سردية الهزيمة وتعدد الخطابات في رواية بهجة الغواية لفتحي إمبابي
سردية الهزيمة وتعدد الخطابات
في رواية بهجة الغواية لفتحي إمبابي
عادل ضرغام
في رواية (بهجة الغواية) لفتحي إمبابي يعاين القارئ مزجا لافتا بين التاريخ الأسطوري القديم والواقع، محتميا بتوجه عجائبي، للكشف عن رؤية معرفية شديدة الخصوصية. ففي الرواية مزج بين التاريخ الممتدّ والواقع الآني، ومدار هذا المزج يتشكل في حدود الأنثى في مقابل بطل تتعدد دلالاته، فهو في بعض الأحيان يمكن أن يكون المعرفة المفقودة التي لم ينصت أو ينتبه إليها أحد، وفي أحيان أخرى يمكن أن يكون الإنسان البسيط، وفي وجه أخير يمكن أن يكون دلالة على الشعب المصري بكل طوائفه العاشقة لوطنها.
البطل في هذه الرواية/ الأستاذ الجامعي أقرب إلى اليساري أو الماركسي بالتحديد الواسع للكلمة، بوصفه الشخص الذي لا يفقد الأمل، بالرغم من معاينته الحالة في تجليها، وتشابهها مع حالات سابقة، فحتى لو كان الواقع بائسا مطبقا وبائسا، فنراه يخلق واقعه متسلحّا بالرجاء للوصول إلى صورته المختزنة المتخيلة. فالدمى الموجودة في النص على امتداده بوصفها بديلا لواقع مهزوم، ليست في التحليل الأخير- وإن كانت تشير إلى تطور تقني يصيب السياق العام في حدوده الزمنية- إلا ارتباطا بالخيال وقدرته على إيجاد البديل وصناعته. في هذه الرواية القارئ أمام سردية للهزيمة على تعددها وتنوع أشكالها وهيئاتها، ويمكن للقارئ أن يقف على قائمة طويلة لأشكال الهزيمة، مثل الماركسية أمام الرأسمالية، واليسار أمام اليمين، والثورة أمام أعدائها، والنظريات الأدبية المشدودة لواقعها وسياقها في مقابل نظريات تتأمل ذاتها ومحتمية بنفسها، في غضها الطرف والرؤية عن سياقها المحيط، وابتعادها عنه في نسق توجيهي مشدود للسياسي العالمي في قطبيته الوحيدة.
فالبطل- الأستاذ الجامعي اليساري- شخصية تتعاظم على التحديد المادي، وكذلك البطلة طالبة الدكتوراه المختصة في النقد الأدبي، هي – أيضا- تتعاظم على تشكلها المادي، وتتجلى خارج هذا التحديد، فهي تصنع وتتكرر على فترات زمنية متباعدة على يديه، لكنها في النهاية تنكره كما تم إنكار المسيح، لأنه في كل تجل من تجلياتها، وفي كل حالة من حالاتها، يتمّ انتزاعها واختطافها من أصولها ومكان ولادتها، ليتمّ العبث واللهو بها تحت تأثير النزاعات الممتدة. قد يبدو للقارئ أنه أمام رواية مرتبطة بثورة يناير 2011، وما تبعها من أحداث، ولكن التأمل الدقيق للرواية ومراجعة التواريخ المثبتة التي تشير إلى أزمنة وسنوات قادمة، والارتدادات الموغلة في القدم، يكشف عن تكرار الحالة التي تكشف القدرة الممتدة للرغبة المستمرة في التغيير.
فالوقوف عند مجموعة من الرموز والإشارات التي ذكرت في النص الروائي مثل برومثيوس، وهكتور وسبارتكوس، والحسين بن علي، وجيفارا، يكشف عن كونها رموزا مجبولة على الثورة والصراع من جانب، وعن كونها تدور في فلك الهزيمة أمام تنويعات مختلفة للمنتصر على الطرف المقابل، ولكنها لم تفقد إيمانها بالرغم من كل الهزائم بمشروعية حلمها في الوصول إلى مبتغاها في لحظة ما. والرواية في ظل هذه الإشارات والاستدعاءات هي رواية الإيمان بالمعنى الواسع لمبادئ اليسار، وحتمية وجوده، وقيمة استمراره، حتى لو كان الوضع العام وتكراره لا يكشفان عن حضور منطقي قوي لهذا الإيمان من الناحية الموضوعية، والثورة في ظل هذا التصور حالة يصنعها البشر بشكل متوال ومتكرر، والإيمان بها يجب أن يكون فكرة حاضرة.
