دائرية الزمن وأشكال التحوّل والتجاوز في جميعهم يتكلمون من فمي لأنيس الرافعي
دائرية الزمن وأشكال التحوّل والتجاوز
في جميعهم يتكلمون من فمي لأنيس الرافعي
عادل ضرغام
في مجموعته الأخيرة (جميعهم يتكلمون من فمي- بحث قصصي في الشامانية الجديدة) يقدم أنيس الرافعي تصورا واسعا عن الشامانية الجديدة، من خلال الاشتغال على إطارها القديم المحدد بمكان أو مجموعة أماكن، أو ارتباطها بشعب أو عرق محدد، فيجعلها حالة وجودية حتمية مرتبطة بالبشر في أي مكان وأي زمان. فالتعاظم على المحدودية وثقل الوجود الإنساني المادي منطلق أساسي من منطلقات الوجود البشري، وفي سبيل ذلك يخلق أساليبه في تجاوز هذه المحدودية وهذا الثقل، للتغلب على التراتب الزمني، فنراه يتمدد إلى اللحظة الماضية راجعا إلى لحظات لم يلمسها، ويستبقها لتلمس مستقبلا لم يحدث بعد. فالبطل في كل القصص- حتى لو تمّ تحديد أسماء- لا يبتعد عن النسق الوجودي الجمعي، فالبطل أو الفرد يمثل البشري في معناه العميق للوصول إلى الغيبي أو الوجودي.
الشامانية في دلالتها الأولى ترتبط بالشخص الذي يكون وسيطا بين البشر وعالم الروح أو العالم الفوقي، وتعود في معظم المعاجم إلى جذور لغوية منغولية، وتشير إلى الشامان صاحب المعرفة، وينسبها بعض الدراسين إلى أصل هندي. وهي طقوس مرتبطة غالبا بالسحر والشعوذة، ألقت بظلالها على توجهات فكرية عديدة، خاصة في قدرتها على التواصل مع الموتى، فالشامان يجيد التواصل مع أرواح الأحياء والأموات والألهة والشياطين. كل قصص المجموعة تقوم على صناعة مساحة الاتصال أو المروق من البشري إلى نسق آخر فوقي أو غيبي، ويتماس مع هذا المروق أو التوحد بالنسق الغيبي نوع من المعرفة، يتجاوز الواقع المعيش، ويتعاظم على زمنه، أو على مفهوم الزمن المعهود.
في هذا الكتاب هناك مؤشران هاديان يسيجان للقارئ عملية القراءة والتلقي، يتمثل المؤشر الأول في العنوان الجانبي (الشامانية الجديدة) الذي يشير إلى توازيات معاصرة للماضي، وإلى محاولات التجاوز والتعاظم البشري، والآخر يتمثل في تصديرات القصص، فكل هذه التصديرات تؤشر للمدخل القرائي ولعملية التلقي، فكأنها مؤطر للرؤية وتوجيه لها في معاينة جزئية محددة لخلق أفق التأويل. فالشامانية في هذا الكتاب لا تقف عند حدود وجودها القديم في ارتباطها بالأفق السحري، فهي في الكتاب مراقبة جادة لصور عديدة من هذا الالتحام، ذلك الالتحام الذي يؤسس مدارا للتحوّل والإنجاز اللافت، خاصة حين نتوقف عند بعض المثقفين، وتحوّلهم من صيغة إلى صيغة، صيغة المشابهة في المنجز مع الآخرين، وصيغة التجاوز اللافت من خلال تنبههم إلى اختراعات فكرية تفوق عمرهم. فالعروي في إدراكه المبكر لفكرة العقل الكوني في كتابه عن الأيديولوجيا العربية لا يخلو من أثر مشابه للشامانية، خاصة في ظل ارتباطه بفكرة التقطط في النص السردي، وكذلك يمكن فهم منجز كيليطو وإضافته إلى حقل السرديات في المنجز العالمي، فمع الشخصيتين وشخصيات أخرى بالضرورة هناك مساحة للتوهج الفكري الحاسم في استيلاد حالة من التجاوز مشدودة لاتصال شاماني عرفاني.
