سلطة التمثيل والرموز الأنثوية للوطن في رواية كلاب تنبح خارج النافذة لصبحي موسى
سلطة التمثيل والرموز الأنثوية للوطن
في رواية كلاب تنبح خارج النافذة لصبحي موسى
عادل ضرغام
في روايته (كلاب تنبح خارج النافذة) يؤسس صبحي موسى تمازجا لافتا بين الرؤية والآليات الفنية التي تسهم في تقديم وتشكيل هذه الرؤية، وكأن الفكرة والبناء جاءا متواشجين بشكل كبير في وقوعه على آليات سردية مناسبة للآراء الفكرية والمعرفية في حدود التيمة التي تشكلها الرواية وتشتغل عليها. فموضوع الرواية الأساسي هو الثورة وإن جاء متجاوبا مع موضوعات أخرى، فالرواية ترتد لمعاينة الأسباب المتأصلة لها في سنوات سابقة، وما يحتمه ذلك من وجود صور متباينة للرموز التي يتمّ تشكيلها للوطن في كل هيئاته ومنعطفاته الفاصلة.
وفي حدود ذلك الموضوع تؤسس الرواية لاختلاف وجهات النظر حولها، بين مؤيد ومعارض، بين مفتون بها إلى أقصى حدود الفتنة، ولاعن لها إلى الرفض التام. وقد أتاح البناء الروائي أن يفصح عن النزوعات المتباينة داخل الفرد الواحد، أو المشاعر المختلطة بين القبول والرفض تجاه الأشياء أو الأحداث التي يمرّ بها الإنسان. فالبطل في الرواية مريض بتعدد الهوية التفارقي، ويصبح له هويتان، أو شخصيتان، وتحدث في ظل ذلك ثغرات في ذاكرة كل شخصية منهما حين تعمل الأخرى. وتتكلم كل شخصية بمنطق وطريقة مختلفة مغايرة، ولكل شخصية رأي في إشكاليات سياسية واجتماعية وثقافية حاضرة، ولها أيضا خصائص وذكريات ورغبات، وفي إطار هذه الاختلافات تتصرف وتقارب الحياة بطريقة مختلفة.
والانتقال بين الشخصيتين يتمّ بطريقة مفاجئة تشوبها الضغوط العديدة، فالحضور دائما لحظي، وفيه استدعاء للشخصية التي تستطيع أن تتعامل مع الموقف الحادث، والتصرف إزاء ضغوطه. ففي الرواية بجزئيها (أنجريتا) و(فئران بدينة) ترتبط بشخص منقسم على ذاته، الأول الراوي والثاني (ثابت)، الفاعلية في الجزء الأول للراوي، والفاعلية في الجزء الثاني والأخير لثابت، ليجد القارئ نفسه أمام بنائين مختلفين في وجهة النظر والرؤية، حيث تتجلى في إطار تلك الثنائية مساحة شاسعة بين الأخلاقي وغير الأخلاقي، الخيالي والنثار الواقعي، الموافقة على الاشتباك والتعامل مع الفصائل الدينية لهدف نفعي بحت، وكرهها والثورة عليها. ففي الجزء الأول هناك وجود للخيالي والمثالي، وفي الأخير هناك إبراز للواقعي في عتمته وغلظته وصعوبته. الجزء الثاني لا يأتي بوصفه شكلا من أشكال المغايرة والتباين فقط، ولكن في بعض الأحيان يأتي كشفا عن أشياء لم يفصح عنها نص المؤلف، فكأن الجزء الثاني (فئران بدينة) يمثل مراجعة من شخصية لها وجهة نظر مغايرة، فهي تنبه للأشياء الغائبة التي لم ينتبه إليها التخييل الكتابي في الجزء الأول، فالتخييل يغيّر كثيرا في النثار الواقعي، ويضيف إليه ملامح أو أشياء لم تتحقق واقعا، أو تحققت في شكل مغاير.
