عادل ضرغام

منطلقات المقاربة النقدية بين المتابعة والقراءة متعة القصّ- جابر عصفور

غلاف كتاب   منطلقات المقاربة النقدية بين المتابعة والقراءة  متعة القصّ- جابر عصفور
منطلقات المقاربة النقدية بين المتابعة والقراءة متعة القصّ- جابر عصفور يقدم جابر عصفور في كتابه (متعة القصّ- مراجعات وقراءات) خطابا نقديا له خصوصيته المائزة عن مجمل الخطابات الموجودة في سياقنا النقدي المعاصر، لأنه- أي هذا الخطاب- ينطلق من الفهم بمعناه الاصطلاحي مبتعدا عن التعمية التي نجدها عند كثيرين من نقادنا المعاصرين التي يمكن تبريرها من وجهة نظري بكون هؤلاء يدخلون إلى النص الأدبي لمقاربته دون فهم واع، فتأتي معظم كتابتهم متهافتة متدثرة بالمصطلحات التي لا تقرّب القارئ من النصوص، لكنها تزيده غربة وابتعادا عن مناحيها الفكرية واحتياجها الشديد والحتمي إلى مقاربة خاصة تستطيع تحويل أو تذويب السياسي أو الاجتماعي داخل الأفق النصي إلى معرفي. تتمثل القيمة في مقاربات جابر عصفور في التعددية المعرفية التي يتوسل بها إلى النص الأدبي، فليس هناك مدخل واحد، بل هناك مداخل عديدة تختلف وتتعدد باختلاف النص، فقراءة النص بما تفرضه من مداخل ناجعة هي التي تحدد المدخل المناسب، وتجلي هذا المدخل المعرفي يختلف في طبيعته من المتابعة إلى القراءة. وقد كفل له تعدد المداخل واتساع رقعتها التجدّد المستمرّ، فليس لديه مقياس جاهز، ذلك المقياس الذي نراه عند البعض مكرّرا بنمطية مقيتة، ومصكوكات جاهزة، لا تفرّق بين عمل وآخر. فالمعرفة النظرية أو المنهجية المتداخلة (تذوب) لديه، لتحلّ محلها معرفة ذاتية يصبح فيها صاحب الحركة والقيادة، فيشعر القارئ في مقاربته أنه ليس هناك استلاب أمام العكاكيز التي يتوسل بها الكثيرون في مقاربتهم النقدية. وثمة جزئية أخرى لها نوع من الأهمية، ففي مقاربته لا يتوجه نحو العمل موضوع المقاربة بشكل ينمّ عن الرؤية الجزئية أو المبتورة باستنادها إلى حدودها بعيدا عن المنجز السابق للكاتب، ولكنه- ربما لفعل التأسيس الكتابي المستمرّ- مهموم برؤية شاملة للمنجز، ومن ثم نراه- قبل أن يوجه القراءة للعمل المحدّد- مهموما بإعطاء القارئ (فرشة) ترتبط بمنجزه الأدبي والأطر المعرفية التي يتحرك فيها هذا المنجز، فهذه (الفرشة) مهمة في معاينة الثبات والمغايرة بين الرؤى والتوجهات الفكرية. ففي مقاربته هناك انفتاح على أعمال أخرى سابقة أو موازية في إطار الجنس الأدبي للعمل الذي تتمّ مقاربته، وعلى أجناس وفنون أخرى، وربما يعود ذلك إلى قناعته بحتمية اندماج المعرفي والحضاري بالفني والإبداعي في أي شكل من الأشكال الكتابية. وفي ظل ذلك الفهم لا يقف جابر عصفور في منحاه النقدي في هذا الكتاب عند حدود النوع السردي، ولكن- لتكوينه المعرفي المستند في تولده إلى نصوص- تتجلى الفكرة مسيطرة فيتأمل تشكلاتها مع وجود اختلاف النوع الأدبي، على نحو ما يمكن أن نجد ذلك واضحا في حديثه عن دلالات وارتباطات بين قصة زكريا تامر ونص شعري لسعدي يوسف، أو إشاراته العديدة لنصوص شعراء في مقاربته للأنماط الكتابية السردية. وهذه الإشارات