عادل ضرغام

المناحي المعرفية وخلخلة أفق الانتظار في غيمة يتدلّى منها حبل سميك للكاتبة أماني سليمان داود

غلاف كتاب المناحي المعرفية وخلخلة أفق الانتظار في غيمة يتدلّى منها حبل سميك  للكاتبة أماني سليمان داود
المناحي المعرفية وخلخلة أفق الانتظار في غيمة يتدلّى منها حبل سميك للكاتبة أماني سليمان داود عادل ضرغام في مجموعتها (غيمة يتدلّى منها حبل سميك) للكاتبة أماني سليمان داود نلمح تعاظما على الواقع بصناعة حياة أخرى موازية، يؤسسها الأبطال، حتى بانهزامهم، ووصولهم إلى مرحلة الخيالات التي تقربهم من المرض، يعيشون فيها، وكأنها واقع بديل يمنح وجودا خاصا للفقد المتوالي، فالقصص تأتي بعوالمها كأنها فعل مقاومة من خلال هؤلاء الأبطال الهامشيين، في ارتباطهم بمساحة تفكير مغاير، أو بالسعي وراء المتخيل، أو باختلافهم البيولوجي. قصص المجموعة محاولة للإمساك بالأسئلة الغائرة داخل الذات، أسئلة تتعلق بالذات والكون، وبالذكورة والأنوثة، والغياب والحضور. يلمح القارئ من خلال هذا التعاظم الذي تؤسسه الشخصيات الهامشية تداخلا وتماهيا بين الواقعي والمتخيل، وذلك من خلال التوزع بين الأرض والسماء، والتوجّه نحو أطر صوفية للحركة، تتكوّن لها مشروعية من خلال بعض الإشارت الدالة والكاشفة عن هذا التوجه، فالنفس الصوفي- بوصفه وسيلة من وسائل المعرفة- له وجود لافت في قصص المجموعة من خلال تأمل الإطارات السردية، والحوارات والرموز التي تستعصي على الفهم بدون مقاربة ومعاينة هذا التوجه، وقد كفل لها هذا التوجه تجليا مغايرا في مجالي التشكيل والتأويل. قصص المجموعة لا تأتي بوصفها قصصا عادية ساكنة داخل بناء ساكن ممهّد، بل تشكّل كتابة قائمة على التجريب المستمر، ففي كل قصة هناك كسر وخروج عن القالب المعروف، وهناك ابتعاد عن العادية، وعن الأفق المتوقع من القارئ، لخلق أفق جديد، تمنحه الكتابة القصصية حضوره، من خلال بعض الإشارات البسيطة التي تكبر وتتآزر فيما بينها، لإسدال المشروعية لوجوده الذي يحمل الكثير من الجدة في المقاربة الفنية للوجود والحياة بكل أشكالها وتنوّعها. فالكتابة القصصية في هذه المجموعة هدم وبناء، واستيلاد آفاق تطلّ براسها على أنقاض القديم. هناك أيضا في قصص المجموعة ما يثبت هذا التعاظم على الوجود الناقص والهشّ للإنسان، فعناوين الكثير من قصصها ترتبط بمحاولة لافتة للاستعلاء والارتفاع- حتى لو خيالا- عن الواقع المعيش، بداية من عنوان المجموعة نفسه، مرورا بعناوين قصص كثيرة مثل (ذراع تحفّها الغيوم)، و(سلالم البوح)، و(نافذة وحيدة عالية)، و(عين الجرذ..عين الطائر). فكلها عناوين تؤسس للفضاء الدلالي فضاء مقاوما بعيدا عن التسليم، والاندحار تحت سطوة الواقع وقدرته على قهر الذات، والعمل على تسييج حضورها في أردية وأشكال نمطية. ولهذا السبب تتميز قصص المجموعة بسمة مهمة، فهي لا تنفتح بسهولة للتأويل، وفي بنائها لانعطافاتها السردية النامية، هناك محاولة لخلخلة المستقر، ودائما ما يجد القارئ تأسيسات بنائية لكسر التوقع، والخروج من أسر العادية، وهذا يتطلب منه- فوق الثقافة المتنوّعة- انتباها مستمرّا، ويتطلّب أيضا إعادة القراءة مرة بعد مرة، حتى يبدأ في تلمّس المنطلقات الأساسية التي تشكل عصب الكتابة. فقد يجد القارئ بعض