التوزّع السردي والأفق الشعري في رواية شجو الهديل لجار النبي الحلو
التوزّع السردي والأفق الشعري في رواية
شجو الهديل لجار النبي الحلو
عادل ضرغام
في روايته (شجو الهديل) يقدم الكاتب الروائي جار النبي الحلو بناء سرديا صغير الحجم، لكنه أقرب إلى أغنية فقد تدريجي مملوء بالشجن، يتهادى طوال صفحات الرواية، نابع من الهزيمة، وعدم القدرة على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الإنسان دوما في حياته مع اكتسابه للوعي والإدراك، بالإضافة إلى فقده للآمال الكبرى التي تتولّد بالتدريج، ويعاينها كل فرد، ويشكل من خلالها متخيله عن ذاته وعن الوجود. الرواية في ظل ذلك الفهم تأكيد على نتيجة مفادها أنه- في نطاق الأسئلة الوجودية وانسداد الأفق عن إجابة شافية- لا مهرب من هذا الشجو الحزين المشدود إلى التسليم المقهور الذي يؤدي إلى الثبات. ففي مقابل ثبات الواقعي والمادي هناك الحركة التي يصنعها صوت الشجو في أفق زمني متحرّك، لأن زمن الشجو ليس زمنا واحدا، بل أزمنة مختلطة مكدّسة، وصور تشكلها، وتعيد تشكيلها باستمرار الذاكرة.
فالرواية تؤسس بناء كاشفا عن الثبات داخل حدود واقع معين، يمثل نواة صالحة للتمثيل عن الكلّ، من خلال مجموعة من الشخصيات غير القادرة على الفعل، أو على الارتباط بوجه واحد، فهي موزعة بين نمط ريفي، وآخر حضري مديني، ولا تقدر على الحسم أو الاختيار النهائي بينهما، فكأنها شخصيات فقدت بوصلتها التي تعبّد لها حركتها نحو القادم، ولم يتبق لها سوى ذلك الشجو الذي يمثل مساحة ابتعاد وهدهدة عن الواقع الذي لم يتمّ تطويعه لسلطة المتخيل، فالشجو هنا يكفل مساحة للاستمرار والتحمل لواقع لا يستجيب بسهولة لآمال الشخصيات المطروحة للتحقيق في النص الروائي.
الرواية وثيقة الصلة بالفرد أو الأفراد داخل حدود المكان التمثيلي المقتطع، أو داخل الحياة بشكل عام، في إطار زحزحة الجزئي ليرتبط بالكلي، فيوجه حركتهم داخل المكان وخارجه، فتنفتح الرواية على المعرفة والقدرة على الرؤية. ويصبح اختيار ضعف البصر للبطل في الرواية- أو للشخصية المحورية دائمة الحضور- توجيها سرديا، وسوف تتجلى بعض الشخصيات في ظلّ ذلك الفهم بوصفها سبلا مساعدة لإمكانية الرؤية والمعرفة، بداية من سهير التي تنتمي للمدينة، وانتهاء باعتماد التي تنتمي إلى القرية والريف، وقد شكلت كل واحدة منهما متخيلا نموذجيا للشخصية الرئيسة، فالأولى وعدته بعمل نضارة للكشف والرؤية، والأخرى شكلت حضورا لافتا من خلال الحمامتين والعنزة، وكأنها من خلال هذا الفعل تهدهد مساحات الاغتراب والنقلة من سياق إلى سياق في حالة البطل، يكشف عن ذلك فعل التذكر الدائم الخاص بسهير بعد وفاتها، وهو تذكر يأتي متواشجا في رحلة بحثه عن اعتماد. فالحياة في منطق الرواية تمثل رحلة بحث عن يقين ما، سواء تعلّق الأمر بامرأة، تحتل امرأة بعدها مساحة وجودها، أو تعلّق الأمر بسؤال وجودي يفضي إلى قانون تراجيدي للحياة.
فقدان المرأتين واحدة بعد أخرى، الأولى بالموت من خلال السرطان، والأخرى بالتيه من خلال الغياب، وعدم القدرة على الوصول إليها بالرغم من البحث، بالإضافة إلى النتائج التراجيدية التي تصيب شخصيات الرواية جميعها، كل ذلك يؤشر على طبيعة الحياة التي تفصح عن حتمية المطاردة واللهاث الدائم، وحتمية عدم الوصول لشيء يمكن الإمساك به، فالحياة استغراق أو مطاردة للسراب، فكل الآمال المطروحة للتحقيق تنتهي إلى نقيض متخيلها.