والارتباطات لا تأتي عارية من الدلالة، لأنها تأتي موجهة لحركة التلقي والتأويل، أو لفتح نافذة جديدة، أو للإسهام في تأكيد وجود أبعاد معرفية يكون حضورها مهما. بين المتابعة والقراءة العنوان الفرعي للكتاب(مراجعات وقراءات) لا يأتي عاريا من الدلالة، فهو يشير إلى وعي لافت من المؤلف بالمغايرة والاختلاف، فكل واحد منها يحتاج إلى اقتراب خاص، وإلى تجلّ مغاير للآليات الفنية في التعامل مع النص، بالرغم من كون النص في الأساس- في ارتفاعه فنيا وتدنيه- هو الموجه في توليد نوعية المقاربة، وتوزعها بين المراجعة والمتابعة أو القراءة، حتى لو وضعنا في أذهاننا طبيعة الوسيط المرتبط بالصحيفة. فجابر عصفور يشتغل في المراجعات على التنميط الجاهز، وهذا التنميط الجاهز لا يرتبط بتلقي الناقد أو مقاربته، وإنما يرتبط بنصوص إبداعية تتحرك في أطر تمّ تعبيدها وتشكيلها، وبشكل قد يكون أكثر دقة يمكن الإشارة إلى أن هذه النصوص أو الأعمال لا تجترح أفقا جديدا، فهي تمثل بتجليها الكتابي والفني إعادة اشتغال أو عزف على لحن سابق تمّ حفظه وتثبيته. وعلى هذا الأساس فليس هناك انشداد أو مساحة تفرضها طبيعة النص وأطره الفكرية للتوسع في تناوله أو مقاربته، وليس هناك رجوع للعمل الفني أو الاقتباس منه، فالاقتباس من العمل والوقوف عند جزئيات دالة ليس للاستشهاد، وإنما للانفتاح على الآفاق التي يجترحها، لإثبات مشروعية التأويل، لأنه- أي الاقتباس- يقرّب القارئ ويدخله في بؤرة عملية التلقي من جهة، ومن جهة أخرى- وهي الأكثر أهمية- يأتي لتجذير الخيار القرائي المقترح لتناول العمل الأدبي. فوضع العمل في دائرة المراجعات أو المتابعات لدى جابر عصفور يعود في جانب من جوانبه إلى حساسية نقدية مشدودة إلى ذائقة مرتبطة بمقاربة العمل، فكأنه بهذا الاختيار يقدم تراتبية تصنيفية لمستوى العمل، نظرا لما يثيره لدى الناقد من السير في الأفق الجاهز والمعبد، أو الانطلاق نحو القراءة في حركة دائبة للاستكشاف والتنقيب والإثبات. في المراجعات هناك إمكانية لتقديم الأحكام بشكل فيه نوع من الشمولية انطلاقا من طبيعة الأعمال المسيجة بحدود النمط والسكونية الجاهزة، على نحو ما يمكن أن نرى في حديثه عن رواية (صانع المفاتيح) لأحمد عبداللطيف، حيث يراها تنطوي على مزالق البداية فنيا بالرغم من منظورها الفلسفي، وجاذبيتها الكثيفة، أو في مقاربته لرواية (من فرط الغرام) لناصر عراق في إشارته في نهاية المقاربة إلى غياب العمق في مناطق خاصة من العمل. وقد تشدنا الأحكام في المراجعات أو المتابعات إلى صفة أو إلى توجه آخر يتمثل في الاتكاء على حديث عام عن المنحى الفكري للعمل دون الدخول إلى شواهد أو تفصيلات دالة ممثلة للظاهرة التي يتناولها في أي عمل. فليس هناك- في أغلب المتابعات- إشارة أو اقتباس يؤيد وجهة النظر، بل هناك حضور معرفي مطبق لا يخلو من إشارات تلخيصية للراوية لتوليد شراكة مع القارئ وإدخاله في عملية الوعي بالنص وحدوده. فالمغايرة بين المتابعة والقراءة ليست في نوعية المقاربة التي تنفتح على طبيعة ومساحة الاهتمام، ولكن على نوعية العمل الأدبي الذي