عادل ضرغام

الصور المجهرية وبناء النسق الجامع في ديوان غناء في الطريق إلى المقبرة للشاعرة أفين حمّو

غلاف كتاب  الصور المجهرية وبناء النسق الجامع في ديوان  غناء في الطريق إلى المقبرة للشاعرة أفين حمّو
الصور المجهرية وبناء النسق الجامع في ديوان غناء في الطريق إلى المقبرة للشاعرة أفين حمّو عادل ضرغام في ديوان (غناء في الطريق إلى المقبرة) للشاعرة السورية أفين حمّو نجد شعرية تتعاظم على كل التجليات السابقة، في الابتعاد عن التابوهات المعهودة، وعن اللغة الشعرية المنتشرة، خاصة فيما يتعلق بالكتابة النسوية إذا تمت الموافقة على شيء كهذا. فنصوص المجموعة تصنع لغتها في ابتعادها عن الشائع والمتشابه مع آخرين، وذلك بتوليد رموز ذاتية داخل متخيل أكبر، ببعدها عن التأطير الجاهز. ففي كل نص هناك تفرّد بنائي، ينفي النمطية الجاهزة، وليس هناك موضوع وحيد يمكن الإمساك به بشكل مفرد، فهي شعرية تتكوّن من التعدد والتجاوب بين مناح متداخلة. تتمثل جدة المقاربة في هذه المجموعة في خروجها عن الشائع والمعهود في تكوين الصور الجزئية أو المجهرية، ويتمّ ذلك وفق مستوى أعلى، في محاولتها التفلّت من أي مؤسس جاهز، بل على العكس تنفر منه من خلال الإصغاء إلى صوت الذات في توليد مساحات جديدة من الارتباطات. وثمة جزئية أخرى لا ترتبط بالمؤسس الشعري السابق، ولكنها أيضا- أي النصوص- تحاول أن تتفلت من الخارجي الأجنبي الدائم الحضور في قصيدة النثر العربية. ففي هذا الديوان يجد القارئ نفسه أمام قصيدة نثر عربية الملامح والسمات، حتى يخيل للقارئ أننا أمام تمثل جديد لهذا النوع أو الشكل الشعري الغربي، يصنع فارقا بين شكل ارتباطه وتمثله، وارتباط جيل أدونيس ورفاقه من شعراء مجلة شعر، فمع جيل أدونيس نظرا لطبيعة السياق وبداية التعرّف الأولى، هناك انشداد إلى مساحة التقليد التي تصل إلى أولى صور الامتصاص الذي يولّد إضافة محدودة عن الشكل الغربي. أما مع شعراء هذا الجيل فهناك مساحة زمنية للحوار مع الشكل الأجنبي، بل ومساحة للاختراع التي تخلق بناء للصوت الشعري دون استدانة إلى نموذج عربي سابق، أو انشدادها إلى نموذج غربي تستند إليه وتحتمي به. فلدى شعراء هذا الجيل مساحة زمنية كافية للحركة والانفلات مزدانة بحرية إبداعية تصل إلى فضاءات خاصة بعيدا عن الجاهز والمنمط، من خلال مقاربة شعرية لا تكتفي بالتوجه المفرد إلى مساحة إبداعية وحيدة، ولكن تتوجه من خلال نسق كلي حافل بالانسجام والتجاوب. فقد تبدو المناحي المعرفية التي تتجذر فيها النصوص مناحي عادية كتبت، أو تمّ تناولها والإلحاح علها من قبل سابقين، ولكن اللافت هنا أن النصوص لا تتحرك وفق خطة محسومة أو أفق نهائي محدد العلامات والتوجهات، بل تتحرك لمعاينة ذاتها، وترقّب هواجسها وقلقها المستمر في حرية لافتة، ولهذا تأتي نصوصها بريئة من المسّ ومن التشكل الجاهز، فالنصوص تحمل نوعا من الإصغاء للذات، فتصنع