ارتحالات الحكاية من ابن حزم إلى بوكاشيو ويوسف إدريس
ارتحالات الحكاية
من ابن حزم إلى بوكاشيو ويوسف إدريس
عادل ضرغام
كنت أقرأ في كتاب (الديكاميرون) لبوكاشيو المولود في 1313 م، وهو عبارة عن قصص وحكايات تُروى على لسان عشر شخصيات (سبع نساء وثلاث رجال)، فوجدت قصة في الكتاب من قصص اليوم الثالث بعنوان (ماستو ومغامراته في دير الراهبات) تحكي عن بستاني لأحد الأديرة، يتظاهر بالبكم، يواقع الراهبات بالترتيب في كل ليلة واحدة، ثم رئيسة الدير بعد ذلك في حالة من حالات التواطؤ من الجانبين في غرفة ملحقة بالدير. وتذكرت أثناء قراءة القصة حكاية في كتاب (طوق الحمامة في الألفة والألّاف) لابن حزم المولود في 994 م، في باب (قبح المعصية) رواها أحد الرواة عن امرأة أعرابية، وانتبهت إلى التشابهات العديدة بين الحكايتين بالرغم من المغايرة في نقطة الانطلاق. فهناك تشابهات في الحوافز السردية، وطبيعة تشكيل البطل في مواجهة النساء.
ففي حكاية ابن حزم تصف راوية القصة البطل أو أحد ملاحي السفينة أنه مضمر الخلق، وهو الذي يقوم بمواقعة النساء الخمس العائدات بالسفينة من خلال البحر بعد أداء فريضة الحج، واحدة بعد أخرى في كل ليلة، وراوية القصة هي قائدتهن وكبيرتهن التي تماثل رئيسة الدير لدى بوكاشيو. فكل واحدة منهما تؤسس مع الأخريات فعلا من أفعال التواطؤ والصمت، وإن أضمرتا توجها مغايرا في البداية.
وقد وجّهني التعاضد والتشابه بين حكاية ابن حزم وحكاية بوكاشيو بالرغم من الفارق الزمني، إلى قصة يوسف إدريس (بيت من لحم)، لأجد تجليا مغايرا للحكاية ذاتها، فالأم تقوم بدور وظيفة رئيسة الدير وقائدة النساء في الحكايتين الأوليين، بالإضافة إلى بناتها، بينما يأتي الشيخ الكفيف موازيا للبستاني الذي يتظاهر بالبكم لدى بوكاشيو، وللملّاح في رواية ابن حزم. يمكن قراءة مساحات التشابه بين الحكايات الثلاث في إطار توجهات مختلفة، منها ما يرتبط بنزع القداسة، ومنها ما يرتبط بطبيعة النظرة إلى المرأة، ومنها ما يرتبط بالسياق الحضاري، خاصة لدى بوكاشيو، حيث يشير سياق عصره إلى بداية التحلل من قيم العصور الوسطى والدخول إلى عصر النهضة، وما صاحب ذلك من روح علمانية بدأت في التشكل والتأثير في القرن الرابع عشر الميلادي.
منطق المشابهة تكرار الشخصيات ووظائفها
في الحكايات الثلاث هناك أفق للقداسة يتشكل بطرق وأساليب مختلفة، فلكل حكاية أسلوب في تجسيد إطار القداسة كإطار للحكاية يتمّ جرح نصاعته باستمرار في كل الحكايات. ففي الحكاية الأولى الخاصة بابن حزم التي تروى نسبة إلى أعرابية يتشكل الإطار المقدس مع النساء الخمس منهن زعيمتهن التي تحكي الحكاية، وهي بشخصها تؤشر إلى سياق أكثر قداسة. القداسة هنا مرتبطة بسياق الحج وأداء الفريضة، وما يستوجبه ذلك من بداية جديدة قائمة على رفض الدنيا والانشداد للآخرة، فالمرأة في منطق حكاية ابن حزم مرتبطة بالغواية والرغبة، فالنساء الخمس قمن بأداء الفريضة، وقائدتهن بطلة الحكاية قامت بأداء فريضة الحج خمس مرات، وهي في منطق القصة من المتعبدات المجتهدات. ولكن كل ذلك لم يمح الرغبة أو الغواية، وكلهن – ومنهن قائدتهن- استجبن لأحد ملاحي السفينة، فواقعهن واحدة واحدة إلى أن وصل إليها. فالحج – سواء للنساء الأخريات أو لقائدتهن راوية الحكاية- لم يستمر إطارا لوأد الرغبة أو تغييب الغواية بالرغم من كونه في عنفوان فاعليته، ومن ثم يلح منطق القصة في قولها في البداية (يا ابن أخي لا تحسن الظن بامرأة قط).
