عادل ضرغام

السرد التصاعدي واستبدالات الشخصية والرمز في رواية تاج شمس لهاني القط

غلاف كتاب السرد التصاعدي واستبدالات الشخصية والرمز في رواية تاج شمس لهاني القط
السرد التصاعدي واستبدالات الشخصية والرمز في رواية تاج شمس لهاني القط عادل ضرغام في روايته (تاج شمس) يقدم هاني القط بناء ملحميا متعدد الطبقات، يتكرر في شخصياته وخطاباتها، من خلال التوازيات الدالة. ففي هذه الرواية هناك بناء يكشف عن تواز بين السلطة والشعب، وعن النسق المتبع بينهما في كل الطبقات، فهو تواز قائم على التشابه في الوظيفة والدور، وتنمو في ظل هذا التوازي تقابلات أخرى بين الخير والشر، والعدل والظلم، وكأن النص يمرّر لنا فكرة مشدودة إلى طبيعة الحياة والوجود، في التكرار الدوري للأنماط والشخوص. القارئ في هذه الرواية أمام الحياة بكل قوانينها وطوائفها وأنماطها الخاصة بالسلطة والذين يحومون حولها، مرورا بالشخصيات التي تمثل ذاكرة المكان في لقطة البداية ولقطة النهاية، في شكل مملوء يالثقافة الشعبية، وبقناعات أصحاب هذه الثقافة من الإيمان بالسحر والشعوذة، واللجوء إلى السحرة والعرّافين، والانفتاح في الوقت ذاته على العقل، وإن كان قليل الأثر في توجيه الحركة. في هذه الرواية هناك تغييب للمكان بشكل محدد، وتغييب للزمان بشكل قصدي، وإن كان هناك مؤشرات وإشارات في النص الروائي تدلّ عليهما بشكل تقريبي عام. وغياب تحديد المكان والزمان الذي جاء عن قصدية يجعل النص مؤسسا على فكرة وثيقة الصلة بالحياة والوجود، فالرواية تقدم نماذج وشخصيات موجودة في كل زمن وكل مكان، فهي نماذج بها الكثير من الديمومة، تتكرّر بشكل دوري، لا يخلو منها مكان أو زمان. وهذا يجعل النص وثيقا بالأسئلة الوجودية التي لازمت بعض الشخصيات من بداية الرواية إلى نهايتها، وإن أخذت كل شخصية منحى مغايرا عن الأخرى. تعيد هذه الرواية- انطلاقا من بنائها والطبقات المتراكمة لنماذج السلطة والشعب- القارئ إلى (الحرافيش) في تذويب الواقعي وانفتاحه على المعرفي، غير أنها تنقل الإطار المعرفي من السلطة، وتجعله وثيق الصلة بشخصيات عادية، وتشكلها تشكيلا خاصا، لكي تنفتح على المعرفي بأنماطه العديدة، منها التوجه العقلي، ومنها التوجه العرفاني القائم على النبوءة، ومنها التوجه العبثي القائم على النظرة إلى الحياة نظرة متشككة، تقلل من قيمة السعي والفعل، وتظل لاهثة في محاولة وصولها إلى يقين ما. في الرواية تظهر تطابقات كثيرة بين الشخصيات المتوازية في كل طبقة، فهناك صاحب السلطة، وهناك من يعاونه، ويصبح منفذ عملياته، والشخصية التي تتكرر في كل طبقة تقوم بدور وظيفي، تؤديه الشخصية المقابلة في طبقة سابقة أو لاحقة. بالإضافة إلى تشابهات متوازية فيما يخص مآلات كل شخصية ونهايتها في كل طبقة، والرواية في توزيع الأدوار، لا ترتبط بقانون فالشخصية متغيرة من فترة إلى فترة، فقد تبدأ بشكل يضعها في إطار وظيفي، ولكنها في لحظة محددة نجدها متجذرة في اتجاه آخر مباين عن الأول. الرواية في تأملها الدقيق تبدو منفتحة على المعرفي في أسئلة بعض شخصياتها، وفي هواجسها التي لا تهدأ، ومحاولة إطفاء لهب هذه الهواجس والأسئلة الخاصة بتأمل