فصائل الشعراء ومطاردة الشعر والشاعر في كتاب يا أعمى للشاعر عماد أبو صالح
فصائل الشعراء ومطاردة الشعر والشاعر في كتاب
يا أعمى للشاعر عماد أبو صالح
عادل ضرغام
تتعدد المداخل للاقتراب من كتاب عماد أبو صالح (يا أعمى)، لكن التأمل الدقيق يثبت أنها ترتبط بالشعر والشاعر، وحركية الشعر بعيدا عن الثبات، وحركية أماكنه التي يسكن فيها، فالشعر- الشعر الحقيقي- يتجلى في كل الأزمنة وفي كل الأماكن، بوصفه روحا خالدة، فهو أشبه بياقوتة تتعدد زوايا النظر إليها، وتظل بالرغم من هذا التعدد مزدانة ببريق خاص، حيث يأخذ مع كل مقاربة أو كل توجه شكلا جديدا، لا ينفي الاختلاف، بقدر ما يثبت تمدد الجذر المقدس والإلهي مع كل شكل أو تجل، بالرغم من التحويرات العديدة التي تغير في ملامحه أو في أماكن تواجده في كل فترة زمنية.
وبناء على هذا التعدد، لا يمكننا الوصول إلى تعريفه أو تحديده بشكل قار ونهائي. فنحن جميعا نعرفه ولا نعرفه في الآن ذاته، قد نشعر في بعض الأحيان أننا اقتربنا منه، وأمسكنا به، لكنه في هذه اللحظة بالذات نراه يتفلّت ليظلّ خارج حدود التأطير، قد نراه قريبا كذرة رمل، وقد نراه بعيدا كنجمة. اللافت للنظر-وربما يتساوق ذلك مع الفكرة السابقة- أن الكتاب (يا أعمى) يخلو من أية إشارة تجنيسية أو نوعية، فالكتاب في كل نصوصه دعوة للمطاردة، ولانفتاح الشعر على ذاته، لمعاينته والذات في لحظة الفعل والانفعال، لحظة الاشتباك الأثيرة، ولحظة الانفصال المخذولة باللهاث والعوز والسراب الذي نراه، محددا معيّنا، لكننا لا نستطيع الإمساك به، أو إعطاء صورة خاصة له واضحة الملامح.
غياب التجنيس عن غلاف الكتاب شيء مقصود ومتعمد، ليظلّ التساؤل حاضرا، وكأن هذا الكتاب من خلال اهتماماته الفنية الخاصة يؤسس طريقة جديدة للكتابة الشعرية، كتابة تخلط الشعر/الياقوتة المنطوية على جمالها بأحاديث سردية عن الشعر والشعراء، لتشير إلى أن هناك بابا جديدا يمكن أن يغييب فجوة التلقي، ويعيد للشعر بهاءه المفقود. هذه الأحاديث السردية تحمل رغبة حقيقية لمطاردة الشعر والشاعر للإمساك بهما، أو للاقتراب منهما في لحظة الكتابة أو لحظة الطيران أو لحظة الموت، لأن كل كتابة حقيقية وثيقة الصلة بالحياة والموت، لحظة يموت فيها الإنسان ليطلّ وجه الشاعر، والعكس صحيح في لحظة الخذلان والانتهاء والعودة إلى حياة مملوءة بالبشر شبيهة بالموت.
يؤسس عماد أبو صالح للشعر في هذا الكتاب روحا أشبه بهيولى يعاد تشكيلها في كل فترة زمنية، وبالرغم من توزّع الشعر إلى متن وهامش، يظلّ محافظا على حضوره، وتفلته في كل تجل من تجلياته. فالكتاب يؤسس أشكالا مختلفة للتجاور والتواجد حتى مع التباعد الزمني، واختلاف المنحى الفني. ويؤسس أيضا في إطار ذلك نزوعه الفني بعيدا عن الضوء، وبعيدا عن شعرية التنميق والصحة، ليصنع عزلته وهشاشته وهامشيته، ويشيّد عتمته. لا يكفّ البشر على اختلاف أزمانهم وأفكارهم عن محاولات تحديد الشعر والشاعر، فكل واحد يرى الشعر بطريقته وبأسلوبه وفق حدوده الفنية وقناعاته الفردية.