صورها المنحوتة بدقة، ولا تستجيب فيها للبناء الصوري المجهري المؤسس، بل تعيد إنعاشها وتخصيبها من جديد، بقدرتها على إدراك التشابهات الخفية بين الأشياء، وغالبا ما تولّد هذه الصور نوعا من الصدمة المشفوعة بالتوجيه الجزئي والبناء الكلي اللذين يفككان مساحات التناقض الظاهري التي قد تنشأ بسبب تباعد المجالات وجدة التشكيل في توليد آفاق من التوتر المستمر في تلقيها. الصور المجهرية والاكتناز الشعري لا تقف إضافة النصوص في هذه الجزئية عند حدود التصور البسيط الخاص بضمّ كلمة إلى كلمة، لكن ذلك يتمدد لإضافة تواز صوري له من الجدة والطرافة الكثير، ويشكل نوعا من إعادة الارتباط وفق شكل جديد، فكأنه يمثل خيانة للمعجم، وللتراكم المعهود في التصوير، بما يخلقه من خلخلة للثابت والمستقر، وإعادة البناء مرة أخرى. ففي قصيدة (بورتريهات) نقرأ السطر الشعري (في المشفى امرأة متشحة بالسواد) الذي يمثل المشبه، أو أداة ونثار البورتريه، ولكن المشبه به، أو البورتريه الفني لا يقف عند حدود المشبه، ولا يبقي عليه، بل يمتدّ لإضافة رؤية باطنية، يتآزر في تلمسها المثير الواقعي بالمتخيل، الفردي بالجنسي أو بالشريحة التي تمثلها، ومن هنا يأخذ الشعري الظاهري إلى الباطني، فبين السطرين، سطر بداية البورتريه وسطر نهايته، ثمة انحياز للذات المشدودة إلى شريحة محددة. هي ذات حافلة بالموت، موت السكون والثبات، موت الانعتاق من الأمل والحلم، فحين يقول النص الشعري في تصوير المشبه به (مثل حفنة تراب على سرير- لا ترغب بالوقوف- لم تعد ترنيمة الحياة تحرّك عواطفها- قطار الخريف يمرّ عل سريرها- الكل غادروا من جهتها- ما زالت ساكنة بلا لون- بلا حلم- بلا أفق- هكذا- امرأة تشغل حيّزا من الفراغ- كومة تراب بارد على سرير في المستشفى) يدرك القارئ أنه أمام موت خاص تشكله كلمات، تتحوّل إلى رموز، أو على الأقل إلى هالة دافقة بالدلالات كاشفة عنه، فالتراب أو حفنة التراب في البداية، ثمّ الخريف معادل الموت، بالإضافة إلى الثبات والسكون والوقوف، وكلها وثيقة الصلة بموت ما، تتآزر مع (كومة التراب) في السطر الأخير. فالنص بهذا الانفتاح فيما يخص المشبه به، وتمدده وتناسله، يفتح مدارات أخرى للتأويل، خاصة فيما يخص ارتباط الجزء بالكل، وشدّ الفرد إلى المجموع للإيحاء بالموت على مستويات عديدة. في بعض نصوص الديوان يجد القارئ أن هناك مساحة من الحرية في إسدال توليدات جديدة للكلمات، وتكتسب فيه مدى واسعا. وهذا التوجه لا يتولّد إلا من خلال شعرية تستطيع أن ترصد العلاقات الخفية بين الأشياء، وتعطي للجمع بينها مساحة من المشروعية فنيا، لأن القارئ للوهلة الأولى قبل صناعة أو تشكيل سياق خاص، يجمع ويذيب هذه التناقضات الخفية بين الأشياء، يشعر أن هناك تحديا متعمدا للعقل، لأن ما يقدمه النص الشعري من ترابطات لا يستجيب، أو لا يتشكل إلا في إطار استحضار منطق شعري خاص. ففي نص (الأشياء