البدايات العادية، ولكن الإضافات المتوالية المستندة في تراكيبها إلى بعضها البعض، والتوجيهات السردية التي ربما يكون بها نوع من القصدية والتعمد في بناء الحدث والشخصيات، تقومان بفعل التغييب لهذه العادية، وتجعل النصوص القصصية مزدانة بغموض شفيف، يحتّم إعادة القراءة، طلبا للفهم ومعاينة حركة المعنى ونموّها أولا، ثمّ الانتقال إلى فعل القراءة والتأويل استنادا إلى مرشدات دالة. التجريب وخلخلة أفق الانتظار في قصص المجموعةهناك محاولة للتمرد على الشكل الجاهز أو على المكرّر في الكتابة القصصية الطويلة نسبيا، ففي قصص كثيرة نجد أن هناك محاولة للتجريب المنفتح حتما على التغريب، من خلال تداخل العوالم والارتباط بالفانتازي والعجيب. وهذا التوجه يجعل كتابة القصص في هذه المجموعة في معرض حافل للتأويلات المتولدة تباعا حسب الإضافات والإشارات الناتئة التي تمارس دورها في وجود هدم جزئي لعملية التوقع أو أفق الانتظار. فالقارئ لقصة (غيمة يتدلّى منها حبل سميك) يجد نفسه موزّعا بين تأويل أولي يرتبط بحضور العجيب والفانتازي والغرائبي في سياق واقعي، لكن التأمل المتواصل، ومعاينة بعض الإشارات المنثورة بميزان خاص قد يكون فيه قصدية، يخلخلان هذا التأويل. فالتأمل لبعض الإشارات يوجّه القارئ نحو الوجودي، وإلى الأسئلة القلقة التي تلازمنا، وإلى الوجود الإنساني الهشّ المحتوم بالنهاية، والمحاولة الدائمة في الانفلات من هذه المحدودية والنقصان، للوصول إلى براح وإلى يقين واكتمال. البطل في القصة لديه نوع من المعرفة التي يخبر بها الآخرين، وترتبط بمعرفة القادم في قوله- وكأن ذلك يمثل نبوءة- (سيقطعون رأسي بعد ثلاثة أيام)، مع تقديم تعداد لهذه الفصائل والأنماط التي يخبرها، وهو نسق متبع في كثير من القصص، وتتنوّع هذه الفصائل بداية من المرأة الذاهبة إلى المحكمة، وجاره في الباص ذي الجسد الضخم، والسائق الذي يستعجل نزوله، وبائعي مأكولات الذرة والدخان والملابس والتمر هندي والسوس والكتب المستعملة، بالإضافة إلى عدد من الأولاد الذين يضربونه، والغجري وأصحاب المحلات، والأم وابنتها الطفلة واللحام والقطة. يمثل كل هؤلاء أصناف البشر العاديين والكائنات الحية التي يجيد التواصل معها. ومن هذه الإجادة والتركيز على المهمشين، يلوح في الأفق سؤال يرتبط بطبيعة المعرفة، وعن مدى مشروعية إخبار العوام بها، خاصة في حضور فعل الضحك، لأنه يمثل طريقا للسخرية والانتقاص من المؤسس والتحديد الصارم للكيانات، فالضحك- كما تنبأت أمه وخطيبته- سيؤدي به إلى حتفه، لأنه مقاومة مغايرة ضد الخنوع والتسليم في تلقي الأشياء اللذين يطالان الجميع. هذا التباين في بداية القصة يؤسس لقسيمين: قسيم الفرد المغاير صاحب المعرفة في مقابل القسيم الآخر الذي تعددت أصنافه في سياق كتلة عامة ترتبط بالمهمشيين. ثمة جزئيات وإشارات توجه نحو هذا الفهم والتلقي، منها المقابلة الحادة في عرف هؤلاء بين الأرض والسماء، ومع وجود تعاظم ضد ذلك من خلال الرأس السابح في السماء المتعلق بالغيمة، مع حركة الجسد المادية. فذلك يمثل محاولة دائمة للانفلات والمعرفة، وهتك الحجب والأفق المغلق. ومنها- كذلك- القدرة- أي قدرة البطل- على إجراء حوار مع القطة، ومنها- أيضا- الميدالية التي فاز بها في مناظرة، وهي