قد يعطيك كل شيء، وكأنه يتحرك وفق سنن جاهزة، فيقص أجنحة التحليق والبحث والجهد المبذول لدى الناقد، أو ينفتح على نوعية أخرى من الأعمال الأدبية التي تجترح المؤسس وتكتفي بإشارات دالة لتوليد مساحة للبحث والتقصي، ويغدو الاقتراب منها قائما على معاينة أشياء دقيقة وتفصيلات حية. تتولد حدود القراءة من تعاظم النص- لبنيته الخاصة- على النمط الجاهز والمؤسس، فتصبح الاستجابة النقدية مغايرة، فلا تجد بغيتها في الجاهز المعرفي الذي نرى صداه وهيمنته في المتابعات، ولكنها تؤسس لنفسها طريقا أخرى تنطلق من ارتباطها الفعّال بالنص، وانحنائها لجزئياته ومقولاته وبنياته، ومن هنا يتحوّل الاهتمام من الانطلاق من بنية معرفية جاهزة تحاول الارتفاع بالنص إلى بنية معرفية تمتلك إشارات دقيقة ورهيفة، ولكنها غير مستقرة وغير جاهزة ولا تملك يقينا، وتبدو في احتياج دائم للتدليل والإثبات في تجذير مشروعيتها. في القراءة النقدية ليس هناك يقين، هناك اختيار لتأويل، ومن ثم هناك مساحة للاقتراح، وفي تسويغ هذا الاقتراح، هناك بحث عما يدعمه وتقويض لتأويلات أخرى تبعث على تفتته وتلاشيه، فنجد مقابلة بين آراء وتأويلات ترتبط بالعمل موضوع القراءة، ومناقشة هذه الآراء، على نحو ما يمكن أن نجد في مقاربته لرواية(وكالة عطية)، ووقوفه عند آراء بعض النقاد في اعتمادها نموذجا لرواية (البيكارسك)، وردّها في إطار ذلك من وجهة نظره إلى المشابهة مع قصص الشطار والعيارين. تعطي القراءة النقدية مساحة لمعاينة الشبيه والنظير على مستوى الأعمال الأدبية ببنياتها وأشكالها التي تنمو بهدوء، وذلك من خلال حضور الشخصيات التي تشكل نمذجة، والبنيات التي ظلت تمارس تأثيرا خاصا وبتنويعات مختلفة فيما يتلوها من أعمال. ومعاينة الشبيه والنظير تكشف عن حجم المشابهة وحجم الإضافة التي تتيحها فرادة التكوين المرتبط حتما بالثقافة وأنساقها الحضارية. من خلال هذه المعاينة سوف تتكشف الأعمال الروائية التي تقدم تجليات جديدة تخلخل ما لدى الناقد من تجهيزات مؤسسة يستطيع التصنيف في إطاراتها الجاهزة، فينزل تدريجيا من عليائه ليدخل إلى قراءة العمل وفق ما يعطيه وتكشف عنه بنياته، وما يقدمه من مرشدات لتبدأ عملية التأويل والتفسير انطلاقا من معاينة هذه المرشدات، وتأمل هذه البنيات. ففي توقفه عند رواية (وكالة عطية) لخيري شلبي يجد جابر عصفور نفسه أمام بنية ليست مستقرة، فلا تنتمي الرواية إلى سردية كلاسيكية بحركتها داخل التتابع السردي أو النمو، بل هناك بناء سردي مزدحم بالصور أو المرايا التي يخلق من خلالها العالم، ويحقق زحزحة للمتعارف والمستقرّ. ولا تقف المغايرة عند حدود البنية، فهناك لغة الرواية التي كان لها دور في مشروعية إلصاق مصطلح (كتابة القبح) وطابعها الاستفزازي. وفي ظلّ تلك المغايرة على مستوى الشكل واللغة تتحول المقاربة من متابعة محتمية بنفسها ومزدانة بالعلو والتأسيس داخل إطارها المعرفي المستقرّ، إلى قراءة تحاول استنطاق العمل، والاتكاء خلف بنياته وأساليبه لإثبات مشروعية المنحى الفكري الذي تقترحه، مثل الإشارة في أكثر من موضع إلى التشبيهات