الهامش والمتن: النظرية والسرد
قد تبدو الحكاية للقارئ حكاية بسيطة، أستاذ جامعي يساعد طالبة دكتوراه، للحصول عليها وسط أناس يمثلون ضباعا ووحوشا، وسياق مملوء بكل أنماط الفساد. ولكن تقديم هذه الحكاية في النص الروائي يفتّتها بشكل لافت، خاصة إذا كان هذا الأستاذ واحدا من المنتمين إلى اليسار، يراقب خساراته من مكان مرتفع في أسى شفيف. ترتبط الرواية بنفس ملحمي، يعاين التحولات على مدى زمني ممتد انطلاقا من لحظة الهزيمة لمناقشتها، من خلال معاينة أسبابها. وفي تحليل النص الروائي للهزيمة لا يقف وقفة آنية، وإنما يمتد إلى أسس للفهم والوعي، من خلال نص رسالة الدكتوراه المرتبطة بروايات الثورة.
وقد أسهمت هذه الآلية الخاصة بالنص النقدي داخل النص الروائي في معاينة التحولات على مستوى النظرية الأدبية، وعرض الاختلافات بين النظرية الماركسية المشدودة إلى الواقع وطبقاته، ومجمل النظريات التي نشأت في ظلّ الرأسمالية التي عملت على تفكيك الفن- الفن الروائي خاصة- بالواقع، وذلك من خلال تأمل ذاته وبنيته. فالحديث عن تحولات النظرية الأدبية لم يأت عبثا، وإنما من ارتباطها بالمناهج النقدية من جانب، ومن انفلاتها أو انشدادها إلى السياق الواقعي بجوار الجمالي والفني. وإذا كان البطل المسرود عنه قد أسس لنفسه من البداية تجذّرا في اليسار أو ارتباطا بالماركسية، فإننا يمكن أن نفهم طبيعة عنايته بإسهام تيري إيجلتون الذي ينتمي أساسا إلى تيار الفلسفة والنقد الماركسيين، المنفتح على التيارات الأخرى مثل التفكيك وما بعد البنيوية والنسوية.
في هذا الحديث الكثير من الإجلال، بسسب اتكاء إيجلتون على التوجه الماركسي الذي لا يفصل بين العمل الفني وواقعه الخارجي، بالإضافة إلى انفتاحه على إجراءات ومنطلقات عديدة. ويمكن أن يضاف في هذا السياق منجز هيجل ولوكاتش، فالرواية - من خلال نصّ الأطروحة الموجودة في النص الروائي- تشير إلى جهودهما اللافتة في التنظير لهذا الفن. وقد اعتمد لوكاتش- كما هو مقرر ومعروف- على أفكار هيجل في تحديده أن الرواية هي فن الطبقة البرجوازية، فهي أداة تعبير لافتة لهذه الطبقة، للكشف عن مجمل التناقضات داخل أي مجتمع، فقد جعلها بديلا عن فن الملحمة.
فالرواية عند لوكاتش هي كتابة إنسانية واقعية، لديها قدرة على التقاط الجدل بين ما هو فردي، وما هو جماعي في آن. النص الروائي ينطلق من موقعية الهامش في حديثه عن الماركسية وتبدلاتها في النقد الأدبي، وذلك لخفوت صوتها في سيطرة نظريات تالية لها تأثيرها وحضورها في عزل النص عن واقعه وسياقه الحضاري. فالماركسية في ظل وجهة نظر البطل/ الأستاذ الجامعي (تعدّ الأساس العلمي لتحليل البنى الطبقية للمجتمعات البشرية، وهي علم يمكّن الكاتب من التعرف على البوتقة التي تشكل نعيمها أو جحيمها حياة الشخصيات).