ونقائضها) سوف يتوقف القارئ أمام التقابلات بين (الدودة –والفراشة) و(المهر- والطائر)، (الزنبقة-والدمعة)، و(الوجنة- والتوت) و(أشجار الحور- والنساء العاشقات)، و(السنديانات-وشاهدات القبور)، و(الإنسان- والسفاح). كل هذه الترابطات الجديدة تتحرّك تدريجيا بوصفها مقدمة للترابطين المهمين (أشجار الحور نساء عاشقات)، و(السنديانات شواهد قبور)، لأنه بداية منهما نلاحظ الصراع الدائم بين الرجل والمرأة، وأن المرأة هنا في ظل هذه التراكيب تتعاظم على سطوة الرجل، وعلى فكرة الذكورية بشكل عام من خلال صناعة إطارها، وتشكيل مساحة لذاتها وحريتها، حيث تتجلى في السؤال (لأفهم الحب- هل علي أن أترجمه- أفكك قواعده- أن أتسلّق الأبراج- لأدرك أن طائر الدوري- لا يتحول نورسا ليسافر إلى البحر؟). هي هنا ذات تصنع وجودها، أو إطارها الحيوي الذي يكفل لها الاستمرار من خلال التعاظم على كينونتها، بتحولّها إلى مقابل مباين لحدودها المادية من خلال المتخيل (الحرية لا تعني أن تنتف حماما.- الحمام كائن مجنون-يمكنه ترك الأرض- والرقص مع الملائكة). هذه الترابطات الجديدة مؤثرة في نصوص الشاعرة وتجليها، خاصة في ظلّ وجود سمة أخرى، ترتبط بالكثافة، فليس هناك أية مساحة للزيادة أو الترهل البنائي، ساعدها على ذلك قصر النصوص في الغالب إلا في نموذجين أو ثلاثة. فهي شعرية مقطّبة البناء محكمة، لا مساحة فيها لفائض بلاغي، نراها تتحرّك على الخيط الواهن بين الحقيقة والخيال في نص (زهرة الخشخاش)، وهو توجه مهم في منطلقات شعريات سابقة، بل مع كل شعرية. تؤدي الكلمات أو الرموز المرصودة مدى دلاليا يرتبط بالانفصال والاتصال، وهذا يجعلها وثيق الصلة بالمنزع الأساس الخاص بأزمة الشاعر، أو بأزمة الإنسان في عمومها، في ارتباطه بحيز محدد مغلق منته متلاش، وتورطه نظرا لبدايته الأولى بحيز أبدي منفتح، وتوزعه بين السياقين يجعله دائم التعاظم على محدوديته، وعلى نهايته المحتومة بالتلاشي والنقصان. وإذا كان النص يبدأ بهذا التوزّع، فإن الحركة الثانية تمثل مساحة للمساءلة لقطيع من البشر يظلّون خاضعين لمنطق الانتهاء والتلاشي، وكأن انشغال أفراده بنثار الواقع جعله يبتعد بالتدريج عن الأبدي. فحين يقول النص الشعري (لم أفهم أبدا كيف يضع الإنسان نفسه- بين مرآة يومه والأشياء الأخرى) يشعر القارئ أن هناك تعاظما على نسق التشابه، وأن الصور التالية (كقارب يبحر بأزهار الخزامى)، و(زهرة بين الأصداف)، و(رجل مثقل بالعصافير) هي خروج عن نسق التشابه والتلاشي، للإبحار في فلك الديمومة والانعتاق من المادي. وإذا كان الحديث في الجزئيتين السابقتين حديثا عاما يرتبط بالتوزّع الإنساني بين الركون والتعاظم، ففي الجزء الأخير- ارتباطا ببنائه المحكم المكثّف- يتوجه نحو الذات لتجذيرها داخل الأبدي المتعاظم بعيدا عن الانتهاء والتلاشي المحددين سالفا. لا يتركنا النص في تلقينا للجزء الأخير دون إشارات وتوازيات حاضرة