الجزء الثاني- ويمكن أن نسميه النص الثاني، لأن المؤلف يضع كلمة تمت بعد نهاية الجزء الأول- أشبه بالحاشية المشدودة إلى التعليق والمحاورة والمراجعة وربما التصويب، وما يوجبه ذلك من وجود وجهة نظر مغايرة، وتبرير لسلوك الشخصية التي تستلم منصة السرد بعيدا عن شخصية الراوي المهيمنة على النص الأول. ويمكن أن نلمح في ظل ذلك ثنائيات أخرى متضادة، مثل ثنائية المثقف الحالم والفرد العادي، أو الثبات والتبدّل، بالإضافة تسويغ الاختيار في ظل تعدد التوجهات والخيارات المتاحة.
بنية الرواية وسلطة التمثيل
لو لم ينتبه القارئ لأشياء بسيطة وإشارات خافتة تقدم بشكل عرضي في النص الروائي، لن يدرك أنه أمام شخصية واحدة في كل جزء تمارس سلطتها على تمثيل وتقديم الآخرين في أطر خاصة، فوراء ضمائر السرد الثلاثة الحاضرة (التكلم والغياب والخطاب) في كل جزء هناك صوت سردي وحيد قادر على التمثيل والتأطير لكل شخصيات الكون الروائي، صوت يكشف عن نفسه في بعض الضمائر أو الإشارات. فصورة كل شخصية محكومة برؤية هذا الصوت السردي، والمؤلف في النص الروائي هو المتحكم في الجزء الأول، ويأتي (ثابت) القسيم أو الهوية الأخرى فاعلة في الجزء الثاني من الرواية.
فصوت المؤلف (الشخصية وليس الكاتب) من خلال ضمير المتكلّم يكشف عن نفسه ومشاعره وأحلامه وإحباطاته، ومن خلال الغياب يكشف عوالم الشخصيات، ومن خلال المخاطب في الفصول- تبدأ غالبا بقوله (يا صديقي)، وهي الجسر التعبيري نفسه الذي استخدمه ثابت في الجزئين الأول والثاني لكي يعبر عن وجهة نظره- يستحضر قسيمه، ويقدم في الآن ذاته وجهة نظره ميررا ومسوغا حركته وتوجهه. ففي ظل تعدد الضمائر السردية ندرك أن الرواية ليست معنية بشخصية وحيدة أو اثنتين أو أكثر، لكنها معنية بكون كامل تطل فيه الشخصيات بلحظتها الآنية، وبتاريخها السابق الممتد، فالوقوف عند التاريخ السابق ضروري، في ظل حضور المنحى الفكري المتواري الذي يمثل عصب الرواية ومناط الاهتمام، وإن كشف الظاهر عن شخصيات مريضة بقصور ذهني، أو شخصيات منقسمة على نفسها، وهو منحى يتمثل في (الثورة). فالسرد عن الثورة ليس سردا عن فرد، وإنما سرد عن فصائل وأنماط عديدة، فكل شخصية تمثل نموذجا لفصيل أو لشريحة محددة.
الشخصيات في تجليها الاني في النص الروائي مرتبطة بتاريخ ممتد، ومن ثم يفلح الغياب في شدّ الآني إلى الماضي، خاصة في ظلّ وجود شخصيات تشكل رموزا لأنماط ذات انتماءات أيديولوجية وأساليب معيشية وحياة. رزق الله السبّاك يشكل بديانته المسيحية وسفره المتواصل إلى البلدان العربية من ليبيا إلى الكويت إلى الإمارات نموذجا دالا على مرحلة تتجلى وفق هذا النهج. ويأتي الشيخ (ضاحي) نموذجا دالا على فاعلية الوجود الإخواني في (أنجريتا) يكشف عن القوة وبطشها بشكل مباشر، سواء أكانت قوة في إطارها المباشر أو قوة مادية، وينضم إليه في الإطار ذاته مجموعة شخصيات أو تمثيلات موازية مثل الشيخ (ياسر)، وشقيق هشام (هيثم).