هذا الإعلاء أو التبجيل للماركسية يتجاوب معه محاولة للتشويه تشابه محاولة انتقام الهامش من المتن في حديث الأطروحة العلمية عن بارت وكتابه (لذة النص)، وفي ظل ذلك نجد أن هناك توقفا أمام منجز بارت، في اعتباره ممثلا لسلطة سطوة النسق الثقافي الذي يتوجه نحو تفعيل توجه نظري أو نقدي مقصود، فالكتاب يؤسس لأيديولوجية مقصودة تشكل إفسادا للنص الروائي، لصالح النظام العالمي الرأسمالي. فمنطق الرواية- استنادا إلى نص الأطروحة- يضع بارت وأضرابه وفق قصدية متعمدة، لأنهم لا يتأسسون من فراغ، فهم – وفق هذا المنطق- نتاج تصورات برجماطية تحددها مؤسسة النقد العالمي المرتبط حتما بقوى عالمية سياسية، تقول الرواية في نص الأطروحة ( كل مثقف تلوح في لغته نغمة اليسار سوف تتولّى المكارثية التنكيل به، وإذا كانت الولايات المتحدة موطن السيناتور الأمريكي (جوزيف مكارثي)، ففي كل دولة أوربية مكارثية خاصة بها، حتى الدولة السوفيتية، يوجد بها أيضا مكارثية من نوع سوفيتي).
الإعلاء من شأن الماركسية بوصفه نظرية مندثرة تشكل هامشا، في مقابل نظريات المتن التي ما زال تأثيرها مستمرا، وإن تشكلت بالتدريج وفق نظريات (الما بعد) التي حددت أنواع وأشكال الأدب التي تموضع وتسيّج رؤية خاصة لهذه البلدان من خلال رؤية وتمثيل ثابتين، لم يقف عند حدود الإعلاء، لكنه يتجلى في شكل آخر، حيث يمرّر النص الروائي تشويها لكل هذه النظريات التي تؤسس توجها عدميا يرتبط بتأمل البنيات لدى رولان بارت. فالنوع الكتابي الذي راج في ظل هذه النظريات نوع يروّج لعصر العولمة الأمريكية، ويروّج لنهاية وتفتيت السرديات الكبرى لكل بلد يستقوي بثقافته ونماذجه، مما يؤدي- في منطق الرواية- إلى فقدان القضايا الكبرى لأهميتها، ويتم الاستعاضة عن كل ذلك بأنواع مثل الروايات البوليسية والخيال العلمي والروايات التاريخية التي تشكك في قيمة المؤسس استنادا إلى فكرة نفي الأصل الثابت للخطابات التاريخية. وهي كلها توجهات كتابية تفتت ارتباط الكتابة بحدود واقعها، تقول الرواية (إن السيد رولان بارت وطغمته كانوا يؤسسون لفساد العالم، وشيوع مبدأ المنفعة على حساب الفضيلة والحكمة).
مؤسسة النقد الأدبي العالمي مؤسسة ليست ملموسة، ولا وجود لها بشكل واضح ومباشر، ولكن يشعر البشر بأثرها، وهي تتمحور حول توجه يعلي من شأن نوع على آخر، أو يعلي من شأن كتابة روائية، ويقلل أو يحجم شيوع كتابة روائية أخرى، حسب متطلبات المصلحة السياسية للتوجه السائد الذي يتشكل وفق رؤية وثقافة المنتصر، وهي مكوّنة من معاهد بحثية وجوائز ودور نشر لها توجهاتها الخاصة المعتمدة. والفترة التي تدور في إطارها الرواية مرتبطة بتوجه مباين لأسس الرواية الواقعية، لتفتيت الهوية والتوجه القومي، وقتل الإيمان بقدرة الذات من خلال تفتيت نماذجها الكبرى داخل سردياتها الموروثة.
مارس النص الروائي نوعا من التشويه الواضح في كتابة الاسم (ابن بارتيه)، فمع سيادة نظريته وهيمنتها أصبح الكاتب وحيدا، لا ينتمي إلى طبقة مثل البرجوازية أو البروليتاريا، وفي ظلها انفصلت الكتابة الروائية عن الواقع. وتكرّر التشويه ذاته مع مفكر مثل دريدا، حيث يتحوّل في النص الروائي إلى (جاك بن دريديه)، وهو - في منطق الرواية والأطروحة بداخلها- الابن المدلّل للمؤسسة الفكرية الغربية، حيث عمل على الترويج لها بوصفها بديلا للثقافة الماركسية، تقول الرواية (إن هذا رجل مخبول.. إننا نستمع إلى سيمفونية مشروخة لفلاسفة ومفكرين يعملون بجدية الفئران وعزيمة النمل الأبيض، على تقويض العالم).