أما في حكاية بوكاشيو فالقداسة تزداد وضوحا وحدة، فهناك فارق بين الحكاية السابقة والآنية، فالأولى تحدث في عرض بحر القلزم، أي بعد أداء الفريضة والابتعاد عن المكان المقدس، لكن في حكاية بوكاشيو هناك تأسيس خاص لجرح قداسة أو نصاعة المكان المقدس من خلال ثبات المكان، واستمراره حاضرا بقداسته، وربما يبرر ذلك في إطار وجود طبقة علمانية كانت في طور التشكيل في ظل سياق حضاري خاص بعصر بوكاشيو، فهناك قداسة المكان، وهناك قداسة الشريحة المختارة المتمثلة في الراهبات ورئيسة الدير.
تتحرّك القصة أو الحكاية وفق منطق يحدده راوي القصة من البداية، في اعتماده على مخالفة الاعتقاد، فإذا كانت قصة ابن حزم أو حكايته قائمة على تذويب عنصر الثقة بالمرأة، فإنها هنا قائمة على تذويب فكرة غياب الرغبة أو الغواية تحت تأثير الزي المحدد للشريحة النسوية، ففي قول القصة (أيتها الصديقات، هناك كثير من الرجال والنساء البلهاء ممن يرون أن المرأة لمجرد أن يضعن على رأسها قلنسوة بيضاء، أو يلبسنها رداء الرهبنة الأسود، لا تعود تشعر بالرغبات الأنثوية، كما لو أن تحوّلها إلى راهبة، يحوّلها كذلك إلى حجر) إشارة لمنطقها، الخاص بالرغبات المكبوتة التي تعوي تحت الرداء، فمدار القصة بكل جزئياتها قائم على نفي هذا الاعتقاد، فالرغبة تطفو وتعمل عملها مع الراهبات ورئيسة الدير.
أما في قصة (بيت من لحم) ليوسف إدريس، فجرح القداسة أو النصاعة لا يتمثل في مكان مقدس دائم الحضور، أو العودة منه بعد قضاء الشعائر، ولكن يتمثل جرح القداسة في وجود الشيخ الأعمى قارئ القرآن بوصفه نموذجا للقداسة، وإن كان نموذجا غير كامل الدلالة، لأنه يتشكل وفق سياق خاص يبعده عن القداسة في إطارها النموذجي التي يحتلها الشيوخ وأهل الشريعة. وبالرغم من عدم اكتمال النمط في الدلالة الكاملة على المقدس، فإن النص يدخلنا مساحة أكثر غورا وبعدا في جرح المقدس وتعريته، حيث تلامس القصة جنس المحارم بين الأم وبناتها، فكأنها مخالفة مزدوجة للقداسة، فهناك على المستوى الظاهري اشتغال على النمط، ومساحة لخلخلة ثباته وطمس نصاعته، يتشابهان في الحركة والمنطلق والتوجه مع القصتين السابقتين.
ولا يتمثل التكرار وأفق المشابهة عند حدود منطلقات متجاوبة في تشويه ونزع القداسة، بل يتمثل ذلك في مجموعة من الآليات التي يمكن أن نراها متشابهة إلى حد بعيد، منها المراجعة وتغيير الرأي تحت سلطة وتأثير الرغبة في القصص الثلاث. يتجلى ذلك في معاينة سلوك الراهبات الثلاث اللواتي أبصرن سلوك الراهبتين الأوليين في فعلهما للأبكم أو لمدعي البكم والخرس، فقد كان القرار الأول كسرا لكل ألاعيب التواطؤ والصمت، متمثلا في إبلاغ رئيسة الدير، ولكنهن سرعان ما رجحن الرأي أو التوجه الثاني، من الإبلاغ إلى المشاركة في اللعبة من خلال التواطؤ والصمت بشكل متعمد.