فالشعر الذي تغرّب كثيرا، حتى أصبحنا لا نعرفه، وأصبح لا يعرفنا، في معرض دائم للمقاربة للوصول إلى التعريف والتحديد، ولكن كل المحاولات لا تلمس إلا جانبا واحدا من جوانب عديدة، قد تكون متباينة أو متجاوبة أو متناقضة، فالشعر مقدس ومدنس، سماوي وأرضي. والكتاب في كل ذلك لا يستقوي في محاولة تحديده أو مقاربته للشعر بالمعرفة النظرية في كل مقاربة، لكنه يستقوي بسرديات وحكايات عن الشعراء في كل زمان ومكان، تتقاطع مع معارف نظرية دون قصدية، فالشعر في هذا الكتاب منتج إنساني يتعاظم على العرق والدين واللون والجنس، فهو وثيق الصلة بكل ما يرتبط بالإنسان واحتياجاته الحياتية والروحية.
مطاردة الشعر والشاعر
تبدو أجزاء الكتاب الثلاثة التي جاءت دون عناوين منضوية على هدف تحاول جاهدة الوصول إليه، ففي الجزء الأول هناك مطاردة أو رصد للشعر والشاعر، وفي الثاني هناك محاولة لصناعة سلاسل فنية للشعراء، وكأنها محاولة للانتساب، بينما يأتي الجزء الأخير وكأنه كاشف عن ضرورة الشعر وحتمية وجوده، في ظلّ لحظة فارقة تدعو الشعراء إلى تأمل مأزقهم الوجودي، وتأمل شعرهم لإنتاج شعرية متساوقة مع هذا العصر. الكتاب يفترض ضرورة وجود شعرية مغايرة عمليا، فبدلا من البوح التلقائي الذي نجد حضوره واضحا باختلاف درجاته في كل الأشكال الكتابية الشعرية، نراه ينتهج طريقة طولية موغلة في الماضي، يتأمل فيها نماذجه واختياراته، ليقدم لها قراءة خاطئة أو عمياء.
في الجزء الأول يأتي الحديث عن الشعر متماهيا ومندمجا مع الحديث عن الشاعر، ورؤيته للشعر لا تنفصل عن رؤيته للشاعر، والتفريق بينهما هنا ليس إلا شكلا إجرائيا لمقاربة وعيه بهما بشكل منفصل. فكلاهما غير محدد بشكل نهائي، بل في نصوص الكتاب ما يشير إلى استحالة الوصول إلى الشعر أو إلى الشاعر، ففي قوله (الوصول إلى الشعر كالوصول إلى الله، مستحيل عن طريق واحد. لكن ماذا عن الذي فشل في الوصول؟ هذا هو الشاعر الحقيقي والمؤمن الحق) تأكيد على الفكرة، وعلى شدها إلى شيء من القداسة التي لم يتركها في كل صفحات الديوان إلا وخدشها.
ونفي الشكل الوحيد للاعتقاد بالوصول إلى تحديد للشعر، يؤسس لفكرة التعدد، سواء ارتبط الأمر بالشعر أو بالشاعر. فالتعدد يؤدي إلى تحديدات جزئية صالحة لسياقها أو لإطارها الزمني ولحالتها الفردية الكتابية، دون أن تنفي وجود أخرى سابقة عليها أو لاحقة، ولهذا نجد أن كل محاولات التحديد مشدودة إلى السمات أو الصفات المتضادة والمتقابلة، فهو فن تسيّجه القداسة، ولا يفتح بابه إلا للأرواح المدنسة، ولا يعنى بالضحية فقط، ولكنه- لتوجهه الإنساني- مهموم بالجاني، ومعاينة أزمته النفسية، ووجوده الدرامي الإنساني.
يشيّد الكتاب –أيضا- في ظل التعدد مقارنة بين شعريات عديدة، ربما يكون الشعور بوجودها حاضرا، فنجد هناك تنضيدا لتقابلات لافتة، مثل (البرتقال) و(التفاح) إذا اعتبرنا الشعر حديقة، أو بين (نجمة) في السماء و(حصاة) على الشاطئ، أو بين (السماء) و(الأرض) في دلالتهما الواسعة. والنص بهذه التقابلات يحاول أن يصفي الحالة الشعرية من الهالات المحيطة بكل نوع، لأن المواجهة الذاتية لكل توجه كتابي سوف تحدث في لحظة ما، حين يتمّ تنحية المريدين والأتباع والمناصرين، فيواجه كل شاعر- أو كل توجه كتابي- صورته في المرآة أمام نفسه عاريا إلا من الشعر.