العديدة التي تكشف عن خصوصية اللغة وارتباطها بانغماس داخل حدود هذا السياق الاجتماعي، بوصف التشبيه الوسيلة الأكثر حضورا في الحكي أو السرد الشعبي. وإذا كانت المتابعة النقدية أو المراجعة تقف عند حدود المستقرّ والجاهز انطلاقا من دوران النصوص داخل نسق ظهر واضحا من كثرة وتوالي الإلحاح عليه، مما أدى إلى سكونية هذه النصوص وتجذرها في حدود النسق الكتابي الممتدّ، فتصبح تجليات نصوصية شبه جاهزة، يمكن تسكينها بسهولة في إطاريها المعرفي والإبداعي، فإن القراءة تأتي مملوءة بالتعب والتقصي لكل جزئية في العمل. فالقراءة- لديه- تبني استراتيجيتها على القراءة الواسعة أو المعرفة التي تشكل مهادا مهما للحفر التأويلي للدخول إلى العمل. ففي تناوله لرواية أشرف العشماوي(تذكرة وحيدة للقاهرة) يشعر القارئ بالجهد المبذول في استقصاء سياق الكتابة، وطبيعة الشخصيات وتوزعها بين كونها تاريخية حقيقية أو خيالية مخترعة، بالإضافة إلى وقفته الضافية في البداية للحديث عن أدب النوبة، وأزمته الخاصة بالهوية وارتباطها بالغبن ودونية التراتب المستمرين باختلاف العصور. لا يتحرك جابر عصفور في قراءاته بوصفه ناقدا فقط، ولكنه يتحرك بوصفه واحدا من المؤسسين المهمين لنقد الرواية في العالم العربي، ولهذا تجد كتاباته في أحيان ليست قليلة تتجه للعناية بالرصد التاريخي للراوية العربية ومراحلها، داخل شرطها الزمني وسياقها الحضاري بداية من النشأة إلى اللحظة الراهنة، تجلى ذلك في قراءات عديدة، خاصة في دراسته لرواية (سيدات القمر) للكاتبة العمانية جوخة الحارثي، مشيرا إلى اللحظة الراهنة ودورها في إزال التراتب بين المركز والهامش في الكتابة الإبداعية. منطلقات المقاربة في القراءات النقدية نجد المقاربة النقدية نفسها أمام نصوص في حركة دائمة لاجتراح الشكل، واجتراح المعرفي في تجليه بشكل خاص، والناقد في مواجهة هذه النصوص يجب أن تكون لديه قدرة خاصة على التأويل. وتتمثل فرادة جابر عصفور في قدرته الخاصة على تأويل النصوص، وليس التأويل فقط، ولكن في التوجيه المستمرّ لفعل التأويل بما يقدمه من مرشدات دالة على مشروعية التأويل، وتجذره في الفهم المتأني، لأن النصوص ليست أحادية الدلالة، فالقراءة هنا تصبح انفتاحا على التعدد التأويلي، واختيار تأويل من التأويلات العديدة التي تتولد للظاهرة النصية اختيار يجب أن يكون له ما يبرره، ومن هنا لا تكتفي القراءة بالوقوف أمام المنحى الفكري واستعراض ملامحه، ولكنها مطالبة في كل جزئية من جزئيات القراءة بإثبات مشروعية المنحى الفكري التأويلي، على نحو ما يمكن أن نرى في تناوله لرواية (في فمي لؤلؤة). يبدو المنطلق الأول لفعل التأويل لدى جابر عصفور متمثلا في النص، فالنص لديه- انطلاقا من كونه ناقدا لا يتوسل الدخول إلى نصوصه بعكاكيز من آخرين وإن كان يهضمها ويسمها بميسمه ونزعته- هو نقطة الانطلاق والوصول في آن، والمعرفة النصية الكامنة لديه تجعله أقرب النقاد العرب إبداعا في تأويل النصوص، وذلك لضخامة البناء المعرفي الذي يؤدي دوره في تفكيك النصوص من خلال اختيار البنيات الفاعلة والمؤثرة في