الحياة والوجود، في تعلقها بالمثالي، أو في تعلقها بالدنيوي والجسدي الصارخ، ومنفتحة على المصائر والمآلات الخاصة بهذه الشخصيات وخيباتها، لكنها في الوقت ذاته مهتمة بهجاء وتشويه السلطة، في كل أشكالها، وتشويه الأنماط الملتفة حولها، فالنص الروائي يمارس نوعا من التعرية المتعمدة من داخلها، حيث سياقها الاجتماعي المحدود، وكأن ما تقوم به مع السلطة أو ممثليها من خنوع وصمت تسليم، يتشابه مع مثيله داخل أسرته الصغيرة. السرد التصاعدي وطبقات السلطة تنتهج الرواية بناء تصاعديا ينفتح على شخصية محورية في النص الروائي، وينتهي ببديلها الذي يحلّ محلها للقيام بوظيفتها الراصدة لتاريخ المكان ودوراته المتتابعة، فالرواية تبدأ (بالجليلة)، وتنهي (بفرحة) في جلوسها مكانها، وكأن الحياة دورات، وكل شخصية لها بديلها الذي يتشكل بالتدريج. تستند الرواية إلى ضمير الغائب، لتقديم عالمها الروائي الكلي المتكامل، فهناك حضور للشخصيات بشكل متواز ممتد للأمام، وليس هناك شخصية وحيدة أو مجموعة شخصيات فقط، وليس هناك إتمام لأية شخصية في سرد وحيد ونهائي. فالسرد الروائي يمارس نوعا من التقطيع والبتر المحسوبين، وكأننا أمام عرض مسرحي، أو أمام حياة كاملة تتعدد أشكالها وأفعال شخصياتها في اللحظة ذاتها. السرد في هذه الرواية ينتقل من شخصية إلى شخصية أخرى في مساحات صغيرة نسبيا للحفاظ على نفس ملحمي، وللإيحاء بالأجواء الأسطورية الخاصة بالشخصيات، فالكتابة السردية تصوّر لنا الواقع الفعلي في لحظة آنية مشدودة إلى تعدد انشغالاتها واختلافاتها بشكل متوال، وهذا يجعل الرواية منفتحة على الوصف المصاحب لعملية السرد، وعلى لغة استعارية، يتآزران معا لخلق ملامح أسطورية للمكان والشخصيات، في ظل غياب تحديد المكان والزمان. وهذه الطريقة في السرد المنفتحة على كل شخصيات العمل الروائي في تماسها وارتباطها بالحياة، والانتقال من شخصية إلى شخصية في سرد جزئي متقطّع، لها دور في إحساس المتلقي بالنقصان الذي تعوزه صفة الاكتمال في اللقطة الواحدة، ولكن هذه الطريقة بالرغم من جزئيتها حافظت على فكرة التشويق، لأن هناك حكاية غير مكتملة ينتظر القارئ أن يلمّ بها، وهناك نتيجة يتجهّز للوصول إليها. الرواية بهذه الطريقة تقدم سردا متقطّعا لكل الشخصيات على تنوّعها واختلافها، في انتهائها واستمرارها، وفي ثباتها على هيئة واحدة أو تحوّلها. وتظل الرواية على هذا النحو مشدودة لهذا الضمير السردي، وعلى آلية الانفتاح والتقطيع إلا في جزء وحيد. في هذا الجزء تتخلى الرواية عن ضمير الغياب، وتستند إلى المخاطب المناسب لعملية الاسترجاع وتيار الوعي المرتبط بالمناجاة وحديث الذات، فشخصية (مختار) بعد غيابها لمدة خمسة عشرة سنة، وعودتها إلى تاج شمس، وإقامته بدار (الجليلة) على الربوة العالية يستعيد تجربته من خلال تيار الوعي، مصورا تحولاته وتشوهاته الذاتية. وهذا التحوّل في الضمير السردي ربما يكون له ضرورة استدعتها أو حتمتها طبيعة الشخصية، وإطارها الدلالي، لأن هذه الأعوام الممتدة التي أصبحت ماضيا مؤثرة في طبيعة تكوين الشخصية وتوجهها، ومؤثرة في تسكين الرمز بوصفه نموذجا للسلطة داخل حدود معينة. فمختار يمثل