قالتجاوز للعالم الواقعي قد يكون ذهنيا ذاتيا، وذلك حين تؤسس الذات ارتباطها بالأشخاص والنماذج ليس وفق واقعيتها أو وجودها الواقعي، وإنما وفق إدراكها وتأويلها الذاتي لها، وقد تحمل الذات وفق هذا التوجه ملامح أيقونية لا تستجيب بسهولة للنواة أو للبذرة الواقعية، لكنها تستجيب للإدراك أو للمقاربة التأويلية التي تصنعها الذات للأشخاص، يكشف عن ذلك الوقوف أمام أشخاص بأفقها الواقعي، ولكن الذات- وربما مجمل الأفق الذي تعيش فيه- تعطيها مساحة أيقونية دالة تكشف عن حجم التجاوز بين سياق وآخر، يتشابه في تحولاتها مع الشامانية.
أشكال التحوّل والتجاوز
يوسّع أنيس الرافعي مقاربته للشامانية الجديدة، فهي بالضرورة ليست مرتبطة بالتوحد مع مساحات وأنساق العالم الفوقي، في قصص المحموعة ثمة محاولة لتوليد آفاق جديدة، تتعلّق فحواها بالمغايرة والتحوّل من دلالة النواة إلى دلالة أكثر تماسكا أقرب لتلق عام تم الاتفاق حوله. منها أن يتمّ ترهين شخص –انطلاقا من قدر منجزه- وفق رؤية جماعية. فالتحوّل الشاماني هنا في الحكاية عن كيليطو ليس تحوّلا للغيبي المعهود، فهو غيبي في نتائجه، لأنه ينطوي على تحوّل معرفي أشبه بالدبيب. فهناك مقاربة معهودة للسرديات يقوم بها الجميع، ويقفون عند حدودها، لكن كيليطو نقل المقاربة- ونقل صورته الذاتية أيضا- إلى محيط جديد يرتبط بالتأويل الخاص، فتحوّلت المقاربة- وكذلك ذاته- إلى واقع مغاير، جعله وصورته أقرب إلى الأيقونة التي تتعاظم على البداية. كيليطو هنا- وكذلك بورخيس في التصدير- إشارة إلى التجاوز والتحوّل اللذين يغيبان النواة الواقعية الأولى. فكلاهما في ظل هذا التصور تجل مغاير ولده هوس المعرفة والنمذجة، فقد ارتفع كيليطو وبورخيس عن الواقع، وتحوّلا إلى فكرة متحركة من زمن إلى زمن، قابلة للتوالد والتجدد في آفاق غير محدودة، مرتبطة بالأسئلة الوجودية المشدودة إلى قوة الخيالي وابتعاده عن الواقعي المعهود، تقول القصة على لسان القضاة (إن المدعو كيليطو لا وجود له في الواقع على الاطلاق، وأن سمته الشائع بهذا الشكل مجرد ابتكار ساخر من القضاة الخمسة الذين تسلّوا طيلة عقود على الأغلب بإيعاز من الإدمان المفرط).
فتحويل الشخص إلى فكرة انتصار على المحدودية، خاصة في ظل تغييب الواقعي للشخص وإنكاره، وحضور سطوة صورة المتخيل الباقية والممتدة التي تمثل تعاظما على الزمن العادي المعهود، ويتكرر النسق ذاته في قصته مع محمد شكري، فإنكاره للواقعي وهروبه منه ليس إلا إبقاء للمتخيل، وللفكرة التأويلية التي تتعاظم على الزمن. لكننا في بعض قصص المجموعة أو سردياتها لا نجد التحوّل ماثلا بين واقعي ومتخيل أسسه التأويل، وحتمته إعادة المقاربة، بل نراه على هيئة نوبات مرض وهذيان وفقدان للوعي، ففي قصة (ملاحظات على التقطط) نجد كل هذه الأعراض صاحبت الباحث عبدالله العروي أثناء إعداد رسالته (الأيديولوجيا العربية المعاصرة). التقطط يحمل معنى الاستمرار والقدرة على التجدد والإضافة وتحريك الرؤية إلى فضاء أوسع، وفي ذلك نوع من التجاوز. وبشكل لا يختلف عن الأمراض أو الحالات التي تعرض لها العروي في قصة التقطط، نجد حال اليهودي (ميمون بن سوسان المذهّب)، يتجلى واضحا في قوله (أشعر أن حالتي الصحية تزداد تدهورا... هل كانت الأرواح الرجيمة والضواري المجسمة التي تفتقتها استيهاماتي للتوسط بين النص والقارئ، تدبّ فيها الحياة، وتأكل أبان كل ليلة من جرحي اللاملتئم، بعد أن تستفيق من رقدتها بين دفتي المخطوط).