ربما تمثل فعل معرفة وتساؤل فلسفي أو صوفي يرتبط بالعروج والوصول. وقد يفيد في ذلك السياق التأويلي المقارنة بين سلوك المهمشين من البشر في بداية القصة على تنوّع أصنافهم، وهو سلوك قائم على الإعراض والإيذاء، وسلوكهم في نهايتها المرتبط بالاقتراب والتوحد، مع إشارة واحد منهم بضرورة (التقية)، ومع هذه الكلمة يصبح التأويل المقترح ذا مشروعية، فالقصة تنحو نحو المعرفة الصوفية المشدودة لعقد الاتصال بين الأرض والسماء، ومحاولة الوصول إلى الأبدي واللامتناهي، وهو منحى يتطلب التقية والصمت، وليس الكشف والكلام. تمارس النصوص القصصية نوعا من المكر الفني وكسر التوقع، من خلال إغلاق الآفاق التي تفتح بالتدريج، أو تركها معلقة أو مؤجلة في فضاء النص، ربما تبوح بدلالة ما، او توجّه أو تعزز اختيارا ما. نجد ذلك واضحا في قصة (سلالم البوح)، فأثناء القراءة تتشكل خطوط سردية وآفاق للفهم، فوجود مدرسة (البيانو) مع الطفلة يمثل خيطا سرديا قابلا للامتداد والاشتغال، خاصة من خلال إشارات تجعل هذا الخيط مبررا، مثل حديث الابنة عنها، ولوحتي جيوفاني بولديني. ولكن النص الذي يفتح هذا التوجه على مسافات متباعدة يغلقه بالتدريج، من خلال الكشف في نهاية القصة عن عدم وجود ابنة له من الأساس، وتغدو اللوحتان في التحليل الأخير علامة أو إشارة على التهيؤات التي تصيب المريض في عيادة نفسية. أما الجزئية التي تصرّ على تماسكها من البداية إلى النهاية، فتتمثل في فقدان الأب الذي يتخيل البطل المريض أنه والد صديقه، ولكن القصة بمدارجها المعرفية النامية سرعان ما تجعل هذا التأويل باهتا وهامشيا، لكي يبدأ التوجه نحو منحى معرفي أكثر رسوخا، تجلّى في فعل الكتابة وأثرها على الجميع، بوصفها فعلا من أفعال الشفاء والعلاج. ففي هذه الدائرة يدخل المريص والطبيب، وغيرهما كثيرون، يتأثرون بالفن وقدرته. فتأويل القصص- انطلاقا من لعبة الإثبات والمحو- أقرب إلى مدارج تتنامى، وتبرق في الذهن، لكن بعضها يصاب بالشحوب، ليتأسس للقصة تأويل أكثر مشروعية ونصاعة، يرتبط بالفن والكتابة والموسيقى التي تأتي في عنوان القصة وسيلة استشفاء وبوح للمريض والطبيب والآخرين. في قصص أخرى لا يأتي كسر التوقع من توجيهات سردية تفكك المتخيل القادم، لكن من خلال عقد تشابهات جزئية بين البطل ونموذج أو مجموعة نماذج تتصل بالقداسة، لكنها لا تستمرّ على إطلاقها، فنراها واقفة عند حدود إسدال مساحة من المغايرة والاختلاف والقدرة على البشري الإنساني. يبدو ذلك واضحا في قصة (جناح تحفّ به الغيوم)، ففيها يدرك القارئ أن شخصية البطل المسرود عنها في حالة تماه مع يوسف الصديق، من خلال جزئيات خافتة، يبدأ الاشتغال عليها، منها جمال الشكل والطلعة، فقد سلبت إطلالته عقول الفتيات، والسنوات السبع العجاف التي مرت على القرية، ودوره في تبدّل الحال من النقيض إلى النقيض، بالإضافة إلى محاولة الآخرين تقبيح صورته، ونقل ملامح الصورة من اليقين بقيمة وجوده إلى حالة من الحيرة والريبة والرهبة. لكن هذا التماهي مع المقدس يجب ألا يؤخذ على إطلاقه، خاصة أن فكرة الذراع والوشم، تقلل من هذا التمدد، وتجعله وثيق الصلة بالبطل الواقعي الذي يكتسب من خلال المخيلة والسرديات الشعبية مساحات أكثر فاعلية بالقدرة على مفارقة المنطق