مع الجزئين السابقين، فهناك الخيط الواهن والبحر والسماء، فهناك وحدة بينهما عند ملتقى الأفق، ومن ثمّ تبدأ من خلال هذه الوحدة، الديمومة الفاعلة، والتكرار الدوري لجزئيات الحياة والوجود، وفي كل ذلك تعاظم على المحدودية والوجود الجزئي للوصول إلى ديمومة أبدية. فالبناء المحكم في ظل الكثافة يتجلى في العناية الفائقة بمحو الزائد، والإبقاء على الجزء الحي شعريا، وتحريكه وتقليبه وفق صور ذهنية، على نحو ما يمكن في نص (ندبة في سريري)، فهناك استجلاء للندبة المؤرقة، ويتوازي معها في شكل بنائي الثورة، وكأن أي قسيم منهما رصد للآخر واشتغال عليه. فالندبة- وهي تشير إلى أشياء عديدة- مستمرة، لم تؤثر فيها الثورة التي تؤثر في طبيعة الأشياء، وفي وجودها وتراتبها، فهي في وجودها واستمرارها شبيهة بالوجود القهري المستمر الذي لا يتأثر بحوادث فاعلة. فالندبة في المقطع الأول استمرار، والوجود البشري زائل منته، ولهذا نجد المقطع الثاني يتحرّك لإسدال هذا الاختلاف في قوله (قد أموت الآن- وأنا أراها وحيدة- قد لا تموت غدا). الحركة في النصوص الشعرية حركة محسوبة مشدودة للفكرة وتقلباتها، فالمدى الدلالي للنص يرتبط بعدم جدوى المحاولات للخروج والتعافي من الندبة، ولكن عدم الجدوى يتمّ نقله إلى سياق الثورة، فهي غير مؤثرة في الخروج من النفق، فهي –في منطق بنية النص الشعري- (تتصاعد للذروة-تطلق صرخات عتيقة-كالرصاص- ولا تنفجر). والحفاظ على الكثافة أو الاكتناز الشعري أو التعبير المحكم تولّد في الأساس من أفق النصوص الشعرية، وارتباطها بمنطلق أساس لكل الفنون، وهي جزئية وضع الإنسان الوجودي والمأساوي داخل العالم والوجود بوصفه شرطا لكل فن حقيقي. والنصوص الشعرية تحافظ على هذا الانفتاح بين الذاتي المتلاشي والمتعالي الذي يمكن أن يكون المقدّس في أعلى حالاته، ويمكن أن يكون الشعر أو الفن في بعض تجلياته، لأن به جزءا من الديمومة والأبدية. يتأسس ذلك بشكل جلي حين يتوقف القارئ أمام نص (تصوغ فلسفة الليل)، حيث تأخذ الصور المسدلة على ذلك المتعالي التي تأخذ بعدا فاعلا في حياة المتعبين والدراويش الحيارى، في انتثارهم تحت قبّة السماء العالية، وتعطي إطار خاصا للمقدّس الذي تتوجه نحوه الكائنات على اختلاف أنواعها وأشكالها. ولكن الذات تطلّ برأسها في المقطع أو الجملة الثانية من النص التي لا تنفصل عن الأولى، بل تأتي داخلة في إطارها لتأسيس وجود ذي خصوصية. يجد القارئ نفسه بداية من الجزء الذي يستهل بقوله (وأنا بعينين مظلمتين...) أمام محاولة لتأسيس المعرفة من خلال اتباع الرائحة، ورسم الخطوات في الدروب الوعرة للوصول، مهتدية بكثافة الرائحة. فالنص في هذه الجزئية يؤسس لمحاولات المعرفة والاكتمال والخروج من البشري المتحلل بأثر الزمن، إلى الأبدي حتى لو كان اكتمالا جزئيا، لأن له دورا في الإجابة عن تناقضات العقل والقلب. وتأتي المرحلة الأخيرة لتعيدنا إلى