فالقصص التي تحيل غرابة المنجز وقيمته إلى تحوّل شبيه بالتحوّل الشاماني لها وجود لافت في سرديات الكتاب، لأنها تتحرك من واقعية عادية إلى متخيل لافت، كما في قصة كيليطو أو في قصة العروي، أو مع شخصية يوسف ولد هنية في قصة (الحكواتي الذي يروي لوحات عبّاس صلادي). يبدو التحوّل في حياة الحكواتي غير مرتبط بنمط واقعي وثيق الصلة بالشخص، لكن في ارتباطه بألبوم صور لابن حيّه الفنان المصوّر عباس صلادي، فهذه اللوحات مارست تأثيرا في أداء الحكواتي، ومن ثم في المتفرجين والمستمعين، وهذا التأثير يرتبط بالتجاوز والتعاظم على المحدودية، فكل مستمع ينتهي من الحفل وبداخله ذلك الشيء غير المحدد وغير المدرك، فهو يرتبط بالنشوة الأبدية وبالالتحام بعوالم الميتافيزيقا والخيال العجائبي والكوابيس السحرية، حيث تجمع صور صلادي كل المتناقضات بين المقدس والمدنس وبقايا الخرافة والرؤى السحرية.
الأثر الشاماني في تجلياته الجديدة التي تلحّ عليها القصص، يتمثل في هذا الإحساس المتجاوز للزمن بالأبدية والنشوة، لأن هذا الإحساس يوقف الزمن التراتبي، ويجعل الحكواتي والمستمعين والمتفرجين يؤسسون اتصالهم مع لحظات سابقة موغلة في القدم خارج التراتب الزمني، فيتحوّل الزمن إلى زمن دائري أبدي لا بداية له أو نهاية. لكن القصص تقدم غالبا إشارات للكشف عن بداية التحوّل ونهايته، فالتجربة في معظم القصص جزئية، فهي لا تعدو أن تكون خروجا أو تجاوزا جزئيا. ففي قصة (الحصوات الملساء) تشير إلى بداية التحوّل من خلال إشارة كاشفة إلى الجانب المعاكس لاتجاه عقارب الساعة، للتدليل على السير خارج خط الزمن الطبيعي التراتبي، وفي نهاية القصة تشير إلى العودة إلى الواقعي من خلال إلماحها إلى الجهة اليسرى في اتجاه عقارب الساعة في دلالتها عن العودة إلى الزمن الطبيعي، وللإشارة إلى أن ما بينهما يمثل خروجا مؤقتا واتصالا مع أفق متعال.
في بعض صور التحوّل الشاماني المعاصر، هناك مساحة من التشابه مع وظيفة الشامان في دلالته القديمة، وذلك من خلال الوظيفة السحرية الخاصة بالحلول والاتحاد بالغائب، ففي قصة (مظلة تحضير الأرواح) يتحرك النص السردي من خلال آليتي الحضور والغياب، حيث يحل الغائب (المرأة) في جسد الحاضر (الساحر)، وتجيب بصوتها الناعم وهيئها الرخصة المتوارية على أسئلة وهواجس الشاب. ويطل الساحر في هذه القصة بصورة نموذجية كاشفة عن معرفة الكاتب وقدرته على المراقبة، فصورته- أي الساحر من خلال التغييب السردي- تتجلى متفردة في قدرتها وسمتها وفاعليتها على التجاوز والحركة بين الأزمنة والأمكنة، ويأتي الخطاب متساوقا مع حالة الهواجس التي تنتاب البطل. أما تصوير البطل فظل مشدودا بين التكلم والخطاب، وهي مساحة بين الأنا والذات المتوارية التي تشكل الآخر، فبين الوعي بالذات وأسئلتها الغائرة، يأتي الخطاب أداة لافتة لتصوير الهواجس الذاتية، فكأن الذات تلازم أو تناوش كيانا آخر، فيتم تصويرها بشكل موضوعي في سياق تلك المساحة.