إن الفارق بين إعلاء الفكر أو النظرية الماركسية حتى لو أصبحت هامشا، وتشويه النظريات الجديدة التي تكوّنت في ظل الرأسمالية حتى لو كانت متنا، واضح في تجليه المباشر في النص الروائي، لكنه يظهر في شكل متوار، خاصة حين نتوقف عند عنواني الفصل الروائي الذي حمل رؤية كل قسيم منهما، فالفارق بين العنوانين كاشف عن التوجه، ويكشف التشويه المبطن لجانب، والإعلاء الصريح للجانب الآخر. فعنوان الفصل الخاص ببارت ومشابهيه (تأتآت فلسفية)، وعنوان فصل أقطاب التوجه الماركسي باسم (أنسنة الرواية) للتعبير عن جهود لوكاتش وإيجلتون، ومن قبلهما هيجل. وهذا الاختلاف كاشف عن وجهة النظر التي تنفر من مفكرين نظريات ما بعد الحداثة في مقابل الشعور بالانتماء والانتساب إلى التوجه الماركسي اليساري في الأدب، خاصة مع تمرير النص الروائي في الفصل التالي نتائج ذلك التوجه من خلال حديثه عن (الأم الحنون)، والشركات العابرة للحدود، في كونها تحيل الفرد إلى رهين الانسحاق لكل شروطها وآليات عملها.
ولكن النص الروائي استخدم آلية بنائية داخل نص الأطروحة العلمية لها دور في إكمال عملية التشويه والانتقاص، فقد اعتمدت على النص الاستهلالي في ألف ليلة وليلة، من خلال استعارة البداية النمطية للسرد في كل ليلة، فعبارة مثل (بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد) أصبحت جملة البداية في كل جلسة بين طالبة الدكتوراه والأستاذ على أريكة الغوية لمراجعة النص. واستخدام هذه العبارة يشير إلى تلمّس نوع من الخصوصية لكل ثقافة، وكأن ذلك يمثل استنادا إلى الجوهري في السرد العربي، بوصفه النص السردي اللافت في التراث، والاعتماد عليه يمثل دعوة لتعريب الشكل الغربي. ولكن هذا الاستخدام أو التوظيف قد يشير إلى طبيعة ألف ليلة وليلة، بوصفها نصّا من نصوص الهامش ضد المتن السائد في زمنها. ووجودها هنا يعتبر وسيلة من وسائل مقاومة الهامش المهزوم متعاظما على قوة المتن المنتصر في كل لحظة، فألف ليلة وليلة تمثل الصوت الهامشي على تنوّع تجلياته مقابل منظومة أدب رسمية، وصورة الخلفاء والحكّام بها الكثير من التشويه، وكأن الهامش يؤسس لنفسه في هذا الحكايات وجودا مساويا، ويهشم في الآن ذاته الوجود الرسمي أو الطبقة العليا، ونص الف ليلة وليلة يتعاظم على هامشيته بمناح عجائبية تصنع له تفردا موازيا لكتلة وثقل المتن، وكذلك في نص رواية (بهجة الغواية) يصنع المهزومون وجودهم، وقدرتهم على الاستمرار (الأستاذ الجامعي المهزوم المراقب لواقعه المتفسّخ، والثورة بتجلياتها الآنية والسابقة والمستقبلية) من خلال الاستعاضة عن الواقع المهزوم بواقع عجائبي يقوم البطل بصناعته، يتمثل في الدمى التي تتحرّك، فيحدث ذلك تجسيدا لحركة الهواجس النفسية الداخلية، ومزجا بين الخيالي والواقعي، من خلال الاستعانة بعالم السيتما ونجماته العالميات اللواتي حققن شهرة كبيرة، وذلك حين يؤسس البطل حياة موازية له معهن، حياة فيها نوع من الاكتمال والتواصل الإنساني، يسدّ بها منافذ الوحدة ومتاهة الفقد على مستويات عديدة مثل المرأة والوطن. فالهواجس الذاتية النفسية تحوّلت- ربما تحت تأثير الزمن المستقبلي وتوقع اكتشافاته، فالرواية تمتد زمنيا إلى 2038- إلى دمى من البلاستسليكون أو الهولوجرام، حيث يتاح له لقاء ومناقشة أصدقاء ينتمون إلى لحظات زمنية سابقة في مقاه مثل (دوماجو) أو (لا فلور).
