عادل ضرغام

توازيات البنية والتوجيه السردي في رواية بيت من زخرف لإبراهيم فرغلي

غلاف كتاب توازيات البنية والتوجيه السردي  في رواية بيت من زخرف لإبراهيم فرغلي
توازيات البنية والتوجيه السردي في رواية بيت من زخرف لإبراهيم فرغلي عادل ضرغام في روايته (بيت من زخرف) يقدم إبراهيم فرغلي رؤيته لإشكالية مستمرة تؤرق العقل أو العقلانية العربية على مرّ العصور، وهي إشكالية التوزّع والمواجهة مع مقابل شرس يؤمّن وجوده باستقوائه بالشعبوية الدينية الجاهلة وبالسياسة وألاعيبها وبوجودها المهيمن، ولهذا نجد التوجه أو الاتجاه العقلاني يحمي إمكانية وجوده واستمراره بأطر غير معهودة، منها فكرة الخبيئة أو الدفن التي لا تحمل سوى الاستمرار والانتظار حتى يصبح السياق ملائما لتقبل النزوع العقلي. تجمع الرواية بين لحظات زمنية لصالح الفكرة، وتستطيع من خلال آليات شديدة الإتقان والدهشة أن تقيم عالما متماسك الأجزاء، للدلالة على توجه أيديولوجي يخطط الطريق للسير والحركة. هي رواية تبعث بداخلنا الرعب بسبب هذا التوحش والتشدد الديني والانغلاق، وذلك من خلال الإشارة- في ظل الحجاج السردي الذي تقيمه- إلى نتائج هذا التوحش، في مقابل انزواء وسلبية أصحاب التوجه العقلاني والفكري والفلسفي، وعدم قدرتهم على الفعل والتنظيم. لا يعرض العالم الروائي في هذه الرواية عالما وحيدا أو زمنا واحدا، لكنه يقدم لنا مجموعة من الأزمنة واللحظات والأحداث المتداخلة في نص روائي وحيد، وهدفه لا يتمثل في إثبات أن الزمان يكرّر نفسه، فالنص يتعاظم على فكرة الزمن في معناها المعهود، فيقدمه لنا زمنا ممتدا بوصفه طبقات متداخلة بعضها فوق بعض، تحيل كل طبقة فيها إلى طبقة أخرى، من خلال توازيات عديدة، تتمثل في الشخصيات والعوالم، والإشكاليات الكبرى التي تقابل شريحة محددة من البشر. ففي ظل ثقافة يتحكّم فيها الماضي بأغلاله الساكنة والرتيبة، يظلّ التوجه العقلاني مقموعا بقوتي الثبات والانغلاق، وهشّا وهامشيا في تأثيره، لأنه يواجه طبقات متلاحمة ومتساندة تمتلك سلطة مستندة إلى شعبوية العامة. فالرواية من خلال بنية شديدة التعقيد تؤسس بناءها الخاص القائم على طبقات أو بنيات متوازية للتأسيس لفكرة أيديولوجية ترتبط بمحدودية الأثر الفعلي للعقلانية والتراث الفلسفي في الفكر العربي. ومحدودية الأثر لا تعني بالضرورة عدم وجوده أو غيابه، فإشكالية المجتمع العربي كله تتولّد من وجوده، ووعي البعض بقيمته، ولكن أثره وأثرهم يظلّ محدودا لسطوة التسليم الشعبوي التي يستخدمها رجال السياسة والدين، ويحتمون بها لتثبيت أركان حكمهم وسلطتهم، سواء أكانت دينية أو سياسية، ولسطوة المعارك التي يتخيلون أنها معارك عظيمة، يظل الإنصات إلى صوت الإنصاف فيها موضوعا هامشيا من وجهة نظرهم. تعتمد الرواية اعتمادا أساسيا على التخييل، من خلال حيل فنية ترتبط بمخطوط متخيل كتبته (لبنى) القرطبية إحدى طالبات ابن رشد أثناء نفيه بمدينة (إليسانة) مدينة اليهود، وتترجمه (راحيل) صديقة لبنى وإحدى طالبات ابن رشد إلى العبرية، ويصل إلى يد مترجمة فرنسية في القرن السابع عشر الميلادي فتنقله إلى الفرنسية، ثم يقع الكتاب أو المخطوط في يد (ألفارو) عاشق الكتب القديمة والمخطوطات، ثم في يد (مانويلا) رفيقته التي تكتب سيرة