات، ويكفل لها نوعا من الاتزان. ولهذا نجد هذه الشخصيات منزوية إلى الهامش صانعة ومشكلة حياتها الخاصة خيالا متعاظمة على الواقع، من خلال أفعال تبدو للوهلة الأولى خارجة عن المنطقي والمقبول، ولكنها عند التأمل الدقيق تصبح آلية من آليات الاستشفاء والقدرة على الاستمرار.
لا أعتقد أن القارئ يمكن أن يتلقى الرواية دون أن يربطها بشكل أو بآخر بأحداث الثورة المصرية، فالثورة وما آلت إليه من نتائج لها أكبر الأثر في المساءلة، وإعادة المساءلة ليس فقط للسياسي، وإنما لفعل الوجود نفسه، وما يتولد حوله من أسئلة. فهذا العالم الفانتازي لا يبتعد عن الواقع المصري بمتغيراته السياسية والاجتماعية، ولا يمكن أن يمنع المتلقي نفسه من التورط في حدود هذا الارتباط، خاصة في وجود تحديدات زمنية، بالإضافة إلى الإشارات الخافتة التي يمكن ان تكون مثيرة لذلك الربط ومؤسسة حضوره، مثل (الموطنون الشرفاء)، أو شخصية بلياردو الذي فقد إحدى عينيه، لأنه رفعها -مرة واحدة- ليرى ويعرف ويدرك، تقول الرواية (فكّر بلياردو لأول مرة أن هذه العين الغائبة هي ما كان يمنحه الدليل على وجوده، وإنه بفقدانها فقد هويته في أوراق الدولة، إنه بمعنى ما ممنوع من السفر خارج البلاد، ومن الحصول على إثبات هوية، كأنه مجرم، من حيث يفترض أنه ضحية).
الكتابة: محاكاة الواقع أم الخطاب
في كثير من روايات طارق إمام لا نجده يعتمد على الحكي فقط، ولكنه في كتابته مهموم بنسج كتابة روائية تحتفي بالمعرفي النظري والسردي الحكائي، والمعرفي النظري له تأثير كبير في النظرية النقدية، وله تأثير أقل ظهورا في الكتابة الإبداعية، يقلل من ظهور قصديته الحرفة الفنية، وعدم التوجه إليه بشكل مباشر، وأكثر النظريات بروزا وحضورا في (ماكيت القاهرة) هي نظريات ما بعد الحداثة، خاصة في الجزئيات التي يتناول الحقيقي والزائف، الأصلي والتقليد، الواقعي والخيالي، الماضي والحاضر، والإشارة إلى نظريات سابقة تكفل لكل قسيم من هذه الثنائيات حدودا صلبة مائزة.
قارئ الرواية سوف يجابه بهذا الحضور الطاغي النظري في بنية النص السردي، فهناك ثمة معرفة من خلال فقرات يعيد النظر فيها لفكرة الثنائيات، فالجملة التي تقولها المسز للمقبولين أو الفائزين بمنحة جاليري شغل كايرو تصبح منطلقا لوجود هذه الثنائيات مثل (الحقيقي والزائف)، وإسدال مساحة من الالتباس والتماهي بينهما. في هذا الإطار يتجلى جانب من الجوانب المهمة في الرواية، وربما كان الأساس الذي اعتمدت عليه الرواية في مقاربة وإعادة النظر في معظم الثنائيات التي تكونت في إطار ثنائية أكبر.
من الجوانب المهمة في هذه الرواية إعادة المساءلة لفكرة الثنائيات من خلال تطبيق عملي لثنائية الفن والواقع، وهل يحاكي الفن الواقع أم يحاكي خطابا أو نصا أو وعيا بواقع؟ وما حدود هذا الواقع؟ والواقع هنا لا يخلو من الالتباس، ففي حدود الثنائية السابقة نجد الواقع أقرب إلى الحوادث، والخطاب أو النص يشير إلى حضور فاعلية الفرد وإنتاجه، وقد نقل طارق إمام هذه الفكرة من الفن إلى المدن، فهوية أية مدينة -حسب كتاب منسي عجرم الشخصية الفانتازية- لا تنفصل عن إسهام ساكنيها، أي هوية الذوات والأفراد.