تعدد الخطاب
الرواية في ظلّ منحاها المعرفي السابق الخاص بمحاولة التعاظم على الهزيمة في إطار مستويات عديدة تنتهج آلية فنية ترتبط بتعدد الخطابات، وربما يكون الخطاب الأكثر حضورا بجانب خطاب السرد البنائي متجليا في خطاب الصور التي تشارك في إنتاج النص، بل تجعل الوعي بالنص وعيا مغايرا منفتحا على واقع الصورة، سواء أكانت سفينة أو نجمة سينمائية أو أداة تعذيب في أزمنة غابرة، فخطاب الصور المبثوثة في النص السردي يؤسس الحكاية بشكل خاص، ويغيّر في مراميها المباشرة، لتصبح جزءا من إشكالية وضع الإنسان الوجودي المشدود لواقعه، بعيدا عن الأيديولوجيا بدفقها السطحي، فكأن الصور- فوق تأسيسها ارتباطا خاصا بالواقع، وإعادة تأسيس هذا الارتباط - تحمل دليلا دامغا لا يحمل الشك على هذا الارتباط الممتد الذي يتواري تحت تأثير دعوات معاصرة.
في النص السردي نجد أن هناك حضورا لهذا التعدد من خلال استخدام الإمكانات المتاحة التي تتيحها عملية الكتابة، وتوزعها إلى خط عادي أو خط سميك أو خط مائل، أو نص متحرك في مربع تتم زحزحته من مكانه داخل النص، إلى مكان بارز في رأس الصفحة على اليمين أو اليسار. وقيمة هذه الزحزحة للجزء الخاص من مكانها الأساسي إلى مكان له صفة البروز أو الظهور او التبئير، تتمثل في كونها أوتادا توجه الحركة والتوجه، والوعي بالنص السردي، فكأن في ذلك تأطيرا وتوجيها لعمليات القراءة والتلقي، فهي أيقونة تنبيه تواجهك قبل الوصول إلى موضعها في النص السردي.
في النص الروائي هناك الخطاب السردي القائم على الغياب، وهو خطاب يرتبط بمقاربة الحكاية الأساسية للنص الروائي، المتمثلة بالأستاذ الجامعي، وحكايته مع طالبة الدكتوراه، وابنته وابنه وجاره، وهو خطاب خاص كاشف عن البطل اليساري المؤمن بتفوقه وقضيته بالرغم من الهزائم على أصعدة عديدة، وبالرغم من انعزاله، وعدم القدرة على الفعل، لأنه خارج متن الفساد المحيط بالتعليم الجامعي، فنبصر فعله واقفا عند حدود مراقبة التفسّخ الذي يحلّ بالسياق الفردي والجماعي على مستوى الحالات الخاصة بالثورة. وقد أسس النص الروائي لهذه المراقبة من خلال التوجيه السردي في مكان السكن، حيث جعله في آخر دور بالعمارة، فالبطل يطلّ كأنه نيتشه في إطلالته على الواقع العام، ومراقبة تحولاته وتفسخه من سياق إلى سياق، من المشاركة إلى الانعزال.
يتأسس في ظل هذا الخطاب ارتباطه التعويضي بالدمي ومدينتها المتخيلة التي تأتي وكأنها إشارة للتقدم العلمي المناسب لزمن الرواية من عام 2034- 2038م، وبوصفها تجسيدا لهواجسه الناتجة عن الفقد والوحدة والهزيمة والانعزال، فكأن ارتباطه بها يشكل عوالم بديلة تساعده وتعطيه القدرة على الاستمرار في الحياة، والتمسك بالمتخيل النموذجي على المستوى الفردي والجماعي. وفي ظل هذا الخطاب تتشكل علاقته بطالبة الدكتوراه، حيث ينفتح النص السردي على النقد المباشر لمجتمع الجامعة، وتحوّله من قاطرة تنوير تقود المجتمع إلى مؤسسة للتكلّس يعشش فيها الفساد، ويصبح البطل (المعلّم) الذي يحارب أنواعا من الجهلة والضباع في أردية إنسانية.