التوزّع السردي وتراجيديا الحياة
قارئ الرواية سوف يدرك من البداية أن هناك توزّعا للسرد بين المتكلم والغائب، وقد يرد هذا التوزّع بشكل متوال، كما في الفصول الأولى، وقد يرد بشكل غير متوال. فقد نجد في الفصول الأخيرة جزئيات سردية متوالية مرتبطة بالغياب، تردفها نتف أو جزئيات سردية مرتبطة بالمتكلم. ولهذا التوزع بين الضميرين السرديين دلالات ووظائف عدديدة، ولكن أهمها يتمثل – بشكل مبسط- في الفارق بين رؤية الذات ورؤية الآخر لها. والآخر هنا ليس بالضرورة واقفا عند حدود الراوي، ولكن يمكن أن ينمو ويتناسل تدريجيا لكي يلتحم بالسياق وتجلياته المختلفة، ودوره في تحديد وتوجيه حركة الشخصيات، فيصبح السرد هنا حركة دائمة بين فاعلية الذات وفاعلية السياق.
رؤية الذات هنا تصبح - في إطار التكلم- وثيقة الصلة بالمتخيل المقموع الذي يلحّ في تجليات عديدة لدى كل شخصية، فمع كل شخصية هناك سلطة للمتخيل ذاتية تعافر لكي تتجلى في سياق واقع لا يسمح كثيرا بإيجاد منافذ لتواجدها. أما السرد المرتبط بضمير الغياب فتتولّد له القدرة على التعديل والإزاحة في سرد الذات عن نفسها مع كل الشخصيات، فسرد الذات مشدود دائما للمتخيل، ولكن سرد الغياب الموضوعي لتخلصه من الانحياز الذاتي يمارس نوعا من الاتزان الجزئي في جرّ الشخصيات إلى سياقاتها الواقعية في لحظات النزال أو الصراع مع الواقع. فمع المتكلم تظهر الآمال الدفينة، ففتحي البطل الذي جاء من الريف للمدينة، لديه صورة متخيلة مطروحة للتحقيق (حلمت كثيرا أن أمدد رجلي وأنا أتفرج على التلفزيون).
وتتجلى سطوة المتكلم وفاعليته مع كل الشخصيات حين تتسلّم منصة السرد، فالمتكلم في الرواية ليس شخصا واحدا، لكنه شخصيات عديدة، يجمع بينها صيغة البوح والكشف والتخييل من خلال المتكلم في مقابل الغياب الموضوعي الذي يشدّ السرد إلى واقع فعلي تعاينه الشخصيات في لحظة انفتاحها على متخيلها الداخلي. فكل حكاية من الحكايات الجزئية في النص الروائي مشدودة إلى متخيل نموذجي مقترح للتحقيق، في مقابل واقع يناور ويرفض، ويسد الطرق على الشخصيات لتحقيق متخيلها. ففتحي الذي وجد مكانا يقيم فيه في المنور- حيث يمثل هذا الوجود مساحة كشف وتعرية للآمال وذوبانها من خلال ما يصل إلى أذنيه من محادثات واتصالات لسكّان البناية المكوّنة من طوابق خمسة- يتمثل متخيله في علاج عينيه التي لا تبصر سوى (طشاش) على حد تعبير النص الروائي، وآمال العانس- ابنة صاحب البيت عبدالسلام- يتحرّك متخيلها صوب الوصول إلى الحب والزواج من (كمال) الفنان الذي يقطن بغرفة السطوح، وكذلك أختها الصغرى (حنان) تتحرك في النص الروائي وفق رغبة الوصول للزواج من حازم المعيد، وسهير ابنة المرأة البدينة يتشكل متخيلها وسعيها نحو إتمام تجربة حبها بمالك، لكن المرض أولا، ثم الموت ثانيا يشكلان حجر عثرة في إتمام هذا المتخيل (أنا أحب أمي ومالك، لكن ماذا سأفعل، وأنا سأرحل عنهما).