فالواقع –نظريا- لا يمكن الإمساك به، لأننا لا نتلقى الواقع في شكل حوادث، أو لا يمكن تلقيه في شكل حوادث حتى لو كنا حاضرين حدوثها وتنميطها وتجليها، ولكن يمكن تلقيه -كما يقول منظرو مابعد الحداثة- في شكل خطاب أو خطابات أو نصوص تقدم تمثيلات لهذا الواقع، ومن هذا المنطلق فالمحاكاة ليست مرتبطة أو مشدودة لواقع، وإنما مرتبطة بنصوص، وهذا التوجه في تلقي المحاكاة يفتح الباب لدخول الذاتي والأيديولوجي في كل خطاب، ويمكن في ذلك الإطار تبرير الإلماح على حضور فاعلية الذات مع كل المتقدمين للفوز بالمنحة، خاصة في حديث بلياردو ونود.
يتساوق مع هذا الفهم الإشارات الكثيرة في نص الرواية عن فاعلية اللغة، وكونها لا تعبر أو تنقل عالما أو واقعا، وإنما تخلقه وتشكله، فلا يبقى العالم أو الواقع ذا تجل ثابت وحيد، ولكن يتشكل لدينا أكثر من واقع، وأكثر من عالم طبقا للأداة ولوجهة النظر، وللنصوص الإبداعية. وهذا يبرّر طبيعة التكرار للتعبير عن الحدث من خلال وجهات نظر مختلفة للشخصيات، فالواقع هنا -إن أمكن تخيل شيء نطلق عليه كلمة واقع- ثابت، ولكن الخطابات التي تقدم هذا الواقع من خلال السرديات الخاصة بالشخصيات (بلياردو) و(أوريجا) و(نود) عديدة، فالماكيتات أو المصغرات الجرافيتات أو الأفلام التسجيلية تصبح ذات مشروعية وجودية للقاهرة الحقيقية.
همّ الرواية من خلال الاشتغال على هذه الفكرة النظرية يتجلى في هدم الحوائط الفاصلة بين الفن والواقع، وفي هدم ذلك الجدار الفاصل بين ثنائيات تعيسة ما زالت تؤثر في مقاربتنا للحياة، إن نظرة فاحصة لإشارات دالة تكشف عن مشروعية هذا التوجه وهذا الفهم، فالعين الحقيقية التي وجدها بلياردو وألصقها على وجهه في رسم الجرافيتي بجدار بيته، والمصغرات التي تخرجها المسز من الخزانة، سواء للطائرات أو السيارات، ولديها القدرة على الطيران والحركة الواقعية، ورجل المرآة الخاص بشخصية نود الذي لا يتجلى حضوره إلا حين تنظر في مرآتها، وقدرته على الإنجاب المجازي منها كلها أشياء لها قدرة على إسدال التماهي بين الواقعي وغير الواقعي، وفي تغيير دفة المحاكاة من الارتباط بواقع إلى الارتباط بنصوص، ومن الارتباط بعالم حقيقي إلى الارتباط بعوالمنا التي نمارس خلقها باستمرار.
فزلزلة الجدار الحاد والقائم بين الواقعي والخطابي النصي المشدود للخيالي يؤسس حضوره في جزئيات عديدة في نص الرواية، مثل التماهي الذي يمكن أن نراه بين الحياة والمسرح من خلال هذا التشابه الطولي بينهما، ففي الجزء الثاني من الرواية هناك إيهام بأننا أصبحنا داخل مسرح، وكل شخصية تؤدي دورا محددا، فهناك تشابه بينهما، ففي المسرح هناك الشخصيات والممثلون والملقّن والمخرج، وكل الأشياء محددة تسير وفق نظام، وفي الحياة هناك ما يقابل الجزئيات السابقة هناك بشر يسيرون في نطاق التلقائية والارتجال اليومي المعيش. في بعض الأحيان يختفي الملقّن أو يقلّ دوره في المسرح، فتمارس الشخصية حريتها بتلقائية وارتجال، وفي تلك اللحظة يذوب الجدار الفاصل بين الحياة والمسرح، ومع هذا الذوبان تتولد المساواة ويتأسس التطابق بين الحقيقي والزائف، والواقعي والخيالي.