والتعاظم عليه، من خلال الآليات التي تتكرر كثيرا في نصوص المجموعة، مثل تدفّق الماء من الصخرة التي كان يجلس عليها، تقول القصة (ضرب الصخرة التي كان يجلس عليها، فانفلقت إلى نصفين، وفار منها نبع ماء)، أو من خلال السير على الماء في مساحة المتخيل. القصة- بعيدا عن التماهي مع المقدس في البداية- تشير إلى نموذج واقعي، له قدرة على الفعل، وعلى صناعة المخيلة لدى الصغار، إنصاتا إلى سرديات شعبية متجاوبة، فذلك القادم/ النموذج من مكان آخر لإحداث تغييرات جوهرية، يصبح حالة مغايرة تتناولها وتؤسس لها السرديات الشعبية المختلفة، ويتحوّل إلى باب أو طريق للأحلام الجمعية، بالرغم من الاختلاف حول قيمته، ومحاربته في أحيان ليست قليلة. في قصة (مقص الشجر) يطالعنا كسر مختلف لأفق التوقع، كسر نابع من طبيعة الذهنية العربية، واهتمامها الخاص بالذكورة في مقابل إهمال متعمد للأنوثة. ترتبط القصة بخلق أفق توقع يرتبط بموت الشقيق الذي يعاني من غيبوبة ممتدة، جعلته في منطقة برزخية بين الموت والحياة، وهي حالة ترفض الأم التي تدخل أيضا داخل أفق الموت المنتظر بتقدم السن والحزن تصديقها، بسلوكها المنكر لحالة العجز، فتقوم بإحداث الفوضى في غرفته مساء، وإعادة ترتيبها صباحا، والقراءة له من الكتب والمجلات، وصناعة الأطعمة التي يحبها، وفي مرحلة تالية تصرّ على سماع أغانيه وتدخين سجائره، وكأنها من خلال هذا التوحّد به تصنع له تمددا وديمومة. فأفق التوقع لدى القارئ تتشكل دوائره في موت الابن أو الأم، لكن القصة توجهنا نحو منطق الحياة والوجود، إلى موت الأخت التي تقوم بعملية السرد، وكأن في ذلك إشارة إلى طبيعة الذهنية العربية المنحازة لقسيم دون آخر. في قصة (بيوفيليا) يتوجه التأويل للوهلة الأولى نحو رصد المتغيرات التي لحقت بالمدينة من خلال المقارنة بين الماضي البعيد الذي يظل على جماله ورونقه، لأنه بعيد ولا سبيل فاعلة في استرجاعه، إلا بالتخيل الذهني، ومقارنة الآني به. يتجلّى ذلك في الإشارات الخاصة إلى أماكن لها رصيدها الضخم داخل المجموع، مثل (سقف السيل)، و(سبيل الحوريات) في مقابل النسق الاستهلاكي المعاصر المملوء بأثر المقاولين، وبناء العمارات القبيحة مكان البيوت القديمة العبقة بالتراث. ولكن هذا التأويل- وإن ظلّ حاضرا- يتأسس فوقه تأويل آخر، يرتبط بإسدال التماهي بين المرأة والوطن، أو بين المرأة والمدينة، فكل منهما يملك وجوها عديدة، ولا يعطي وجها وحيدا وأخيرا. فالمتغيرات الذاتية التي لحقت بالبطل وهو يعاين المرأة، أو مساحة الاقتراب منها وهو بعيد خارج المكان تأتي متساوقة ومتوازية مع المتغيرات التي لحقت به في إحساسه وارتباطه بالمدينة عمّان، يتجلّى ذلك بشكل خاص في الوقوف عند مجموعة ظواهر كاشفة، أولها يتمثل في تلاشي سوء التكيف مع المتغيرات الحديثة الذي أسدل بسبب المقارنة بين الماضي والآني. ويأتي ثانيها مرتبطا بإعادة الاتصال مع جزئيات المكان وكائناته، فلم يعد مصرّا على المسافة الآمنة بينه وبين (جينيوس)، حين يقترب منه محرّكا ذيله طلبا للاقتراب الخاص كما يفعل مع الجميع، ولم يعد كذلك ضيّق الصدر بحكايات الآخرين الفاترة والمكررة. أما الجزئية الأخيرة فتتمثل في قدرته على إدراك الجمال المستحدث، وكأنه- مثله مثل خطاب المرأة المتواري