أما في الإطار المقابل فهناك تمثيلات لنماذج تمّ اختيارها بعناية، مثل (عنتر) السريح صبي المعلم (ورد) تاجر المخدرات وبجوارهما (ياسين الشيمي) الذي خرج للمعاش من شركة الأهرام للمشروبات الغازية، واكتسب قوة غير مبررة، وكأنهما – أي النسق الديني الإخواني والآخر الكاشف عن أشكال الفساد- يشكلان الوجه الدائم للمكان (أنجريتا) التي تأخذ مدى أوسع في التأويل. وتمثل (جيهان) في وجودها واستمرارها علما على المرحلة الجديدة كاشفا عن تاريخ خاص مملوء بدلالات رمزية، من خلال قدرتها على التنقل من مكان إلى مكان ومن سياق إلى سياق، خاصة حين نعاين ارتباطها بصلة قرابة كانت خفية قبل اكتشافها مع (عبد المجيد) أو (لامبو) أو(سامبو) وكلها أسماء لشخص واحد استطاع أن (يقتل ضاحي) الزعيم الإخواني ويحرقه. فالتمثيل قد يكون لفرد لديه قصور ذهني مثل (هشام)، أو لشخص منقسم على ذاته في ظل مرض الهوية التفارقي مثل (المؤلف) و(ثابت) قسيمه، لكنه يتمحوّر في الأساس نحو عالم روائي ممتد ومتكامل، يتولّد في إطاره اهتمام خاص بالمجموع.
في ظل حضور ضمير المخاطب وهي جزئيات ليست كثيرة نجد أن هناك حضورا لمتكلم ولمستمع في آن، وهذا يتحقق في وجود شخصيتين: هما (المؤلف) وثابت القسيم المقابل أو صاحب الهوية التي تستدعي وجودا أو حضورا أو فعلا مغايرا لتكوين شخصية المؤلف. والسرد بالمخاطب في الجزئين هو صوت الإكمال لخيانات الذاكرة في لحظتي الحضور والغياب، أو التنبيه إلى الجزئيات الواقعية التي لم يتوقف عندها المؤلف أو الراوي، وكأن ما يقدمه (ثابت) من خلال ضمير المخاطب أقرب إلى فعل الاستدراك بإضافة جزئيات أو نثارات واقعية لم ينتبه إليها المؤلف بفعل استراتيجية الحضور والغياب بينهما.
يتجلى ذلك واضحا في موقفين في النص الروائي، ففي الفصل الرابع عشر من الجزء الأول يبدأ الفصل بقوله (أنصحك يا صديقي أن تعود إلى ثمة أشياء لم تروها لك، ثمة أمور لم تقف عليها بعد...)، ويتوجه النص الروائي في هذا الجزء من خلال المخاطب في استدراك حدث لم يرد في سرد المؤلف عن (جيهان) و(هشام)، يضع القارئ في حدود الانتهاك الجنسي الذي تقوم به جيهان لهشام، وهو الشخصية التي يُكلّف المؤلف بمراقبتها وحمايتها، لأن لديها قصورا ذهنيا يقف بها عند حدود سن العاشرة. أما الموقف الثاني فهو موقف الاتفاق بين عمة هشام وثابت على فعل المراقبة والحماية، فالمؤلف يكتب نصه طوال الجزء دون وعي أو معرفة أو تذكر، لمن كلفه بالأمر، لأن هذا الاتفاق تمّ في فترة من فترات حضور ثابت وغياب المؤلف. فالقارئ طوال الجزء الول من الرواية غير قادر على تحديد الشخصية التي كلفت المؤلف بذلك، إلى أن يأتي الجزء الثاني ليكشف عن ذلك.