قارئ الرواية سوف تستوقفه حتما القدرات الخاصة للمسز، وهي قدرات ربما يتخيل البعض أنها خارجة للنسق، ولكن في مدى التشابه السابق بين الحياة والمسرح، يتجلى أنها لا تملك قدرات المخرج أو الإله في حدود المشابهة السابقة، ولكن تقف قدرتها عند حدود الوسيط، فهناك إشارات دامغة على تلبسها بهذا الدور، ففي حوارها مع الشخصيات دائما ما يكون لديها معرفة وإدراك بما يدور في ذهن الشخصيات، ودائما ما تتلفظ بكلمة تعيد هذه الشخصيات إلى العالم الواقعي والمسرحي في آن، ويتساوق مع هذا الفهم هامشها المقروء على كتاب منسي عجرم، فهي هنا لا تخلو من مسحة من القداسة والمقدرة، ولكنها ليست قداسة الخلق، وإنما قداسة المؤول والمفسر لكتاب الوجود. فهذا الإيهام بين الواقعي والمسرحي يشكل مساحة للالتباس والتداخل بين الشخصيات الواقعية والمسرحية، وهناك في ظل ذلك تأسيس لهدم الجدار الفاصل بين الحقيقي والزائف والواقعي والخيالي، ومن ثم يصبحان على بساط واحد من المشروعية.
الإشارات الكاشفة عن هذا الفهم الخاص بإزالة الحدود بين الواقعي والفني أو النصي كثيرة في نص الرواية، مثل قولها في نص الرواية عن المصغرات (سيتحوّل الصغير إلى كبير)، أو قولها في مقابلة لواحدة من الشخصيات مع المسز (لم يستطع أن يفرّق بين بناء حقيقي وآخر زائف، فكلاهما قد غادر جوهره ليقبعا متجاورين في مخيلته).
توزّع الشخصيات في الرواية بين العالمين شبيه إلى حد بعيد بتوزع البشر في الحياة، وانقسامهما في الحركة والتوجه إليهما، فكل عالم له مشروعية دافقة، فالواقعي معيش بالفعل، والخيالي يتشكل خيالا، ويطل مرسوما في أفق ما، تقول الرواية (بين المدينتين عاش أوريجا عالقا كوقفته على السقالة، دون أن يستطيع التطلع في عين الشمس أو النظر صوب الأرض، لأن النتيجة الوحيدة في كلتا الحالتين كانت السقوط).
تتأسس هذه الإشكالية -المحاكاة وطبيعة ارتباطها بالواقعي أم الخطابي النصي- في جوانب عديدة في النص الروائي، خاصة إذا تأملنا كتاب منسي عجرم الذي قد يمثل بحضوره وجودا مطبقا على العالم الروائي وجزئياته وشخصياته، ولكن حين نحركه ليمثل الواقع هل سيظلّ موجودا حقيقة أم سوف يتبدل ويعطي الفاعلية لنص الهامش الذي كتبته المسز، وهو نص هامشي لا يمثل في التحديد الأخير إلا تأويلا؟ دوران هذا التأويل يفتح الباب إلى محاكاة الذاتي والشخصي والخطابي بعيدا عن الواقعي الذي يدركه الجميع، ولكنهم لم ينجحوا في تأسيس صورة شبه كاملة أو نهائية له.
يمكن أن نجد ذلك واضحا في الفارق بين القاهرة الواقعية والقاهرة في نص أو خطاب المجسمات، فمن خلال المقارنة تتولد -بالرغم من التشابه الشكلي في كل شيء- مساحة من الريب، وأسئلة تتعلق بالحقيقي والزائف، بين البيوت والشوارع والبشر والمجسمات والمصغرات المجسمة داخل الماكيت، تقول الرواية في وصفها لأوريجا (اكتشف أوريجا بينما يمزّق الشهادات الهشة جميعها التي لا يملك حائطا يرصها عليه، أن مسرحه الوحيد هو المدينة، لا ليزينها، لا ليضيف الرتوش اللازمة لوجهها المستعار، لكن ليعرّي ذلك الوجه).
فالفنون الخاصة بالمجسمات أو الكوميكس التي ظهرت في الجزء الأخير من الرواية في شخصية مانجا -حيث تمتلك ذاكرتين: ذاكرة الخيال وذاكرة الواقع، وجاءت بوصفها جزءا كاشفا يعطي مفتاحا للتأويل لنص به الكثير من الإبهام- هي في الأساس نصوص سلب وتشويه وانتقاص، لأنها تؤثر على الواقع، وتسلب من سطوته وحضوره، وتؤسس لهيمنة الذات أو الفرد، مما يجعلها أداة من أدوات التعرية، لأنها توجه نحو رؤية داخلية تكشف عن النقصان داخل هذ الكمال، وتكشف زيف هذا الحقيقي أو الذي يظنه الجميع حقيقيا.