إن هذا التوزّع بين التكلم والغياب ظلّ قانونا سرديا طوال صفحات الرواية، حتى في الفصول والجزئيات التي تتطلّب نوعا من التمدد لصوت سردي واحد في إطار المتكلم، نجد أن الرواية لا تتخلى عن قانونها المتكرّر، فتعيد القارئ ولو من خلال جزئية بسيطة إلى نسق موضوعي راصد، على نحو ما يمكن أن نرى في الجزء الذي جاء بعنوان (حجرة من الخشب تطلّ على السماء)، فبعد تمدد السرد على لسان المتكلم بصوت فتحي، ينتهي الجزء من خلال الغياب بقول الراوي (حجرة فنحي ستكون نقلة مهمة في عمارتنا) على لسان عماد. وقد أدى هذا التوزّع بين ضميري المتكلم والغياب إلى فقدان مركزية السرد، فليس هناك مركز واحد ثابت ومستقر في النص الروائي. فالمركزية تكاد تكون معدومة، فما يؤسس له صوت سردي، يأتي صوت سردي آخر ليهدمه أو يعارضه، أو على الأقل يهشم مصداقيته، في ظل جدل الرؤيا ووجهات النظر المتباينة.
وقد شكل ذلك نوعا من الانقطاع الجزئي، وأثر على طبيعة النمو السردي، خاصة إذا كان السرد في النص الروائي لا يقف عند حدود التوزّع في إطاري المتكلم والغياب، فالسرد لا يتجلى في كتل كاملة مع كل ضمير سردي، بل في شكل صور أو أجزاء مبتورة يتمّ الانتقال بينها في الشكلين السرديين في نسق شبه دائم. فالجزئيات أو الصور المقدمة للشخصيات تبدو طوال النص الروائي جزئيات مبتورة، حيث تبدو عالقة بين سابق ولاحق، فهي تعاني لأجل ذلك نوعا من النقصان، قد تكتمل في حضور تال، أو تصل إلى مرحلة مهمة من مراحل الاكتمال، ولكن كل ذلك يظل مشفوعا بنقصان وتراتبية غير مكتملة، لا يصنعان حضورا ناصعا وجاهزا لكل شخصية، فهي شخصيات- نظرا لطبيعة السرد الجزئية والمقطعة- في طور دائم للتشكل والاكتمال، فما تقدمه الرواية، يتجلى بوصفه سردا ذهنيا يتعلّق بجزئيات تصنعها الذاكرة، وفق قانونها الخاص.
والشخصيات في ظل ذلك التقطيع أو البتر لا تتجلى كاملة في نفس سردي واحد، بل تظل في النهاية مجرد صور موحية من خلال تجاورها الذي يخلق الإيحاء بكينونتها. فشخصية مثل شخصية الشيخ علي التي تعطي دلالات راهنة خاصة بالأيديولوجيات وتعددها وأثرها السلبي، لم نلمح لها- وكذلك كل الشخصيات- وجودا مكتملا، فهي صور جزئية لا تزيد عن ثلاث إطلالات، سواء كانت مستلمة منصة السرد، أو مسرودا عنها. الرواية في تشكيلها للشخصيات لا تبحث عن بناء جاهز من البداية لكل شخصية، وغير معنية بصناعته، بل مشغولة بنمذجتها وترميزها وحضور أثرها، ومن ثم فحضورها- أي الشخصيات- شبحي لا يتجلى وفق تاريخ سابق، بل في حدود كل إطلالة سردية.
يمكن تطبيق ذلك الأمر على جميع شخصيات الرواية، فالشخصيات تلحّ داخل الرواية، كأنها ممسوحة تبدأ من الصفر بلا تاريخ سابق، ويتمّ صناعة وتكوين ذلك التاريخ- وإن كان تاريخا غير مكتمل، من خلال هذه الإطلالات السردية التي تمرّر لنا في كل مرة جزئية تسهم في تشكيل جانب أو إيحاء ما متعلق بشخصية ما، لصناعة تاريخ لها. فالعناية بالشخصيات في النص الروائي ليست مهمومة بتكريس وجودها داخل سرد متنام، له بداية ووسط ونهاية، بل تبدو عناية سردية مهمومة برصد الأثر من خلال الوقوف عند المنعطفات الفاعلة في تشكيل كل شخصية. وهو رصد لا يتوجه نحو الكشف، بل رصد أقرب إلى التغييب، وإلى الإيحاء الذي يمكن أن يكون عنصرا فاعلا في نصّ الرواية، بوصفه يمثل الوظيفة الأكثر حضورا. فالرواية تحاول أن تقارب الحياة والتحولات- إن كانت هناك تحولات- بطريقتها الخاصة، وبإيقاعها الأقرب إلى تشرّب الحادثة، والتعبير عنها وفق نسق تغييبي، لا يخلو من الهدوء والتأمل.
