الجاهزية وغياب البنية في النول والمغزل سوسيولوجيا المتخيل السردي لشريف حتيتة
الجاهزية وغياب البنية في النول والمغزل
سوسيولوجيا المتخيل السردي لشريف حتيتة
عادل ضرغام
يقارب شريف حتيتة في كتابه (النول والمغزل- سوسيولوجيا المتخيل السردي) جزئية بحثية لها أهميتها في الدرس الأدبي والنقدي، تتعلّق بالكيفية التي يمكن أن نقارب بها الواقع أو جزئياته، حين يتحوّل إلى متخيل مشدود إلى ذلك الواقع ومشيرا إليه. فالواقع- إذا أمكن الإمساك بشيء يتمحور حول هذا المسمّى- ليس شيئا ناجزا، أو محددا، فالواقع صيرورة دائمة تحتفي بالمغايرة من نص إلى آخر، وتحتفي بمعاينة المستمر الذي يتشكل بهيئة جديدة في كل مرة. وقيمة الموضوع للمقاربة في هذا الكتاب تتجلى في إعطاء قيمة خاصة للمرجع أو للواقع، والنظر إليه بوصفه متخيلا، فقد أسس الكتاب لفكرة أن ذلك أمر لا يمكن تجاوزه في النصوص السردية، لأنه وثيق الصلة بالانعطافات الجزئية والمفصلية التي تصيب المجتمعات خروجا أو تعاظما على ثنائية التراث والحداثة من جهة، وعلاقة المثقف بالسلطة في انفتاحها على مساحات التباس بين قسيمين: الفرد في نزوعه الدائم الحرية، والسلطة التي تظلّ مؤرقة للإنسان العربي على مرّ تاريخه، وتوزّع موقفه بين الخنوع والتسليم، والتبرم والخروج.
تحاول هذه الدراسة أن تقدم رؤية مغايرة انطلاقا من جسارة الهدف الذي وضعته أمامها، فهي تخلق نوعا من الخصوصية، حيث تقلب فيه الظاهرة الفنية موضوع الدراسة في شكل جديد، مستندة إلى تقسيمات وتفريعات خاصة بها، بل يمارس الباحث نوعا من نقل واستبدال المصطلحات من مجالات بعيدة، ويعيد تفعيلها وفق منطقه الخاص. يكشف الكتاب عن قدرة لافتة في التعامل مع النصوص من خلال المواجهة المباشرة، وهي مواجهة تطلّ محتمية بظلال قوية من المعرفة على مستوى النظرية الأدبية والنقدية، ومبنية على رصيد كبير من النصوص الروائية.
فالسبيل إلى تأسيس توجه نقدي فارق لن يتمّ إلا بالاستناد إلى معرفة نظرية ووعي خاص بالنصوص، فالنظرية والنصية مجالان يلحّان وكأنهما منفصلان، لكنهما عند التأمل الدقيق يكشفان عن ارتباط وثيق، وعن تجاوب حتمي، فكلّ من النظرية والنصية الإبداعية يتمددان وينموان معا، ويرفد كل منهما الآخر. فالمعرفة النظرية في الكتابة تسهم في مقاربة النصوص، وتجعلها تتجلى بشكل مختلف، والوعي بالنصوص الروائية الكاشف عن قراءة ممتدة، يسدل مدارات التشابه والاختلاف، ويسهم في تكوين الطبقات النصية المرتبطة بجيل محدد من المبدعين، أو مشدودة إلى بناء متناسل للأفكار والتوجهات داخل فصائل متجاوبة أو متباينة.
في هذا الكتاب يقف القارئ أمام مواجهة حرّة للنصوص، تستصفي أدواتها من النص والنظرية، وتبني قدرة فائقة ولافتة على استحداث عناوين، وتصبح ذات جدوى في توليد حركة وتقليب دائمين للظاهرة النصية. تفترض الدراسة في اشتغالها على الروايات المنتقاة بعناية لمجال الاشتغال فرضية لا تخلو من حتمية المساءلة، ربما قرّبه منها، ومهّد لوجودها وقوعه على استعارة فيها الكثير من التشابه مع الكتابة السردية وارتباطها بالواقع. ولكنّ (النول والمغزل) قد يصحّ في سياقه، لأنه يعتمد على جاهزية القسيمين قبل النسج وبعده، ولكن الكتابة السردية لا تستجيب لهذه الجاهزية، سواء مع المادة الخام أو النثار الواقعي، أو مع الكتابة السردية في تجليها الخطابي، لأنها مشدودة لفعل التلقي. والنثار الواقعي- خروجا من صعوبة تحديد الواقع واستحالة الإمساك به- ليس له شكل ناجز أو نهائي، فقبل الكتابة الأدبية- شعرا أو سردا- لا يمكن تخيل وجود لواقع منجز، فليس أمامنا سوى المتخيل الذي يتموقع داخل الفن، وفيه يتشكل أول تجلّ للنثار الواقعي، الذي لا يمكن أن تتشكل له ملامح قبل فعل الكتابة.