في الكشف عن حبها- وجه من الوجوه الجمالية الغائرة الذي يتطلب الإنصات للوصول إليه، فالمتغيرات التي أطلت بتتابع السياقات، مثل السقف الذي يغطي النهر القديم المتلاشي بالجفاف تداعى أثرها السلبي، وكأن الحب- حب المرأة أو الوطن- أقوى من السأم النابع من التغيير. البناء السردي والمناحي المعرفية البناء السردي في قصص المجموعة متنوّع من قصة إلى أخرى، فهي كتابة ضد الثبات وضد التكرار، وفيها بحث دائم عن شكل يتجاوب مع المناحي المعرفية وآفاق التأويل. ففي قصة (ناي القحط) يجد القارئ نفسه موزّعا بين شكلين أو صورتين أو روايتين للقصة، الأولى ترتبط بالتباين والتضاد والتنافر بين الزوج (صالح) والزوجة (ريّة)، والاسمان لا يخلوان من دلالة، خاصة في الرواية الثانية التي تأخذ فيها القصة مدى أوسع، بدلا من الإغلاق الذي يتجلّى في مساحة الرواية الأولى بانتهائها بالطلاق نتيجة للتضاد والتنافر والتباين بينهما. في الرواية الأخرى للقصة تتآزر الأسماء والحركات لإسدال توجّه جديد، بداية من الصفة الملحقة بالزوجين (المشّاء) و(المشّاءة)، فهذه الصفة المسدلة توحدهما بعيدا عن التنابز السابق في الرواية الأولى، إلا في اختلاف بسيط لا يلغي الترابط والتوحّد. فالزوج أو الرجل أقرب في الرواية الثانية إلى المشّاء المسافر في الفلوات، وهو مدى معرفي ينفتح على المغايرة والتصوف، والمرأة- الزوجة- مشّاءة، وتبدو دائرة في فلك الرجل أو العارف، ولكنها بحاجة إلى هنيهة وصول وثبات وسكون للري والارتشاف. في ظل الرواية الثانية ثمة اشتغالات على رموز مقدّسة مثل (العصا)، وما توجده من انشداد إلى عصا موسى، مع مغايرة في الفعل والأثر. وهناك فعل الغياب أو الاختفاء أو الوصول إلى اللانهائي بالنسبة للزوج، وبقاء الزوجة في انتظاره أربعين يوما، وهو رقم له دلالته على التيه والوصول واللقاء، لتصل القصة في نهايتها إلى الارتواء ومعاينة الماء الذي يتفجّر بفعل عصا الزوج بعد الاختفاء. القصة في انفتاحها على الرموز المقدسة والمتصوفة، لا تخلو في الوقت ذاته من ملامح واقعية، ترتبط بالإدراك والمعرفة، ومراتبهما، ومحاولات التنقل بينها والوصول، بالإضافة إلى دحض فكرة التراتب بين الذكوري والنسوي، في القدرة على الوصول إلى المعرفة الفردية، والقدرة على الاكتمال المفرد، خاصة بعد فعل الغياب أو التبخر. فقد استطاعت (رية) أن تقوم بكل ما كان الزوج يقوم به، بداية من جبر كسر العصا، وصناعة نوع من الالتئام بين جزئيها، ومرورا بالقدرة على الخطاب مع كائنات أخرى كالخراف والكلب، وانتهاء بالري والتوحّد مع الكون والحياة، دون أسئلة تبعث على القلق والتبرم. القصة في روايتها الثانية رحلة للبحث عن الانسجام مع عناصر الكون ومخلوقاته وجزئياته، فالعصا التي يؤدي الارتباط بها- كما أشار زوجها سابقا- إلى الهلاك، أصبحت بعد ضم جزئيها بقطعة من ثيابها وسيلة لجمع المختلف من الكائنات، وإدخال هذا التعدد الواضح في نسق من أنساق الوحدة والائتلاف، وكأن هناك تيارا كهربائيا يجمع بينها، ويولّد لغة يستطيع الجميع فهمها واستخدامها. في كثير من قصص المجموعة هناك هذا التعاظم على النقصان، سواء أكان مرتبطا بالمحدودية المعرفية، أو بالنقصان الجسدي، على نحو ما يمكن أن نرى في قصتي (فطيرة سوداء.. وامرأة