التجاوز أو التحوّل في كل ما سبق يرتبط بالمغايرة أو الإضافة داخل حدود المكان من خلال صور الذات قبل وبعد المرور بحالة التوحّد والتحوّل، ولكن في نماذج أخرى من سرديات هذا الكتاب يأتي الرصد لأشكال التجاوز والتحوّل الشامانية مرتبطا بالحركة والانتقال في المكان لإسدال نوع من التواصل مع سياق مغاير. ففي قصة (الويكفيلدية) ليس هناك سرد متنام لحال واحدة، ولكنّ هناك صورا تتناسل من خلال آلية التناص لرصد حالات متشابهة ومتباينة، تتوالد من بعضها للإسهام في صنع كينونة مغايرة مع كل صورة. ففي كل صورة هناك حركة في المكان بعيدا عن مجال اتصالها المستمر، وهناك بتر لنسق سابق، واستيلاد لنسق جديد.
في كل الصور المسرود عنها في النص هناك زحزحة من ديمومة وثبات إلى سياق مغاير، تقوم هذه الزحزحة على البتر والاتصال، فالشامانية- وهذا وجه من وجوهها الجديدة- قائمة على الحركة، فالصور الأربعة من القصص بالرغم من اختلافها في المنطلق والتوجه والتأويل والأسئلة تظل ملتحمة بهذه الفكرة داخلة في نسق الحركة، فالأولى للكاتب ناثانيال هاوثورن قصة البطل أو السيد، والثانية للكاتب إدوادو بيرتي تمثل قصة الزوجة أو السيدة، والثالثة مرتبطة بالرؤية الإخراجية للمخرج روبن سيكورد، والأخيرة لأنيس الرافعي. وكلها مرتبطة بالاختفاء لفترة لمعاينة التبدلات الذاتية للبطل وللمحيطين به، للإشارة إلى قيمة الاختفاء وحتمية التورط في كينونة جديدة، ولو لفترة من الزمن بعيدا عن سياق الوجود الذي لا يمكن التنصل منه لأسباب وجودية كاشفة عن النقصان المستمر. فالصور الأربعة بالرغم من مساحات التشابه والاختلاف تشير كلها إلى راهنية وأزمة الوجود البشري، ومحاولة التعاظم الجزئي بالاختفاء والمحو الجزئيين، بوصفهما وسيلة لتحمل العجز والصمت الوجودي تجاه الأسئلة الشائكة.
فهذه صور اختفاء فيها نوع من التدريب والتمرين قبل الاختفاء الأخير الكاشف عن الصفاء والوصول والاكتمال بفعل الموسيقى والغناء، على نحو ما يمكن أن نرى في قصة (ليلة حسن السقّاط الأخيرة)، فالاختفاء فيها اختفاء الذوبان والتوحد مع الفضاء الفوقي، أو هو اختفاء الوصول للذة المعرفة التي لا مجال فيها أو عودة لطرح أسئلة تتعلق بالوجود وطبيعته. فالاختفاء الجزئي في الصورة الرابعة الخاصة بأنيس الرافعي يكشف عن أن هذه الكينونة المصنوعة بالاختفاء لم تفلح في القضاء على أسئلة الوجود التي تلازمه، فنرى النص يقول على لسانه بعد أن عاد إلى أطفاله بكينونة جديدة (أدرك أخيرا أنه صار منغرزا إلى الأبد في ركح مسرحية هزلية مملة متكررة، تُؤدّى أدوارها في كل مرة بممثلين مختلفين غير محترفين).
في الكتاب طرق عديدة لإحداث التحوّل والتجاوز من الواقعي إلى المتخيل، لأن المتخيل هدم لكل تراتب، ودوره مهم في إدراك ما لا يدرك، وفي الانتقال من سياق إلى سياق، منها فعل الكتابة نفسه، لأنها فاعلة في تذويب الحدود بين العالمين، ويصبح لكل عالم منهما الدرجة نفسها من المصداقية والموثوقية كما في قصة (القرص الحجري). ويمكن أن يكون الحلم أو المنام وسيلة من وسائل التجاوز. ففي قصة (المنامة الزرداشتية) يرصد السرد مساحات الانفصال عن الواقعي والالتحام بالغيبي من خلال الحلم الممتد، وتعاظمه على الزمن الطبيعي. فالقصة تكشف عن أن التبصر والوعي والإدراك لطبيعة الوجود لا تتجلى إلا بهذا الانفصال، ففي نهاية القصة يقول (فهمت أن ندبة الوجود لا تنغلق ولا تبرأ، لأن نسور العدم لا تنفك عن التمزيق، فهمت أن رحلتي الطويلة كانت يوما واحدا، اختزل حياة كاملة، ثم أفقت من منامتي... وبكيت).