متخيلة لابن رشد اعتمادا على يوميات لبنى، وتدفن هذه السيرة معها في قبرها، وبعد وفاتها تستخرج جليستها (ماريا إيلينا) بمساعدة أستاذها بالجامعة المصري (إسكندر) الذي يشابه في كل تشكيلاته ( نصر حامد أبوزيد) (وقد أهديت الرواية إلى روحه)، فيكتب الكتاب بكل ملابساته. من خلال هذا التلاقي يندمج الزمنان في معالجة إشكالية واحدة تتعلق بثبات الفكر العربي من خلال ثبات إشكالياته المطبقة في كل زمن. بنية العمل والتوازيات تنتهج الرواية نهجا بنائيا قائما على وحدة العوالم وتشابكها وارتباطها بالرغم من الفارق الزمني، ففي جزئية ما في النص الروائي، يدرك القارئ أن هذه العوالم التي قد تبدو متباعدة للوهلة الأولى منسجمة في إطارها البنائي. فالرواية هي رواية اللحظة الراهنة وكل لحظة شبيهة، وارتباطها بابن رشد ارتباط التشابه والثبات والتوازي. فالرواية تبدأ بالأستاذ الجامعي المصري (إسكندر)، وتنتهي منتصرة لخياراته في العودة والنزال. ففي الجزء الأول هناك وقوف مع وجود الأستاذ الجامعي بجامعة قرطبة، من خلال قبلة العهد مع إحدى تلميذاته ماريا إيلينا، دون معرفة بسبب تواجده وحيدا بقرطبة، أو إشكالياته التي يعانيها، سوى تمرير جزء منها خاص بصورة جليلة التي تطل في لحظات محددة دون إفصاح كامل عن الإشكاليات. في هذا الجزء لا يكشف النص الروائي شيئا، إلا ما يتمّ استحضاره من خلال الاتفاق بينه وبينها على استخراج الدفينة الخاصة (بمانويلا) التي كتبت فيها سيرة متخيلة لابن رشد (أفيروس)، وما يشير إليه ذلك من تواز مع دفينة الأعمال الفنية لعاصي السوري والأرجنتيني التي دفنها بقريته بسوريا خوفا عليها من الحرب، وما يلحّ ويكشف عنه هذا التوازي من إشارات خاصة بغياب التخييل وثيق الصلة بالعقل المفارق القائم على البصيرة. في هذا النص الروائي القائم على تعدد البؤر السردية المتشابكة، لا توجد حكاية مكتملة كيانا كاملا في كل جزء، بل يترك الحكاية السابقة مفتوحة، ليدخل بنا في حكاية أخرى منطلقة من (أفيروس) أو (ابن رشد) الذي جاء عنوانا للقسم الثاني. في هذا الجزء ثمة آلية سردية تتمثل في تعدد الساردين لجزئيات هذا الفصل الخاص بابن رشد. ترك النص الروائي لكل الشخصيات المؤثرة في عصر ابن رشد الحركة، وأعطاها منصة السرد حتى لا تكون هناك مصادرة أو تحيّز، مستحضرا وجهة نظر كل شخصية على حدة، وهذا التوجه أعطاه –أي الروائي- الحرية في التعبير عن طبيعة العصر، وما يوجد فيه من اتجاهات فكرية عديدة، ففي كل جزئية بساردها الخاص هناك هدف يتوجه إليه، بداية من صوت القماري الذي يصل بالعجائبي إلى مداه، من خلال صور الطيور التي ترمز إلى الأفكار التي لا يستطيع أحد منعها أو حرقها. مرورا بصوت الابن الذي يصف مراسم نقل رفاته إلى قرطبة بعد دفنه في مراكش قبلها بشهور، وانتهاء بصوت (المشاء) ابن رشد نفسه، والنسّاخ، والورّاق، وابن جبير، وابن زرقون، وابن عربي. لم يستخدم الروائي نسقا تراتبيا في الجزء الثاني للتعبير عن سياق ابن رشد في حياته، بل قدّم نسقا مشدودا للانتقاء والهدف، ففي الجزئيات أو الفصول التي تحمل عنوان (المشاء) التي يسردها ابن رشد في فترات مختلفة من عمره، توقف النص السردي عند جزئيات وثيقة الصلة بمناح ضرورية في تكوينه، ففي الفصل الأول للمشاء هناك استجلاء