مبصرة) و(نافذة وحيدة عالية). ففي الأخيرة يتجلى البناء المغاير والمختلف من خلال تقنية عين الكاميرا، حيث تأتي النافذة عينا على الخارج باختلافه وتنوّعه، وفي الوقت ذاته عينا على الداخل الذي يتساوق مع الحكاية في لحظة النهاية أو الإغلاق، فالمراقبة المنصبة على الخارج لا تنفصل عن الحركة الداخلية للذات متأثرة ومؤثرة، فالذات المراقبة من خلال هذه الأداة خارج وداخل الحكي السردي في آن. تتجاوب مع هذه الآلية المراقبة للداخل والخارج آليات ماخوذة من السينما والسيناريو، لإدخال حالة من حالات التماهي بين الواقعي والمتخيل، ذلك التماهي أو التداخل الذي يشكل منطلقا أساسيا من منطلقات المجموعة، ففي عنوان القسم الأول من القصة تقول (العرض الأول: زووم إن، اقتربت الكاميرا من النافذة، أطلّ وجه، أبصرت عينان). من خلال القسم الثاني (كواليس ما قبل كتابة الفيلم وإخراجه وإنتاجه) ندرك أن هذا الجزء يدور في مساحة المتخيل. وفي الجزء الأخير الذي يرتبط بالمؤتمر الصحفي الذي عُقد بعد العرض، ندرك أن الرصد الذي قدّم في الجزء الأول كان دائرا في التباسه بالحياد السردي. يتجلى الحياد في كل الجزئيات إلا في الجزئية الأخيرة، حيث تنفتح مساحة المراقبة الخارجية على نوع من التلاحم مع الذات المراقبة من خلال معاينة فعل الجري في مساحة المتخيل من الفيلم الذي يقابل السكون والثبات وعدم القدرة على الحركة من الساردة التي تقوم بفعل المراقبة. إن كل نهايات فعل المراقبة على تعددها تنتهي بشكل كاشف عن التشابه والتوازي في إطار قولها (أغلقت النافذة، تحسست أطرافي، انشغلت بشؤوني)، وحدها اللقطة الأخيرة تأتي مختلفة، حيث يغيب الحياد السردي المراقب، وينفتح الواقعي على المتخيل، ويندرج المراقِب داخل عملية المراقبة، وتتحوّل النافذة إلى وسيلة لرصد الداخل والخارج في آن، ولهذا نجدها تقول (لم أستطع الذهاب إلى شؤوني هذه المرة، أحسست أن الكرسي قد ضاق بي، عدت إلى النافذة فتحتها على مصراعيها، كانت السماء تعج بالطيور، وكانت الحياة تمضي لاهثة دون توقف). إن نبرة التفاؤل في نهاية هذا الجزء تتماس مع لقطة البداية الجديدة مع المخرج الذي يبدو الموازي الجديد للمنسحب في عالم المتخيل في الجزء الأول، فطريقة البناء في النصوص القصصية وثيقة الصلة بالفكرة المعرفية التي تؤسس لها التي تتمثل في تداخل الواقعي بالمتخيل، فليس هناك في منطق القصص والكتابة ثمة فواصل حادة، فكل عالم منهما يؤدي إلى الآخر، وشخصياتنا التي نؤسسها تحمل جزئيات من المتخيل، لها قدرة على التأثير والتوجيه. في بعض القصص الأخرى نجد أن مراقبة السياقات البشرية الشخصية المختلفة منفتحة على النزال مع الواقع والارتباط به، من خلال سياقي الفرد والجماعة، للوصول إلى المتخيل. ففي قصة (شجرة الزينة الشوكية) يدرك القارئ أن القصة مملوءة بالحركة في فضاءات عديدة من خلال التنقل والتحولات غير المنطقية التي تصيب بعض البشر، وكأن هذه التحولات- باستثناء المرأة الأولى التي طلبت المساعدة، وظلت على بهائها في الملهى الليلي، وقد تمثل سلطة المتخيل- تمثل رؤية نافذة للبشر، فالمرأة الثانية تتحوّل إلى مصاصة دماء، بعينين جاحظتين، وأسنان بارزة، وربما تشير إلى الدنيا في لحظة النزال والتجريب، وهي مناوئة للمرأة الأولى التي تمثل