لكنها -أي المجسمات والمصغرات -لا تشكل لنفسها وجودا لافتا يمكن أن ينجو من النقصان، فهناك إشارات دالة إلى أن هذا الخيالي المستند إلى ارتباك اللغة واعتباطيتها في تحديد الأشياء يمكن أن يؤدي إلى نتائج شبيهة بالواقعي وضغوطه اللافحة، لأنه سوف يؤدي إلى الدمار الذي وجدناه في نهاية الرواية، فتجسد الخيالي وتحوله إلى واقع يؤدي إلى الدمار، فعلى نحو ما يمكن أن نرى في رواية بندول فوكو لأمبرتو إيكو والنهاية التعيسة لأبطاله بين قتيل ومطارد ينتظر نهايته نظرا لاعتمادهم على تأويل أو خطاب زائف، نجد رواية ماكيت القاهرة تقول (لقد تجسد رجل المسز، بينما لا تزال نود تنتظر تجسد رجلها (رجل المرآة)، ولا تعرف ما الذي يمكن أن يحدث بعدها، وإن كانت واثقة باليقين المجاني لعرّافة أن في تلك اللحظة المرجأة يكمن دمارها).
الزمن الدائري: التأويل الفانتازي
ربما يكون من الملامح المهمة في رواية (ماكيت القاهرة) لطارق إمام ارتباطها بفكرة التغيير والتطور من مرحلة زمنية إلى أخرى، ذلك التطور الذي يلحق بحياة الناس والمدن بأماكنها وشوارعها، فالرواية معنية برصد المكان والبشر كل فترة زمنية، وذلك من خلال لحظة آنية تجمع الماضي، وتستشرف المستقبل، وذلك من خلال الفن وقدرته على تشكيل هوية تجمع البشر والمكان والتاريخ، هذه الهوية المستندة بتاريخها الممتد التي قد تتماس مع الواقع وتنطلق منه، أو تفتح لنفسها بابا لفعل التشويه والانتقاص من حدوده النمطية المؤسسة المكتفية بذاتها.
فالقارئ للرواية أمام شخصيات محددة هي على الترتيب أوريجا الابن، ونود الأم، وبلياردو الأب المجازي، بالإضافة إلى مانجا في الفصل الرابع والأخير الذي أثبت بعد كتابة كلمة (تمت) في نهاية الجزء الثالث، وذلك لفك وتقليل الإبهام. فهذا الثالوث الأول يمثل أساس النص الروائي، وكل شخصية من هذه الشخصيات مرتبط بلحظة زمنية مختلفة عن الأخرى، فالخيال يمارس سطوته في خلخلة الزمن، فالرواية تبدأ من المستقبل سنة 2045م من خلال إعلان عن منحة أو مشروع لصناعة ماكيت للقاهرة قبل 25 وعشرين عاما، ليعيدنا إلى الإطار الزمني لنود من خلال صناعة فيلم تسجيلي للقاهرة قائم على الارتجال للماضي القريب سنة 2020م، لندرك أن أن هناك مساحة أخرى تتمثل في الأب بلياردو الذي فقد إحدى عينيه في 2011م، وأعتقد ان هذه الإشارات الزمنية ربما تصلح أن تكون مدخلا لقراءة العمل.
ولكن الجديد في تقديم عوالم هذه الشخصيات يتمثل في تقديمها بشكل متواز بالرغم من الفروقات الزمنية المتوالية، وكأن الكاتب باعتماده على نظرية الأوتار وعلى البناء الدائري للزمن، لديه إمكانية على العودة للوراء وإلى الأمام في لحظة آنية، بحيث يمكن الاشتغال على مفهوم جديد للزمن، حيث لا بداية أو نهاية له، فالموت ليس انتهاء أو تلاشيا، ولكنه يصبح بعثا، يحيل دائما إلى الوجود السابق، وينطلق منه، وتغدو الشخصيات والحال تلك أنماطا جاهزة للتكرار، بحيث تفقد شيئا من تجليها السابق، وتكتسب شيئا من تجليها الجديد.