الجاهزية وغياب البنية
في الفصل الأول (المرجع- الموضوع- الخطاب) يعتمد حتيتة على مصطلح المرجع، وكأنه باستخدامه مصطلح المرجع قد تخلص من بؤس وهلامية وضبابية مصطلح الواقع، والتأمل الدقيق- خاصة حين يستحضر القارئ آلية مقاربته، وانفتاحها على الاجتماعي- يكشف عن أن الفارق ليس كبيرا بينهما، والتميز لا يتشكل في حدود إحلال مصطلح محل آخر، ولكن التميز فيما أعتقد يتشكل في التخلص من عبء الجاهزية والموضوع المنجز، لأنه إذا تمّ ذلك سيتحوّل المرجع أو الواقع إلى شيء قيد الإنجاز الدائم لارتباطه بالخطاب، أكثر من تعلقه بشيء فكري منجز تمّ الإلماح إلى وجوده مشكلّا في سمت نهائي.
فالوقوف عند (المرجع)، أو (الواقع)، أو (النثار الواقعي)- وربما أميل إلى المصطلح الأخير، لأنه يجعل الدلالة سابحة أشبه بهيولي خارج الإنجار النهائي، فوجودها سائل يتعاظم على التشكيل المستقر والنهائي- يكشف أولا عن صعوبة المهمة التي يحاول الكتاب ارتيادها، ويكشف – أيضا- عن أن أية محاولة للاشتغال على شيء منجز فيما يخص الاجتماعي أو الأيديولوجي، ربما تكون نتيجتها ضئيلة. الجاهزية أو الفكرة المنجزة المستقرة التي يتم التوجه من خلالها لمقاربة العمل الروائي، تكشف- أو تزيد في مساحة الكشف- عن جزئيات مهمة، ولكنها في الوقت ذاته قد تكوّن مساحة من مساحات التعمية، فلا يبصر الناقد الفروقات الدقيقة بين الأعمال، حتى وإن كان ذلك في إطار الجزئية التي يؤسس لها كل عمل. فهناك عماء يخلقه الوقوف عند الجاهز والمنجز الذي يقارب الفكرة بشكل أقرب إلى الشمولية، فالفن في الأساس تشكيل للتفرد والاختلاف اللذين يتشكلان في إطار جزئيات تحتاج للتأمل بعيدا عن اهتبال الواضح.
حين يقول شريف حتيتة (تقيم الرواية-ترمي بشرر- علاقة بين التراجع الأخلاقي والمال...)، أو (التخييل في ترمي بشرر ليس تخييلا فرديا...) فيدرك القارئ أن هناك جاهزية ما قد تشكلت، وأن هناك إنجازا قد يصرف الناقد عن تأمل الجزئيات البسيطة المتوارية، فكل ضوء زائد يتمّ تسليطه على جزئية، يتجاوب معه عماء في تأمل جزئيات أخرى. هناك مداخل في الكتاب تحمل كثيرا من الجاهزية والإنجاز المؤسس، خاصة الجزئيات المشكلة للفصل الثاني (التمثيلات الاجتماعية)، وهي على الترتيب: الدين والجسد والمهمش، وهي على أهميتها وتحقق وجودها بأشكال عديدة، إلا أن النظرة الأولى لقارئ الروايات مجال الاشتغال، تثبت أنها لم تكن التمثيلات الاجتماعية الوحيدة، وأن بعض هذه التمثيلات لم تكن إلا مظهرا لأنساق أكثر خفاء وفاعلية، وأن هذه الأنساق وثيقة الصلة بالتحرر والانعتاق من قوتها، أو بالبقاء داخلها دون حركة، وأن بوسع القارئ أن يغيّر في هذه الترتيبات وفق رؤيته الخاصة.