المحافظة لكل كيان على خصوصيته أو طبيعته، كما تجلى في المقطع الأول، ليظل الإنسان موزّعا بين البشري المتفسخ والمقدّس الأبدي، ففي الصعود لم تفارق الذات ملامح النقصان، وفي العودة والثبات على الأرض لم يزايلها الحنين، فحين يقول النص (خطاياي تلّوث بياض الخيال وطهارة الجسد- أخلع عن نفسي أسئلتي- أسمائي- أطمس معالم الدياجي- أغسل أدران الخطايا- لأنزل من السماء على طهارتها- إلى الأرض- لأتلاحم مع أنغام الطيور- وتأسرني- بسحرها الفريد) يدرك القارئ طبيعة المأساة الوجودية المحتومة بالنهاية والمنفتحة على استحضار الأبدي السابق الذي تحن إليه، يتمثل في الغناء أو الموسيقى، في انفلاتها من الزمن، للالتحام بديمومة المتخيل. في ظلّ هذا التوزع تكتسب الكلمات والأشياء معاني قد تكون متباينة مع المعهود، فالموت الذي يمثل النهاية يرتبط باالبداية والحياة. فالموت- في المنطق العادي المعهود مثل منطق الحانوتي وبائعي الأكفان والعطور في نص غناء في الطريق إلى المقبرة- يرتبط بالظلام الذي يصطاد الفراشات، ولكن هذا الموت يتحول - في نهاية النص بعد استعراض لحظات الاحتضار وما ينبعث منها من زخّات شهب وصليل أصوات مجنونة، وما يرتبط بها من طقوس من حضور النسوة، ووقوف الجدة بجوارها تملّس على شعرها ماسحة العرق، وحضور الكتاب المقدس بيدها- إلى هالة من الضوء (لكنني الآن محاطة بالكثير من الضوء- أضع قدمي الحافية على وجه الحياة- فلم أعد مؤهلة للوجود هنا- ولا أحتاج أن أمسك بيدي المعمدان- لأقطع الجسر وأصل مبتغاي- سأغني الآن للطريق- وتعلو الدهشة موكب المشيعين- فراشة خضراء- متوهجة مستلقية على ظهر التابوت- وتغني للطريق إلى المقبرة). ويمكن في هذا النص- وفي نصوص أخرى بالضرورة- تلمس ملامح الرمز أو التطابق بين الذات والفراشة، ولكن النص الشعري لم يحسم هذا التطابق إلا من خلال أصوات عديدة في النص الشعري، منها الجدة، وبائعا الأكفان والعطور، والذات نفسها، وذلك لإحداث تغيير في بنية الدلالات الجاهزة، فيبدو الموت-في إشارة إلى وجود مباين سابق- بداية جديدة مكللة بالضوء والغناء في الطريق إلى المقبرة. المقاربة والنسق الجامع نصوص الديوان نصوص متعددة الطبقات البنائية، لا يتجلى الجزئي فيها بشكل منفرد ووحيد، لكنه يتجلى بشكل متضافر ومتداخل مع جزئيات أخرى، لمقاربة ذات منفتحة على(نوع) بيولوجي أو جنوسة، أو على عرق، أو على إشكاليات سياسية كبرى. فكل هذه الجزئيات متلاحمة الأطراف متداخلة، وتتجلى بشكل خفي يحتاج إلى الوقوف الحذر للكشف عنها. فالنصوص تذيب هذه الموضوعات داخل نسق عام، حتى يمكن القول ان هناك نسقا جامعا يتحكم في الخطاب الشعري، وفق وجهة نظر حاضرة في الاختيار وطبيعة المقاربة. في نص (أنا والشاهد) ثمة مقاربة شعرية تستند للثقافي في إشارته (للنسوي)، ولمرحلة (الطفولة)، وللقهر الذي يجمع بينهما مقابل (الذكوري)، بما يحمله من شدة وضغط، حيث يقول النص (رجال