داخل الزمن وخارجه
القارئ للمجموعة يدرك أنه في معظم القصص هناك شخصيات ذات وجود ثنائي، فهي داخل الزمن التراتبي الواقعي وخارجه في الآن ذاته، لأنها بتجذرها في الزمن الواقعي تعطي مصداقية للحدث ولفعل التجاوز أو التحوّل ذاته، ووجودها خارج الزمن أو ما يمكن أن نسميه الزمن الأبدي أو الدائري تمثل طاقة ضوء للرؤية والمعرفة. وهذه الشخصيات لها فاعلية في عملية التحوّل والانتقال من سياق إلى سياق، يتجلى ذلك حين نتأمل قصة (الحصوات الملساء). فالشاب اليافع (الهيبيا) صاحب الشعر الطويل نراه داخل الزمن الحقيقي، وهو النادل داخل الزمن الدائري بعد التحوّل الخاص بالعودة إلى زمن موغل في القدم يرتبط بعام 1976.
وثمة جزئية على نحو كبير من الأهمية، تتمثل في قدرة الكاتب على إحداث نوع من التناظر والتوازي في الصفات المسدلة على هذه الشخصيات التي تتحرك في سياقين، فهي غالبا مشدودة إلى هيئة شكلية خاصة، ترتبط بالملاحة والشعر الطويل والهيبيا في طريقة ارتداء الملابس، وأنواعها، بالإضافة إلى السمات الشكلية. ففي قصة (أكاديمية الجن) نراه في الزمن العادي متجليا عند إطار تلك الصفات، فهو على حد تعبير القصة رجل له جديلة شعر طويلة، وضّاح المحيا، ممشوق القوام، باسم الثغر يضع حول عنقه قلادة مرصّعة بحجر خامد على هيئة عين قط). وهو تصوير- وإن كان لا يخلو من تواز وتكرار في قصص عديدة- يفتح الباب من البداية لبواعث الدهشة والاستغراب، وهذا يفضي بالضرورة إلى توقع طبيعة وجوده في الصورة المجاوزة التالية للشخص ذاته، حين يتمّ الاتصال وتدشين كينونة جديدة للشخص البطل، وللشخص المحوّل المساعد المنفتح على العالمين. فنراه عينه الشخص ذاته خارج الزمن الواقعي، حيث يتحوّل إلى البروفيسور في مملكة الجن، ويعلمهم سحر الحروف والرموز والأرقام والجداول والطلاسم، ومنطق الحيوان واللغة السومرية، والتلبس والحلول والتناسخ.
وهذه الشخصيات تحمل في نسقها الأول من خلال الإشارات الدالة ما يشير إلى ارتباطات مع نسقها الثاني، وحين تعود في النهاية بعد انتهاء التحول الجزئي إلى نسقها الأول تظل هناك بقايا تشير إلى مساحة التحوّل الجزئي، وهذا يشير إلى دائرية الزمن، وإلى انفتاح العوالم الدائم وتداخلها في ظل المنطق الشاماني التخييلي في مقاربة الواقع والحياة. في قصة (تسع دوائر) تطلّ الصفات كما هي للمحوّل المساعد التي تتكرر كثيرا في القصص، فهو دليل مغربي، معسول السحنة، جذاب المحيا، ووجه الشبه هنا يتمثل في الإشارة إلى وجه (فرجيل)، فمع هذه الكلمة يبدأ دبيب التحوّل والانتقال من زمن واقعي إلى زمن دائري أبدي ممتد. فهذا الشخص بمشابهته لفرجيل يمثل الرابط بين داخل الزمن وخارجه، بين التراتبي والدائري الأبدي. ومن هنا تتشكل التجاوبات بين الماضي والآني، وتتوحّد المتاهة المكانية بالمتاهة الزمنية، فالشحاذون المرتبطون بفاس- وهم تسعة- يتجاوب عددهم مع سرب الطيور الصغيرة الجارحة الخارجة من الكوميديا الإلهية، فيحدث هذا التجاوب أو التطابق بين الزمن الآني والزمن القديم، وهذا تكسير لبنية الزمن، بالإضافة إلى الإشارة إلى رقم تسعة، وما يحمله من دلالات، سواء في الكوميديا الإلهية التي بنت سرديتها على الدوائر التسعة، وهي الخسة، والشهوة، والشرهة ،والجشع، والغضب، والبدعة، والاحتيال، والعنف، والغدر، أو ضمن متخيل الفكر الشاماني لعدد ومراتب مستويات العالم السفلي.