في وقوف القارئ أمام شخصية عماد يدرك أنه ليس هناك رصد كامل لملامحها، بل هناك محاولات جادة للتقريب، وللإمساك بالأنماط المشابهة، وتجذيرها داخل هذا النمط، فالتشخيص أو تشكيل الشخصيات في هذه الرواية به محاولة للفهم، ومحاولة للتكديس والتسكين داخل أطر ثقافية سابقة التجهيز. ففي تشكيل الرواية لشخصية عماد من خلال إطلالات عديدة هناك وقوف يبرق إلى شيء من ملامحها الغائرة الدفينة، فهو وقوف غير مكتمل، لكنه كاف في الإيحاء بطبيعتها، خاصة في ظل عقد التوازيات بينه وبين سعيد مهران في اللص والكلاب، أو التوازي بين الأب والقدر في تعاليه وتعاظمه على قدرة الفرد. فمشهد سعيد مهران وهو يقتل رجل آخر غير الصحفي رؤوف علوان، يتكرر مع شخصيات أخرى داخل النص الروائي مع عماد، وكأن هناك نوعا من التقابل، يقول في حواره مع فتحي (أمي.. حاولت إبعاد أبي وهو يضرب أمي!!، لم أستطع، وجهت له لكمة، فجاءت في وجه أمي).
ومن هذا التوازي بين القدر وعنفوانه في نص محفوظ، والأب بهيمنته في نص جار النبي الحلو، يمكن فهم هذ التوزع السردي، وما أوجده من تقطيع سردي وبتر متعمد، فالغياب يطلّ وكأنه رصد للواقع بعيدا عن المتخيل الذي يصنعه المتكلم، وكأننا أمام حال من الصراع بين الفردي وفاعليته، وبين الواقعي وهيمنته، فالرواية ترصد الفردي ومحاولته في الخروج عن المحدد سلفا، وتحوك في الوقت ذاته تنميطا أبديا لفاعلية الواقع التي يتحلل في إطارها ويذوب كل محاولة للخروج أو للوصول إلى سلطة المتخيل.
وفي كل المحاولات للتفلت من سطوة القدر يتشكل الأفق التراجيدي لشخصيات الرواية، فالشخصيات في محاولتها التعاظم من خلال تشكيل سلطة نموذج متخيل في نزالها مع القدر، للخروج من سطوته، تقف عند حدود معينة، فهذه المحاولات محكوم عليها بالفشل والقهر، ومحسومة من البداية. فالقارئ أمام رواية تعيدنا- على بساطتها- إلى التراجيديا الوجودية الخاصة بالإنسان، في فقدان الآمال تدريجيا لكل الشخصيات. فمعاينة حال الشخصيات التي انتهت إليها تثبت مشروعية هذا التوجه، وتبرر وجود (الشجو)، بوصفه الإطار الذي يخلق الاستمرار في الحياة بالرغم من اليقين بموت الآمال والأحلام، وابتعادها عن التحقق في الواقع.
فكل الشخصيات في النص الروائي لم تحقق أملا واحدا من آمالها، ولم تقترب من متخيلها المصنوع قيد ذراع. فآمال العانس لم تحتفظ بكمال الفنان الذي اختفى كما طارت الحمامتان في نهاية الرواية، وشقيقتها (حنان) لم ترتبط بحازم المعيد، لاكتشافها ضعف شخصيته، وكذلك الشخصية المحورية الرئيسة (فتحي) لم يصل لاكتمال لموت سهير التي شكلت (طاقة ضوء) في عمل نضارة له لتحسين رؤيته، واختفاء (اعتماد) التي تشكل بديلا، فظل كما هو داخل حيزه المكاني يتخبط بالبشر في بحثه عنها، وكأن الرواية في منطقها تمثل بحثا عن يقين أو هدوء، أو صورة لمتخيل لا يتحقق أبدا.