ويمكن تلمّس مساحة لتغيير الرأي والتوجه تحت تأثير نير الرغبة في قصة ابن حزم في نزوع قائدة الحاجات العائدات، وكمونها داخل المتخيل الجاهز في إعداد موسها لقطع عضو الملّاح عقابا له على فعلته. فبعد أن وصفته في الليلة الأولى له مع واحدة منهن (قد أتى إلى إحدى صواحبي، فوضع إحليله في يدها، وكان ضخما جدا) نجد أن هذا الوصف له أهمية وتأثير في تغيير استراتيجيتها من الرفض إلى القبول، فالقصة تشير بعد ذلك إلى ظهور (موسها) ورعب الملّاح ومحاولته المغادرة، فقد تحوّل موسها من أداة للعقاب إلى أداة ملزمة لضرورة إنجاز الفعل، فنراها تقول في النهاية (فأشفقت عليه، وقلت له وقد أمسكته: لا زلت أو آخذ نصيبي منك. قالت العجوز فقضى وطره وأستغفر الله).
يتشابه موقف الملّاح في محاولته المغادرة حين أبصر (موسها)، مع موقف ماستو في تحوّله وتغيره اللافت للنظر، في كشفه عن ادعائه البكم والخرس، لأنه اكتشف أن الاستمراء في الاستجابة للرغبة سوف يؤدي إلى ضرر كبير، لأنه لم يعد قادرا على إرضائهن جميعهن، حيث تحدّث إلى رئيسة الدير بعودة صوته إليه، فنظّمن نتيجة لذلك أمر لقائه بهن، بعد أن احتل وظيفة جديدة حال فراغها بموت كهرمان الدير. أما في قصة يوسف إدريس فيتمثل في الركون أو التحوّل إلى الصمت بدلا من الكلام، يبدو ذلك واضحا في موقف الأم، حين أدركت أن هناك حدثا جللا قد حدث، من خلال سرد الزوج الشيخ الأعمى واستغرابه ودهشته لتمايز لقاءين مرّ بهما، وأن هناك واحدة من بناتها قد احتلت مكانها، فتشير القصة إلى مجموعة خيارات كاشفة عن البوح والكلام من خلال قولها (كان ممكنا أن تنتفض واقفة صارخة، كان ممكنا أن تُجن، كان ممكنا أن يقتله أحد، فليس لما يقوله سوى معنى واحد، ما أغربه وأبشعه من معنى)
الأم- في قصة يوسف إدريس- تجنح بالرغم من الخيارات العديدة إلى الصمت بدلا من الكلام، وبعدها تأتي حال أخرى، لتضيف إلى الصمت نوعا من التواطؤ الجمعي، وذلك من خلال تدوير خاتم الزفاف بين الأم وبناتها. فالمقياس في الإتيان بالفعل محدد بالصمت الذي يصيب الأم، ثم البنات متتابعات، فالخاتم تحرّك من إصبع الأم، ليصبح بجوار المفتاح، وبذلك تتفتت ملكيته في الاستخدام من فردي إلى جماعي. وتشمل دائرة الصمت الشيخ الضرير، في جنوحه إلى الصمت- مثل الأم وبناتها- بعد معرفة وإدراك مساحات اللعبة، وهو موقف مشابه لموقف الراهبتين الأوليين، ولموقف رئيسة الدير، ولكبيرة أو قائدة الحاجات راوية قصة ابن حزم، فالصمت هو الدال الفاعل، والكلام الغائب يمثل خدشا لمساحات التواطؤ الذي يتمّ دون اتفاق مسبق.