وفي بعض الأحيان لا يكون المحوّل المساعد أو الشخصية المساعدة على دخول تلك العوالم شخصا من لحم ودم، أو شخصية تتحرّك داخل العالمين الواقعي والخيالي المتجاوز، لكنه يمكن أن يكون خبرا في جريدة، يتحوّل بعدها إلى هاجس مسيطر، وتكون له قدرة على تشكيل الأحلام الليلية التي تمثل خرقا لنمطية الزمن، وتشكل مساحة للتعاظم على الواقعي، وذلك بانفتاحها على عقد مساحة اتصال بين الواقعي المحدود بزمن وتجارب محددة، والخيالي الذي يهشم هذه المحدودية، ويحاول الانفلات منها، فمع كل حلم هناك كينونة جديدة للبطل. في قصة (القرص الحجري) يتأسس السرد على صراع ممتد، له هيئة آنية وهيئة ماضية، وهناك – في ظل ذلك- حركة وفق زمنين، أحدهما واقعي، والآخر دائري، ممتد وموغل في لحظات سابقة. يذوّب السرد من خلال التحوّل والتجاوز الفارق الزمني، ويحيل الصراع بين الرجل والمرأة إلى فكرة أزلية تتعاظم على الواقعي، وذلك من خلال التقابلات الدالة. فهناك تأسيس لكل قسيم، قائم على التناظر والتوازي بين الرجل والمرأة بسلوكها القوي، بالإضافة إلى حلبة الصراع الدائمة بينهما. فالسرد في القسيمين حين يذوّب الواقعي، ويرفعه من خلال التحوّل إلى الخيالي يشير إلى استمرارية الحكاية ودائريتها، حتى وإن تشكلت الحكاية في كل عصر بمسوح جديدة.
المهم في العامل المساعد على التحوّل- أو في الشخصية المساعدة- فاعليته، وقدرته على القيام بفعل الإغواء، والمساعدة على التورّط في زحزحة البطل للانتقال من الزمن التراتبي إلى زمن ثابت ساكن خارج الحركة والتمدد المعهودين، زمن أبدي، أقرب إلى الانقطاع خارج الجاذبية الزمنية، وخارج أدوات قياسها وتناوبها، للدخول في زمن ممتد. في القصة الخاصة بعبدالرحمن قيروش المعروف فنيا (بباكو) الذي كان عضوا بفرقة (ناس غيوان) هناك عامل مساعد للتحوّل من سياق إلى سياق، به مسحة من الجدة. يتمثل في شريط فيديو يشاهده البطل، وفي لحظة محددة أثناء المشاهدة يتوقف الزمن الواقعي، ليحلّ الأبدي المرتبط بالطريقة الشامانية. هنا استيقاف للزمن العادي، واستيلاد لزمن خاص، لا يمكن قياسه، لأنه يرتبط بالنشوة والتجلّي والديمومة.
الملاحظ أن تصوير باكو في هذه القصة، وفي قصة أخرى مرتبطة باسمه لا يبتعد كثيرا عن طريقة أنيس الرافعي في تصوير العوامل المساعدة على التحوّل في القصص السابقة، بداية من شعره المتطاير، وملابسه الهيبية المرقعة، ومرورا بآليات شطحه وتأثيره اللافت في جمهوره، وتعرضه للجذبات بالمعنى الصوفي الروحاني، وانتهاء بحركته في تنقله الخاص بين أشكال الموسيقى وطبقاتها العديدة، وفي هذه الجزئية يقول النص السردي مصورا لحظة التورط من البطل للدخول إلى مساحة الاتصال الشاماني في النص السردي (حينها رأيت بأم عيني على شاشة التلفاز طائفة الأشباح الذين خرجوا تباعا من مخزن جسده المسكون بهم).