وربما يكشف كتاب منسي عجرم عن هذا المفهوم الدائري للزمن، فهو قائم على تفتيت فكرة البداية أو النهاية، لأن هذا الكتاب تمّ تشكيله في النص الروائي بحيث أصبح حالة خاصة قادرة على الحضور الدائم، في بعض الأحيان بوصفه قدرا محتوما للشخصيات، وفي بعض الأحيان بوصفه قادرا على التوجيه والفعل. فتصوير هذا الكتاب لا يخلو من إسدال نوع من القداسة، سواء من خلال تعدد النسخ، أو من خلال الحواشي التي لا ترتبط إلا بكل مقدس وغامض، أو من خلال الشعور بالإثم إذا وضع الإنسان شيئا فوقه. ثمة جزئية أخرى تضع هذا الكتاب في مساحة غير عادية بوصفه قدرا لا يمكن الفكاك منه، تتمثل في ارتباط جميع الأبطال به، بالرغم من تعدد الأجيال واللحظات الزمنية، وهو ارتباط ينمو في اتجاه واحد.
ولكن هناك بعض السمات التي تمّ إسدالها على هذا الكتاب، تخرجه من دائرة القداسة، وتجذره في صيغة الفردي واليومي والحدثي الزائل، فالتسمية (منسي) تحيلنا إلى الزمن الماضي، وكل قراءة لأية شخصية من الشخصيات في هذا الكتاب تجد نفسها تبدأ من النقطة التي انتهت إليها سابقا، يستطيع كل فرد أن يقوم بالقراءة، ولو بلغة مختلفة، فالكتاب ليس جماعيا، ولا يحمل أية سمة من سمات القداسة، فهو فردي وخاص، وكل شخصية تشارك في كتابته وصناعته في حدود علمها الجزئي من خلال الحركة والاختيار لمجمل مايعترض كل شخصية من إشكاليات وقضايا، فهو يمثل الحياة الممتدة لكل شخص، وإذا مرّ الإنسان بلحظة آنية موزعة إلى الآني وتحلله إلى ماض فليس هناك أية إمكانية لاستعادة تلك اللحظة إلا بالذاكرة، تقول الرواية (تماما مثل كتاب منسي عجرم الذي لا أرقام لصفحاته والذي تستحيل العودة فيه لصفحة قرئت، ولذلك لا نجد لنا ملجأ سوى الذاكرة).
وبوسعنا هنا أن نتوقف عند مجموعة من الجزئيات التي تجلت حرة أكثر من مرة، مثل جزئية الارتجال في الفن وانسحابها على الحياة، بالإضافة إلى القصاصات الورقية طويلة الحجم التي تجدها الشخصيات إما بجوار الكتاب أو ملتصقة به للإشارة غالبا إلى قدر كل شخصية، ذلك القدر الذي يلازمها، ويشير إلى الأزمة الوجودية التي لا انفكاك منها، وإلى الهشاشة التي تسم الجميع، فالفانتازي ليس إلا محاولة للتعاظم على تلك المحدودية الوجودية المشروطة بقانون عام كاشف عن البداية والنهاية، فجاء هذا النسق العجائبي ليهشمّ فكرة الزمن بجزئياته الثلاث، ويضعها في إطار متواز بوصفها أوتارا متوازية، تمكّن كل شخصية في معاينة ماضيها والمشاركة في اللحظة الآنية، وإبصار لحظتها القادمة التي يمكن أن تحدث بعد مدى زمني طويل.
وبتطبيق فكرة الزمن الدائري على شخصية ذات تأثير كبير في النص الروائي وهي شخصيية المسز، يتكشف لنا أنه تمّ تحبيكها من خلال استمرار وجودها في كل مرحلة زمنية من ناحية أولى، وأن هناك نسخا عديدة منها، وأن حضورها في كل هذه النسخ موزع بين مرحلة الطفولة من خلال صورة الطفلة التي تقبع خلفها على الحائط، وصورتها الآنية في ذات اللحظة، وانفتاح هذه الصور على قدرات خاصة، فهي على حد تعبير نص الرواية (المرأة التي تبدو قادمة من واقع آخر، واقع تتبدل فيه الوجوه حرفيا، وليس مجازا، واقع مواز)، أو حين تقول (إن المسز حسب تأويلي الخاص كالمدينة هي الجميع، ولكنها بالقوة ذاتها لا أحد).