يتجاوب مع الثنائيات الشكلية السابقة جزئية المتن أو الهامش، فالكتاب يضع في بؤرة تركيزه واهتمامه نموذجا دائم الحضور في كل عصر، حيث يمثل هؤلاء الشعراء النموذج الملموس بحضوره من خلال وجوده الشكلي اللامع البرّاق، ولكن تأمل الكتاب لهذا النمط الشعري يعريه، ويزيل عنه القيمة، ويجرده منها، لأنه يرى الشعر- وفق انحيازه واختياره- بعين مغايرة، تركن إلى العزلة لا إلى الظهور، إلى الانطفاء لا إلى اللمعة البارقة المجوّفة، تركن – أيضا- إلى معاينة الهامش بكل ما يتجاوب معه من أصناف وأشكال بشرية لها طبيعة خاصة دائمة الحضور، فحين يقول النص (لا زبالة في قصائدك. لا أرامل، لا عرق، لا بصاق، ولا شحاذين. لم أر في قصيدة لك بلغم مرضى.. أين الدم؟ الحقيقة أنك- أنت نفسك- نظيف. من أسنانك إلى جزمتك. أنا واثق أنه لم يكن في رأسك- كباقي الأطفال- قملة. قصائدك جميلة، وسّخها) ندرك أن هناك اختيارا لنمط شعري يشيّد حضوره بالغياب، فإذا كان النص السابق يحمل على الشعرية ذات اللمعة البارقة في احتفائها بالعرضي الجاهز، وفي ترفعها عن الواقع، فإنه في الواقت ذاته يؤسس لشعرية مختارة، تقوم على التورّط في حياة الناس والبشر، ورصد أزماتهم وأمراضهم، لأن اللمعة البارقة المنمقة في الشكل الأول تجعله يحفل بتسجيل الأنماط الجاهزة التي لا تكشف عن الجراح المستوطنة بقدر ما تخفي.
الشعر هنا يتجلى وكأنه إعلان انتساب، من خلال المقارنة بين الشكل اللامع المتكلس للشعر المزهو بتقبله العام من الشبيه والنظير، والشكل الشعري المهموم بالبشر وحياتهم، فالمتكلّس يحوم حول أطر شكلية لامعة، والحقيقي- من وجهة نظر النص- مشدود للحياة والهامش بكل صوره القبيحة والصادمة التي تخلق جمالها من ارتباطها بالحياة والاتكاء عليها، بعيدا عن الصورة النمطية الناتئة عن حيوات البشر. فالشعر- وفق قناعاته- وثيق الصلة بالهامش الذي لا يخلو من المرض والبصاق، لأن هذا الهامش بعيدا عن شعرية البدل المنمقة، وثيق الصلة بالنبذ والعزلة، وما يقدمه شعراء الهامش ليس إلا دفعا للجاهزية المنمقة للوصول إلى جوهر الشعر والوجود.
فالكتاب في تأسيسه لشعرية مختارة يحمل حملة ضد الجاهزية المتأنقة التي تتجلى في النص الشعري من خلال بناء محكم، فالكلمات في موضعها مستقرة دون زيادة أو نقصان، كأنها كتل متلاصقة، لا مساحة للبراح، ويأتي قول النص الشعري في محاربة هذا التأنق الفارغ واضحا (لكن، قل يا أسطى: حين يهطل المطر، أين تنبت عشبة؟). الشعرية المختارة هنا تبدو متحققة في الخروج عن النظام المحكم المشبع بالتأنق، فالعشبة دليل مغايرة عن السابق المتأنق الموحّد في التمدد دون خروقات، وهي هنا امتداد لفكرة إساءة القراءة التي ألمحنا إليها سابقا. ويتجاوب مع هجاء الجاهزية المتأنقة المشدودة حتما للمتن أو للنمط الجاهز الذي يغيّب أي خروج، توزّع صورتي الشعرية بين الصحة والمرض أو بين الراحة وغيابها، حيث ينفي النص الشاعرية عن الإطار المرتبط بالراحة والهدوء والاطمئنان، ويثبتها للقلق والتشظي، يقول النص (بيتك جيد، صحتك جيدة، زوجتك جيدة، مهنتك جيدة، أنت مرتاح، والشعر عدو الراحة).
