عادل ضرغام

الأصوات السردية ودائرية البناء في رواية بلاص ديسكا لمحمد عيسى المؤدب

غلاف كتاب  الأصوات السردية ودائرية البناء  في رواية بلاص ديسكا لمحمد عيسى المؤدب
الأصوات السردية ودائرية البناء في رواية بلاص ديسكا لمحمد عيسى المؤدب عادل ضرغام يواصل الروائي التونسي محمد عيسى المؤدب اشتغاله على المكان وتغيراته، في ارتباطه بالبشر، واختلافهم واختلاف توجههم من مرحلة زمنية إلى أخرى، فالمكان في رواياته ليس مكانا ماديا عاديا، لكنه ذاكرة ممتدة تخترق السنوات والعقود، تؤدي دورها في تشكيل إحساس مغاير بالمكان أو الفضاء المحيط. ففي رواياته تكتسب الأماكن إطارا أكبر من وجودها المادي، لتلتحم بالوجود التخييلي والرمزي داخل الذاكرة، وتشكّلها المحفوف بالأيديولوجي، وبالسياق الحضاري في توجهه العام. حين يؤسس العمل الروائي حضورا للمكان في عنوانه، فإن ذلك الحضور يعدّ تبئيرا واضحا على قيمة المكان السردي، وثباته المادي لا يعني أنه ثابت في ذهن ومخيلة البشر، فالوجود الخيالي للمكان مؤثر في حركة البشر وتوجهاتهم، وفي سلوك ساكنيه قربا أو بعدا. فرواية المكان- ربما بسبب عمل المخيلة والذاكرة- رواية تثبيت طبقة حضارية، أو إنعاش حضور في ظل مغايرة طبقة آنية، تعصف بالوجود المتخيل للمكان، تكشف من خلال المقارنة بين الطبقتين طبيعة التحول ودرجته، وترصد التأسيسات أو التغييرات التي انطوت عليها الطبقة الجديدة. ففي هذه الرواية التي يتشكل إطارها الزمني بداية من خريف 1943 إلى خريف 2013، هناك رصد لمجموعة من المتغيرات التي أصابت البشر، وأصابت المكان الذي يعدّ المرتكز الذي تتمحوّر حوله كل الطبقات الاجتماعية والثقافية في كل فترة، وكل التوجهات في معاينة الآخر والاقتراب منه، في ظل بنية سردية لا تقنع بالتراتب أو واحدية الصوت السردي، بل مشدودة إلى بنية مبعثرة متناثرة بالتعدد في رصد الحكاية وتقديمها للمتلقي. ففي النص الروائي ليس هناك تراتب بنائي وفق لحظة زمنية ممتدة، فالنص يبدأ من لحظة النهاية، بوصفها لحظة وصول أخيرة بعد سعي ممتد وهجرة طويلة، تفسّر بشكل أو بآخر هذه العودة المهزومة والكسيرة المرتبطة بالفقد، ومطاردة حياة أو حيوات تتصف بنصاعة الحضور والدفق الخاص داخل الذاكرة. فما بين البداية والنهاية في سياق الشكل الدائري للرواية، تتجلى الأصوات السردية كاشفة عالمها، وعوالم الآخرين، ومقاربة حدود إشكاليتها الذاتية التي قد لا يشعر بها أحد سواها. في هذه الرواية– ربما بسبب طبيعة الطبقة والهوية الكاشفة عن التناغم بالرغم من التعدد العرقي والديني – هناك توجه واضح للوقوف عند بعض الفترات الخاصة بعصر البايات، خاصة فترة المنصف باي، فكأن الرواية تزحزح وتزلزل الصورة التي اهتبلتها الأداة الإعلامية في عصر بورقيبة في تشويه هذه الفترة على تنوع باياتها من الانتماء للمكان، أو التخلي عنه مقابل مكاسب زهيدة، فالرواية تؤسس رؤية ناقدة لهذا العصر، تفرّق بين باياته وحكّامه من وجهة نظر تحتمي بالشعبي والفني المتداول، وتعيد البهاء ومشروعية الانتساب والانتماء إلى المكان إلى بعضهم. ويتجاوب مع زلزلة الثابت في صورة البايات تشكيل لمداخل قوية في معاينة اليهودي في النص الروائي، فصورة اليهودي عند