المتخيل في مثاليته، خاصة أن السارد قد أصابه التحوّل أيضا فقد تحولّت أظافره إلى مخالب. إن تعدد الأمكنة من الشارع إلى الملهى، إلى مركز الشرطة الذي تحول رجله إلى مصاص دماء، يوجه نحو دلالة الفرد العادي في مواجهة كون ضخم وسلطة جائرة، وكأن هذا الفرد الإنساني يعاني في مطاردة حلمه، أو في محاولة وصوله إلى متخيله، هذه الصراعات العديدة مع البشر والسلطة التي لا تلقي بالا لهذا الفرد، فحين هرب من رجل الشرطة، يتابعه بقوله (أينما ذهبت فمرجعك إلينا)، وحين عثر على المتبقي منه أفراد خفر السواحل- وهم وجه من وجوه السلطة- تركوه في مكانه. فالفرد هنا في صراع دائم مع الحياة، ولكن الحياة ضاغطة بفصائلها وأنماطها، ودائما ما نراها فاعلة في تقويض الأمل، وتشويه نصاعة المتخيل الذي نصنعه بخيالنا ونراقبه بأعيننا، يتحدث البطل عن نفسه حين طلب له المصطافون الإسعاف على الشاطئ (لكنهم لم يجدوا فيّ ما يمكن إسعافه، كانت يداي مأكولتين، وقدماي منهوشتين، وفمي مقضوما، وأنفي مسلوخا، وصدري مثقوبا، ولم يكن قد تبقى مني غير عينيّ، حدقت فيهم بذهول، فأرعبتهم نظراتي، وراحوا يبتعدون واحدا بعد واحد). فالتركيز هنا على الأعضاء عضوا عضوا بين النمطي والسليم من جانب، والشكل الذي انتهى إليه الصراع، يكشف عن عمق المأساة الحياتية أو الوجودية التي لا تسمح للبشر بالاقتراب من صورتهم المصنوعة بخيالهم قيد ذراع. التعدد في القصة السابقة- وهو آلية شبه مهيمنة في كثير من قصص المجموعة- على مستوى الفضاءات والأمكنة يتماس معه في قصص أخرى، تعدد على مستوى النماذج البشرية والفصائل المكوّنة للتوجه الفكري. في قصة (عين الجرذ.. عين الطائر) هناك توجه معرفي مناهض للأفكار الشائعة حول الفتيات اللواتي وجدن صوتهن، ومارسن حريتهن. ويأتي التعدد الخاص بالفصائل منطلقا من سياق معرفي قائم على المعاينة والتحوّل إلى سياق آخر، فكل واحدة من هذه الأنماط النسوية تبدأ بحرف من حروف (أبجد هوز)، وكأن ذلك فعل تعلّم ومعرفة، فالأولى تستند إلى الشائع في أغلب الكيانات والأنماط النسوية، ودال الصمت الحاضر، من خلال تغييب اللسان وحضور الأذن، لتلقي الأوامر، وهذا أوجد الخجل والشك في القدرة الفردية، والخوف من التجربة. وتأتي الثانية مرتبطة بالتضاؤل أمام السلطة الذكورية بمساعدة الأم حارسة النمط، والثالثة يغمرها الخوف من انفراط العمر وفرط الحركة، وترك الشقيق العاجز، والرابعة ترتبط بفكرة انتظار الرجل، والخامسة تتحرّك وفقا لكسر النمط أو التابو والانتصار لخياراتها، والسادسة تتمثل مشكلتها في اختلاف الإيقاع مع حبيبها، وخيانات اللغة. وتشكل الأخيرة- وهي الساردة في القسمين عين الجرذ وعين الطائر- نوعا من الفرادة بالاعتماد على الذات الأنثوية. إن تقسيم القصة إلى قسمين (عين الجرذ) و(عين الطائر) مهم لمعاينة المنحى الفكري، حيث يأتي الأول معددا النماذج النسوية وخلفياتها التكوينية التي أدت إلى هذا السلوك، ويأتي الثاني كاشفا عن مساحة من مساحات الإنصاف لهن، وكأنه يمثل خطاب مقاومة للفكرة السائدة بوضعهن داخل إطار الخارجات عن النسق المقبول، فالقسم الثاني- من خلال التجربة والمعايشة اللتين تقوم بهما الساردة- يحررهن من المستنقع موضع الجرذ، وينقلهن إلى الحرية، حيث فضاء الطائر والغناء.