السرد المجزّأ والأفق الشعري
إن آلية التقطيع في البناء السردي، بالإضافة إلى التوزّع بين ضميري المتكلم والغياب في النص الروائي كان لهما دور لافت في تشكيل السرد أو الجملة السردية. فالانفتاح على عوالم الشخصيات في إطار انقطاعات جزئية يولّد تهشيما للتمدد الخطي المستمر، ويصبح التمدد داخليا لمعاينة بنيات وتراكمات تتجلى مع كل جملة، وتستدعي الجملة في ظل ذلك الحفر والتمدد الداخلي نوعا من الوقوف بدلا من الحركة لمقاربة النص، وكأن النص بهذه الخاصية يعيد تأسيس مرتكزاته على المجاز في صناعة وتشييد العالم السردي. فحين يقول النص السردي عن سهير المريضة بالسرطان (في تلك اللحظة كانت سهير تعيش ضجيجا وفزعا داخليا، فيما عيناها تبحلقان في السقف والمصباح المطفأ، وكانت الستائر تتصدى لضوء النهار، وللدفء، وتلغي الشوارع والبنات والنساء والحركة، والرغبة في الشراء والبيع، تلغي الدكاكين والمقاهي، بينما السيدة السمينة ممددة على الكنبة المقابلة كتلة ضخمة من جسد يرتجف، وعين مذعورة تطل على ابنتها التي تتنفس بالكاد) يدرك القارئ أنه أمام لغة لا تتجلى لتكوين نمو سردي، وإنما لتكوين صور متجاورة تتآزر فيما بينها للإيحاء بقدوم هذا الكائن الخرافي (الموت)، فهذه الصور المتجاورة تثبت التفكك التدريجي للارتباط بالعالم، فهي جزئيات لمجال الاشتباك أو التورّط.
فالألفاظ هنا في ظل السرد الذي يحتفي بالاستعاري والمجازي ليست أدوات ناقلة، بقدر كونها أدوات تصوير تحتاج إلى مخيلة منفتحة على طبقات دلالية للألفاظ، ففي هذا الفصل تشكل البداية في كل انعطافة سردية متحولة بين المتكلم والغياب التي تبدأ بقول النص (في تلك اللحظة) توازيا لمعاينة البنية الصورية التي تلجأ إليها كل شخصية في معاينة وتلقي حدث الموت القادم والشعور به. يكشف عن مشروعية هذا الفهم في معاينة تشكلات البنية النصية الوقوف عند الفصل التالي الذي جاء بعنوان (الصدى). فهذا الفصل مرتبط بصدى أو أثر وفاة سهير بالسرطان من خلال نفثات نفسية للشخصيات من خلال الهاتف، فقد جاء هذا الموت لتجلية السؤال الوجودي للشخصيات باعتباره نهاية محتومة تحدث زلزلة للسعي.
وقد كان لهذا السؤال أثر واضح في مجمل الشخصيات نتيجة لفعل الموت (موت سهير)، باستثناء شخص واحد، عبدالسلام، لأنه صاحب البناية، ويرتبط بدلالات تخرجه من نسق البشر، لتجذره في نسق أعلى، خاصة في ترميز ابنه عماد وخطابه، فقد جعله مرادفا للقدر، فالموت لم يحرّك فيه شيئا. وفي المقابل نجد حدث الموت ذا تأثير لافت، فقد أحدث نوعا من الزلزلة والارتكاس يشي بعدم القدرة على الحركة أو الفعل، خاصة مع عماد المتأثر بأفكار نجيب محفوظ ويوسف إدريس، وما تثيره من توجه يرتبط بالبحث عن طبيعة الوجود، والعدل ومقاومة القهر. ويبدو ذلك الأثر واضحا في سلوك فتحي، فقد أوقف السعي في رغبته في الانتقال من الريف للمدينة، فقد أصبح ذلك الانتقال- طالما الموت حاضر والنهاية حتمية لا مهرب منها- لا جدوى منه (أنا راجع البلد يا خال.. آلو.. ياخال أنا راجع، سأبيع العنزة والحمام).