قريتي مملون جدا بجلافتهم). ففي النص هناك جمع بين (المرأة المتسولة) ومساحة الطفولة العمرية من خلال عدد من التوازيات، مثل تسوّل الشحاذة التين والنجوم، وجمع الأطفال للثعالب والنجوم، في مقابل النسق المهيمن الجامد الذي تتجلى قسوته وجلافته في توبيخ شيخ الجامع للمرأة بسبب جمعها للحجارة خلف جدار المسجد. فجمع الحجارة يمثل للمرأة المتسولة تعاظما على الجوع والوحدة، وصناعة سردية خاصة بها، فكل حجر لديها كاشف عن سردية تمنحها اسما. ولكن هذا السلوك عند شيخ المسجد يمثل خرقا للنصاعة الجوفاء الشكلية. لكن النص الشعري في رصده للهزيمة والانزواء لدى النسقين، لا يقف عند سياق المنتصر، بل يشير إلى وسائل ينتقم بها الهامش، أو تنتقم بها المرأة، على حد تعبير النص الشعري (جمعت الحجارة الصغيرة- جففتها كحبات العنب- خبأتها خلف حائط المسجد- لتنال البركة- لطالما وبّخني شيخ الجامع- لذا- أخذتها إلى قبره بعد موته- ليوزعها على فقراء العالم السفلي). فالهامش يستخدم النمط ذاته في الرد، فإذا كانت المرأة تحيل الحجارة لحظة الجوع إلى حبّات عنب، فإنها تستخدم النمط ذاته في عقاب شيخ المسجد، للانتصار لذاتها ولقدرتها ولسرديتها، من خلال إحالة المخبوزات التي يتمّ توزيعها على روح الميت- وهي نسق موجود في ثقاقتنا الشعبية- إلى حجارة، لإحداث المساواة. فالمرأة المتسولة تمثل الخروج عن النسق والعرف، بسبب معرفتها، ومن خلال سردية الأحجار، ولكن ثمة دلالة جديدة تتولّد في خرقها للنسق المعهود، فتبدو المرأة تدريجيا داخلة في مساحة (الخبل) الذي تكشف عنه صورتان: الأولى التعرّي، ودهن الصدر بعسل التين، وإقبال جماعات النمل، وهبوطها إلى النهر. والأخرى صورة صناعة رجل من الطين تتحدث إليه وتأنس إليه وترعاه للتغلب على الوحدة وصناعة الحياة، فينقلنا النص بعد وفاتها إلى تجلّ لا يختلف عن السابق (الآن- لم يختلف الأمر- سوى أنه وقف فوق رأسي-شاهدة على قبري- وأنا أنظر إليه وابتسم). يرتبط النسق الجامع بالمنظور وزاوية الرؤية في مقاربة نثار الواقع والانتباه إليه، في اختياراتها للطفولة بما لها من اندياحات بين الواقعي والخيالي جزء مهم من عملية الرصد الشعرية والفنية، يتجلى ذلك في قصيدة مثل (تأقلم)، وقصيدة (بيت الطفولة)، وغيرهما من القصائد. وفيها تبدو مساحات الاهتمام واضحة، ومساحات الانحياز. والانحياز للطفولة انحياز لتداخل العوالم، وانحياز للفن، فشعرية الديوان قائمة في الأساس على الانحياز للمتخيل، وإعطائه المشروعية الكاملة المحفوفة بالموثوقية في التواجد والتأثير. ففي قصيدة (مترو) يرتبط النسق الجامع بالبعد عن النمطية العامة والتوجه نحو الذاتي شديد الخصوصية الذي يرتبط بالمتخيل في سمته الأعلى. ففي هذا النص لن نجد العلاقات مشدودة للنسق المعهود، وإنما نراها مشدودة للحظي والعابر، حتى فيما يتعلق بمشاعر الحب والعشق. في نص (مترو) تتولّد سردية قائمة على