في حكاية أو قصة بوكاشيو يجد القارئ نفسه داخل سياق عام يحترف جرح وتعرية القداسة متعمّدا في كل تجلياتها، فهناك حيل يتمّ استخدامها من كل الفئات المشاركة في القصة، بداية من ماستو الذي تحايل بالبكم، ومرورا بالراهبات اللواتي تحايلن على نقص الأبكم، وعدم قدرته على السمع أو الكلام، وانتهاء برئيسة الدير التي تحايلت، وكأنها تمثل معاقرة للأمر في شكل جديد، بعيدا عن مساحات الخروج السابقة مع الراهبات. فهي- أي رئيسة الدير- لم تستجب لنداء الرغبة من خلال فعل المراقبة للراهبات، وفق منطق التعرف لديهن في إدراكهن بالتدريج لما قامت به الراهبتان، ولكن النص يقدمها وفق واقعة اكتشاف جديدة، ورضوخ لفعل الرغبة، للإشارة إلى تأصل وتجذّر وجودها لدى النساء، سواء كنّ راهبات عاديات أو رئيسة للدير.
فالمنطلق الأساسي للقصة يتمثل في تجذر الرغبة التي لا يفلح في اجتثاثها تغيّر الزي أو التراتب الوظيفي، بالإضافة إلى قصدية الخروج وجرح نصاعة المقدس. وهناك –في ظل ذلك- مساحة مشابهة بين طريقة تعرّف رئيسة الدير، وتعرّف قائدة الحاجات في رواية ابن حزم في الليلة الأولى مع زميلتها، ففي قصة بوكاشيو كشف لحالة إرهاق ماستو التي تصيبه بالتعب، واستنزافه في وقوعه على الراهبات، حين أبصرته أثناء كشف الريح عن أشيائه، تقول القصة (وكانت الريح رفعت ثيابه، وكشفت كل شيء، فأصاب رئيسة الدير ما أصاب راهباتها).
ثمة تشابه أقرب إلى التشابه الوظيفي، خاصة بين قصة (بوكاشيو)، وقصة (يوسف إدريس)، يتمثل في فاعلية العاهة في تخطيط النص القصصي، وتحديد منطلقاته وتعالقه مع السابق واللاحق، سواء أكانت تلك العاهة حقيقية أو تتجلى في حدود الادعاء. فالبكم- أو ادعاؤه- في قصة بوكاشيو له دور فاعل في فتح الباب على التعاظم عن قائمة التحديد النمطي لسلوك الراهبات، ووجود العمى في قصة يوسف إدريس كان ضروريا، ويمثل مفصلا مهما في إضفاء دالي الصمت والتواطؤ بين الأم وبناتها على فعل الرغبة المختزن داخل كل واحدة منهن.
ففي القصة الأولى- لبوكاشيو- يبدأ استغلال هذه العاهة المدعاة من خلال فعل المضايقة الذي تمارسه الراهبات، أو من خلال التفوّه بالكلمات المشينة، بوصف ذلك يمثل مرحلة أولى أو شكلا أوليا لفعل الاستغلال، استنادا لغياب فعلي السمع والكلام. وتأتي مساحة الاستغلال الثانية باتفاق راهبتين عليه أثناء تصنّعه النوم، فقد اقترحت واحدة منهما أن تجرّب- خروجا من حياة التقشف في الأديرة- متعة الوصال بين الرجل والمرأة مع الأبكم، وهذه الراهبة تماثل وظيفيا البنت الوسطى في قصة يوسف إدريس، لأن كلتيهما بدأت مغامرة استغلال العاهة لدى الرجل. وبعد محادثات وأخذ وردّ بينهما، يتمّ الإمساك بالأبكم والذهاب به إلى الكوخ، واحدة معه والأخرى تقوم بالحراسة، وبدأت بقية الراهبات عملية الاستغلال بالدخول إلى دورهن المرتّب.
أما استغلال عاهة (العمى) في قصة يوسف إدريس، فقد بدأت تشغيلها البنت الوسطى، ثم الكبرى فالصغرى، بعد تشتيت ملكية الخاتم، وتحوّل ملكيته من ملكية دائمة إلى ملكية وقتية جزئية، في إطار فاعلية الصمت الذي يؤثر على الجميع، الأم وبناتها والشيخ الأعمى. فكل هذه التشابهات دالة على وجود تشكيلات متوالية لجرح المقدس والخروج عليه، ولكنها تشكيلات لا تحمل ثباتا في الوظيفة أو الوظائف والحوافز السردية والمنطلقات، بقدر ما تحمل اختلافا، في خلق آفاق جزئية تتولّد بالتدريج مع كل تجلّ من التجليات التي وقفنا عندها، أو التجليات التي لم ندركها، قد تكون سابقة لقصة أو رواية ابن حزم، أو لاحقة لقصة يوسف إدريس.