وإذا كانت مطاردة الشعر للوصول إلى أشكاله منفتحة على التعدد الذي يغيّب ويذيب الشكل الأحادي للفن، ويجعله أقرب إلى المتعاليات المتوالدة الممتدة لا يخلو من أسرار وقداسة، فإن مطاردة الشاعر لمحاولة تأطيره وتحديده تأتي مندرجة داخل ذلك السياق المرتبط باستحالة تحديده في شكل وحيد، فالشعراء فصائل وسلاسل، وهذا يجعل فكرة التحديد أو التعريف صعبة. فالشاعر في هذا الكتاب يتحرّك ضد المنطق الطبيعي للأشياء، يؤمن بوجود المستحيلات والمعجزات إيمانا كاملا، ويتعامل مع الكون والسياق وفق هذا الإيمان، حتى لو كانت كل الظروف المحيطة تمنع مشروعية هذا الإيمان والاعتقاد، يقول النص (ما الشعر؟ شخص يشعل شمعة تحت المطر). فالشاعر في كل ذلك مشدود لأبنية الخيال التي يؤسسها، خاصة تلك الأبنية الكاشفة عن براءة الإيمان بمشروعية الفكرة وقدرتها، فما يهمّ الشاعر ليس الانتصار للفكرة في تحققها الواقعي، ولكن الانتصار لها، والإيمان بها في تحققها الخيالي (الشاعر طفل على البحر- ماذا يفعل هناك؟- يبني بيتا من الرمل- لكن الموج سيهدمه- ولو، البيت معنى لا مبنى).
همّ الشاعر كما يتجلى في هذا الكتاب يتمثل في الإنسان في كل هيئاته، ظالما ومظلوما، قاتلا ومقتولا، لأن القاتل والظالم يستجيبان لأزمة داخلية تراجيدية (الشاعر يحس لمسة أصابع عاشق على يد حبيبته، ويحس ضغطة أصابع قاتل على الزناد). وتحديد الشاعر يتم وفق تحلله من روابطه الجاهزة، وإثبات انتمائه للإنسان. فالشاعر لا ينتمي لمكان أو لشعب أو للغة، الشاعر وليد الإنسانية، فالحدود التي تفصل بين أعراق وأجناس البشر لا وجود لها، فرامبو على حد تعبير الكتاب كان يردد بالعربية (الله كريم)، بعد أن أكل السرطان ساقه، ولوركا كان يقول متباهيا أمام الكل (في عروقي دم عربي). وإذا كان الشعر خارج تصنيفات العرق واللون والدين، فبوسعنا أن نجمع بين ناقة قيس وسيارة إيلوار، أو بين بار بوكوفسكي وحانة أبي نواس، لأننا حين نقوم بذلك نصنع للشعر وللشاعر ذاكرة إنسانية منفتحة، تتعاظم على محدودية الزمن أولا، وتتلافى الآثار السلبية المعرقلة المشدودة لانتماءات العرق واللون، ويمكن أيضا من خلالها أن نصل إلى جوهر الشعر الممتد بالرغم من كوننا لا نستطيع حصره أو تحديده في هيئة واحدة.
وفي ظل الخروج عن الانتماءات الزائلة في مقابل الارتباط بالوجه الإنساني، يتبقى لوجه الشاعر في هذا الكتاب سمات دالة، بها نوع من الديمومة بالرغم من اختلاف الهيئات والأزمنة، فهو مشدود بين النور والوحل، بين المقدس والمدنس (الشعر فن مقدس- لا يفضي بأسراره إلا لأرواح مدنسة). يورد الشاعر في هذا الكتاب مقولة مارتن هيدجر (الشاعر يعمل في منطقة وسطى بين الله والشعب)، ليتمدد أثرها، وتصبح مقولة جامعة للرؤية والحركة، فالشاعر يصبح مزيجا بين الإلهي والبشري، أو بين النور والظلام، وقد تشكل عبر العصور في ظل هذا التكوين الثنائي. وفي ظل تلك المزاوجة يتجلى وجوده غير المحسوم إلى واحدة منهما، فهو موزع بين النبي والشيطان، فالشاعر لا يهتدي- على حد تعبير الكتاب- إلا في طرق ضالة. ولهذا لن نعثر على صورة نهائية لشاعر، ولن يستطيع أي قارئ الإمساك بجوهر حقيقي له، (فالشاعر ممثل بارع، لن تعثر على حقيقته أبدا- لماذا؟- لتتنفسه كالهواء، وتشربه كالماء، دون أن تكمش جوهره الأصيل في يديك).