اللقاء العابر بين فتى وفتاة، ولكن أثر هذا اللقاء يظل موجودا وممتدا، من خلال أثر القبلة المتبادلة، يقول النص (لكننا نحن النساء العابرات- عندما تلتقطنا الشمس- نفقد أجزاء منا- وأجزائي المتبقية تشعر بالخفة إلى الآن- فلا يزال مذاق تلك القبلة- في فمي إلى الآن). هنا اختيار المهزومين المقهورين، والمهزوم والمقهور والعابر لا ينال احتياجاته بشكل طبيعي أو دوري متكرر، ولكن بشكل قائم على المصادفة. فهذا التلاحم الذي يكشف عنه ويكثّفه حضور الشمس في سطرين (جسدي مستعد لالتقاط الشمس)، و(عندما تلتقطنا الشمس بتوهجها) له دلالته، فقد يعيدنا إلى حادثة خط الاستواء التي تخلق منها الكائن الحي من خلال اندماج الماء والطين وحرارة الشمس. يتكرّر هذا الارتباط بالعابر واللحظي، وبالشمس بوصفها شيئا متعاليا، تحيط بالجميع، وتجمع بينهم. فالبحر في نص (تلويحة) (أرسل موجة ناعسة- لتألف وقع ضحكتها- وهي تتأوه ملّوحة للشمس بمنديلها- بما يشبه الاعتذار والرجاء- ليكون بوصلة لسفن العابرين إلى ضفاف آمنة). وفي بناء النصوص للنسق الجامع هناك إصغاء للصوت الخاص، فليس هناك تلمّس للتشكيل الجاهز، وفي سبيل ذلك تترّك النصوص للقارئ إشارات توجهه نحو العمق الفكري، واستيلاد معان ودلالات ليست مرتبطة بالسطح. في نص (في حفرة سوداء) هناك طبقة أولى مرتبطة بالموت، سواء موت الفتاة أو الفتى والتجاور في الدفن، ودلالة أخرى ترتبط (بالذكورة) و(الأنوثة) في امتدادها الزمني، ولكن التأمل الدقيق سوف يفضي بالقارئ إلى وجهة مغايرة، لا تخلو من الموت، لكنه مشدود إلى نسق فكري خاص. وسوف يقف تشكيل الميت المجاور للفتاة وقفة متأبية ضد التلقي المباشر الأول، لأن الصور المسدلة عليه تباين الموت، فهي صور مرتبطة بالاستمرار والتعاظم على الموت، يقول النص (أقول له: كيف أخرجت بيتك للضوء دون خيط نافذتك؟- كيف ترفرف للسماء دون أن تتحطم- تنال من السحاب الماء- دون أن يجيئك الموج- من يخرج صوتا يدندن تحت عظامك- يسمح للقمر أن يدير أوركسترا نشيد الأموات لبني الأرض). فالصور المسدلة على هذا الميّت المدفون بجوارها مزدانة بالفاعلية والتأثير في الحياة. ومن هنا تبدأ الشكوك في الظهور حول مشروعية تلقيه بوصفه شخصا من لحم ودم، لتطل رؤية أو تلق جديد، يرتبط بمعاينة مختلفة من خلال الإصغاء إلى بعض الرموز والكلمات، منها (في الفجر أشعر أن غرابا يشمّ روائحي- يبحث عن جسدي المنقوع بالماء والطين والزبد- فيطير منكسرا). فالغراب يعيدنا إلى قصة قابيل وهابيل، وأن حضور أحدهما مرتبط بغياب الآخر ودفنه. وبالتدريج يتمّ زحزحة هذا التلقي للتجذر داخل ثنائية جديدة قائمة على الروح والجسد، أو الإنسان والشاعر. وتتأكد لهذا التوجه في التناول مشروعية من خلال الإشارات المرتبطة بالفن والشعر، مثل قوله في النص (سيسرّ إذ يرى دمعة في جفني- هي ليست دمعة- هي ندى قافيتي الطافية). وفي ظل هذه التوجيهات النصية يصبح الشعر