تباين الطبقات والمنطلقات
الأمر بعد تأمل هذه القصص أو الحكايات الثلاث التي جاءت في أزمنة مختلفة، لا يرتبط بالضرورة بإثبات الأبوة أو المصدرية، لكن أقرب إلى تأمل تشكلات الفكرة على مدار أزمنة متباعدة، ودور السياقين العام والخاص في تشكيل حدودها. ففي الكتابة الأدبية لا شيء يولد من فراغ، فالأدب نصوص متناسلة من بعضها البعض، لكنها تأخذ في كل فترة شكلا مغايرا عن سابقها ولاحقها. تتجلى الفكرة- ربما مشدودة لطبقات سابقة قد لا يلمّ بها القارئ أو صاحب المقاربة- وفق طبقات بينها فاصل زمني، يسهم في تغيير ملامحها ومنطلقاتها، فالقارئ مع كل قصة أمام صورة مغايرة لصورة الرجل والمرأة، ولفاعلية كل قسيم منهما، وأمام صمت يختلف في كل قصة عن الأخرى، وفي كل ذلك هناك استناد إلى واقع وإلى سياق حضاري، يجعلان الملامح تتغيّر حتما، والفكرة تنحت وتضيف ملمحا جديدا.
وربما تكون الأوصاف المسدلة على الشخصيات بابا مهما لتأمل ذلك التجلي، فالقارئ حين يقرأ الوصف الأول للبطل في رواية أو حكاية ابن حزم (مضمر الخلق) يجد نفسه أمام سياق خاص، يجعل للرجل بشكل عام نوعا من الوصاية أو الولاية، يغفر له دائما هذا الخروج عن النسق، ويجعل له نوعا من الفاعلية المتكررة، فتسليم النساء اللواتي عدن من أداء فريضة الحج، وتسليم قائدتهن التي قامت بأداء الفريضة خمس مرات، كاشف عن وجود سلبي، مهموم بتلقى الفعل، فجميعهن يندرجن داخل سياق التسليم دون قدرة على إبداء ممانعة.
إن سطوة النسق في القسيمين هنا، يتجاوب معها جانب شديد الخصوصية وثيق الصلة بابن حزم، فقد نشأ وتربّى وتعلّم بين النساء، وقد أثرت هذه المعرفة على نمو هذه التوجه النمطي في رؤية النساء، بوصفهن آلات جسدية لا يتحكمن في رغباتهن، يقول ابن حزم في إحدى رسائله (ولقد شاهدت النساء، وعلمت من أسرارهن، ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني ربيت في حجورهن، ونشأت في أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حدّ الشباب). كل هذا يشير إلى معرفة تجريبية في كل ما كتب ودوّن عنهن، فاختيار القصة لا يخلو من دلالة نمطية، ترتبط بالوجود السلبي للمرأة بوصفها أداة يتمّ استخدامها بواسطة ملّاح السفينة مضمر الخلق.
أما في قصة (بوكاشيو) فإن هناك فاعلية مشتركة بين نسقي الرجل والمرأة، فكل قسيم منهما في حركته يرتبط بالتحايل أو استخدام الحيلة، فالبطل (ماستو) يتحايل باصطناع البكم أو الخرس، والراهبتان تتحايلان- في ظل وجودهما في الأفق الساكن في الدير البعيد الذي لا يكفل تحقيق الرغبات- على البطل استنادا إلى البكم. فالتحايل في معناه - أو في معنى من معانيه- الوصول إلى رغبة أو منحة بشكل غير طبيعي. وفي ذلك إثبات للفاعلية الفردية أو الذاتية من جهة أولى، ولكن فعل التحايل من جهة ثانية يضمر نوعا من المعارضة أو التعاظم على كل مقدس أو مؤسس مستقرّ، فاشتراك الراهبات ورئيسة الدير، لا يكشف عن نوازع شخصية، بقدر ما يكشف عن توجه عام، يضع القداسة ومكانها موضع المساءلة، وهو توجه يكشف عن روح جديدة في طور التكوين، روح علمانية، لا تكفّ عن نزع القداسة في لحظات التحوّل من سياق العصور الوسطى إلى عصر النهضة.