ويأتي بخط مختلف سميك خطاب الأطروحة العلمية الكاشف عن تحولات النظرية من نظرية ماركسية إلى نظرية تتأمل ذاتها، من نظرية مشدودة للواقع إلى نظرية تؤسس لانبتات النصوص عن الواقع، فتحيل إلى العدم واستشراف الخواء. ورصد هذا التحوّل من خلال الأطروحة يكشف عن التحولات الفلسفية بداية من فلسفة أرسطو وأفلاطون وسارتر، حيث تشتمل هذه الفلسفات على جوهر محدد، وإن كان يتشكل وفق ثنائيات عديدة، مثل الخير والشر، والجمال والقبح، والحق والباطل، والوجود والعدم، والصدق والزيف. ولكن هذا الجوهر المحدد جُرح في إطار فلسفات تالية، في ظل فكرة غياب المركز أو الأصل الثابت، فهذه الفلسفات تحيل الأمر إلى شكل من الهلامية واللامركز.
تتشكل وجهة نظر النص الروائي بناء على نص الأطروحة، فنجد نوعا من الجدل بين الإعلاء والتشويه لقسيم في مقابل قسيم آخر. وفيه يلمس القارئ التوجه لنقدي نحو المؤسسات العالمية للأدب والنقد التي يسند بعضها بعضا، في انحيازها لاتجاه دون آخر، ويغدو المنظرون المعروفون- في منطق الرواية- مجرد أدوات تحركها هذه المؤسسات، فالهدف هو بتر الترابط بين النصوص الفنية ومرجعيتها الواقعية، وفي ذلك تغييب لحاجات الإنسان الضرورية، وتغييب لارتباطه بطبقاته التي يعبّر عنها، ويتوحّد بها، وتتجلى في إطارها كتاباته.
ثمة خطاب أخير في النص الروائي، وهو خطاب النصوص الشعرية التي تأتي في مقدمة بعض الفصول، وتتمثل قيمته في كونه يشكل الفضاء الذي يحمل فحوى النص السردي. فالنصوص الشعرية التي كتبها الروائي في مقدمات بعض الفصول تشكل الأفق العام للتأويل، ولها دور في خلخلة النظرة إلى الحكاية، وإخرجها من محدوديتها بوصفها حكاية عادية بين أستاذ وطالبة دكتوراه، إلى منحى يتشكل في إطار سياق عام. فحين يقول النص الشعري في بداية في بداية الفصل التاسع والعشرين ( نهداك ملحمتان/ تحتل شواطئهما فيالق الرومان/ بأربعة آلاف فارس/ يختلّ نهرها الخالد/ ذاك الذي قايض آخرته بالدنيا/ على سفوحهما يتقاتل جحافل التتار والصليبيين والتركمان/ يحتل عنق الدلتا المعتمد البريطاني) يشعر القارئ أن مفتاحا تأويليا وضع هنا عن قصدية، وأن هذا التأويل له تأثير في زحزحة الحكاية في نواتها الصلبة.
صناعة التأويل المبني على خطاب النص الشعري في النص الروائي يمكّن القارئ من صناعة تأويل خاص للنص الروائي، يخرج شخصية سوزي من حدودها المادية، ويهشم ويجرح الوجود المادي لشخصية الماركسي أو اليساري الذي يرقب العالم من مكان مرتفع. يتحوّل النص الروائي في إطار ذلك الخطاب إلى نصّ ملحمي ممتد في أغوار التاريخ بداية من الرومان، مرورا بالتتار والصليبيين، وانتهاء بالانجليز والأتراك. وتغدو تجربة الحب العجيبة المرتبطة بالتداخل والتوحّد، دون الوصول إلى الانتهاك والافتضاض، في ظل هذا التأويل تجربة حب للوطن، الذي يتأثر في فترة من فتراته بالعباءة والنقاب، ولكن روحه تبقى حرّة، والمحب أيضا في ظل هذ التأويل يمكن أن يتحوّل إلى رمز تتهشم حدوده المادية، وتتشكل له مشروعية في الانفتاح على الفرد العادي، ويمكن أن يحيل إلى المعرفة المفقودة التي تمارس دورها في التكوين بشكل هامشي.