الوجه الأول للحكّام الذين ينتمون إلى القرية، اختلافا مع الحكّام السابقين الذين كانوا مجلوبين من بلدان أخرى، وجاء توليه للسلطة أشبه بالثورة والاتفاق حوله ارتقابا للعدل. فهذه الخلفية التي كشف عنها السرد المعتمد على الخطاب وتيار الوعي والمناجاة، ربما تكون كاشفة عن زحزحة وخلخلة الصورة النموذجية المرتقبة في بداية حكمه، وعدم استغراب تحوّلها، وذهابها إلى النقيض، فيظل في إطار هذه الخلفية السردية مسيجا داخل إطار السلطة المشوّه، ذلك الإطار الذي استمر على وتيرة واحدة، سواء مع الحكّام المجلوبين من بلدان أخرى، أو مع الحاكم الذي ينتمي إلى أبناء القرية. في رواية (تاج شمس) وفي ظل هذا البناء السردي، تتجلى أمام القارئ طبقات محددة للسلطة، بداية من طبقة العمدة (راضي) بن مرزوق، وزوجته مرزوقة، وهو من طبقة العبيد الذين استولوا على السلطة بطريقة ما، مرورا بالطبقة الثانية، طبقة (الأبيض)، والطبقة الثالثة طبقة ابن عمه (أبو جميل)، وانتهاء بطبقة (مختار) الذي ينتمي إلى أهل القرية، ويتجاوب مع هذه الطبقات الشخصيات التي تظلّ على علاقة بصاحب السلطة متماهية معه، دائرة في حدود مصالحه ومصالحها، وتشكل أداته الفاعلة في التمكين لسلطته. فمع كل طبقة من هذه الطبقات، توجد مجموعة من الشخصيات التي تقوم بوظيفة مساندة لصاحب السلطة، مثل (بحر) في طبقة (أبو جميل)، أو العراف (غريب) في طبقة راضي، أو الساحر (أوجا) في طبقتي (أبو جميل) و(مختار). على مدار صفحات الرواية تظهر السلطة من خلال صور ممثليها في شكل خاص، في كل هذه الأشكال هناك رؤية نافذة تنحي الخطاب المعلن، وتتجاوزه إلى العمق، ومن خلال هذا النفاذ والفصل بين الحقيقي والزائف في كشف الخطاب الروائي للزيف، يتمّ سلب السلطة أية إمكانية للوصول إلى العدل، وتتهشم كل محاولاتها في إسدال نوع من الإصلاح. فكل النماذج التي تمثل السلطة في هذه الطبقات لها هيئة واحدة، فكلها جائرة وظالمة، تخضع لقانونها في لحظة البداية، وفي لحظة النهاية والتلاشي، واعتمادها على قانون الغدر والقوة والتآمر والحيلة في كل تجلياتها، وكأن في وجودها وامتدادها وانتهائها بذرة من بذور الفساد تحل داخل تكوينها. فالسلطة- أو العمدة- في كل طبقات الرواية سلطة جائرة، بداية من (راضي)، ومرورا (بالأبيض)، و(أبو جميل)، وانتهاء بالطبقة الأخيرة التي تحمل ملامح الثورة، وتغذي الجماهير الملتفة حول صاحبها بحلم العدل. ففي هذه الأخيرة سرعان ما يظهر الوجه الحقيقيفي مقابل الوجه المعلن، ويلمس الناس تخليا عن المنطلقات النموذجية الأولى، وتتحوّل صورة السلطة في إطارها إلى صورة مشابهة أو متطابقة مع الصور المتتابعة السابقة. الرواية في تشكيلها للسلطة لاتقف عند تشويه السلطة المحددة، لكنها تتوجه بالتشويه بشكل آخر إلى ذراع من أذرعها التي تستقوي بها. يتجلى ذلك في الوقوف عند وجه من وجوهها، وهو الخفير أو شيخ الغفر (رضوان)، وفي حملها عليه في تشويهه بنائيا، لا تتوسّل الرواية بالأساليب المعهودة كما فعلت مع أصحاب السلطة في كشف زيف خطابهم، لكنها تنتهج نهجا مغايرا، أقرب إلى التقويض الداخلي الذاتي. ففي تصويرها للخفير أو شيخ الخفر (رضوان) تركز على