محمد عيسى المؤدب ليست صورة منفّرة، أو محكومة بمقياس الجاهز والموروث والمعدّ سلفا من أزمنة طويلة، لكنها تتجلى في رواياته صورة مشدودة للإنساني، وربما جاء ذلك انتسابا للمرحلة، وارتباطا بفكرة خاصة للمواطنة تآكلت بالتدريج، حيث تستطيع أن تسدل نوعا من التناغم في إطار التعدد. الأصوات وتكامل البناء السردي تعدّ الرواية من النظرة الأولى رواية أصوات، ولكن يتمّ خرق هذا التوجه في مكانين، وربما يُضاف إليهما مكان ثالث، ولكن الخروج فيه داخل حدود الصوت السردي لجليلة بابا في إنصاتها إلى حكاية لالة قمر على لسان أمها. في الفصل الأول جاء السرد موضوعيا محتميا بضمير الغياب، لأن هذا الضمير السردي يؤشر على قيمة المكان الموضوع عنوانا للعمل الروائي، وفيه تمكين لهيمنة وجوده الفاعل، حيث يطوّع المكان في الرواية حركة الشخصيات، ويجعلها- بالرغم من تسلّمها بنية السرد بعد ذلك في باقي أجزاء الرواية- منضوية داخل حدوده متأثرة به ومنفعلة بوجوده. وفي الفصل الأخير تعاود تقنية الغياب حضورها، لإسدال دلالات خاصة بالموضوعية بعيدا عن سطوة النسق الفردي، وكأن مجمل التغييرات التي رصدتها الرواية بين الأمس البعيد واليوم، تحقق وجودا ملموسا يتشكل بعيدا عن انحيازات الأصوات الفردية. وثمة خروج آخر عن نسق تعدّد الأصوات السردي، لكنه خروج مشدود إلى داخل تجلي المتكلم. ففي الجزء الأول لصوت جليلة بابا هناك حكاية تتوسطه على لسان الأم (صفية)، وهذا التوجه نحو الغياب داخل نسق التكلّم ربما يكون مقصودا، لتوجيه الأمر نحو رؤية موضوعية تتصل بالبايات. فالقارئ يدرك أن هذا الجزء مملوء بالأمثال الشعبية، للكشف عن الإطار الثقافي والفكري المتلبّس بالسياق الشعبي في رؤية حكامهم، واختلاف وجهة النظر تجاههم، نتيجة للعاطفة والقبول من العامة. في رواية الأصوات تتشكل القيمة من اختلاف وجهات النظر واختلاف اللغة والمنظور في مقاربة وتشكيل الحدث السردي، ولكن في هذه الرواية ليس هناك كبير اختلاف في مقاربة أحداث الرواية بين الأصوات السردية التي تحرّكت وتشكلت جميعها في إطار المتكلم، فلو جمعنا الخلفيات المعرفية والعرقية لهذه الأصوات الثلاثة (حمودة بن إسماعيل- وجليلة بابا- وإيفات صرفاتي)، سنجد أن لها خلفية تكوينية معرفية متقاربة، خاصة أن النظرة تجاه اليهود لم تكن قد تغيّرت في السياق الذي تؤسس فيه الرواية طبقتها الأولى. ولكن الفارق بين هذه الأصوات- وإن لم يتحقق على مستوى وجهات النظر- في مقاربة الحدث، أو الأحداث المتداخلة، فإنه يتحقق على مستوى الموقعية، ودرجة الاقتراب من الحدث أو البعد عنه، أو زاوية الرؤية. فرؤية (حمودة) لحدث قصف قصر المنصف باي تختلف عن رؤية (جليلة بابا)، لأن الرؤية الأولى من خارج موقع الحدث، والرؤية الثانية من داخله متجذرة فيه. واختلاف الموقعية يؤدي بالضرورة إلى تباينات في تقديم الحدث إلى المتلقي، وإلى رؤى مختلفة، حتى لو كان ذلك واقفا عند حدود الرؤية العاطفية، ودرجة الارتباط ومعايشة الحدث، لأن رؤية الراصد المعايش المشارك تختلف بالضرورة عن رؤية الراصد المراقب من الخارج، ولهذا نجد في الرصد الداخلي لحدث القصف توجها نحو الرصد الإنساني، في ارتباطه في تجلية أثره في عدد الضحايا، وفي الهلع العام. أما مقاربة الحدث من موقعية بعيدة غير مشاركة، فإنها تجذّر التأمل، وقراءة الحدث بعيدا عن الانشغال بالأثر الإنساني بشكل مباشر، تقول الرواية على لسان (أظلّ أحدّق في الحمم النازلة على الجبل، وعلى قصر الباي، وأسأل بغضب، لماذا يستهدفون القصر؟ ولماذا ينتهكون حرمة سيدي المنصف). في رواية الأصوات هناك وظيفة أخرى بعيدا عن اختلاف وجهات النظر، تتمثل في جزئيات التجاوب المرتبطة بعناصر إكمال الحكاية، سواء في الطبقات السردية القديمة زمنيا، أو في الطبقة الآنية. ففي جزئيات عديدة لا يستطيع المتلقي أن يفهم الحكاية إلا من خلال تجميع ما يبثّه كل صوت من وقائع، وأحداث، فنكتشف التداخل والترابطات بين شخصيات العمل الروائي، خاصة أن إدراك التداخلات بين الشخصيات في هذا العالم الروائي يحتاج إلى إصغاء شديد لكل إشارة، يمكن أن تكون فاعلة في إعطاء المتلقي صورة واضحة عن مجمل الحكاية وحدودها السردية. فالأصوات في الرواية لا تقدم مغايرة في وجهات النظر، بقدر ما تقدم خلال هذا التعدد الصوتي إكمالا للبناء السردي، ووعيا بحدوده. فمارينا زوجة حمودة التي يصل جثمانها في بداية الفصل الأول المعنوّن (بلاص ديسكا)، لم يكشف النص عن ملامح لوجودها السابق إلا في الفصل الثامن من خلال صوت (جليلة بابا)، ولا تكتمل ملامح وجودها إلا من خلال صوت (حمودة) في (الفصل التاسع)، فندرك أنها شقيقة (طوني)، وابنة (بيدرو)، زوج (جليلة بابا)، حبيبة (حمودة). فما تخلقه تقنية الأصوات في هذه الرواية ليس إلا توزيعا للكون الروائي وفق محددات واعية، وهي هنا ليست قائمة على الاختلاف أو التضاد، لكنها قائمة على التكامل والتجاوب، فنراها آلية سردية مهمة في تشييد الكون الروائي، دون احتماء أو تأسيس لهيمنة أو واحدية راوٍ لا يخلو من الانحياز. تعدد الأصوات يعدّ تقنية مربكة لعملية التلقي، خاصة لعنصر الزمن، لأنها لا تلعب بالزمن، وتحرّف تراتبه كما تفعل الآليات المعهودة في ذلك السياق، لكنها- فوق ذلك- تجعل اللعب بالزمن مرتبطا بالذات، وبعالمها شديد الخصوصية، وطريقتها في الإفضاء بالجزء الناقص، أو الوقوف عند بدايته، بالرغم من الإشارات الأولى للمآلات والنهايات. فارتباط الرواية بآلية التعدد الصوتي يحطّم الهيمنة والواحدية، لأن هناك جزئيات بالرغم من كون الحكاية لا تُعرف بدايتها أو نهايتها إلا الصوت السردي، وينتقي لحظة خاصة للكشف عنها للقارئ. فالرواية تنفتح على عالم قاطني بناية بلاص ديسكا، والأصوات التي تسلّمت ناصية السرد بالتناوب تمتلك أو تسكن شققا بالبناية، ولكن الرواية لم تكشف عن منعطفات التحوّل التي كفلت لهؤلاء بالدخول إلى البناية، إلا من خلال الأصوات السردية بالتدريج، في كشفها عن تحولات الأجانب ورحيلهم، وتغير النظرة إلى اليهود، فامتلاك حمودة لشقته- بعد أن كان يعمل بائع خضار مع علّالة، يوزعه على سكّانها- لم يتمّ الكشف عنه إلا من خلال صوت جليلة بابا بعد وفاة ألفريد زوج إيفات صرفاتي، ووعده بتوفير شقة لحمودة. تعدد الأصوات في رواية بلاص ديسكا ليست معنيا بتنازع أيديولوجي معرفي، ولكنه مهموم بإكمال البناء السردي، وتشكيل تلاحمه، ففكرة السفر وانتقال حمودة ومارينا إلى فرنسا، نجدها توقعا وحدسا مبنيّا على