لارتباطه بفتاة أسماها (طروب)، ولانفتاحه المبكر على التأمل والتفكير العقلي والفلسفي في بداية تكوينه وارتباطه بالتفكير في حياة الناس والبشر. وفي الجزء الثاني الخاص بالمشاء يقدم –انطلاقا من من تدرج التكوين- إشارات لتعلمه، وللسياق الحضاري المملوء بالتعايش بين الأديان، وتكتمل هذه الفكرة في الجزء الثالث حيث تلحّ فكرة التعايش بديلا للسيف والقتال والصراع، ويجعلها أساس الحضارة. وفي الفصل الرابع والأخير للمشاء نصل إلى ذروة التكوين، ودوره في توليد خطاب فلسفي قائم على انفتاح التأويل للنصوص بعيدا عن تثبيته داخل مذهب أو توجه محدد، يتجلى ذلك في تبجيله لأبي حامد الغزالي كفقيه في كتبه الأولى، وفي حمله عليه في رده على كتابه (تهافت الفلاسفة). نجد في هذا الجزء الخاص بابن رشد الأصوات السردية المناوئة له تتسلم منصة السرد، ويلح ابن جبير ساردا لجزء خاص بعنوان (طبول الحرب)، وهو عنوان يتوازى مع فصول أخرى تحمل العنوان ذاته، ترتبط بإعداد الخليفة لحربه ضد ألفونسو والقشتاليين، وهذه تمثل إشارة لافتة، لأن أصحاب الاتجاه المقابل لابن رشد، يتساندون، ويكونون حزبا يستقوي بالسلطة، منتظرين تحولاتها، من خليفة يكلّف ابن رشد بتلخيصات أرسطو، إلى خليفة يحكم بحرق كتبه ونفيه، والحرب هنا ليست حربا بالسلاح، ولكنها حرب ضد العقل، حرب للحفاظ على السلطة والمكانة التي لا تتمدد إلا بالتسليم دون تفكير. فابن جبير وابن رزقون ويضاف إليهما ابن عياش كاتب الخليفة، وقارئ منشور الحرق والنفي يمثلون اتجاها خاصا للاستنامة والتسليم بأحادية الخطاب بعيدا عن التأويل المنفتح عند ابن رشد، تقول الرواية (فلسنا في حاجة اليوم إلا إلى أن تتوحّد القلوب لأجل أن تنتصر الأمة على القشتاليين). أما في الفصل أو الجزء الخاص بابن عربي، فقد جاء لتأسيس مساحات الريبة بين الجانبين، أي بين أهل الفكر وأهل العرفان، فكل واحد منهما- وإن كان يجلّ ويعرف قيمة الآخر- يضع صاحبه في مكان مقابل. وفي جزئيتي النسّاخ والورّاقين هناك مجال لرصد تطور ابن رشد، وتحوّله من حال إلى أخرى، من إكباره للغزالي كفقيه إلى رده عليه، بالإضافة إلى دوره في تذويب التناقض بين الفكر الفلسفي والنصوص الدينية في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال)، بالإضافة إلى كون هذين الجزئين يشيران إلى قيمة هذه الحوانيت بوصفها صورا قديمة لمدارس وجامعات. بداية من القسم الثالث حتى الأخير يجد القارئ نفسه أمام نص دائري متعدد الإسهامات والخطابات، فهناك بيت من زخرف تتعدد طوابقه، وتنتمي إلى لحظات زمنية مختلفة، لكنها تتشابه في التناظرات والتوازيات والإشكاليات الثابتة. هناك سارد مهيمن في كل جزء، ولكن هذه الهيمنة تسمح في بعض الأحيان بكسرها، لإيهام القارئ بوجود مخطوط، وإيهامه – أيضا- بوجود فجوات تستلزم مغايرة في حركة السرد وفي الضمير السردي، حتى يتم التغلب عليها وإكمالها. فالرواية في ظل ذلك وفي سياق هذه الأقسام توهمنا أنها موزّعة بين خطابات قديمة وخطابات آنية، وأن هناك عددا من المساهمين في الإنجاز الكتابي للحكاية من خلال فاعلين مشاركين، بداية من (لبنى) القرطبية صاحبة النواة المخطوطة، ومرورا (بمانويلا) كاتبة سيرة ابن رشد المتخيلة، وانتهاء بالأستاذ الجامعي المصري، ففي