وقد كان لانقطاعات البتر السردي الجزئي عن الشخصية، من خلال الراوي أو من خلال صوت الشخصية نفسها، أثر واضح في طريقة تقديم الشخصية من جهة، ومن جهة أخرى في آلية السرد نفسها، فقد جعل لغة السرد منفتحة على لغة الشعر، بما تحمله من اكتناز دلالي، وطبقات عديدة مشدودة للثقافي. فحكاية الشخصية لا تقدم بوصفها كتلة واحدة مكتملة، ولكنها تقدم بشكل فيه نوع من التفتيت أو التجزئة المتعمدة. فالسرد في كل كتلة أو في كل فصل من فصول الرواية، ينتقل بين شخصيات الرواية، بل يمكن أن نقول- بشكل قد يكون أكثر صحة- إن السرد لا يقدم الشخصيات في إطار كامل، لكنه يقدمها من خلال صور موزعة ومبعثرة، وحين توضع بجوار بعضها البعض، تعطي إيحاء بالاكتمال، من خلال نفس شعري، لا يكشف عن العلاقات بين سكان البناية بقدر ما يخفي، وبقدر ما يغيّب، فيجعلها مرتبطة بالتأويل والاستنتاج، خاصة علاقات الحب، مثل علاقة (كمال) الفنان أو الرسام (بآمال)، فالسرد الروائي لا يكشف بشكل قاطع عن طبيعة تلك العلاقة، فالنص يكتفي- بالرغم من كل التلميحات التي تقف عند حدود معينة-بالإشارة إلى وجود أسرار تعرفها (سهير)، وقد رحلت بكل هذه الأسرار.
كثير من الجزئيات والعلاقات في هذه الرواية تقف عند شكل من أشكال التغييب المتعمد، بوصفه حالة شعرية لا تتوجّه نحو الكشف، بقدر تقديمها في نسق موح يتمّ الاختلاف في تلقيه. فليس هناك مرشدات لتصور نهائي عن طبيعة العلاقات الثنائية التي أبرقت عنها الرواية، وليس هناك تصور لتحققها المادي أو الجسدي، سواء تأمل القارئ علاقة (حازم وحنان)، أو علاقة (آمال وكمال)، أو علاقة فتحي- البطل الأكثر حضورا وهيمنة في النص الروائي- بشخصية (سهير) بوصفها مرحلة أولى للاكتمال، أو علاقته (باعتماد) بوصفها إبدالا لنموذج سابق وتعويضا عنه. ويمكن أن نتوقف عند نموذج كاشف لهذا التغييب المشدود للشعري، بعد رحيل كمال من غرفة السطوح، تقول الرواية واصفة (آمال) (عضّت شفتيها بعد أن هرب منها (بكرة)، وكل الأيام، جلست على حافة السرير، على الجدار المقابل لوحة لحمامتين كفتا عن الهديل، انزلقت الدموع غزيرة، تمخطت، وسندت رأسها بيدين ترتعشان). يدرك القارئ أنه بالرغم من الحضور المتكرر للفعل (عضّت، جلست، انزلقت، تمخطت، سندت) ظلت القطعة النثرية حاضرة بمشهديتها التي تستدعي الوقوف والتأمل أكثر من ارتباطها بالحركة، ففي مقابل الأفعال السابقة توجد كلمات تتوفر لها مساحات رمزية تستدعي الوقوف والحفر، لمعاينة حال الانكسار التي تمرّ بها الشخصية، بعد يقينها بالوحدة برحيل (كمال)، فهناك خلخلة للزمن، وتجميع وتكديس للحظات التراجيديا في لحظات زمنية متباعدة، فهي تراجيديا مشفوعة بالهزيمة يتمّ الشعور بها، فيحدث إغلاق للأفق يتساوق مع فعل التغييب الشعري.