فصائل الشعراء وخطأ التأويل
تلحّ في هذا الكتاب تحت تأثير تصفية وجه الشاعر للوصول إلى وجهه الإنساني بعيدا عن الارتباطات الأخرى الزائلة وفق رؤيته، فكرة لها وجود متكرر في كل الآداب، وهي فكرة التكوين الآني للشعراء، وارتباطه بمنجز السابقين، وكيفية قراءة هذا المنجز، وطول مقاربته ومراودته لإنجاز شيء مغاير. وربما كان الدافع إلى هذا التوجه في محاولة الاقتراب من الكتاب شيئين: الأول منهما يتمثل في صورة الغلاف التي تجمع بين شاعر قديم (كفافيس)، والشاعر الآني (عماد أبو صالح)، وبينهما عنوان الكتاب (يا أعمى).
وهذا العنوان أو تلك الجملة لم ترد في علاقته الممتدة بكفافيس على طول صفحات الديوان، ولكنها وردت في حديثه ولقائه بالمعري، والخطأ الذي استوجب الوصف (يا أعمى) ليس خطأ في الفراءة بمعناها المباشر، ولكنه خطأ في النطق الذي يفضي بالضرورة إلى خطأ في التأويل والرؤية. والشيء الثاني الذي يجعل هذا التوجه مدخلا لقراءة الكتاب، يتمثل في الاستعارة التي جاءت في الكتاب، وهي (الشعر ضبع)، فالشاعر هنا يستعير الفكرة المعروفة عن الضبع بكونه آكلا للجيف أو صيد الآخرين، ليعيد تأسيس اشتغالها في مجال آخر، وهي الفاعلية المضافة من خلال منجز السابقين.
وفد تجلّت هذه الفكرة في تراثنا الشعري، في إطار أحادي يرتبط براوية الشاعر الذي يلازمه، ويحفظ شعره، وفي النهاية ينجز شعرا مستندا إلى شعر الشاعر السابق، مضيفا إليه منجزه الخاص، بالإضافة إلى مبحث السرقات الشعرية، والحديث عن الإضافة التي يضيفها اللاحق إلى السابق. وفي النظرية الحديثة هناك تأسيس خاص لهذه الفكرة بواسطة هارولد بلوم في كتابيه (قلق التأثير)، و(خريطة للقراءة الضالة)، حيث يشير إلى طبيعة الصراع الأبدي بين الشاعر السابق واللاحق من ناحية، وإلى فكرة الخطأ أو الضلال التي تولدها- أو تسهم في تشكيلها- السياقات الحضارية واختلافاتها، والرغبة في التجاوز من اللاحق للسابق، ويمكن للقارئ أن يعاين صورة الغلاف التي تكشف عن تحديق مستمر من الآني للسابق.
وللقارئ – أيضا- أن يقارب العنوان الخاص بالعمى، وارتباطه بالقراءة الخاطئة التي أشار إليها هارولد بلوم، فالفن في تمدده وتطوره من صورة إلى صورة، ومن انضوائه في أسس نظرية إلى أسس نظرية أخرى قائم على هذا (العمى) الذي لا يفارق الآني في مقاربته للسابق. الفنون كلها تنمو وتتطور بفعل هذا العمى أو الخطأ. وهو عمى ليس واقعيا أو حقيقيا، وإنما يرتبط بنسق قراءة السابق. يكشف عن مشروعية هذا التوجه في تلقي الكتاب، أسماء الشعراء الكثيرة الواردة في متن الكتاب، على اختلاف أجناسهم أو توجهاتهم الفنية، وهو حضور لا يقف عند ذكر الاسم، لكنه في أحيان كثيرة حضور أقرب إلى الوعي بالمنجز، وإلى القدرة على تمثيل الآخر ورؤية مشروعه، وذلك من خلال الاتكاء على العنصر الفاعل، لدى كل شاعر، أو بؤرة الدلالة المحيطة به أو بمنجزه، حسب وعي وثقافة الشاعر الآني.