في إطار هذا الانقسام الذاتي، أو مرض الهوية التفارقي الذي يحدث بشكل جزئي لبضع ساعات أو أيام في التصور العلمي لهذا المرض، يمكن معاينة الكيفية الذي قدّم بها النص هذا التعارك الداخلي، وسمات كل قسيم منهما. ففي الجزء الأول من الرواية يبدو حضور المؤلف (الشخصية) مهيمنا في تأطير السرد، ويأتي ثابت مسرودا عنه، أما في الجزء الثاني فيطلّ ثابت ساردا، ويأتي المؤلف موضوعا في بؤرة السرد، حيث يتعرّض هو والكتّاب والمثقفون لمقاربة من شخص برجماتي عملي، ومن ثم نلمح في الجزء الثاني من الرواية هجوما خاصا على الكتّاب والمثقفين، تقول الرواية على لسان ثابت (اسمح لي أن أعترف أنني أكره الكتابة، وربما أكره الكتّاب أنفسهم، وطالما نظرت غليهم في جلساتهم بسخرية موقنا أنني أمام مجموعة من الحمقى، أو فاقدي الأهلية)
إن النص الروائي يؤسس ثنائية ترتبط بالصوت ونقيضه، أو الصوت الذي يخلص الذات من انعزالها وخجلها، وينزلها من الخيال إلى أرض الواقع والفعل، أو من عالم المثل إلى النفعية الواقعية. في جزئيات عديدة من النص الروائي سيتوقف القارئ أمام هذه الثنائية، وأمام هذا الحضور التلازمي، وسوف يتولّد تساؤل حول كونهما شخصيتين أم شخصية واحدة. في البداية سوف يكون هناك وهم أنهما شخصيتان، خاصة أن هناك وجودا لتنضيد المقابلة في جزئيات ليست يسيرة، فهناك قبول للمؤلف من قبل سامبو ورزق الله، ولكنّ هناك رفضا أو تمثيلا لشخصية ثابت، فهو في رأي رزق الله (متلّون يأكل على كل الموائد، الحزب الوطني والإخوان والسلفيين) وهو رأي كاشف عن عدد كبير من الشخصيات تتغيّر وتتبدل نتيجة للتوجه العام، يتجلى ذلك في صاحب محل البراويز وإطارات الصور، حيث كان يضع صورة لمبارك وحفيده، وأخفاها بشده بعد رحيله. وثابت في رأي سامبو (شخص عملي تغلب عليه المنفعة، ولا يعترف بالضعف، يرى الحياة بحرا، يأكل فيها الكبير الضعيف).
أما كيفية حضور الشخصية أو قسيمها فإن ذلك يخضع للموقف وسمات كل شخصية، فحين يتأزم الموقف بين ثابت وشخصية سامبو، تقول الرواية على لسان المؤلف (أقبض على يديه قائلا سمعت أنك سألت عني اليوم). في هذا الجزء يتجلى الغياب والحضور في آن، وهناك جزئيات في النص الروائي تكشف عن هذا التلازم، وحلول أحدهما محل الآخر مثل الجسد والظلّ، تقول الرواية (ولم يكن أمامي سوى أن أغيّر الكالون، لكن ثابت الذي لا يعرف خصوصية لأحد كان يفتح الباب بطرقه الخاصة). ويتجلى ذلك في ميدان التحرير والثورة (ما إن أنهض حتى أجد ثابت أمامي، نعم أعرفه كان قريبا مني كأنه يتنصت عليّ)، وعند الطبيب النفسي (لا أعرف كيف دخل ثابت، وما الذي جعله يسأل عن حالتي). وفي جزئيات أخرى من النص الروائي يتمّ التأكد من هذا الازدواج، حين تقول الرواية على لسان المؤلف (ثابت هو الصديق الوحيد الذي تعرفه من أمد بعيد (...) لكنك تتذكر أنه كان معك حين مرضت أمك، وترككما أبوك باحثا عن الرزق).
حضور (ثابت) في النص الروائي يرتبط بالقدرة على الفعل، ليؤسس النقيض لدى المؤلف أو المثقف، فكأن هذا الحضور الظلي مكمل للنقص لديه، ويمكن أن نتوقف عند مجموعة مواقف كاشفة عن القدرة على الفعل والتخلص من المواقف في حضور ثابت وغياب المؤلف، في رده على هيثم شقيق هشام بحسم وتحفز واضح، بأنه من قام بكل الأشياء لهشام، وتهديده أن حدث مكروه لأخيه. أما الموقف الثاني تقبيله لهناء زميلته في المدرسة الثانوية، بالإضافة إلى ضربه لمدير الإدارة بعد محاولة الاعتداء على جيهان، والتوقيع على محضر المقايضة، يقول النص الروائي (إنني وفقا لهذا التوقيع قمت بمقايضة عادلة، فمن جانبهم سيحفظون المحضر، ولن يرسلوا به إلى الشرطة، ومن جانبي يجب ألا يروا وجهي في المؤسسة من جديد. وربما تكمن فاعلية هذا الشخص الظلي أو المتواري في قدرته على الإتيان بجيهان إلى شقة المؤلف في (أنجريتا)، وفي قدرته على قتل عمة هشام بتوجيه من ابنها الشيخ ياسر، بوصف ذلك القتل موتا رحيما.