البداية يقول لطالبته ماريا إيلينا (سأكتب كل شيء، بما فيه طلبك المساعدة مني، وكيفية تنفيذي المهمة، ثم قصة صاحبة الوصية، وما يمكن ان يستفاد من أوراق مانويلا المدفونة معا). في ظل تآزر الخطابات وتلاحمها يذوب الزمن، وتطل الفكرة بعنفوانها، فالخطاب في النص الروائي لا يختص بزمن واحد ساكن، بل يرتبط بمطلق زمن الأزمة، حيث يغيب العقل، ويبدو الثبات معيقا للحركة. فالمتأمل لحركة السرد في كتاب (لبنى) يجد تعددا وتوزّعا في تقديم النص للمتلقي بين التكلّم والغياب والخبر، وهذا كله كاشف عن النواة التي تكبر بالتأويل والتخييل، ويمثل ذلك منطلقا أساسيا من منطلقات ابن رشد. في هذه الرواية ليست هناك قصة أو حكاية من حكاياتها مكتملة بذاتها، فهناك دائما من يكملها، فيتولد لدينا خطاب يبنى على خطاب، فالتوزع بين الضمائر السردية في كتاب (لبني)- وإن كان حيلة سردية- يشير إلى قيمة المتخيل والتأويل، فهناك مساحة للمتخيل الذي أضافته (مانويلا) تظل حاضرة، وهذه المساحة تأخذ مدى أكبر مع وجود خطاب الأستاذ الجامعي المصري. في نهاية العمل تتكشّف للقارئ في ظل حضور الفكرة الخاصة بالثبات، وفي ظلّ غياب التأويل والتخييل عن العقل العربي في ميراثه الطويل، وفي ظلّ انفتاح الرواية على مطلق زمن الأزمة، مع عنايتها بأزمتي ابن رشد والأستاذ الجامعي المصري، مجموعة من التوازيات في كل أزمة. فهناك ابن رشد (المعلّم) يقابله الأستاذ الجامعي المصري بطبيعته الخاصة مع طلابه بتوجيههم نحو العقل النقدي، فهناك مساحات قوية للارتباط بينهما، وهناك الباحثة أو الطالبة (لبنى) في سياق ابن رشد، وماريا إيلينا في سياق الأستاذ الجامعي المصري. فالمرأتان تشكلان في كل إطار مساحة للاستشفاء لكل واحد منهما، ومساحة لفاعلية المرأة وقيمة دورها، وهي فكرة من الأفكار المبكرة لابن رشد، اهتدى إليها بسبب سياقه الحضاري المنفتح. وربما يضاف فارق السن بين الرجل والمرأة في كل قسيم كاشفا عن تواز خاص. هناك توازيات أخرى تتمثل في النتيجة الخاصة بسيادة وهيمنة وانتصار الشعبوية العامة مع كل قسيم فمع ابن رشد مرض زوجته (أم أحمد) نتيجة لخلعه من القضاء، ولنفيه إلى إليسانة، وتخرصات الآخرين المناوئين حول زوجها، ومع الأستاذ الجامعي مرض زوجته (جليلة) ووفاتها نتيجة لحكم المحكمة والتفريق بينهما، بالإضافة إلى تواز آخر يتمثل في نهاية قصة العشق في كل قسيم، لارتباط كل واحد منهما بهدف أكبر، مشدود لتأسيس العقلانية في سياقه الخاص، وعدم الانسحاب أو الهزيمة أمام الآخرين. ويمكن إضافة طبقة ثالثة ترتبط بالطبقتين السابقتين، ولكنها طبقة ليست مكتملة، لأنها طبقة تفتقر إلى بطل متأثر بأعمال التشدد والشعبوية، ولأنها طبقة قريبة العهد بطبقة الأستاذ الجامعي المصري وتلميذته ماريا إيلينا زمنيا، فهناك الكثير من التوازيات في حكاية (مانويلا). ففي حكايتها يأتي (بيدرو) أستاذ الفلسفة وأستاذها الذي ارتبطت به ارتباطا روحيا، وفتح عينيها على تراث ابن رشد نموذجا مقابلا لبن رشد وللأستاذ الجامعي المصري، ويشكل الشعبوي المتشدد (زياد) ابن شقيقتها (بيلار) القسيم المقابل، حيث يطلّ في صورة جديدة لحالة التشدد القديم، من خلال انضمامه إلى الجماعات المسلحة في أفغانستان، وتوفيت أمه نتيجة لذلك. في ظل هذه التوازيات