مطاوعته مع صاحب كل سلطة في كل طبقة، فهو من الشخصيات القليلة التي حافظت على وجودها داخل هذه الطبقات العديدة. وفي تركيزها على مطاوعته تعقد نوعا من التقابل أو الاستعارة بين هذه المطاوعة المفضية إلى غياب الموقف والتساهل وغضّ البصر في إطار آخر. فهناك حسب النص الروائي مطاوعة أو تساهل من نوع آخر يرتبط بالصمت والسكون عما تقوم به زوجته (كوكب) من أفعال تمسّ سمعته وعرضه، خاصة مع شخصية (الميت) أو (عبدالحي)، أو مع رجال كثيرين، لم تشر الرواية إلى تحديد خاص لهم. الرواية في تشكيلها لهذا النموذج تقدم تشويها مبطّنا لكل المرتبطين بالسلطة، وللدائرين في إطارها، فقد مارست الرواية نوعا من التعرية مع هذا النموذج، ومارسته- أيضا- بشكل جزئي مع زوجة (مبروك) في ارتباطه بإطار السلطة في طبقة مختار، ففي ظل رغبته في الحصول على مكاسب من السلطة كان هناك نوع من التساهل منه مع (حسونة) شيخ الخفر في تلك الطبقة، ولكن هذا التشويه لم يمتد إلى النهاية، لأن هناك تحوّلا أصاب شخصية (مبروك) في تعرّفه بشخصية (بحر) في رحلة العود والتكرار الأبدي لطبقات السلطة بين الميلاد والتلاشي. فالإشارة إلى تطابق المطاوعة واللين في المجالين، إشارة إلى تجذّر هذه الصفة في كل المرتبطين بالسلطة، وهي إشارة تضعهم داخل سياق خاص. ثمة جزئية أخرى ترتبط بطريقة تصوير السلطة وأشكالها في الرواية، تتمثل في الآليات التي يتمّ بها الوصول إلى السلطة، والآليات التي تتولد في إطارها سلطة جديدة، تحلّ محلها، فكلها في البداية والنشأة، أو في النهاية والتلاشي تقوم على المكر والدهاء والخديعة والقتل الغادر. فنظرة متأملة إلى طبقات السلطة تثبت مشروعية هذا التوجه في النص الروائي، فانتهاء الطبقة الأولى الخاصة (براضي)، وبداية الطبقة الثانية الخاصة (بالأبيض) لا تتمّ إلا بمعاونة (بحر)، ويظلّ بحر موجودا وحاضرا وفاعلا في انتقال السلطة من (الأبيض) إلى ابن عمه (أبو جميل)، وفاعلا أيضا في انتقال السلطة إلى طبقة جديدة لم تتشكل ملامحها في النص في نهاية طبقة (مختار)، ويأتي (حسونة) فاعلا في القضاء على سلطة (أبو جميل) وقيام طبقة مختار. والسلطة- في كل وجوهها كما عبرت عنها الرواية- لم تفرّق في مآلاتها المختلفة بين أصحاب السلطة المجلوبين من خارجها، وصاحب السلطة الوحيد الذي جاء من أبناء البلد، فالسلطة في النص الروائي تمّ التعبير عنها وفق منظور محدد يرتبط بغياب العدل، فالظلم جزء من تركيبتها الأساسية، وإشاعة خطاب مزيف يباين الحقيقة جزء وجودها الحتمي، وفي كشف الرواية عن الزيف الخاص بالخطاب المعلن تستحضر الكثير من التغييب، واستخدام الكشف التدريجي لخطاب الحقيقة، فالرواية لانفتاحها على الرصد الخاص بالشخصيات والأحداث تظلّ مشغولة بهذا الرصد، لكنها لا تتخلى عن إشاراتها الدقيقة التي تتكشف بعد ذلك في إشارات عابرة. فقاتل الأبيض يظل غائبا عن النص الروائي، ولا يتمّ الكشف عنه إلا في حوار متأخر بين (أبو جميل) و(بحر)، وكذلك قاتل (أُنس) والدة مختار، أو اختفاء (حور) أخت كوكب، لا يتمّ الكشف عنه إلا بعد القضاء على طبقة السلطة، ورؤية الخاتم في إصبع (أُنس)، وتلحّ في هذا السياق إشارتا عطية الكاتب