في النص الروائي بجزئيه يجد القارئ نفسه أمام شخصية منقسمة على ذاتها، واحدة مشدودة إلى المثال والسكون والثبات، وعدم القدرة على الفعل، والأخرى عملية مشدودة إلى واقع، ونفعية مرتبطة بالمصلحة. ومن ثم نستطيع تبرير ذلك الترابط بين ثابت والأخوان، وهو ترابط ظهر واضحا في النص، وكشف عن مساحات من التعاون بين (ثابت) و(ضاحي) و(الشيخ ياسر) اللذين تواصل معهما من خلال حضوره المهيمن في بعض الأوقات، فنراه متعاونا معهما في أعمال عديدة، تنتهي بالقبض عليه وانتهاء فترة حكمهم، وخروجه من السجن بعد ذلك.
الثورة والرموز الأنثوية للوطن
قد تُقرأ الرواية في ظل هذا الانقسام النفسي، ويتمّ اعتبارها رواية نفسية لشخص يعاني تعددا أو قلقا في الهوية الذاتية، ولكن هناك خطابا في النص الروائي لم يتمّ التوجه إليه مباشرة، وإنما في إطار من المراقبة بشكل جانبي، هو الخطاب المتعلق بالثورة وأثرها، سواء في عام 2011، أو في 2013، وإن كان التركيز الأساسي على العام الخاص بحكم الإخوان. وقد يجدي الوقوف عند العنوان (كلاب تنبح خارج النافذة)، وطبيعة حضوره في النص الروائي، حيث يشير إلى حالات التهارش والنزاع على الأنثى.
وقد يجدي في السياق ذاته الوقوف عند إشارات لافتة وردت في النص الروائي بتوجيه متعمد، مثل السؤال الذي يتكرر كثيرا في النص الروائي ما الذي فعلته بنا الثورة؟ بالإضافة إلى النتيجة والمرض النفسي والجنون، تقول الرواية على لسان شخصية المؤلف (إننا جميعا صرنا مرضى، وما يحدث حولنا يصيب بالجنون). ولا يستطيع القارئ في الوقت ذاته أن يمرر التوجيه السردي الخاص بهشام وهيثم، في حديثه عن إرثهما للشقة عن أبيهما من ثلاثين عاما، فوجودهما على هذه الحالة من النقصان العقلي والقصور الذهني وثيق الصلة بهذه المدة الزمنية التي لا تخلو من إشارة واضحة إلى مساحة زمنية محددة، أفرزت في النهاية هذين الشخصين، أحدهما أصبح تابعا لنمط أيديولوجي محدد يغيّب فرديته وذاته، والآخر في هوسه بالمرأة وأحلامه وتعلقه بنجمات التمثيل. يؤيد ذلك قول رزق الله (كل أصدقائي اليوم عاهات)، فهشام وهيثم يمثلان نتاج المرحلة الزمنية السابقة، وجيهان وثابت الومؤلف كلهم- إذا وافقنا على الانقسام والثنائية ذات القلق الهوياتي- عانوا من أمراض نفسية، وذهبوا نتيجة لذلك إلى الطبيب النفسي.
فالثورة منطلق أساسي من منطلقات الرواية، وإن جاء الخطاب الخاص بها ذائبا في جدل الحضور والغياب للقسيمين. ففي الرواية تظهر النتيجة من خلال ما خلفته من آثار سلبية أو إيجابية على البشر، وربما تكون الثنائية التي يستند إليها النص الروائي، أو الازدواجية بين ثابت والراوي البطل نتاجا لها، فقد عانى كثيرون من هذه النتائج النفسية والازدواج، وثمة إشارة في النص الروائي في عيادة الطبيب النفسي كاشفة عن ذلك، حين يتساءل الراوي عن حالة العيادة وازدحامها اللافت (هل هذا وضعها الطبيعي؟، فتجيب- أي جيهان- بالنفي، ثم تضحك قائلة إن الناس جميعا لسعت).