وفي ظل هذا الملمح تأخذ الكتابة الروائية مساحة واسعة من التوزّع بين تصورات وتأويلات يقوم بها القارئ، وفقا لقدرته على قراءة الإشارات المبثوثة في النص الروائي، ووفقا لقدرته في صناعة المتخيل، وإكمال فراغات التغييب التي يلمح يشكلها النص الروائي، ويوحي بها. فمع آمال وكمال هناك إشارات للجسد وحضوره، حين تقول الرواية على لسان آمال (تمددت بجوار كمال على السجادة الملطّخة بالألوان)، ولكن هذه الإشارات ليست محسومة في دلالاتها الجسدية حسما نهائيا، خاصة مع وجود إشارات دالة، تقرّب النفي وتجعله حاضرا، حين تقول الرواية في المقطع ذاته (بإصبع قدمي داعبت أصابع قدميه، ابتسم كمال بعذوبة وحزن، كأن يقول (اعذريني)، طبطبت على ظهره بحنو، ونهضت، وخيّل إلي أن الحمامة التي رسمها في لوحته ترتجف). فالسرد الروائي في رواية شجو الهديل ليس سردا تصاعديا باحثا عن الاكتمال، لكنه سرد التفتت والتغييب الذي يفتح أبوابا عديدة للتأويل والفهم، هو سرد الإبدالات والتداخلات الذي يحيل الموجودات داخل معزوفة واحدة، يحتل كل واحد منها مكان الآخر، ولا يكفّ عن الإشارة إليه.
وإذا كان السرد في هذه الرواية منفتحا على التغييب الذي يحتمّ تأمل الجمل والتراكيب، وإعادة التأمل للوصول إلى دلالاتها العديدة والخفية، ويحتمّ الحفر مع كل وقوف يستدعي الشعري، فالسردي اتصال وتمدد متوال، والشعري انفصال ووقوف للمعاينة والحفر، فإن هناك جزئية وثيقة الصلة بهذا التوجه الشعري، ربما تجذّرت لديه بسبب كتابته للقصة القصيرة، وطول فترة ممارستها، تتمثل في العناوين الخاصة بالكتل أو الفصول المكوّنة للنص الروائي، فكل العناوين الداخلية لا يمكن من الناحية المنطقية وصفها بأنها عناوين شعرية، لأنه ليس هناك تحديد لهذا الأمر، ولكن يمكن القول أنها عناوين منفتحة على المتخيل الذي يمكن بتوجه نحو التأويل تصفيته وتخصيبه من خلال الإشارة والانطلاق من واقع فعلي بوصفه مرحلة اولى، والارتقاء يه بوصفه مرحلة تالية، لكي يكون وثيق الصلة بمنحى مهم من مناحي عطاء الرواية الدلالي.
إن عنوانا داخليا مثل (حجرة من خشب تطل على السماء)- وغيره كثير- يمثل استجابة لواقع فعلي، من خلال بناء غرفة للشخصية المحورية في الرواية داخل (المنوّر)، اتقاء للبرد والمطر، ولكن هذا الحدث الواقعي الذي يستحضره العنوان لا ينفصل عن منحى مهم وثيق الصلة بالرواية، يكشف عنه مشهد طيران الحمامتين في نهاية الرواية هربا من الذبح، ويكشف عنه مكان سكن الفنان (كمال) فوق السطوح، وهو فنان عقدت الرواية بينه وبين فتحي ساكن المنوّر مساحات من التوازي، فهو يعد في كثير من الوجوه شبيها أو رصيفا له، ويكشف عنه- أيضا- أن كل الشخصيات تمارس هذا التوجه نحو السماء من خلال فتح النوافذ أثناء حديثها عن المتخيل الذاتي الباطني، لأنها تشكل مساحة اتصال لمراقبة المتحقق والذي يستعصي عن التحقق. فالعنوان الداخلي في أقسام الرواية وثيق الصلة بالمنحى الدلالي والمعرفي للنص الروائي من جانب، ومن جانب آخر يطل- وهو بهذا الدفق الشعري- وكأنه بنية منفصلة تشتغل في النص الروائي على مساحة الاتصال والانفصال في آن، فالعنوان السابق لا يخلو من الإشارة إلى حتمية وجود السماء بوصفها أفقا للمراقبة والانتظار، وأفقا لموسيقى شجو الهديل الذي لا يخلو من حزن شفيف، لكنه حزن الشخص أو الشخصيات التي لم تفقد الأمل في القادم، بالرغم من طبيعة الوجود التراجيدية التي لا تصفو بشكل نهائي، ولا تعطي للبشر مساحات انعتاق كاملة في تحقق الآمال والأحلام.