فمشهد أو جزئية المساءلة الرافضة التي استند إليها الباحث في تكوين مساءلة ذات طبيعة خاصة للدين في (ترمي بشرر)، مثل قيامهم بالصلاة وهم يعانون من السكر، أو انضمام المسيحي إليهم في الصلاة مجاملة، لا تحمل رفضا أو مساءلة رافضة للدين، بقدر ما تحمل إشارة على الحضارة الاستهلاكية التي يتولّد في إطارها كل أشكال الخروج والمجون، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون في دفاعه عن العباسيين وخلفائهم. فالإشكالية هنا ليست مرتبطة بالمساءلة الرافضة للدين، بقدر كونها تعبيرا عن هذا الشكل الحضاري المشدود للثراء الفاحش، وما يتجاوب معه من خروجات، فجزئية الدين على حضورها لا تمثل جوهر النص الروائي.
وفي وقوف حتيتة أمام رواية (سيدات القمر)، بوضعها داخل أفق (المقدس) بالنسبة لتمثيل الدين، يخايل القارئ شعور ما، أن هذه القداسة لا تتعلّق بالدين بحدّ ذاته، ولكن تتعلّق به بوصفه مظهرا من مظاهر الثبات المؤسس في مقابل الحركة، فمقولات زوجة المؤذن التي اعتمد الباحث على قيمة ما تقوله لإثبات هذه القداسة، حتى لو كان قولها مخالفا لحديث الرسول لا تختلف في جانب من جوانبها عن مقولات (المتوصّف) او ضارب المثل، فمقولات كليهما ليست إلا صورة من صور السلطة التي لا يُتخيل جرحها، بالرغم من كونها لا تخلو من مغالطات، ومن توجهات تهويمية للتفسير والتأويل، فالمثل في حد ذاته دعوة للإلزام والتوجيه نحو فاعلية دلالية وحركية توجيهية، دون تفكيك الالتباسات والمغالطات التي ينطوي عليها المثل، فالمثل طمس لكل محاولة تجديد تطلّ برأسها، وتثبيت للقديم بشكل شمولي وجمعي، وتسويغ لمشروعية استمراره، فهو - مع أقوال زوجة المؤذن- تواطؤ على خطأ لم يتمّ تفكيكه للوصول إلى مقاربة ارتكاسية شمولية للواقع.
أما في رواية (بريد الليل) التي وضع الباحث مقاربته لها تحت عنوان (الدين والتمرّد الشامل) فأعتقد أن أصحاب الرسائل جميعهم في هذه الرواية بعيدون عن شبهة التمرّد على اختلاف مناحيه، فالأمر لدى معظمهم نابع من فكرة سوء التكيف، أو فقدان الانسجام، والبحث عن مأوى، وكتابة الرسائل تتشكّل في مساحة التوسط والتوزّع بين عالمين، فهم جميعا مستسلمون، ولكن هذا الاستسلام لا يمنعهم من إبداء وتوجيه الأسئلة، ولكنها أسئلة لا تتعلق بالدين، بقدر تعلقها بأسئلة وجودية تأملية ترتبط بالحياة والوجود، يتجلى ذلك في بعض الاقتباسات التي أوردها حتيتة من النص الروائي، مثل قول الشخصية الرابعة (الحياة أم الفقر؟ أشعر أحيانا بأن الله خلق بعض البشر بلا لزوم)، أو على لسان الشاب المثلي (أبي، هل القيصر هو من يمثل إرادة الرب على الأرض). فكلها تساؤلات لا تتعلق بالدين بشكل مباشر، ولكنها تتعلق بالأسئلة الوجودية المولدة من معاينة الذات بضآلتها في مواجهة العالم والوجود.
الجاهزية ومحاولة البحث عن تجليها في الروايات التي تشكل مجال الاشتغال تجعل الباحث يفترض وجودا لافتا لجزئيات هامشية، فيجعلها بسبب مدخله الجاهز متنا، مثل وقوفه عند شخصية فكي علي الزغراد في رواية (الجنقو مسامير الأرض) بوصفها علما أو تجليا لفكرة الدين، بالرغم من كونه لا يزيد عن مشعوذ، يتوسّل بأشياء عديدة للوصول إلى هدفه. وربما يكون الأمر ذاته حاضرا في رواية (طعم أسود..رائحة سوداء) لعلي المقري، فالاهتمام هنا ليس بالدين، ولكن الأمر مشدود لفاعلية أو لنسق التراتب التي تطيح بكل ماهو ديني، فالتقاليد صارمة، والتراتب حاضر وفاعل.