والجليلة في التنبيه عليها بعدم خلع خاتمها، وفي ظل التقنية الخاصة بالكشف التدريجي عن فاعل الحدث يأتي الكشف عن المتسبب في إشعال النار في بيوت الخفر، وفي بيت (أبو جميل) من خلال المناجاة التي يكشف من خلالها حسونة قيامه بهذا الأمر وتورطه فيه. الاستبدالات ومساحات الرمز في هذه الرواية التي يغيّب فيها التحديد الزمني والمكاني بشكل دقيق، تأخذ الشخصيات مساحات تتوحّد بالفكرة والرمز، حيث يرتبط وجود الشخصية بالوظيفة التي تقوم بها في إطارها المعرفي. ويمكن أن نقول عن هذه الرواية إنها رواية الاستبدالات المستمرة للشخصيات. فانتهاء كل شخصية بموتها أو تلاشيها من المكان، يعني بشكل حتمي وجود شخصية أخرى تؤدي الدور ذاته المنوط بها، ففي النص الروائي هناك (مختار) أول ابن (نجاة) و(خليل) وحفيد الجليلة، يتمّ خطفه، ويتلاشى من النص الروائي، لتحل محله شخصية (مختار) ولد (أنس) و(قنديل)، ليؤدي الدور ذاته في كونه صاحب أول سلطة من أهل البلد، فالجملة التي تقولها نجاة لأمه (أنس) (سمه مختار، ربما يكون عونا له) ليست عارية من الدلالة، فهي تشير إلى مساحات من التداخل الوظيفي للشخصية في شكلها الغائب والحاضر في آن. وفي الإطار ذاته حين تموت (صفية) ابنة (خليل) و(نجاة)، يتحرّك النص الروائي لإيجاد البديل الممثّل في شخصية (فرحة) ابنة (سكينة) شقيقة خليل، لتقوم بدور الشاهد على الأحداث في دورة جديدة، متماهية مع عمل الجدة جليلة، بوصفها حافظة التاريخ وحارسته. إن تجهيز البديل لشخصية الجليلة يشير إلى أن هذه الشخصية ذات طبيعة خاصة، ففي ظل مقولات عديدة صدرت عن آخرين داخل النص الروائي يمكن فهم طبيعة وجودها الخاص والمختلف. فأحد المراقبين يقول عنها (هذه الجليلة صاحبة البركة والنبوءات، ويقول آخر (كاشفة للناس ولا تبوح بشيء). ففكرة الجلال المأخوذة من اسمها قد تصل بالمتلقي إلى أول دائرة دلالية، وهنا يمكن أن ترمز إلى مصر التليدة التي يتغير عليها الحكام، وقد تشير إلى شريحة محددة من أهل مصر، يمكن أن نطلق عليهم، أصحاب المعرفة، خاصة بعد أن قدمت لها الرواية صورة غير مقيسة إلى شبيه أو نظير، فمع تعدد الحكام ظلت هي وحيدة في جلستها وتأملها على حافة النهر. وقد تتولد للتفسير السابق مشروعية من خلال الطريقة الخاصة التي تمّ بها تصوير الجليلة، بداية من المكان الذي تجلس عليه، فالربوة- أو مكان بيتها- تعطيها دورا أكبر من حدود دورها الواقعي، فهذا الوجود المرتفع يؤشر على دلالة المغايرة، يؤيد ذلك وجود إشارات تتوزع بحرفية داخل النص الروائي كاشفة عن المعرفة، وعن مساحات من النبوءة، دون كشف مباشر عنها من صاحبتها، مثل التوصية أو التنبيه على (أنس) بعدم خلع خاتمها لمعرفة قدرها ونهايتها بعد قتلها على يد (أبو جميل)، ومثل توجيه خليل زوج ابنتها نجاة للبحث عن مختار، وإنقاذه في اللحظات الأخيرة من البئر، وأخيرا النبوءة والشعور بالقادم في لحظات مفصلية من النص الروائي، مثل العاصفة أو فيضان النيل. المعرفة المختزنة جزء أساسي من تكوين شخصية الجليلة، ومن مساحات دلالتها الرمزية والمعرفية، فهناك معرفة، وهناك نبوءة ساطعة، وإن لم تفصح في أية لحظة من اللحظات عن شيء تعرفه بشكل