ففي كل عودة إلى شاعر قديم، هناك محاولة للتمثيل والإلمام بمنجزه، للوصول إلى رؤية ثاقبة عنه، تكشف عن البؤرة الفاعلة والمهمة في منجزه، فما يقدمه يمثل محاولة فهم واستخلاص للقيمة المضافة داخل سلسلة الشعراء الذين اصطفاهم، ففي نصوص الكتاب هناك استبقاء للحي منهم في ذاكرة الشاعر الآني أو في ذاكرة الشعراء المعاصرين، فالشعراء السابقون لا وجود لهم خارج الذاكرة الفاعلة والمؤثرة في كتابة الأجيال التالية. النص الأدبي يمثل قراءة خاصة أو تأويلا لنص سابق، أو إساءة تأويل تحيل إلى العمى الذي يخلقه اختلاف السياقات.
إن نظرة متأملة متأملة لأسماء الشعراء، وكيفية الإلمام بهم وبمنجزهم تكشف عن محاولة فهم وتمثل لافتين، خاصة إن هذ التمثل يرتبط بإبداء الرأي من خلال جمل تكررت كثيرا، مثل (هذا أجمل مدح من كاتب لشاعر) حين يتحدث عن مقولة هنري ميلر عن رامبو (المستقبل كله له، حتى لو لم يكن أمامنا مستقبل، أو مثل (هذا أجمل مدح من شاعر لشاعر) حين يورد قول صلاح عبدالصبور عن بودلير (شاعر أنت والكون نثر). وقد يقدم تمثيله للسابق على نحو ما قدم من تمثيل للمعري وكتابه رسالة الغفران، واعتباره رواية، للدخول إلى المقارنة بين الشعر والنثر.
يشتغل الكتاب على فكرة التمثيل استنادا إلى المتبقي داخل الذاكرة من كل شاعر سابق، فالشاعر الآني - نظرا لقدره- ليس في وسعه أن يتخلص من البؤر الدلالية القديمة التي تظل عالقة بذاكرته عن الشعراء السابقين. والوقوف عندهم في سياق تنضيد خصوصية شعريته أو تقديم سيرة شعرية خاصة به ليس إلا إشارة إلى ارتباط ما، ليس بالشخص أو الشاعر بذاته، ولكن الارتباط بالصورة المتخيلة عن الشاعر. وفي ظل ذلك يأتي كفافيس كجوهرة نادرة، وزهير بن أبي سلمى كطفل جاوز الثمانين، وقيس علما على الحب، وجلال الدين الرومي علما على شعر الروح.
وقد تجلّت هذه الجزئية- أي علاقة الآني بالسابق- في أشكال عديدة في نصوص الكتاب، ربما تكون أولى صورها ماثلة في العلاقة بين الشاعر الكبير والشاعر الشاب. ففي قوله (شاعر شاب، وشاعر كبير، الأول يدرس الثاني ليتخطاه، والثاني يفتش في الأول عن دم جديد لأشعاره- شحنة ديناميت مع أول حكة ستنفجر) تتأسس طبيعة الصراع والنزوع من كل شاعر منهما، فالصغير يتخذ من الممهد الفني مدادا لتقدمه من خلال تخصيبه وفق رؤى جديدة، والكبير يراقب تناسل أفكاره في مسارب وأبنية جديدة عليها، لأن الشاعر الشاب أكثر وعيا باللحظة الحضارية، وأكثر تمثلا لحضورها وقيمها.
فالصراع الذي يتجلى في الاقتباس السابق جزء أساسي في تكوين حالة الاختلاف أو التنازع الذي يسهم في تكوين أسسه الرغبة في التجاوز من خلال توليد آفاق جديدة من الأفق القديم، تحت تأثير الوعي بالآني وسياقاته، حيث تتولد مناح جديدة في تناول الأفكار التجريدية بشكل مغاير في كل عصر، فأسئلة الشعر ثابتة، ولكن الإجابة عنها تختلف من عصر إلى آخر، لأن الإجابة بالرغم من كونها فردية في الأساس، إلا أنها لا تخلو من نسق جمعي نابع من طبيعة اللحظة.