تماهيها ودلالتها في استمرارها في الإشارة إلى الإطار المعرفي. والاهتمام بالنص يحيلنا إلى وقفات جادة وإشارات مهمة إلى نصوص سابقة لمعاينة فعلها وطبيعة حضورها في النصوص الآنية، كما في رواية (أصابع لوليتا) لواسيني الأعرج، في مقابل (لوليتا) لنابوكوف الروسي، أو (الزوجة المكسيكية) لإيمان يحيى في مقابل (البيضاء) ليوسف إدريس. ولا تقف الفاعلية النصية عند حدود النوع الخاص بالسرد أو القص، ولكنّ هناك انفتاحا على تماهي أنواع أخرى، فيبرز الشعر بوصفه حضورا يرتبط بالمنحى الفكري، فهناك استرجاعات لأشعار تراثية أو حداثية لأمل دنقل وآخرين، فالفيصل هو طبيعة الفكرة أو المعرفة، بالإضافة إلى كيفية إثباتها أو الإشارة إلى مشروعية المنحى التأويلي الدلالي المقترح، فالتأويل لا يتولد من فراغ، ولكن من ركام هائل من النصوص من ثقافات مختلفة، تجعله يعاين التشابه والاختلاف، ومن ثم يتوصل إلى الإضافة الآنية. أما ثاني المنطلقات المهمة في مقاربة جابر عصفور فتتمثل في حضور المعرفي في شكل مواز للأفق النصي، فالتأويل- بفعل التوجيه المستمر- يظل مشدودا إلى إطار معرفي يكيفه، ويؤسس مشروعيته من الشك للوصول إلى مرتبة أقرب لليقين، فمن خلال الثنائيات المتضادة في جدلها المستمر بين الواقعي والخيالي يأتي تأويله لاسم (لندن) الغريب لفتاة في رواية جوخة الحارثي بوصفه نوعا من الفعل المتمرد على كل المواضعات والتقاليد التي يؤدي قمعها إلى نوع من التحرر من سطوة الواقع. وربما يكون المنطلق الثاني أكثر المنطلقات دلالة على تشكيل هوية للمقاربة النقدية لدى جابر عصفور، لأنه في كل متابعاته أو قراءاته لا يكتفي بدور الناقد الذي يقف عند حدود العمل الأدبي، ولكن هناك في كل ما يكتب يوجد تعاظم على هذا الدور ليتجاوزه إلى أفق رحيب أكثر غنى استنادا إلى الجانب المعرفي الذي يأتي سابقا وموجها القراءة. يتجلى هذا في مجموعة من الظواهر، ففي تناوله للقص أو السرد لا يقف عند حدود ذلك الفن بآلياته وجمالياته المعهودة، بل يجعل هذه البنيات في انفتاح دائم للإشارة إلى الخارج السياسي أو الاجتماعي أو المعرفي، حتى أن القارئ في بعض الأحيان يشعر أن الدور المعرفي يشكل الوجود الأكثر حضورا في مقاربته النقدية. وإذا كان جابر عصفور في كتابه (متعة القص) واحدا من النقاد الذين يتحركون منصتين إلى عطاء النص غير المسبوق بمواضعة بوصف ذلك التوجه مرتكزا أساسيا في مقاربته، فإن ذلك المرتكز لا يمنعه من الوقوف عند السياقات الحضارية خاصة حين تكون نتاج بنيات لغوية وأسلوبية من جانب، ومن جانب آخر حين يقاربها في لحظة تجليها وتحولها إلى أطر معرفية تكشف عنها بنى أسلوبية دالة، ولهذا يشعر المتلقي في بداية كل القراءات أن الجانب المعرفي يكاد يكون طاغيا، خاصة حين يتوسد أو يستند إلى سياقات حضارية ملموسة ذات أثر ممتد، وتصبح- بالرغم من زوالها- حاضرة، وتتحول إلى بنية معرفية جاهزة للاتكاء في المقاربة لمعاينة التشابهات والتباينات، يتجلى ذلك في مقاربته لرواية (الزوجة المكسيكية) في وقوفه عند التحولات الجذرية التي أصابت الحياة السياسية في لحظتين زمنيتين