ففي هذه القصة هناك فاعلية مشتركة، وليس هناك مساحة للوجود السلبي المستنيم، فكل قسيم يشارك في صناعة الإنجاز والوصول عبر التحايل، ويشارك حين تلمّ الأزمة في حلّها. البطل في تخليه عن التحايل، في كشفه لسلامته من البكم، ورئيسة الدير والراهبات في تنظيم الأمر، وتحويله من بستاني إلى كهرمان، ليبدو الأمر في القصة، وكأنه نسق متوال، متكرّر دائم الحدوث.
في نص (بيت لحم) ليوسف إدريس قد يجد القارئ مشابهة بينه وبين النصين السابقين، ولكنْ هناك أفق جديد، يتمّ خلقه في صناعة وتشكيل الفكرة، وتكوين الطبقة. ففي هذه القصة هناك فاعلية، لكنها ليست للشخصيات، فالصراع ليس موجودا بين الشخصيات والأفق المقدس، أو بين قسيمين. لقد تحوّل الواقع إلى سلطة دامغة تقزّم الموجودين، النساء والرجل بينهن على حد سواء، ففاعلية الشخصيات تقف عند حدود الانزواء والتسليم، أو الصمت الذي لا يمكن جرحه بالكلام، فالمعرفة من جانب الأم، أو من جانب الشيخ الأعمى لم تؤد إلى إفصاح أو كشف، بل إلى صمت فيه نوع من التواطؤ والاستسلام، في مقابل قدرة الواقع في تسيير الشخصيات منزوعي الإرادة داخل إطار مغلق مقهور. فكل الشخصيات متجذرة داخل سياقها الثابت، الشيخ الضرير داخل سجن المعرفة والعمي، والأم وبناتها داخل سجن الرغبة والتقدم في العمر، دون بادرة تلوح في الأفق.
ويمكن أن نقف عند أصناف ثلاث للفاعلية، في قصة أو رواية ابن حزم تأتي الفاعلية لجنس الرجل انطلاقا من حضور واستفحال النمط الموروث، في عدّ المرأة وعاء لرغبات الرجل، ففاعليتها تقف عند حدود التبرم الجزئي الذي ينتهي بالتسليم، بينما فاعليتها في قصة بوكاشيو تتولّد من فاعلية السياق العام الجديد لبدايات عصر النهضة الذي يبنى على أنقاض أفكار العصور الوسطى، وذلك من خلال التحايل- بوصف التحايل نوعا من الخدش والتعرية- ضد كل ماهو مستقرّ ومقدّس، والتوجه نحو مساءلته بشكل جذري. أما في قصة يوسف إدريس فهناك غياب تام للفاعلية، حيث يحلّ محلها الواقع، بقدرته على تقييد الشخصيات وتقزيمهم، ودحرهم نحو أفق لا يخلو من الموت، بل وجعلهم يدورون في سياجات سابقة التجهيز.
وفي ذلك السياق يمكن تأمل فروق واختلافات بين القصص، هذه الفروق قائمة على نوعية الصمت وحضوره، فالصمت في رواية ابن حزم صمت النمط وتسليمه التام بكل تشكلاته التي تسهم في انحسار ردة فعله إلى أفق محدد يتساوق مع الجاهز الموروث، فالمرأة قائدة الحاجات تشحذ موسها للقطع، ولكن هذا التوجه يقف عند حدود المتخيل. الواقع الفعلي- انشدادا إلى النمط الذي يسيّج الحركة، ويحبس ردة الفعل- يحيل فعل الانتقام المتخيل والمجهّز له سابقا من خلال ما انتوته، إلى سبيل مغايرة، تجذّر حضورها داخل سلطة النسق الموروث.