يتشكل بيت خاص للعقل، أو للتوجه الفلسفي الفكري، أو (بيت الزخرف) في التعبير المناوئ الذي يستخدمه الشعبويون على سبيل الاستعارة كناية عن الخروج والمروق بعيدا عن التسليم والسير داخل حدود التنميط الجاهز. التوجيه السردي يرتبط التوجيه السردي بكل عناصر النص الروائي، سواء في مجمل الاختيارات الخاصة بالزمان أو المكان، أو في تشكيل الشخصيات وبنائها، أو في بنية الحدث وتجهيز النقلة التالية للحركة والتوجه. وإذا كان التوجيه السردي مهما لكل عمل روائي بشكل عام، فإنه في الرواية التي تستقوي بأيديولوجيا حتى لو كانت أيديولوجيا المهزومين يعدّ جزءا أساسيا في بناء العمل الروائي وتشكيله، وفي تشكيل فكرته الأساسية وإشكالياته المعرفية. ففي مثل هذه الروايات هناك – ربما بدون وعي مقصود- نماذج تتشكل، وتتجلى بوصفها أدوات حاملة لفكرة وظيفية سردية، وتؤدي هذه الوظيفة في إطار عملية الحجاج التي تظهر في النص الروائي في انتصارها للعقلانية وللتأويل الفكري، في مقابل التشدد المتدثر بفهم خاص ثابت للنصوص في شكله الأولي البدائي الذي لا يحيد عنه. في النص الروائي يتوقف القارئ أمام أنماط عديدة للتوجيه السردي، منها ما يرتبط بالبنية في إطارها العام، ومنها ما يرتبط بالحدث، ومنها ما يرتبط بالشخصيات المصاحبة وخلقها لأداء وظيفة توجيهية نحو فكرة ذات خصوصية. وليس المقصود بالتوجيه الجزئيات التي تكمل ناقصا، وتجعل الصورة شبه واضحة في العالم الروائي، وإنما المقصود وجود بعض الشخصيات أو الأحداث التي يمارس السرد عليها تبئيرا واضحا انطلاقا من الهدف والانتصار للفكرة أو الأيديولوجيا. من هذه الشخصيات شخصية (عاصي) الفنان السوري، فقد تمّ تصويره بشيء من التدرج، وهذا الترج يكشف عن قيامه بوظيفة سردية وحجاجية في الآن ذاته، وذلك ارتباطا بالمنحى الفكري العام للرواية في ظلّ المراوحة والصراع بين توجهين، حيث يصبح في بعض الأحيان موجها لعملية الاتفاق بين (إسكندر) و(ماريا إيلينا)، حيث أوضح له أن وجوده في هذا العمل يعدّ اختيارا وتكليفا من ابن رشد، ويصبح نمطا من الهاربين بالفن والخيال من الحرب في دفنه لأعماله النحتية ومجسماته في قريته بسوريا، بوصف ذلك عملا من أعمال العقل والتخييل، بالإضافة إلى ازدواجية جنسيته التي تشير إلى جانب المنفى بشكل عام نتيجة للهروب من سياق يرزح إلى التنميط. فوجود الأرجنتين في تعريفه إشارة إلى ناتج مهم من نواتج التشدد الذي يشكل في النص الروائي حضورا مهيمنا، فالمنفى نتيجة أزلية، يمكن أن نرى أثرها في أزمنة التشدد. ويمكن أن يظهر التوجيه السردي في تشكيل الشخصية بشكل لافت في شخصية (زياد)، فقد قدّم في الرواية من خلال تدرّج كشفت عنه استرجاعات وارتدادات خالته (مانويلا)، فالطفل الذي تصفه كان هاديا مغرما بالقراءة والرياضة، يتحول في لقطة تالية إلى حالة من حالات التشدد. فقد كشف النص الروائي عن طبيعة تشدده في ظلّ الطبقة الزمنية الخاصة (بمانويلا)، ومن خلال الأم (بيلار) البرتغالية الأصل، والأب (كمال) المصري، وتحركه أثناء طفولته بين دول عربية كثيرة. وتكشف اللقطة الثالثة عن كونه مقاتلا في أفغانستان، بجلباب أفغاني، وبوجه متجهم، وفي اللقطة الخيرة نراه متورطا في هجوم مدريد 2004، ومن ثم يتعرّض للاعتقال، تقول الرواية مشيرة إلى