ومن خلال هذه الصفات المسدلة تتشكل لها قوة وهيمنة، ولكنها ليست قوة وهيمنة المعرفة، وإنما هي قوة المسيّج والمؤسس والجاهز، والمهيمن لثباته أو إشارته للطفولة التي تتجلى كخلفية مثل إصبع أوريجا بالرغم من عمرها الزمني الكبير في كل مرحلة زمنية، فإذا كانت إصبع أوريجا هي الثورة من خلال عملية قتل الأب المجازية التي لم تصل إلى نهايتها أو اكتمالها، فإن المسز هي الوجه المؤسس للقاهرة الذي تتكسر معه كل محاولة من محاولات التجديد لهذا الوجه المؤسس والمهيمن والمستمر، من خلال فاعليتها في تحديد أو المشاركة في تحديد المصائر، يقول أوريجا (من هؤلاء الذين تتحدث عنهم المسز بصوتهم، هو لم يقابل سواها في هذا الجاليري، إلا لو كانت هي نفسها الجميع، مثلما وجهها هو الوجوه كلها). يؤكد ذلك المنحى التأويلي عند معاينة صور الشخصيات النسائية اللواتي امتلكن القصر، في صفرة ورق الجرائد القديم الهش، حيث أدركت نود أنها رأت تلك الوجوه جميعها على جسد المسز، فهي تشكل انتصارا وتمديدا للثبات.
إن تأويل شخصية المسز على هذا النحو بوصفها صاحبة قدرة على تفريغ الجديد من وجاهته لاستمرار الأنساق القديمة يمكن أن يكون مقبولا ومشروعا في ظل معاينة الشخصيات الأخرى التي تنتمي لطبقات هامشية، تحاول مستندة إلى خيالها أن تصنع وتشكل المغايرة، وأن تضيف طبقة إلى طبقات سابقة للمدينة، من خلال الفنون التي تسلب الجاهز حضوره وهيمنته وتجرح نصاعته الممتدة، مثل الجرافيتي أو المصغرات والماكيتات أو الكوميكس.
إن نظرة فاحصة إلى ألقاب الشخصيات في النص الروائي (أوريجا، ونود، وبلياردو، ومانجا)، تكشف عن أنها ليست أسماء حقيقية، بل تتجلى في نطاق ألقاب بعيدة عن البيئة المصرية الرسمية، ولكن يمكن أن يكون لها حضور لافت في بيئات محددة منغلقة على ذاتها، وكأن الخطاب الروائي هنا يهشم من خلال ذلك فكرة البطولة حتى من خلال الألقاب، فلم يعد ذلك المشابه لآخرين، بل أصبح المتفرد بهامشيته، هذه الهامشية تجعل ارتباطه مرتبطا بالتوقيع التي تشير إلى الفرادة، وقد حفلت الرواية بتوقيعات الأبطال.
فالأبطال في هذه الرواية كلهم هامشيون ثائرون خارجون عن الهيمنة والنمطية والثبات، وهم بخروجهم يدفعون بآلامهم ثمن هذا الخروج بعيدا عن المستقرّ. وقد بدا لهذا التوجه فاعلية من خلال استنادهم إلى نماذج قدمت في الرواية بشكل فانتازي، وكأنها تشكل خلفية للحركة من خلال هذا الحضور المتخيل، حتى في صياغة أسماء هذه النماذج، فهناك دائما إشارة إلى أصولهم المصرية، مثل (هيلاري خميس)، أو (خورخي خالد)، أو (كوليهماينن مدحت)، وكأن تأثير هؤلاء ليس إلا إعلانا عن الانتساب إلى هذا الفعل، وصناعة الأفق من خلال تلك الفاعلية المشدودة إلى رؤية ذات خصوصية مفتوحة على ما لدى الآخر، ولا تكف دائما على تأمل ذاتها باستمرار، بوضعها في أشكال متجاورة متوازية، لمراقبة مساحات الفقد، ومساحات الإضافة التي تلحق بالوجه الخاص بالمدينة الذي يظل ديناميا ومتحركا، مشكلا في النهاية هوية تظل في طور التجسد والتشكل الدائم.