وفي بعض الأحيان يتجلى شكل هذه العلاقة في إطار كاشف عن صراع يتسم بالقسوة، خاصة إذا كانت حركة الجديد أو وصوله إلى الذروة تتم بمساعدة النماذج المهيمنة في سياقها الزمني. فهذه العلاقة في أغلب الأحيان لا تخلو من صراع، وهو نمط يسود الحياة الثقافية والشعرية بشكل عام، فكل جديد سيصير قديما في عصر تال، على نحو ما يمكن أن نرى العلاقة الممتدة بين (رامبو) و(تيودور دي بانفيل)، فالجديد ينتصر على القديم في حلبة الصراع، ولكن الجديد لن يظل جديدا دائما، وحده الزمن قد يتكفل بتحويله إلى قديم بائد لا يلتفت إليه أحد، ولهذا يعود إلى مقولة كفافيس في قوله (كفافيس كان يسمي شعراء الأجيال القادمة (الأعداء الجدد)، لأنهم يحرفون السياق، ليبدو متخلفا في الخلفية).
أما الوجه الأخير الذي يكشف عن هذه الجزئية، وعن هيمنتها في نصوص الكتاب، فيتمثل في سلاسل الشعراء التي تتشكل بالاختيار أو بالنسب الأدبي، خاصة إذا كان هناك حضور لافت لبعض الأسماء التي يعلن الشاعر انتسابه إليها، مثل قسطنطين كفافيس وفيسوافا شيمبورسكا، فالشاعر يقول في بداية الجزء رقم (2)، وكأن في ذلك نوعا من الانتساب (أنا شخصيا واثق أن أبي هو قسطنطين كفافيس، وأمي فيسوافا شيمبورسكا، أبواي روحيا؟ لا بيولوجيا باللحم والدم). ولا يقف الأمر عند التقرير، بل يمتد ذلك واضحا على طول صفحات الكتاب، فصورة كفافيس- بعيدا عن حضوره اللافت في الغلاف، وعن نظرة التحديق التي تكشف عن عمق الارتباط والمحبة- صورة جاءت مزدانة بشكل من أشكال التقديس، فهو يمثل واحدا من الآباء المهمين للشاعر، ويأتي حضوره لافتا في اكتشاف سلسلة من سلاسل الشعراء التي يضع الشاعر نفسه بوصفه حلقة من حلقاتها في تعاظمها على العرق والدين، وأي انتماء خارج الانتماء للإنسان ولجوهر الشعر.
تتأكد السلاسل الشعرية أو الفنية في هذا الكتاب بداية من اختيار الانتساب إلى شعراء بعينهم، ويمكن أن نرى الحضور الخاص للشعراء المكونين لها، بداية من كفافيس، ومرورا بريتسوس، وانتهاء بالشاعر الآني (عماد أبو صالح)، بشكل واضح وجلي في قول الشاعر ردا على إساءة ريتسوس إلى كفافيس (عيب، لا تغلط في أخيك، أنتما شجرة واحدة، لا غصن دون جذر). ويمكن أن نضع داخل السلسلة شيمبورسكا التي أعلن الانتماء إليها في بداية الجزء الثاني من الديوان، لكنه في أجزاء نصية أخرى، يكشف عن ارتباطه بها في محاولتها التعاظم على ربة الشعر، والاستيلاء على كرسيها وعرشها، وذلك في إشارته إلى غضب ربة الشعر عليها، فنراه يقول مؤيدا غضب ربة الشعر (عندها حق، حاولت تجنيدي، أنا شاهد).
الشعراء في هذا الكتاب سلاسل فنية أو شعرية تتناسل بعضها من بعض في ظل القدرة على التمثيل المبني على القراءة الخاطئة أو العمى. فالشعر دائرة أو دوائر مشدودة للمركز، لكنها – أيضا- لمحيطها الذي يتماس مع الواقع، وهي في ظل هذا التكوين المزدوج منفتحة على الإضافة بفعل القراءة والتأويل، وتتوالد تمدداتها من بعضها البعض قربا أو ابتعادا عن المركز أو البؤر الأولى للإجابات القديمة عن اسئلة الشعر، تحمل منها أشياء تظل دائمة الحضور، لكنها بالضرورة تختلف عنها في أشياء جديدة، تأخذ مساراتها، وتتشكل في مسارب جديدة، للإجابة عن أسئلة الفن التي تتراكم في كل عصر، ولصناعة سير فردية شعرية لا تكف عن الإشارة إلى الآباء السابقين.