أما الصمت في حكاية بوكاشيو فهو صمت الانتصار للخروج الذاتي المتعمد، طالما هناك أمان لا يكشف الفعل والخروج عن سلطة المقدس، فهناك تعمد في زلزلة المقدس، وخدش يمثل بداية لنزع هالات القداسة عنه. فهو صمت الانتهاك للتأكد من مشروعية وجود الأفق المغاير، فالفعل أو الخروج قائم على قصدية واضحة تحاول هزّ المستقر، أو تقويضه من خلال تعريضه لمساءلة تجريبية من الجانبين اللذين مارسا التحايل في فضاء يجمع بينهما، جانب المرأة بتعدد نماذجه، وجانب الرجل بنموذجه الحاضر الوحيد، في شخصية (ماستو).
وفي القصة الأخيرة ليوسف إدريس نجد أن هناك صمتا خاصا، يرتبط بالموت وعدم القدرة على الفعل أو النزاع مع الواقع. فكل قسيم متجذّر في إطاره وحدوده المطبقة، فهو صمت مشدود للتواطؤ، ومشدود للتسليم، دون أدنى إشارة تكشف عن القدرة على الفعل أو على المقاومة للوصول إلى نسق فردي يبحث عن فاعليته ضد واقع لا يلين. الواقع يتكاتف في كل أشكاله وتجلياته، لسدّ وتقويض أية محاولة للخروج من نفق الصمت والتواطؤ اللذين تمّ الارتهان إليهما بين شخصيات القصة دون اتفاق.
الأفكار- وربما شكل القصة أو الحكاية في أجزاء عديدة، ووظائف الشخصيات في استحضار مساحات التشابه والتناسل- تتكرّر، لكنها في عملية تكرارها، بل حتى في إعادة سردها، لا تتجلى وفق منطق أحادي دائم الحضور في تمفصلاته الثابتة، بل تكتسب من خلال التشرب والامتصاص جزءا جديدا من السياق الحضاري العام، وجزءا من وجهة نظر المؤلف الفعلي للنص في حدود ثقافته وقناعاته الفكرية، فيقدم وجهة نظره من خلال الكتابة أو الاختيار، فاختيار حكاية دون أخرى، ووضعها داخل سياق، وإهمال أخرى، يعدّ بحد ذاته عملا مقصودا لا يخلو من توجيه، فاختيار ابن حزم لهذه الحكاية ليس إلا تجذيرا للنسق الناصع الموروث، من خلال استحضار وصناعة نسق مباين، بل ويسند- إكمالا للموضوعية- رواية الحكاية إلى امرأة أعرابية تنتمي للجنس ذاته، ليصبح التأسيس والتنميط ذا فاعلية أكبر في التزامه بموضوعية صادرة عن حكاية عاشتها ومرتْ بها واحدة من جنسهن.
فالنواة قد تكون واحدة، ولكن نتاج النواة بانقسامها وتوالدها داخل سياقها أو خارجه، يعطيها بالضرورة مساحة من الاختلاف، ويسمح بتوليد منطلقات جديدة، من خلال فاعلية نواة دائمة الحركة، لا يوجد تحديد صارم لبدايتها، ولا وقوف عند منجز أخير لتشكلها. فهي دائما - في منطق دريدا- في طور مستمر من الإرجاء غير المنتهي، طالما هناك حياة، وطالما هناك سياقات حضارية تتشكل بآفاقها المتوالية. فالسياقات الحضارية- سياسية أو اجتماعية أو ثقافية فكرية- دائمة الحضور، في تحوير وتحويل الطبقات الخاصة بكل فكرة. تأثير العصر أو الفترة الزمنية لها قيمته اللافتة في كل الأفكار، خاصة الأفكار التجريدية.
إن القارئ لا يستطيع تبرير وجود التحايل من قسيمي الرجل والمرأة في قصة بوكاشيو دون استحضار طبيعة العصر، ونشوء طبقة بشرية، لا تلقي – انطلاقا من لحظتها الحضارية وثيقة الصلة باليقين والبرهان المادي- بالا للقداسة المؤسسة على التراث الديني أو التسليم الممتد، وفي ظل ذلك تتولّد فكرة المساءلة، ومساحة خاصة للتأويل، بعيدا عن المنطلق المحدد المذكور في البداية، وهو منطلق لا يخلو من مشروعية، لكنه لا يستبعد وجود تأويلات أخرى تظل حاضرة، وتوحي بشكل خاص بمسارات أخرى مغايرة للقراءة.