ووجود الجاهزية- أو الشعور بها- ربما يكون نابعا من غياب الاتكاء على البنية الفاعلة في كل نص روائي، فليس هناك تفعيل لقيمة البنية بوصفها جزءا أساسيا في تشكيل وتكوين المتخيل السردي. ففي رواية (بريد الليل)، هناك وصول مهم وفارق من الباحث لفكرة (الانقطاع والطرد)، ولكن كل ذلك يتم تقديمه وفق مؤسس جاهز، لا يجعل الانتباه لقيمة البنية حاضرا، فالانقطاع يتأسس من الإقامة في الفندق، حيث تتشكل حدود الوجود الوسيط بين مكانين أو هويتين، وما يسدله ذلك من السباحة في فراغ، حيث تتفكك عرى ارتباط سابق، انتظارا لتأسيس ارتباط وانسجام قادمين.
فالإلماح إلى المكان، وهو لا يخلو من وحشة وانقطاع، وخروج وانتظار لاندماج، بالإضافة إلى تقنية الرسائل التي ترتبط بالعودة إلى الباطني الغائر، وإلى اندياحات زمانية ومكانية، لا يخلوان من فاعلية في تشكيل المتخيلات السردية، ففي ظل هاتين الآليتين هناك تبئير على نتائج السياقات المختلفة في تشكيل هذا الانقطاع والطرد، فالمهم هنا نتائج السياقات والأنساق، وليست السياقات بحدّ ذاتها، ولذلك نلمح الجامع بينها يتشكّل في وحدة الأثر النفسي مع أصحاب الرسائل. فالوصول إلى المتخيلات السردية لا يتمّ بمعزل عن البنية الفاعلة المهيمنة في كل عمل، لأن الانتباه إليها يجعل تشكّلها نابعا من الداخل فيتشكل المتخيل في حدود التفرّد، وليس من الخارج الذي يشير إلى التشابه. فإذا كانت الكتابة الأدبية أو السردية خاصة تخطط لنا واقعا أو مرجعية جديدة، فإن الرسائل تشكل لنا واقعا أو مرجعية مزاحة عن مرجعية تمت إزاحتها أساسا، وفي ظل ذلك تتشكل قيمة الانطلاق من البنية الفاعلة في تشكيل المتخيل السردي.
وفي رواية (سيدات القمر) كان يكفي الوقوف عند جزئية وثيقة الصلة بالبنية وقفة متأنية بدلا من الإشارة السريعة إليها في البداية، وتتمثل في الفروقات أو الطبقات الزمنية بين كل جيل من الأجيال الثلاثة في مقابل ثبات المكان. في ظل فاعلية هذه الآلية البنائية يمكن معاينة كل التشكلات الخاصة ببناء المتخيل السردي لدى كل جيل، ومدى انفتاحه على الخارج المحلي أو الخارج العالمي بكل أشكاله، ومدى ارتباط كل جيل بالمكان، ومدى تحلل هذا الارتباط بالأنساق والسياقات المؤسسة القديمة، وفي إطار ذلك سيشعر القارئ أن الحديث عن المتخيل السردي حديث نابع من نسق بنائي، ولا يضرب في فضاء آخر.
في بعض الأحيان نجد وقوفا لافتا أمام ظواهر بنائية، تؤسس دورها في استكناه طبيعة المتخيل السردي، ففي مقاربة حتيتة لروايتي (طعم أسود.. رائحة سوداء) لعلي المقري، و(الجنقو مسامير الأرض) للكاتب السوداني عبدالعزيز بن بركة نجد اعتمادا على (الأسلبة) اللغوية، وجماليات القبح المتعمد، للوصول إلى فعل مقاوم، أو لتأسيس هوية متفردة معتمدة على التاريخ الثقافي والحكايات والمرويات التي تشكل وجودا مائزا. فالهامش- أو فعل التهميش- لا يتشكّل إلا من خلال وجهة نظر الآخر أو المركز، لكن داخل الفرد أو الأفراد هناك محاولة للإبقاء على النصاعة والبعد عن الاندماج. فالأسلبة اللغوية أو اللغة المحكية بوصفها عنصرا بنائيا، بالإضافة إلى جماليات القبح والإصرار على اللغة المكشوفة تمثل نوعا من التمسك بنصاعة الهوية، بل والعمل على حراستها من التلاشي بالاندماج الذي يقاومونه.