الحلم في نهاية الفصل التاسع على لسان حمودة، لكنها لم تتحوّل إلى حقيقة سردية إلا مع صوت إيفات صرفاتي في الفصل العاشر. واختيار الأصوات الثلاثة للقيام بعملية السرد اختيار مقصود، فلم يتبق من سكان البناية الذين عاينوا الحقبتين أو الطبقتين سوى هذه الأصوات، فالفصل الأخير يرصد تجمع الثلاثة من خلال سرده الموضوعي داخل شقة جليلة بابا. ولكن الوقوف عند الصوت السردي جليلة بابا، خاصة في الجزئيات التي تشير فيها إلى ارتباط خاص بالمنصف باي، يؤسس نوعا من المشروعية لتحريك هذه الشخصية خطوة أكبر من وجودها المادي. تشير الرواية في جزئية من جزئياتها إلى حبّها للمنصف باي، وكأنه قدر، تقول الرواية على لسانها (فحبي لسيدي المنصف كان قدري، أنساني كل شيء، كل شيء تقريبا، كنت أصغي إلى ذلك الهتاف الغريب كل ليلة، لا أدري من أين يأتيني الهمس الساحر). وتتشكل مشروعية لتحريك الشخصية لوجود متعال أقرب إلى الرمز في دلالته من سبيلين: الأولى تتمثل في كون الإفضاء بهذا الحب والكشف عنه جاء مزدانا بتذكّر حضور شعبي للمنصف باي داخل العقل الشعبي بأنماطه العديدة من خلال الأغاني المرتبطة به، وتتكرّر كثيرا في النص الروائي. أما السبيل الأخرى فهي وجود مساحة من الارتباط الشبيه بالارتباط السابق من خلال علاقتها بحمودة بن إسماعيل، قبل دخولها إلى قصر المنصف مع أمّها. وقد تحللت هذه المساحة أو توارت لفترة طويلة، إلى أن عاد حمودة من فرنسا. وهذا التوزّع بين حاكم تركي ليس تونسيا وحبيب ينتمي إلى تونس، يمثل إشارة إلى مساحة التوزّع التي تلقي بظلالها على الوطن بكامله، وهذا يجعل شخصيتي (جليلة بابا)، و(حمودة بن إسماعيل) على نحو خاص، تغادران طبيعتهما المادية، لتلتحما بالرمز في سياقه الإيحائي العام، دون إسداله وفحصه من كل جوانبه. (جليلة بابا) في ظل ذلك الفهم الخاص بالتوزّع من جانب، والانبهار من جانب آخر، تحمل دلالات أخرى أكبر من كونها مجرد شخصية من لحم ودم. ولهذا جاءت تقنية الأصوات كاشفة عن خصوصية صوتها بفعل المعايشة، في ارتباطه برؤية ذاتية لا تنسحب على الصوتين الباقيين داخل العالم الروائي، وإن كانت لا تتعارض معهما، فقد كشف التجمهر ضد الفرنسيين بعد موته (أي المنصف باي) بحضور كل من حمودة وعلّالة، بالإضافة إلى إشارات تصبّ في إطار التبجيل ذاته داخل الصوت السردي لإيفات صرفاتي، ونقلها لوجهات نظر أخرى موازية لوجهة النظر نفسها من خلال الحكي، ويظل الوصف المقدم من كثيرين (باي الشعب) علامة دالة. ولكن تقديم هذا الإجماع الشعبي على لسان جليلة بابا من خلال صوتها السردي، ربما يكون أكثر إحكاما وإقناعا، لأنه صوت يتشكل في هذه الجزئية من المعايشة الممتدة، فالمعايشة اختبار، ورؤية وكشف، وفي الرواية إشارات كثيرة تفسّر هذا الإجماع الشعبي، خاصة في لحظة الحرب، وقصف القصر، تقول الرواية نقلا عنها (سمعته أمس يهتف: بيت المؤونة للناس جميعا، أليس كذلك؟ الألمان والانجليز أغلقوا كل الطرق، وعلينا إغاثة الفقراء حتى تمرّ الأزمة). ففي هذه المقولة- ومقولات أخرى بالضرورة- تأطير لصورة خاصة من المساواة، تقوم على هدم الهوة أو الجدار الفاصل بين الحاكم والمحكوم، وتؤسس لتوجه خاص بالانتماء والانتساب، وقد تجلّى ذلك الانتماء أو الانتساب إلى الشعب في جزئيات عديدة، منها رفضه الهروب بناء على طلب الألمان، من خلال رده الحاسم (لن أذهب إلى ألمانيا، ولن أبرح حمام الأنف). البناء الدائري وتشكيل طبقتين القارئ للرواية يلفت نظره أن نقطة بداية السرد- بعيدا عن الحكاية وآلية تمظهرها وبنائها- تتماس مع نهايته، من خلال تواز في الضمير السردي، والارتباط بالمكان بوصفه مرتكزا أساسيا، وبالزمن بوصفه لحظة فاصلة بين طبقتين. فالفصل الأخير يأتي مرتبطا بالغياب، من خلال راوٍ عليم، ويتساوق مع الفصل الأول. وفي كليهما يتجلى الآني بطبقته، وما بينهما من فصول سردية من خلال ضمير المتكلم المتناوب لشخصيات ثلاث يؤسس لحضور الطبقة المتلاشية بشكل قوي. فالتوازي بين عنواني الفصلين الأول والأخير يأتي كاشفا عن عقد رمز مهم، لمعاينة الاختلافات بين طبقة وطبقة، ويبدو بلاص ديسكا رمزا للمكان/الوطن في تجليه الأكبر الواسع، ولفقده واكتسابه جزئيات لا ترتبط بأهل البناية وسكانها، وإنما بهوية الشعب التي تتكشّف من خلال طبقتين متوازيتين. يأتي الفصل الأخير، وكأنه رثاء للطبقة الأولى بكل أفراحها وأحزانها، وآمالها وانكساراتها، وتعددها العرقي والديني، وقدرتها على قبول الاخر المغاير وعدم النفور من وجوده، من خلال ذكر وتبئير السرد على الأشياء المفتقدة بسبب الذاكرة التي تستحضرها، فتبدو في إطار متناقض مع الطبقة الآنية. وبوسع القارئ أن يتوقف عند سمات الطبقة الأولى القديمة التي تؤسسها سرديات الأصوات، وهي متلبسة بالحنين إليها، هذا الحنين الممزوج بالتأمل والتساؤل عن البون الشاسع بين طبقة قديمة لها وهجها، وطبقة آنية يعاني الجميع من سوء التكيف معها. فتكوّن طبقة مغايرة توجه السلوك العام، في مقابل طبقة يصيبها العطب وفي طريقها للاندثار والتلاشي من خلال الحال الرثة التي وصل إليها البار أو الكازينو أو البناية، يتجلى بشكل واضح في سؤال حمودة لعلّالة واستفهامه: ماذا حدث للبلاد يا عشيري؟ الوقوف عند طبقة ثقافية تشكل مدرجا للتوجه والسلوك العام، معناه محاولة تثبيت واستحضار الطبقة، لنمط غائب يتشوّف إليه الجميع، والرواية تعرض لهذه الطبقة الحياتية، وتحاول دفعها إلى الواجهة والصدارة، من خلال بثّ الروح فيها من جديد. الصفة الأولى الغالبة على هذه الطبقة الثقافية الاجتماعية الموجهة للسلوك الفردي والجماعي يمكن أن نصل إليها من خلال مطالعة الأسماء الكاشفة عن التعدد في العرق والدين. فمعاينة أسماء مثل راشيل، وإيريس، وكريستيان، ونوعام، وبيدرو، وحمودة، وجليلة بابا، وإيفات صرفاتي، وصالحة، وألفريد باروش، وزعيف عتّال، ورؤول بيريز، وجوزيف رينو، تكشف عن وجود خاص يحفل بالتعدد، وقائم على التسامح وقبول الآخر. فمعاينة الأسماء تكشف عن التعدد، في الأعراق والأجناس والأديان واللغات، فهي طبقة تشكل وجودا كوزموبوليتانيا خاصا، يكشف عن ذلك قول حمودة في استعادته سرديا لفترة عمله ومشاركته لعلّالة في توزيع الخضروات والفاكهة على ساكني البناية (كان المشهد مضحكا في أيامي الأولى، وأنا أستقبل صيحات مهتاجة بلغات مختلفة، تبيّنت منها الفرنسية والإيطالية بحكم تعوّدي على سماعها، وقد أعلمني علّالة أن هناك فرنسيسا وإيطاليين ومالطيين وإسبانا