الملاذ الذي يقرّب الذات من الطيران في تعاظمها على الأفق المغلق والحدود. فالشعر أداة لصناعة المتخيل، أو البديل الذي يجعل الواقع المطبق محتملا ومقبولا، أو هو الطفولة التي لا تقيم وزنا أو حدودا للعوالم. ويمكن للقارئ أن يعاين مساحات الارتباط بين الإنسان والشاعر، ومساحات التفكك والانفصال، والصور المتناقضة بين الجانبين. ففي الأولى هناك التعاظم على المحدودية، والانفتاح على الطفولة والماء والبحر والقدرة والإيمان بالفعل. وفي الأخرى هناك جزئيات الواقع الجهمة، يؤيد ذلك قول النص في نهايته (لأرتمي ببيت بلا باب- ونافذة قد خيطت فتحاتها)، فالباب والنافذة معادلا ضوء وتعاظم على ظلام الجسد والمقبرة. يتشكل النسق الجامع أيضا في حدود تكرار دوري لبعض الألفاظ التي لا يخلو الإلماح إليها من توجه خاص يضيء جانبا خاصا من المنحى المعرفي العام، فكلمة (الفراشة) لها وجود لافت في النصوص كاشف عن محاولة الانفلات من أسر القيود العديدة، خاصة إذا ارتبطت دلالتها (بالملاك)، وما يشيعه في النصوص من قدرة خارقة تتعاظم على المحدود. فالنصوص في ظل ذلك التأويل الناتج عن التكرار المتواتر لبعض الألفاظ محاولة لانفتاح العوالم وتداخلها، وزلزلة الدلالات الخاصة بالموت والحياة، وإعطاء كل قسيم منها دلالته المتباينة والمتناقضة مع ما تشير إليه داخل الإدراك المعهود، فالموت مساحة للطيران، والحياة مساحة للركود والثبات والقهر. وثمة إطار فكري يشكل نسقا جامعا للمقاربة في نصوص الديوان، يرتبط باندياحات وتداخلات بين الظل/ الشاعر، والمقدّس المحبوب، والأمل الإنساني، وكلها إطارات لا يتمّ حسمها لإطار دون آخر نظرا لطبيعة البناء الشعري. في نص (شوق راكض لاحتضان الكون) هناك اقتراب لإطار ما في قوله (أشعر أن الله عطّر روحي- أعواما وأعواما وأنا أصنع لهذا التمثال حياة زائفة- وأنا أنزع عن رأسه الطحالب- طحلبا طحلبا- أقف خلف ظله لأسند تقوّس ظهره- أنشف بملاءات السرير دمامل جسده- أصب فوق رأسه جرادل ماء) فالتأويل هنا قد ينفتح من خلال الإصغاء إلى الصور الحاضرة على الأمل الإنساني، في احتياجه للتغيير والتبديل حسب اللحظة والسياق والنزال مع الواقع، ولكن هذا التأويل ليس نهائيا حين ننظر إلى النص كيانا كاملا، فهناك ثمة إلماحات إلى تداخل هذا الأمل مع المقدّس المحبوب، وتماه مع الظل أو الشاعر في قدرته على التفلّت، وهذا قد يشير في وجه من وجوهه إلى فكرة النسق الجامع الذي يجمع جزئيات عديدة متداخلة ومتلاحمة، لا تتجلى بشكل مفرد أو وحيد في الكتابة الشعرية، وإنما تتضافر وتتجاوب فيما بينها لتشكيل إطار فكري خاص. فالنسق الجامع يشكل جذرا للحركة، ولمساحة الاختيار، في عنايتها بالهامشي والعابر والظل، والجنون الذي يعدّ في بعض نصوص الديوان- مثل نصوص (شوق راكض لاحتضان الكون)، و(ضوء يلوح لي)، و(جنون)- أداة فاعلة في تجلية الروح للوصول إلى أبديتها بفعل الطيران والتحليق.