طبيعة المقاربة
تكشف المقاربة النقدية في الفصل الأول- بوصفها بحثا أو تشكيلا لموضوع عام يشكّل متخيلا- عن انشداد إلى المعنى والدلالة، ويحميها من الوقوع في سياق تلخيصي للعمل قدرة لافتة من الباحث على صناعة العناوين، ويحميها- أيضا- لغة نقدية تتوسّل بالاحتماء بالمعرفي، ولديها رغبة واضحة في نقل هذا المعرفي إلى المتلقي. ففي جزئية (الضيافة والهوية المستحيلة) يطالع القارئ مقاربة جادة لرواية (ساق البامبو) لسعود السنعوسي، مقاربة تحتمي بالنص الروائي من خلال الاقتباسات الدالة الكاشفة عن التعايش في ظل تأسيس واستمرار حدود التراتب، وهي تشكل نسقا اجتماعيا واسعا داخل المجتمع العربي، بداية من العصر الجاهلي مرورا بالإسلامي على توّع أشكاله وتجلياته، وانتهاء باللحظة الراهنة.
وفي سياق رصد أو لمس الفكرة الموغلة في القدم حتى أحقاب زمنية بعيدة، يطلّ النسقي الممتد، ويخفت وميض الاجتماعي موضوع وأساس المقاربة، ليجد القارئ نفسه أمام نسق ممتد يقل أو يزيد أثره ووجوده طبقا لتنوع الشخصيات وخلفياتها الثقافية. المقاربة النقدية هنا منفتحة على المعنى والدلالة والتراتب وفاعلية النسق، والتعدد الهوياتي داخل الأفق المغلق، وتتجلى المقاربة النقدية محتمية بالاقتباسات من النص الروائي. وتستمرّ آلية المقاربة ذاتها فاعلة أمام موضوع أو جزئية التحوّل، وفي كل هذه الجزئيات على اختلاف طبيعة التحوّل في كل رواية على حدة (ترمي بشرر- والطلياني- وسيدة الزمالك) يظل التناول واقفا عند حدود رصد التحولات. فعناية الباحث برصد السياق العام في العمل يعدّ شيئا ذا قيمة في رواية الطلياني، ولكن هذه العناية قد تهمل عامدة أن هذه الرواية وإن صنعت متخيلها الخاص، لها متخيل جاهز يبدو أنه رافق العمل في كل منعطفاته، خاصة في ملامح تكوين الشخصية الرئيسة، فالطلياني لا يمكن فصل ارتكازها على روايات اليسار المصري، خاصة رواية (تلك الرائحة) لصنع الله إبراهيم، بل لا يمكن فصلها عن نثارات واقعية لشخصيات مصرية حقيقية.
إن دراسة المتخيل السردي في رواية مثل (الطلياني) يجب أن يكون نابعا من بنيات نصية، تحمي المقاربة من عبء الشرح، والاحتماء بالاقتباس، فضل عن أن مثل هذه المقاربة- إذا تحقق لها ذلك التناول النصي- تطلّ بوصفها بناءات ممتدة، لا تعطي وعدا بالبداية من فراغ، أو من الوصول إلى إنجاز نهائي، فهي بنيات متداخلة ومتلاحمة، ويكفل لها هذا التناول الكشف عن مساحات التوازي والتماهي، بالإضافة إلى اجتراحها لأفق جديد مشدود لحيّزها الخاص، أو لنثارها الواقعي المائز. فسلطة الفني في الكتابة السردية- أو في أية كتابة فنية- أكثر تأثيرا من سلطة النثارات الواقعية. فمقاربة أو معاينة المتخيلات السردية لا تتولّد من واقع أو مرجع يقرّب المقاربة النقدية من مقاربات علم الاجتماع، وإنما تتولّد من تأسيس نصي متنام ومتلاحم في تأسيس الفكرة في طبقاتها النصية من فترة لفترة، الأمر الذي كان يتطلب حضورا للبنية أو للبنى المساهمة في التشكيل.