وروسا). فالعقلية الموجهة لحركة السلوك داخل تلك الطبقة القديمة لم تكن تحفل بالتفريق بين الأجناس أو الأديان، أو بين مسلم أو مسيحي أو يهودي، فقد حدث نوع من الانصهار بين كل هذه الاختلافات التي لم يكن مطروحة للتناول والنقاش في اللحظة الزمنية لسيادة تلك الطبقة وتوجهاتها. فالتلاحم- كما تجلّى في النص الروائي- يجمع هذا التعدد، ويستمدّ منه قوة، ويلحّ السرد الروائي على فكرة التبادل الحضاري بين هذه الديانات، فحضور الخمسة- قبضة الكفّ التي توضع على الأبواب للوقاية من الحسد- يمثل تراثا يهوديا، لكنه أصبح تراثا تونسيا، بتأثير عمليات التبادل والتأثر الثقافي الموغل في القدم. وسوق القرانة الذي استمد تسميته من اسم يهود القرانة، وهم يهود طردوا من أسبانيا، واستقروا في البداية في إيطاليا بمدينة قرنة، ثم هاجروا إلى تونس وظلّ الاسم عالقا بهم، أصبح عنصرا له حضور. وقد كان لهذا التلاحم القائم على الوحدة في إطار التعدد أثر على صورة الشخصيات اليهودية في النص الروائي، فنراهم يتجلّون بعيدا عن الصورة النمطية الجاهزة، وليسوا مرتبطين بكل نقيصة، فهم في الرواية شخصيات إنسانية، يتلبّسهم ما يتلبّس الآخرين من خير وشرّ، وبغض حبّ، لأن حالة الصراع لم تكن تفاقمت في تلك الفترة الزمنية. ففكتور الرسام اليهودي الذي أسس مرسمه في سطوح (بلاص ديسكا)، وفي جبل (أبوقرنين) لم ينس ارتباطه الخاص بالمكان، وظلّ يعاود زيارته، ويقيم به شهرا كل عام بالرغم من حرق الفتيان لمرسمه انشدادا إلى حرب حزيران. وقد رسم لوحة (لبلاص ديسكا) تؤرخ له ولأثره، وضعت في أعلى المدخل، وفي النهاية مات في (حمام الأنف)، وكأن في موته بتونس إعلانا عن الانتساب، وترفعا عن صراع الأعراق واللغات والأديان، وتشكيلا لمفهوم المواطنة الذي كان سائدا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، قبل أن يجرح ذلك التلاحم من خلال الأيديولوجيات المتباينة. ربما تكون أكثر الأشياء دلالة على هذا التلاحم في ظل سيادة الطبقة القديمة ممثلة في الإصرار السردي من خلال التوجيهات السردية المبثوثة في النص الروائي، على تقديم إجراءات ومراسم الدفن في الديانات الثلاث، وحضور الجميع على اختلاف دياناتهم وأعراقهم، فلم يكن سؤال الدين مطروحا، أو سببا في إقامة سور أو حجاب. ففي الرواية هناك مراسم دفن على الطريقة اليهودية بالكنيس في وداع ألفريد باروش، ومراسم وداع مسيحية في وداع بيدرو من خلال فعل التذكر بكنيسة (سانت ماري)، تقول الرواية على لسان جليلة بابا المسلمة في مراسم دفن ألفريد باروش (أحسست أن الله أحبّ المرحوم، فاجتمعت الأديان السماوية في جنازته، لا أحد في تلك اللحظة المقدسة كان يفكّر من أين جئنا، ومتى التقينا، ولا أحد طرح السؤال: هل سيسمحون لنا بحضور الجنازة؟). في الرواية أيضا- تعضيدا للفكرة السابقة- تبئير على إظهار التجاور بين مقابر المسلمين والمسيحيين، وهذا التجاور يذكرنا كما جاء على لسان جليلة بابا المسلمة في مراسم دفن (مارينا) المسيحية بأن الله محبة. وجود الطبقة القديمة على هذا النحو من التعدد المنفتح على الآخر المغاير وقبوله، يباين بالضرورة الطبقة الراهنة التي تآكل خلالها مفهوم المواطنة تحت تأثير انتماءات مذهبية تقيم