بالرغم من التفاوت الزمني، أو كما يتجلى في تناوله لرواية (أصابع لوليتا) لواسيني الأعرج، حيث تأتي بوصفها دالة على فاعلية الثنائيات الضدية، وكشفها عن بنيات معرفية وتكوينات فكرية، للإشارة إلى أن الإرهاب الديني لا يرتبط بمكان أو عرق، وإنما هو نتاج تجاور وتداخل الأصولية الدينية مع الفساد السياسي والنمط التسلطي في الجزائر، وهما يشكلان معا بنية قمعية ذات دلالة. القراءة المتأنية للكتاب تثبت أن أية مقاربة- وخاصة القراءات الموسّعة- مشدودة إلى جانبين: يتمثل الأول في الجانب المعرفي المكوّن في التحليل الأخير من النظريات في تجاوبها وتباينها والوعي بها، ويتمثل الأخير في بنية نصية مشكلة للعمل الأدبي، ولكنها عند المقاربة منفتحة على نصوص سابقة تتجاوز محدودية الزمن، والأعراق بتوجهاتها المحددة، لتشكل مقاربة نقدية مرتبطة بالإنساني في تجليه العميق. ففي مقاربته هناك حركة دائبة وراسخة بين النص الذي يقاربه، ومجموعة نصوص غائبة خلقت وجودها المستمر من الدوران والانتشار خارج حدودها الجغرافية، لتخلق في النهاية تشكلات قد تكون متجاوبة أو متباينة معها في الأفق والتوجه. المنحى الفكري بوصفه مدخلا مهما في هذا الكتاب في تشكيل آلية التناول، أو تفعيل المنحى الفكري -على نحو قد يكون أكثر دقة- له تأثير مهم في طبيعة المقاربة، فالمنحى الفكري في هذا الكتاب الذي يمكن أن يكون محورا فكريا أو مؤسسا أيديولوجيا أو بنية دائمة الحضور بإشعاعها الدلالي يمارس حضوره في تنميط الكتابة، وفي توليد فاعلية في طبيعة تشكلها، فالفن والفكر في منطق وآلية مقاربة جابر عصفور قطبان ليسا متوازيين أو متقابلين، فقد يتحول كل واحد منهما إلى الآخر، ويمكن أن يحلّ محله، مما يمكننا من القول أو الإشارة إلى أن المعرفي الفكري قد تحوّل إلى نصي فني، وأن النصي الفني قد يصبح في الوقت ذاته معرفيا فكريا. وهذا قد يبرّر استمرار نصاعة وعمق هذه المقاربة برهافتها داخل النسق الأكاديمي بالرغم من كونها كتابة سيارة جاء معظمها للصحف أو المجلات، ويبرّر تجذرها في إطاري العمق والبساطة. ويمكن بشيء من التأمل لقارئ الكتاب أن يدرك المناحي المعرفية التي تتعدل ويحدث لها تحوير خفي لتصبح وفق ذلك مدخلا مهما من مداخل القراءة أو المقاربة، فعلى سبيل المثال نظرية ما بعد الاستعمار وحضورها الخفي والمؤثر في مقاربات عديدة لروايات داخل الكتاب مثل (أشجار قليلة عند المنحنى) لنعمات البحيري في مقالته (تغريبة المقموعين)، أو في (شمسة)، أو في (كتيبة سوداء) لمحمد المنسي قنديل، أو في(سيدات القمر)، أو في (تذكرة وحيدة للقاهرة)، تتجلى واضحة في إشارته المستمرة إلى (القامع) و(المقموع)، بالإضافة إلى جزئية فكرية أخرى تتمثل في انسداد الأفق عند العبيد بعد التحرر أو المقموعين من شخصيات الروايات، وهذه جزئية ألحّ عليها منظرو ما بعد الاستعمار في عدم القدرة على تمثيل أنفسهم حتى بعد زوال الاستعمار، وتحلل قيوده. وهذا قد يشدنا إلى منطلق أخير من منطلقات المقاربة النقدية في هذا الكتاب، يتمثل في تفعيله لآلية الثنائيات المتقابلة، ليس فقط في الروايات التي