وقد تجلى ذلك بشكل جزئي في وقوفه في نهاية حديثه عن رواية الطلياني في الفصل الأول، في استثماره النقدي لحضور الغياب وفاعليته في تشكيل المتخيل السردي من غياب للسرد الذاتي، ودلالته على غياب التواصل بين الأفراد والتكتلات الأيديولوجية المضادة أو المتباينة، أو في توجيهه لحركة الشخصيات في انسحاب (زينة) خارج البلاد، ودلالة ذلك على انسداد الأفق، وغياب الفاعلية بالنسبة للتيار الديني أو لتيار اليسار.
وقد أدت آلية المقاربة وطبيعة التوجه المشدود إلى التوزع والفصل بين الجمالي والفني من جانب والاجتماعي والأيديولوجي من جانب آخر، فالأول تشكل من خلال الفصل الأخير، والآخر تشكل من خلال الفصلين الأول والثاني، إلى أن يتمّ تناول المداخل الفكرية، سواء في المتخيل السردي أو في المتخيل الاجتماعي في إطار شمولي في كل الأعمال، بغض النظر عن مساحة تحقق الظاهرة في كل رواية. وقد أدى ذلك إلى وجود تباينات في طبيعة التناول، حسب طبيعة وجود الظاهرة وتحققها. ففي بعض الأعمال نجد أن الظاهرة متحققة تحققا كاملا ومهيمنا، وفي أحيان أخرى نجد أن الظاهرة متحققة بشكل عرضي وغير لافت، ومن ثم تأتي المقاربة النقدية متساوقة مع هذا الوجود، فنجدها مستفيضة مستوفية مع رواية ما، وبسيطة لاهثة في تناول رواية أخرى.
يتجلى ذلك في جزئية (تمثيلات المهمشين) من الفصل الثاني، من خلال وجود تباين بين مقاربته لروايات مثل (الجنقو مسامير الأرض)، و(طعم أسود..رائحة سوداء)، أو (ساق البامبو)، في مقابل مقاربته لروايتي (الطلياني)، و(سيدة الزمالك)، ففي النسق الأول نوع من الاحتشاد الكاشف عن هيمنة الظاهرة بنسقها الفكري، وفي الأخير نوع من العجلة والتمحّل الذي يفصح عن الورود الجزئي للظاهرة بشكل بسيط وغير مهيمن. وكان هناك نوع من الإمكانية في إخفاء هذا التفاوت من خلال التأمل لكل رواية على حدة، والبحث عن التمثيلات السردية أو الاجتماعية الفاعلة التي تتضاءل معها تمثيلات أخرى، قد تكون موجودة، لكنها لا تشكل العمود الأساسي للنص الروائي.
وجود الفصل الأخير (جماليات المتخيل السردي) يمثل محاولة للاكتمال، وتقليلا للهوة بين التناول السابق المبني على تشكيلات المتخيل الاجتماعي الذي يضرب بجذوره في مقاربة الواقع أو المرجع أو النثار الواقعي بشكل لافت والتناول في الفصل الأخير، وإن كان التناول في البداية لا يخلو من وقفات جادة يستحضر فيها حتيتة جزئيات بنائية لها دور في تشكيل المتخيل السردي أو الاجتماعي، ولكن هذا التناول في الفصلين الأولين- أي الوعي بدور البنية- لم يتم التوجه إليه بشكل مباشر.
في الفصل الأخير من الكتاب تتوجه المقاربة توجها مغايرا، فهناك حضور لافت لبنيات نصية، وهناك انطلاق منها لتأسيس وعي خاص بالنص. فالتركيز هنا على الجمالي في انفتاح المقاربة النقدية على الجماليات الفنية، بداية من (التذويت)، حيث يجيء تمثيل الشخصية كاشفا عن التمثيل الذاتي الفردي، فالعناية بالأنساق والسياقات والتحولات قد تغيّب الذاتي، وتجعل وروده في مثل هذه الروايات وثيق الصلة بالبحث عن الجماليات الخاصة للوصول إليها، خاصة إذا كان تأسيس هذا المدخل للكشف عن الذاتي الباطني يتشكل في ظل تعدد الأصوات والمنظورات العديدة.