في ظل هذا الفهم تأخذ المرأة أبعادا أكبر من حدودها المادية، وتغدو رمزا للثابت الذي يرد عليه حكام وأجناس مختلفة، ولكنها تظلّ أبية ممتنعة، كما تجلى في النص الروائي، وتمرر الرواية مفاتيح التأويل وإثبات مشروعيته من خلال إشارات بسيطة، فنراها تقول في النص الروائي (يصعب عليّ العثور على بوابات متاهة جسدك، مثل متاهات أهرامات ممتنعة على الدخول). ومن الدلائل التي تعطي هذا التوجه في التأويل والتفسير نوعا من المشروعية، وجود هالة من التقديس مرتبطة بهذه المرأة، يقول النص الروائي في وصفها (في بكور اليوم التالي هبطت عليه من السماء، أنثى تشع بالبهجة، (آتينا) آلهة الحكمة والحرب، وابنة زيوس المفضلة)، أو يقول في جزئية أخرى (نظر في عينيها وأضاف: والكونياك يتمّ تناوله في حضرة نساء من جنس الآلهة مثلك طبعا).
ومن هذه القداسة المرتبطة بالألهة، تتحوّل المرأة التي يمارس معها البطل الغواية على الأريكة إلى وطن، ولكنه ليس وطنا عاديا، بل وطن يتماهى مع لحظة البداية الأولى الكاشفة عن الانسجام، ففي جسدها على حدّ تعبير النص الروائي تطفو حروف سحرية، ورموز غامضة، وكأنه يمثل بوابة سحرية للوجود وأصله وأساسه الموغلين في القدم. ولكنّ هناك ملمحا آخر ربما يعضد فكرة التأويل المطروحة، وهي ملمح التغيير والتعدد من فترة إلى أخرى، فهناك (فاتن) و(ليلى) اللتين لم يحسم النص الروائي وجودهما من عدمه، ربما هناك إشارة لوجودهما، بوصف واحدة منهما أنثى متحققة، وأخرى متأبية عن التحقق، وتتجلى صورة الوطن في النص الروائي في إطار هذه الثنائية الموزعة بين الفعلي الواقعي والمتخيل، فالصورة الواقعية الفعلية إن لم تكن مرضية يخلق لها مقابلا يصممه على مساحة رؤيته وخياله، وهذا تجلى في توازيات عديدة، مثل (ليلي ) و(فاتن)، وحالة الفقد والانعزال واستدعاء الدمى.
فالفنان فيما يخص المرأة والوطن يستطيع أن يخلق لهما الصورة التي ترضيه، وتشعره بانسجامه، من خلال تداخل الواقع والخيال، وإزالة الحواجز بينهما، خاصة إذا أدركنا أن هناك تعددا آخر يرتبط بالتعدد الشكلي، والتنوّع المستمر لهذه الذات الأنثوية، فهي (سوزي) المنقبة، وهي السافرة الحرة في الآن ذاته، وكأن مسوح الشكل التي تعتور هذه الذات الأنثوية/ الوطن لم تفلح في القضاء على روحها الحرة التي تطلّ كل فترة في تكرار دوري، فالمرأة هنا قد تكون رمزا لهذا الوطن في حالته الثورية التي تنشأ في ظل وجود (معلّم) مهمش يعزّز شعورها بالتفرد، ولكنها حين تطل برأسها، يختطفها النسق المهيمن، وتتفسخ وتفقد قيمها ارتباطا بسياقها الجديد، وربما يكون مشهد مناقشة الأطروحة في نهاية الرواية كاشفا عن ذلك. والنص الروائي لم يترك هذا التأويل مغلقا، بل نراه يؤسس لهذا التأويل من خلال إشارات بسيطة مكتنزة، وقد نراه واضحا في أكثر اللحظات واقعية وإيروتيكية التي تقلل من مساحة الرمز، وتوجّه نحو الدفق الواقعي، فالرواية تقول على لسان سوزي، حين كتب شعرا في نهديها (ضحكت سعيدة وقالت إنه يساري قُح، يستطيع أن يخلط التاريخ بالجسد، وعشق الوطن بالأنثى، والنضال بالجنس).