مباشر، وتتولّد في ظل ذلك التشكيل والتكوين مساحات رمزية كثيرة، أهمها أن تكون هذه الشخصية ذاكرة للمكان، تراقب تقلباته، ونشوء سلطاته وانهيارها، والتغييرات والتحولات التي تصيب أصحاب السلطة، فهي شخصية تغادر حدودها المادية لتلتحم بالأسطورة، في جزئيات ليست قليلة. وإذا كانت شخصية الجليلة قد تمّ تجهيز بديل لها يتمثل في شخصية فرحة، في نهاية الرواية بعد موت الأولى، فإن هناك نماذج أخرى داخل الرواية، حدثت لها استبدالات عديدة، من خلال إحلال متعمد لشخصية محل أخرى، وهذه الشخصيات هي التي تقف في طريق المعرفة والأسئلة الوجودية. ينفتح النص الروائي على وجود نموذج جاهز يتمثل في (عطية) الكاتب، وقد قدمت له الرواية قبل الوصول إلى المعرفة واليقين بالحياة والوجود من خلال عزلته في كوخه بالجبل، صورة خاصة في قولها (كان في عيونه عتمة، وفي قلبه حجر. ويوم رقّ ورأى، ترك الدنيا خلفه، وسكن الكوخ البعيد المحتمي بحضن الجبل)، وهذا التوصيف مهم للإشارة إلى حالة الاستبدالات التي لا تنتهي، فقد ورث المكان من شخص سابق، ومهم من جانب آخر، يتمثل في كون الوصول إلى هذا الطريق، له قوانينه الخاصة التي لا تستند إلى نسق ثابت، فالشخصيات المقدمة في هذا الإطار كما يشير الاقتباس، وكما تشير حالات الاستبدالات التي حلت مكان هذه الشخصية بالترتيب، يمكن أن يكون لها تاريخ مغاير سابق في الارتباط بالآثام والذنوب، فوصول الشخصيات إلى هذه الحالة أقرب إلى ميلاد جديد، وإلى تخليق كينونة جديدة. يتجلى ذلك واضحا حين نتأمل الشخصية التي تمثل الاستبدال الأول، من خلال شخصية (قنديل) الذي يتزوج من (أنس)، وينجب (مختار) صاحب السلطة في الطبقة الأخيرة، فهو نجل الشيخ عبدالله في تجل أول، ويصبح طريد والده بسبب سرقة، وبعد زواجه يصنع الخمر لرفقاء السوء، ويحيل بيته إلى حانة. ولكن الحدث المحوري الذي يؤدي إلى التحوّل يتمثل في دفنه حيّا، وخروجه بمساعدة (الميت) أو عبدالحي، ويظل عاجزا رخوا إلى لحظة ميلاده الجديدة التي يخرج منها عاريا بعد حريق بيته، متوجها إلى الجبل، لتحدث عملية الاستبدال والوصول إلى اليقين. وتكشف لنا الرواية عن النبوءات الخاصة به، وعن قوته في مجابهة السلطة ممثلة في (أبو جميل)، وفي لحظة الحريق يقول في مكانه (ما ذنبها) إشارة إلى زوجه (أنس) بعد أن خطفت وقتلت، بالرغم من أن هذه المعلومة لم تتسرب إلا بعد ذلك في النص الروائي، ورؤية الخاتم في إصبعها. وفي ظل هذه الاستبدالات، يوجد لدينا شخصيتا (خليل) و(الميت) أو عبدالحي كما كشفت أمه شرقاوية، وهما شخصيتان تتجاوران مع حركة الاستبدالات السابقة، لكتها استبدالات غير كاملة، فقد حرم (الميت) من استكمال مساحة الاستبدال مع (عطية) الكاتب، وتمت الاستعاضة عنه بقنديل، بالرغم من أن البداية كانت مرتبطة (بالميت)، فاستدعاؤه للمشاركة في تغسيل وتكفين ودفن عطية من قبله، ليس إلا اختيارا للحلول مكانه، والقيام بوظيفته. والرواية تلمح إلى سببين: الأول ترتبط بكونه لم يحافظ على السرّ، وحاول أن يتعرف على الشخص الذي يشاركه الغسل والتكفين والدفن، بنزع اللثام عن وجهه، والثاني يتمثل في كون أسئلته عن الموت والحياة لم تركن في النهاية