ويفرّق حتيتة في سياق ذلك بين التذويت الجماعي أو الجمعي في روايتي (طعم أسود..رائحة سوداء)، و(الجنقو مسامير الأرض)، فالشخصيات متطابقة أو متشابهة، يحويها إطار عام ويكيّف حضورها، وهوية محمية بالنصاعة، وعدم الاندماج. ويطلّ النسق السابق الجمعي في مقابل التذويت الفردي، على نحو ما يمكن أن نرى في رواية (سيدات القمر)، فالشخصيات داخل إطار مكاني مغلق، لكنها شديدة الاختلاف، لاختلاف الطبقة الزمانية. فكل شخصية بالرغم من هذا الفضاء المغلق الضاغط- تمثل نمطا مستقلا، وفي ذلك تفعيل لقيمة الزمن، وقدرته على تفكيك الترابط مع القديم باختلاف الطبقات، ومكوناتها الثقافية، وتوزعها بين قديم مغلق، وآني منفتح على العالم.
في كل فصول الكتاب تأتي عناوين الفصول والعناوين الجانبية كاشفة عن القدرة في صياغة عناوين جديدة لافتة، ولكن العنوان الجديد لا يمثل جدّة في نحته وتكوينه فقط، لكنه يمثل استعدادا جديدا لاختراع مقاربة مغايرة، فالعناوين الجديدة اللافتة تمثل تقليبا للظاهرة وفق فهم جديد. فمقاربته للمونولوج والديالوج تحت عنوان (نوافذ بديلة للبوح) يأتي متساوقا مع السياق العام والمجتمع، والأنساق الضاغطة التي تجعل فعلي البوح والإفضاء بعيدين عن التجلي بشكل مباشر، وإنما من خلال آليات خاصة تكشف فيها الذات عن نفسها، وعن أزمتها الذاتية في مواجهة العام.
في حدود ذلك يأتي الوقوف عند هذه الآليات من خلال اختراع أو القدرة على صياغة عنوان يتحرّك بين الفن والعلم، ويحمل نوعا من رهافة الرصد، يستصفي من خلاله هذه الجزئيات الذاتية المهمشة والمغيبة داخل سياق جمعي عام، يهيمن بحضوره على النص السردي. الجزئيات التي تمّ الوقوف عندها في الفصل الأخير تأتي لإعادة الانسجام إلى المقاربة النقدية بين ما هو فني وما هو مرجعي، حتى لو تجلى ذلك بشكل كاشف عن الجزئية والتقطيع والانفصال، ففي النهاية أسهمت هذه الجزئيات الخاصة (بالتذويت)، أو (نوافذ بديلة للبوح)، أو (جماليات القبح)، أو (الأسطورة من الاستلهام إلى التأسيس)، أو (المكان جمالية اجتماعية)، في إتمام وإكمال المقاربة النقدية، وإضافة اكتشافات تأويلية على نحو كبير من الأهمية.
تتبقى جزئية أخيرة تتعلّق بالجانب المعرفي والعناية بالاقتباسات، سواء أكان الأمر مرتبطا بالنصوص الروائية لإثبات مشروعية التوجه في التأويل أو الفهم، أو بالمراجع النظرية لبناء المنحى المعرفي. فالاقتباسات بشكل عام- بالرغم من أهميتها- أعتقد أنها تمارس نوعا من التشويش على الفكرة النامية في النص، ونوعا من تحجيم الحرية في التعامل مع النصوص، فتلح بوصفها قيدا للحركة، وبدلا من كونها طريقا للبراح وفتحا لمسارب الرؤية، تبدو إغلاقا وتعتيما.
في بعض الأحيان تقوم الاقتباسات بإحداث نوع من التشويش على الفكرة، خاصة حين يأتي الاقتباس طويلا، وينفتح على موضوعات شبه بعيدة عن الفكرة أو عن حركة المعنى النامية في الكتابة النقدية، فضلا عن كونه يؤثر على تمدد السردية النقدية. فحين يتحدث حتيتة عن التحوّل في رواية (ترمي بشرر) تحت تأثير سطو المال، وارتباطه بالجنس، نجد أن الاقتباس المأخوذ من ألبرتو مورافيا (لقد أردت أن أفهم كيف يمكن شراء الجنس، في حين لا يمكن شراء العاطفة) يولّد نوعا من التشويش على سردية الكتابة النقدية، وذلك بتوزعها إلى ثنائية جديدة، ليست وثيقة الصلة بفكرة التحوّل، وذوبان الأخلاقي والقيمي تحت تأثير سطوة المال.