فالتحول أو الجذبة التي ليست سوى غياب وخروج من مساحة وإطار الزمن العادي بفعل الموسيقى والغناء، لا تصيب المؤدي أو فرقته فقط، ولكنها تمثل تحوّلا يمارس تأثيره على المشاهد أو المستمع، فهناك في ظل هذا التورط مساحة من التوحد في الألم الوجودي والرغبة في التجاوز، ومساحة من اندياح العوالم، تمثل مساحة تشكيل كينونة جديدة، تتيح للجميع الاتصال بالمجهول والغيبي، تخلقها الموسيقى، ويؤسس وجودها الغناء. هذه الحال من التوّحد بين البطل المشاهد والعرض الخاص بباكو على شاشة التلفاز، تشير إلى الحضور المجاوز المتعالي الذي يؤسس بالضرورة غيابا للواقعي أو الجسدي. وهي حال تعيدنا بما أسدلت من صفات على باكو إلى كل النماذج المساعدة للتحوّل في قصص المجموعة، خاصة القصتين المرتبطتين بتصوير الجني أو الساحر، بما لهما من وجود وتحقق داخل الزمن وخارجه.
شخصية المحوّل أو المساعد على التجاوز والانتقال في قصص المجموعة، لا تتجلى على هيئة واحدة، فهي تتعدد وتأخذ أشكالا مختلفة، ففي بعض القصص ترتبط بالشيخ أو العالم، وهي سرديات أو قصص تكشف عن مساحات التأثير والتأثر بين الشامانية القديمة والنزوعات الصوفية المرتبطة بالأديان السماوية وغير السماوية. يتجلى ذلك حين نتوقف أمام قصة (المنامة الزرداشتية)، حيث يحتل الشيخ مكانة المعلم والموجّه، ويقوم بوظيفة الشخصية المساعدة لإدراك التجاوز، والوعي بالعالم وفق صورة جديدة تباين الوعي القديم.
وفي بعض القصص يكون الرابط بين الزمنين الوقعي والأبدي الدائري ماثلا في مثير مادي، له ارتباطات وارتجاعات دالة، تسهم في اشتغال الخيال واشتعاله، وشدّه إلى مساحة أقرب إلى اللعب الفني، فالخيال يمثل أداة اللعب الأولى، وأداة الفن في الوقت ذاته، وفيه كسر لكل نمطيات الأزمنة والأمكنة، لأنه يمثل خروجا لافتا لعناصر الواقع المحيطة وطمسا لها، من خلال اشتغاله على التداخل بين العوالم. في قصة (موقف الخسوف) نجد أن السرد يبدأ من المقاربة للمفرش الياباني، بالرغم من أن تصوير البطل من البداية لا يخلو من الغرابة، تمهيدا للتحول القادم. فالمفرش الياباني برسوماته الخاصة التي تحتوي على صورة الحسناء اليابانية في ارتدائها (الكيمونو)، وتسمى (غيشا) أي من شريحة المضيفات اللواتي يمتلكن مهارات في الموسيقة والمسرح والرقص. فهذا المفرش في تحديده الأخير لا يختلف عن الشخصيات المساعدة الأخرى التي عرضنا لها، لأنه يمثل مثيرا ومولّدا لعملية التحوّل وللتورط فيها، وذلك من خلال تحريك الخيال من خيال عادي إلى خيال فعّال، يرتبط باللعب غير المشدود لمواضعة منطقية، فيحدث التجاوز ويتجلى التحوّل. ولا يمكن هنا استبعاد وجود القمر ودوره الذي يكشف عن ثقافة متينة للكاتب. فالقمر في لحظة اكتماله أو في لحظة خسوفه في مجمل الثقافات فاعل في توليد مساحات الاتصال وخلق التوجه نحو التخلي عن السياق الواقعي والالتحام بسياق جديد. كل هذا يؤدي إلى ولادة مساحة من الاتصال مع الغيبي، يكشف عن ذلك مساحة الصمت وغياب الكلمات، لأن الكشف أو الالتحام أو الالتصاق بالأبدي يخلخل مساحة الاتصال الواقعية الأولى (مضيت ... ثم اختفت الكلمات من لساني).