الحدود، وتؤسس لصلادة الاختلاف، تحت تأثير متغيرات حضارية وسياسية جعلت الآخر محاطا بتصوّر جاهز، ومحددا بأطر ثابتة مع كل نموذج. وأوّل شيء يقابل المتلقي في النص الروائي كاشف عن هذا التحوّل أو التباين بين الطبقتين، يتمثل في غياب هذا التنوّع، والسياق الضاغط على المغاير في العرق. يتجلى ذلك في قول الحلّاق أثناء حديثه مع حمودة (راحت أيّام الطلاين والمالطيين والفرنسيين، وحكايات أيّام زمان، ولم يبق في البلّاص من اليهود والنصارى إلا مدام باروش). فاستخدام كلمة النصارى هنا، وهي لم تستخدم في النص الروائي إلا في هذا الموضع من الاقتباس، يشير إلى وجود حوائط جاهزة، وإلى سلوك طبقة محتمية بما لديها، دون عرضه على الآخر أو امتحانه، طبقة لديها يقين بما تملك من تصورات، ومكتفية بها. ويتجاوب مع سمات الطبقة الثقافية الجديدة واحتمائها بما لديها، سلوك بعض الأفراد المشكّلين لهذه الطبقة، المنضوين داخل أنظمة توجهها الهشّة، ويقينها المتشدّد، في حرقهم لمرسم فكتور اليهودي. وحين يؤشر النص السردي على السياق الزمني لهذا الفعل (بعد ثلاث سنوات من حرب حزيران)، ففي ذلك توجيه للتفسير والتبرير لطبيعة التحوّل، فهؤلاء الأفراد قاموا بذلك استجابة للصورة الجاهزة لليهودي، خاصة بعد حرب حزيران فقد كشف النص الروائي عن ذلك على لسان حمودة في حواره مع رؤول بيريز، في قوله (الحقد أعمى سيد رؤول، سلوك طائش من مراهقين خدّرتهم شعارات الحرب). ولكن تغيير الطبقة أو ظهور تباين في السلوك بين الطبقتين أو المرحلتين، لا يقف عند حدود تآكل التعدد والتنوّع العرقي، أو تلاشي التسامح وقبول الآخر. ولكن ياخذ التباين أو الاختلاف منحى آخر، يتشكل جانب كبير منه في ارتباطه بالذات، وشعورها بالاختلاف، في معاينة الجزئيات التي تشكل روحا أو هوية للمكان، وتحمل قيمة، وتؤدي دورا في تشكيل هوية المجموع، فأصوات الأشياء مختلفة، وأشكالها متباينة مع مثيلاتها في الطبقة السابقة. نستطيع أن نرصد ذلك في الأحاديث المتبادلة بين الأفراد، حيث يتشكل الاختلاف ويتحدد التباين واضحا. ومعاينة وجهة نظر حمودة في الجزئيات الخاصة والمتاخمة لمبنى البلاص لها أهمية، لأنه عاينها وأسس ارتباطه بها في فترة سابقة، سواء كان الأمر متعلقا بالبار الخاص بالبناية، أو الكازينو، أو جبل (أبو قرنين)، أو صافرة القطار، فصور هذه الأشياء تأتي ممزوجة وملتحمة بشبابه، وبداية تعرفه الأولى على الأشياء، وصراعه مع الفرنسيين والانجليز قبل سفره إلى فرنسا، وعودته بعد أربعين عاما. ففي رؤيته للكازينو، يقدم تصويرا لافتا لحالته، وتشبيها بالغ الدلالة للحال التي وصل إليها، كاشفا عن التباين الواضح، فقد رآه على هيئة شيخ مقعد على أهبة الانهيار، وكأن جيشا من الغربان حطّ على طوابقه فمسخه. وقد تصلح المقارنة بين إحساسه ببلّاص ديسكا في ظل سيادة طبقته الأولى، وإحساسه به في ظل إحساسه الآني، وخيبته وإحباطه الشديدين. فقد عقد مشابهة بين شموخ البناية وقدرته على الفعل في لحظته السابقة، فقد كان يراه رجلا عملاقا، وفي اللحظة الآنية يستمرّ في عقد المشابهة بينهما، فقد تأثر كل منهما بالزمن، وأصبح يراه- على حد تعبير النص الروائي- عجوزا مثله، يلوذ بالصمت في غمرة الضجيج.