إلى منطق أو مدخل عرفاني يصل بشخصيته إلى اليقين، وإنما ظل مرتبطا بالتساؤل مشدودا إلى عبثية الحياة، ومحاولة الإجابة عن سؤال الموت، بالرغم من أن هذه الشخصية قدمت وكأن بينها وبين الموت معرفة ونورا وكشفا، في إدراك حضوره وتوقعه قبل حدوثه، إلا أنه ظلّ مشدودا لهذا الثقل العبثي بالحياة. أما شخصية (خليل) فقد شكلت تشكيلا خاصا من خلال وجود الشيخ (مهدي) زوج أمه (كعب الخير)، فمع إدراكه أن هذا الرجل ليس أباه بدأ في التخبط والحيرة، وفي إثارة الأسئلة المحيرة القلقة. فقد كان زوج أمه السبب الأساسي في ذلك، بالرغم من أنه فتح عينيه من خلال الكتب على معرفة دينية وفلسفية، وفتحت عليه هذه المعرفة مساحة من الحيرة والتساؤل عن جدوى الحياة، وكيفية الوصول إلى السعادة. وربما يكون توزعه بين حب جسدي مع نساء كثيرات وحب سام مثالي مع (أنس) قبل زواجها من قنديل، منطلقا أو وسيلة ناجعة من وجهة نظره لإيقاف هذا السؤال الخاص بالقلق الوجودي، تقول الرواية عنه (مرة يفكر بالموت كنهاية، ليس بعدها شيء، ويؤكد ظنونه بأن لا أحد بعث برسالة من ذلك العالم الآخر، ثم ينقلب على أفكاره شاعرا أن وجوده دلالة على وجود خالقه). يمثل (خليل) المنحى العقلي في الوصول إلى المعرفة وتحصيلها، فهو لم يجد غضاضة أثناء تحفيظه للأولاد في الكتّاب في أن ينتقل من نص ديني سماوي إلى نص ديني آخر ارتباطا بواحدية المصدر. وربما تكون اللقطة الكاشفة عن هذا التوجه ماثلة في اللحظة التي ينساق فيها عبدالجليل- وهو نموذج للرجال الدين المرتبطين بالسلطة في طبقتها الأخيرة الذين يقدمون خطابات تبريرية لسلوكها وأفعالها- في إرساء تبرير مسئولية الجان عن سرقة كرسي الجليلة، متحدثا عن عوالم الجان وفصائلهم، بوصف ذلك خطابا تبريريا، يحاول فيه إسدال نوع من المصداقية على خطاب السلطة في إلقاء تهمة السرقة على الجن، وبوصفه- أيضا- خطابا يصرف الناس عن لبّ المشكلة وأساسها، ففي هذه اللحظة نجد (خليل) يقول أثناء الخطبة (ما هذا الخرف؟) منكرا هذا التوجه في مقاربة الأمر، ويتكرّر الأمر ذاته في نعته لرضوان- شيخ الخفر- بالمخرف، في روايته عن قدرة الساحر (أوجا)، وعودته في غمضة عين قاطعا مسافة تحتاج إلى شهر من السفر. إن الرواية حين تمنع هذا الحلول الاستبدالي بشكل كامل عن شخصيتي (الميت) أو عبدالحي لمنحاه العبثي، و(خليل) لمنحاه العقلي القائم على الفكر بعيدا عن العرفاني المستمرّ، تعطي شخصية (حسونة)، بالرغم من تاريخها الطويل في الانتصار للسلطة والارتباط بالجسد، كينونة جديدة تحت اسم (عبدالله)، تجعله صالحا لهذا الوصول والحلول الاستبدالي. جزئية الشخصيات الاستبدالية في هذا الإطار تتولّد من فكرة جوهرية، وثيقة الصلة بالحتمية الوظيفية للشخصية في إطارها العام، ووثيقة الصلة بالحالة الأسطورية التي تخلقها الرواية لتجديد حضورها في كل لحظة واقعية على نحو ما. فإذا كانت هناك استبدالات للسلطة بكل أشكالها ممثلة في الحاكم، وفي من يحيطون به، فإن البشر العاديين يصنعون سلسلة خاصة من الاعتقادات والمعارف، وتستمر في شكل استبدالات ممتدة باختيار نماذج منهم، للاستقواء بها وبمعارفها على هذه السلطة في جبروتها المستمرّ.