يؤكد ذلك أيضا معاينة الخطاب القائم على التعرية، في إظهار مناطق القوة والتأثير والفساد، وربما البطش الذي يتجلى في جزئيات عديدة، بداية من الوقوف عند الفاسدين، مثل المعلم (ورد) تاجر المخدرات الذي يمارس في ظل منطق القوة بطشا بشخصية (ثابت)، في تحويله إلى (مرمطون) أولا، أو في منعه من دخول أية محكمة أو نيابة لممارسة عمله، ويظلّ ذلك المنع فاعلا إلى أن يتدخل الحاج (ياسين الشيمي) صاحب المكتبة، فيوافق على فك حظره، شريطة أن يكون ذلك بقضاياه وعمله. وفي الإطار ذاته تجيء التعرية واضحة في الجزء الثاني (فئران بدينة)، وهو الجزء الذي يقوم بسرده في ظل تغيّر ضمائر السرد وأشكاله (ثابت)، حيث يبدو أكثر التصاقا بالكشف عن الواقع دون تعلّق بمثاليات المؤلف التي تبعده عن الفاعلية، كما يتجلى في شخصية (عبدالحميد) التي تظهر أكثر ارتباطا بالجماعة والتنظيم، وشخصية (غادة) التي تبدو جزءا من حطب الحرب دون انتماء إليها.
أما التعرية اللافتة للنظر والانتباه فهي التي تمثل الشكل الأكثر حضورا وفاعلية للنص الروائي، فيما يخص الانتماء الإخواني أو السلفي، فقد ظهرا في الرواية في حالة ارتباط شديد، فالرواية في تعريتها للشخصيات المنتمية إلى هذين الاتجاهين تعرّي منطق القوة، في البطش بالبشر، وتعري استخدام الأموال والقوة المادية في تبديد وتقويض كل حالات الرفض والاعتراض ضد كل توجهاتهم وأفكارهم. وقد ظهر ذلك جليا في تصوير (ضاحي)، وفي تصوير ابنه ناصر في هيمنتهما على أنجريتا بقوة المال، وقوة التابعين والمناصرين لهما. وظهر ذلك- أيضا- في تصوير الشيخ ياسر وتابعه هيثم من خلال الإشارة إلى منطق التيه بالقوة في غلق خمارة (سامبو) أو لامبو، ويبدو أن شيئا من لامبو في قصيدة الأبنودي قد مس تشكيل الشخصية في اعتراضها على السلطة الباطشة، بالإضافة إلى منع إقامة حفل زفاف شخصبة المؤلف وجيهان بنت شقيق سامبو حين اكتشف ذلك، وأصر على عقد قرانها عليه، فالنص يعرّي فكرة الهيمنة والسيطرة والتخطيط لدى هؤلاء.
وربما تظهر تعرية هذا التوجه إذا قابلنا الصورة المقدمة لنماذجه بصورة (سامبو) القاتل المحترف، فصورة سامبو في النص الروائي أقرب إلى الصورة الأسطورية التي تجعله عظيما، حتى لو كان قاتلا، فصورة هذا المشوّه في فقده لذراع ورجل متقابلين في حادثة مطاردة وصراع بعد قتله لأحد الشخصيات المهمة تفرض حضورها وهيمنتها على النص الروائي بوصفه المخلّص من كل صور البطش والهيمنة، وذلك من خلال قتله (لضاحي) وحرقه، وقتل نفسه في ذات اللحظة، ودفنهما معا في قبر واحد.
في الرواية- في ظل التأكيد على فكرة الثورة- هناك رموز تتشكل، ويتمّ الوعي بحضورها الرامز ومشروعيته من خلال معاينة البناء السردي، والسمات المسدلة على كل شخصية من هذه الشخصيات التي تنتقل من مجرد إطار وظيفي داخل النص إلى مساحة أكبر من العطاء الرمزي، وتظل الشخصية متجذرة في وظيفتها السردية، ولكن ذلك لا يمنع من ارتباطها بدلالات أكبر من هذا الوجود السردي الضيق. فالوصف في بعض الأحيان- وقد يكون وصفا غير مقصود- يصبح كفيلا بتحريك تلقي العمل إلى توجهات قد تكون أكثر جدارة، فحين يقول النص الروائي عن الثورة ضد الإخوان (قامت الثورة على الإخوان، وأصيبت البلاد بذئبة حمراء كبيرة، فراح الكل يهاجم الكل، معتبرا نفسه على صواب، والآخرين على خطأ).