الترابط بين ما حدث له وما حدث من سلوك معاد لابن رشد من العامة، إلى أنهما صورتان للتشدد (أيمكن أن يكون واحدا من هؤلاء المتشددين الذين طردوا ابن رشد من المسجد قبل ألف عام؟). وفي السياق ذاته يمكن أن نقف عند شخصية (جوليستان) أو (جي جي) ذات الأصول الكردية، وعند دورها في النص الروائي الذي يقف عند حدود المساعدة في إيصال النص النهائي الذي انتهى منه إسكندر بعد ترجمته إلى زياد، فقد جاء التشكيل التوجيهي المنمط لهذه الشخصية مناسبا للقيام بدورها الجزئي في العمل الروائي، بوصفها واحدة من فريق المجندات اللواتي واجهن الدواعش في سوريا، وهي تعرف طريقة للتواصل مع هؤلاء، وانتقلت إلى آيسلندا بعد أن طلبت الهجرة. في بعض الجزئيات هناك توجيهات ترتبط بالبنية والترتيب الخاص لهذه البنية، ففي القسم الثاني من الكتاب، والخاص (بأفيروس) أو ابن رشد، يمكن للبعض أن يتخيل أنه جزء يمكن الاستغناء عنه، لأن الرواية تامة بدونه، فهو قسم خارج عن كتاب (مانويلا) في اعتمادها على يوميات لبنى القرطبية، وعن إسهامات (إسكندر) في النص، لكن استحضار فكرة أن المخطوط الخاص بلبنى متخيل، وأن وجوده لا يمثل سوى آلية سردية، يشيران إلى قيمة هذا الجزء في إطار توجيه البنية المتعمد، للكشف عن السياق الحضاري لعصر ابن رشد بتنوعه وصراعاته، وللإشارة إلى شيء آخر يرتبط بمنجزه. فمنجز ابن رشد وآراؤه مرتبطة بعمره الزمني، ففي بدايته قبل تولي القضاء أنجز ملخصات أرسطو، حين طلبها منه الخليفة أبو يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن في حضور طبيبه ابن طفيل. ولكن التأليف اختلف في العمق والإبداع، حين ندرك من خلال الجزء الخاص بالورّاق، أنه أنجز رده على الغزالي في كتابه (تهافت التهافت) الذي كان أزمع أن يسميه (الرد على تهافت أبي حامد) في تكفير الفلاسفة، يقول النص على لسان ابن رشد في رده على الوراق (لكني اليوم لست ما كنت عليه قبل ثلاثة وعشرين عاما. فما أحوج تراثنا إلى التدبر، ونقض ما يناقض العقل منه). ثمة نوع من التوجيه السردي، يمكن أن نطلق عليه توجيه الحدث الطارئ اللحظي، لأن الرواية لا تمارس تبئيرا على الحدث بقدر ممارستها على أثر الحدث خاصة بالبطل (إسكندر). فالحدث الطارئ اللحظي المهم في تأثيره في حركة النص الروائي يتمثل في وجود امرأة غجرية تقرأ الطالع في ساحة الماسكيتا (وهي ساحة لها حضور دوري في النص الروائي، بوصفها مكانا مهما كاشفا عن روح التعايش المرتبطة بتجاور الأديان الثلاثة. وهذه المرأة تقابل (إسكندر) و(ماريا إيلينا)، ويهتم إسكندر بعينها التي تسقط من محجرها وتتحرك على الأرضية، ولكن ماريا إيلينا تدرك أنها من ألاعيب الغجر في الضحك على السيّاح الساذجين، ويبتعدان عن المكان. ولكن قيمة هذا الحدث الطارئ الكاشف عن التوجيه في فتح آفاق سردية ومعرفية للنص الروائي، تتجلى في ارتباط البطل (إسكندر) به، من خلال الحلم الكاشف عن العجائبي، في إفصاحه عن نظرية ذات خصوصية في فكر ابن رشد خاصة بالعقل العام والعقل المفارق، واختلاف فهمه لهذه الجزئية في فكر أرسطو (ظل الوصف العقل المفارق أو غير العادي حاضرا في وصف ابن رشد وابن طفيل له على طول صفحات الرواية)، عن فهم توما الأكويني. وقد أدى ذلك إلى تمدد العمل سرديا، وقيامهما برحلة