اعتمد في مقاربتها على نظرية ما بعد الاستعمار، ولكن في مقاربته لروايات أخرى بنزعة مغايرة، وهذا يكشف عن قيمة النظرية في توليد وشحذ توجهات نقدية بها قدر من المرونة في قدرتها على التحوّر والتمدد والتشكل في تجليات مستمرة ليس لها صفة الثبات، ولكن تطبيق مبدأ الثنائيات المتضادة يظهر جليا واضحا في هذه الروايات بسبب حدة الاختلاف أو التباين. ففي حديثه عن (كتيبة سوداء) لمحمد المنسي قنديل يرى أن أهمية الرواية تتمثل في تعرية خطاب وأيديولوجيا الاستعمار الاستيطاني، وتتشكل المقاربة في تأويل الرواية وبنياتها وأسسها في إطار هذا المنحى المعرفي، وذلك في حدود العلاقة بين القامع والمقموع الذي تتحور صورهما وتتبدل في حركة دائرية مستمرة في سياق تحديد الأعلى والأدنى في ضوء تراتب قمعي قائم على اللون والعرق والجنس مشيرا إلى طبيعة الراوي العليم التي لا تخلو من استبداد في الاختيار والتوجيه. فالثنائيات المتقابلة الضدية لها حضور لافت في مقاربة جابر عصفور بشكل عام، لكن هذه الثنائية تأخذ شكلا مختلفا في كل مرة، مما يكشف عن أن كل مقاربة للإجراء قد تشير إلى إمكانية وجود وميلاد تجل جديد له. ففي (سيدات القمر) لجوخة الحارثي تتولد الثنائية أو ملامح المفارقة بين الحلم من ناحية، والواقع من ناحية أخرى، مشيرة في طيات ذلك التقابل إلى صور عديدة للقمع بين الشخصيات المتقابلة، استنادا إلى مقابلة في النوع أو الجنس(الرجل والمرأة)، أو إلى التراتب الاجتماعي (السيد والعبد). في بعض الأحيان تتولد الثنائية الضدية على مستوى تباين أو تشابه الأزمنة والسياقات الحضارية المرتبطة بها، ففي رواية(الزوجة المكسيكية) لإيمان يحيى تتأسس الثنائيات المتقابلة على مستويات عديدة، وهي النص السابق (البيضاء) في مقابل النص الروائي الآني، بالإضافة إلى التقابل بين الأبطال والشخصيات المتوازية. ولكن التقابل الأكثر أهمية لا يرتبط بما سبق، ولكن يرتبط بقدرة الرواية على تقديم مرايا مختلفة للسياقات الحضارية بالرغم من الفارق الزمني، فتعرض لنا هذه المرايا أشكالا متشابهة ومختلفة في آن، فهي متشابهة لارتباطها بنسقي اليسار وطبيعة النظرة إلى المرأة، ومختلفة لأن بينهما مساحة زمنية يجب أن تولد بشكل حتمي واقعا مغايرا. وهذا يجعلنا نشير إلى أن هذا التناظر الماثل في رواية إيمان يحيى(الزوجة المكسيكية) تناظر يشده هدف متوار يتمثل في معاينة حال اليسار المصري، ليظل سؤال الرواية: هل تستمر الحياة بدون يسار؟ بمعناه المتعالي في المطالبة الدائمة بتنبيه السلطة من خلال الإشارة إلى أخطائها، ويغدو-انطلاقا من ذلك- وجها من وجوه عدم الرضا، حتى لو كان الواقع جميلا. كتاب (متعة القص) مهموم بالتأويل والتوجيه المستمر لهذا التأويل من خلال الاستناد إلى بنيات لغوية وأسلوبية، حتى يتجلى توجها مشروعا له أسانيده الفكرية والنصية، وفي تشكيله لهذا المنحى الكتابي في النقد العربي يمارس دورا له أهميته بالنسبة للكتّاب والقراء على حد سواء في تشكيل وتوليد آليات مرنة يحدث لها تحوير مستمر انطلاقا من طبيعة النصوص النامية في اجتراحها للمؤسس والمستقرّ.