حين يمرّ القارئ بهذا الوصف (ذئبة حمراء)، سوف تلحّ في ذهنه مجموعة التكرارات الدورية لمرض الأم، والدة المؤلف وثابت، فمرضها في بعض الأحيان في النص السردي، يتمّ التعبير عنه، وكأنه يمثل كل أمراض الدنيا، لكنه- أي النص الروائي- بالتدريج حين تختفي مرشدات الانقسام، وتحلّ مساحات الواحدية بين شخصيتي المؤلف وثابت يصبح وصف الذئبة الحمراء هو الحاضر والمهيمن. وهذا التشابه يجعلنا نعيد تأمل كل الشخصيات الأنثوية في العمل الروائي، خاصة إذا كانت هذه الأم محاطة بشخصيات تعد نماذج على تشكلات أيديولوجية، فهناك ابناها ثابت والمؤلف الموزعان إلى إطارين متنازعين، وهناك أيضا الفسدة وتجّار الدين وتجار المخدرات. ويمكن في ظل ذلك أن نتلقى امرأة ما على أنها مثال ونموذج كاشف عن الوطن في كل مرحلة.
فالأم ربما تكون نموذجا للوطن في مرحلة محددة، يكشف عن ذلك مجموعة من الأشياء، أهمها نسق يلح عليه النص الروائي، يتمثل في السفر، فقد كان ذلك سبيلا مهما بالنسبة للمصريين في تلك الفترة، وفي النص الروائي هناك إشارة لسفر الأب، وتركه للأم والطفل ثابت/ المؤلف، وهناك إشارة لسفر رزق الله المتوالي إلى بلاد عديدة، ومنها أيضا طبيعة المرض، وكل ذلك كاشف عن المرحلة بكل أشكالها وأنماطها. فكل مرحلة من المراحل لها رمزها الأنثوي المؤسس بفعل التشابهات مع سمات وأنساق هذه المرحلة. وفي مرحلة حكم الإخوان يمكن للقارئ أن يجد هذا التوجه ماثلا في شخصية (هناء)، وإذا كان المرض عاملا في كشف الرمز والارتباط في المرحلة السابقة، فإن الخباء أو النقاب يصبح الموجه لهذا الفهم في هذه المرحلة.
فهناء التي كانت أيقونة أو تصورا مثاليا للعالم المديني في المدرسة الثانوية قبل أن تصل، وحتى بعد وصولها بفترة إلى أنجريتا، تحجبت وارتدت النقاب بعد زواجها من (ناصر) بن (ضاحي) الإخواني، يكشف عن ذلك قول الرواية على لسان ثابت واصفا مساحات التحوّل بعد أن التقاها فور خروجه من السجن (وظللت متحيّرا بين صورتها الآن، وصورتها بالأمس البعيد، متسائلا كيف لفتاة بهذه البراءة أن تحتمل كل هذه التحولات). أما الرمز الأنثوي الأخير فهو رمز وثيق بالقوة الداعمة للاستمرار والتخلص والتعاظم على كل الظروف المعاكسة، هو رمز للميلاد التكراري بعد كل هزيمة، ماثل في شخصية (جيهان) التي يمتد وجودها زمنيا بالفترات السابقة، فقد عاينت سقوط السابقين، والتحولات التي لحقت بأنجريتا، وعادت في شقتها التي تطل على الميدان في انتظار المؤلف الذي يمثل مساحة الحلم والخيال والإيمان بالغد، يتجلى ذلك في قول الرواية في فقرتها الأخيرة من الجزء الثاني على لسان ثابت (تجلس تتذكر هشام وعمته المصابة باللوكيميا، ووالدتك المصابة بالذئبة الحمراء، وبلادنا التي لا تفارقها أمراض الكلى والسرطان، موقنة أنها بلاد خلقت من أجل الموت... جيهان الآن تتذكر وتبكي، وتنظر من شرفتها إلى الميدان بحثا عنك، وما زالت كلما أتي الليل تترك بابها مفتوحا وتنتظر دخولك منه)، فهذا الاقتباس يؤيد مشروعية التلقي السابق، في تحريك هذه الشخصيات الأنثوية من وظيفة سردية إلى وظيفة ذات حدود أكبر، لترتبط بالرمز في عطائه اللافت غير المحدود.