إلى صقلية في الجنوب الإيطالي، لمشاهدة منحوتات وصور ورسومات الفنانين الإيطاليين لابن رشد، ومعاينة انتصارهم من خلال هذه الرسوم والمنحوتات للإكويني، ومن خلال ذلك في لقطة تالية تتم مناقشة انتماء تراث ابن رشد للتراث الإنساني العالمي وأثره في نشأة اتجاه يسمى الرشدية في الفلسفة العالمية، بالرغم من أن هناك إشارات ودراسات تشير إلى عدم صحة هذه النظرية بشكل عام، حتى فيما قدمه أرسطو، فهي تجعل العقل العام شيئا مشتركا بين البشر، والعقال الفعّال يختصّ به أناس محددون، وقد ضرب ابن رشد هذه االاستعارة لتقريب فكرة ونظرية أرسطو، وللتفريق بين البصر والبصيرة والتدبر. هناك توجيه حيوي تلحّ عليه الرواية، في كل طبقاتها الكاشفة عن الفكرة، وهو توجيه ليس بعيدا عن رؤية ابن رشد واختراعاته اللافتة في زمنه، ورؤيته المبكرة البصيرة، يتمثل ذلك في التوجيه النوعي أو الجنسي المساند للبطل أو للفيلسوف صاحب الأزمة في كل التجليات والطبقات. ففي كل التجليات الكاشفة عن الصراع بين اتجاهين فكريين كاشفين عن أيديولوجيا خاصة، هناك وجود ملهم للمرأة، وكأنها قسيم مساو للقسيم الذكوري، وفي ذلك إعلاء من شأنها وتقدير لها. فقد سيّجت الرواية كل أطرها البنائية بتلك الفكرة، ففي كل طبقة هناك تجل خاص لدور المرأة الفاعل، ففي طبقة (ابن رشد) هناك (لبنى) القرطبية، وفي طبقة (بيدرو) – وإن لم يكن هناك صراع معه بالمعنى المعهود مع أفكار شعبوية راسخة بالثبات- هناك (مانويلا) التي رأت في تتبع وكتابة سيرة متخيلة لابن رشد معنى كبيرا لحياتها، في لحظة سجنها بسبب المخطوط والحصول عليه بطريقة غير مشروعة، وفي طبقة (إسكندر) هناك (ماريا إيلينا). فكل النساء في هذه الطبقات لهن دور مساو لدور الرجل، وهذه عين فكرة ابن رشد التي تكررت كثيرا في النص الروائي. في هذه الرواية هناك اشتغال على خلفية البطل التكوينية، وكأن في ذلك توجيها إلى ارتباط معرفي خاص، فالإشارة إلى الخلفية الحاضرة بفعل التذكر والارتداد إلى الدراسة بموسكو لشخصيات ثلاث، هي على الترتيب: (إسكندر) الذي كان يعرف بهوية مغايرة من خلال اسم (سعد الدين)، و(مارجريت)، و(مصطفى)، إشارة جسدت الحلم، والانحيازات الأولى لهذه الشخصيات، والفهم الطوبوي للاشتراكية والشيوعية، في هدمها لسور الطبقات الجامد، ثمّ تحوّل كل ذلك إلى كابوس من خلال الإشارة إلى كارثة تشيرنوبل، وما كشفت عنه من هشاشة، وتحلل الحلم وذوبانه مثلما تحلل الكيان إلى دويلات صغيرة. في هذه الرواية- في ظل استحضار الإهداء إلى روح نصر حامد أبوزيد، وفي ظل وجود تشابهات وتماثلات دالة- لا نستطيع أن نفصل بين شخصية إسكندر أو سعد الدين عن شخصية المثقف والمفكر المصري الكبير نصر حامد أبوزيد، وارتباطه الحيوي بفكر ابن رشد. الرواية بهذا الاقتراب والتداخل بينهما تؤسس وتشير إلى طريق واحد للحركة، يرتبط بحرية العقل والتأويل، فتسليم الكتاب الخاص بسيرة ابن رشد والذي شارك في صياغته المفكر المصري إلى زياد المتشدد المنضم إلى جماعات دينية، يوجهنا في النهاية إلى أن الطريق للانتهاء من هذه الإشكالية لن يتمّ إلا بالفصل بين ما هو ديني، وما هو دنيوي بشري، وأن العقلانية بأطرها الفكرية تمثل مخرجا وحيدا من هذه السلطة القابضة على العقل العربي في كل عصوره المختلفة.