عادل ضرغام

حضور النسق وقمع الأبوة والأعراف في ديوان ضدّ الوحدة للشاعرة فدوى الزياني

غلاف كتاب حضور النسق وقمع الأبوة والأعراف في ديوان  ضدّ الوحدة  للشاعرة فدوى الزياني
حضور النسق وقمع الأبوة والأعراف في ديوان ضدّ الوحدة للشاعرة فدوى الزياني عادل ضرغام في ديوانها (ضدّ الوحدة) تنطلق الشاعرة المغربية فدوى الزيّاني وفق محددين كتابيين: الأول ذاتي، والآخر جمعي يرتبط بنسق أو بشريحة محددة، فنصها الشعري ينضوي- وإن كان ذاتيا في الأساس- داخل سياق جمعي مشدود ومؤسس داخل الشريحة النسوية التي يتأسس لها بفعل الزمن وطبقاته المتوالية نمط أو إطار خاص يكيّف وجودها وحركتها. فنصوصها تشكل انحيازا داخل انحيار، وتعاني قيدا داخل قيد عام، فتتوالد في إطار ذلك معضلة داخل معضلة كبيرة. وبوسع القارئ أن يلمّ شتات جزئيات وطريقة محددة في المقاربة والتناول، لكي تصبح واضحة الدلالة لتوليد فروق وسمات، تساعد لقبول مقترح يشير إلى أن هناك كتابة، يمكن أن نطلق عليها (كتابة نسوية)، ربما تكون ماثلة في مساحة الاهتمام، وطبيعة التوجه، وآلية التناول والمقاربة. وقد يبدو للقارئ أن هذه الجزئيات أو السمات غير قارة، ولكن وجودها على هذا النحو يشير إلى مدى إبداعي، يهتم بإشكاليات ذات تستتنطق داخلها في سياقيها الفردي والجماعي. ففي الديوان يجد القارئ نفسه أمام ذات تحاول دائما التفكير بسلوكها وحالها وردود أفعالها وتوجهاتها، ويتحوّل التفكير إلى مساءلة-خاصة في النصوص الأولى- عن أسباب النهايات التي تصل إليها دائما، وعن الحركة اللاهثة التي لا تستقرّ، وعن التشظي والنهايات المبتورة، وارتباطها في تجليها (بالعابر)، و (والغريب)، كما في نص (كائنات الحب الضالة)، حيث يتحوّل فعل الحب إلى ترويض جزئي لحالة الخسران المستمرة. يتجلى السياق العام الذي تنضوي في إطاره، بوصفه دائرة أكبر، وسياقا للاحتماء بفضاء تتسم مساحته بالضيق. فتعدد الوسائل التي تكتب عليها شريحة الرجال في نص (لمن تكتب الرسائل؟) بداية من الطاولات، ومرورا بالجدران الخلفية للأقسام، وأسوار المدافن، وحصى الطريق، وانتهاء بالكراسي الخشبية في الحدائق العامة، يمنح امتيازا لا يتاح لأصحاب الشريحة الأخرى التي تتجلى في إطر خيار واحد يتمثل في جدار المطبخ. فالنص هنا يشير إلى أفق مغلق شديد الذاتية والتعقيد، لأن حدود البوح الذاتي تظل داخل حدود راهنية مكانية وحيدة، مما يؤسس للكبت والقمع. والكتابة الشعرية في نصوص الديوان انفتاح على الباطني المتواري الذي لا يفصح عن نفسه بشكل مباشر، بل يتجلى في جزئيات متفلتة، ومن خلال تكرار دوري في النصوص، دون كبير انتباه للحدود الفاصلة بينها، فكأن النصوص تفسر بعضها، وتتكامل فيما بينها، للكشف عن فضاءات مختزنة مقموعة داخل الخيار الوحيد، ومن ثمّ فهذه الجزئيات تشكل مساحة إضاءة وكشف وتفسير وتأويل بتوازيها البنائي، وبتكرارها، مثل الإلماح إلى صورة غياب الثقب ووجود الغرق التي تأتي في التصدير، وتتكرر كثيرا في نصوص الديوان، أو دال (الصمت) بتجلياته المحيطة، للإشارة إلى الموت أو التيبس الداخلي البطيء دون جلبة. ففي نصوص الديوان يجد القارئ نفسه أمام ذات تقارب وحدتها من صمت الأشياء حولها، ومن محاولتها اللافتة في إعادة مقاربتها وتعرّفها على العالم، من خلال فك الارتباط ونفي وزلزلة الجاهزية الدلالية المشدودة لإسهام السابقين في شحنهم للألفاظ، ومحاولة إعادتها إلى بكارة جديدة، كأنها تفعّل استخدامها للمرة الأولى، وتعطيها بعضا من أحاسيسها التي تستعصي على الإمساك، فالكلمات في منطق النصوص خادعة متورمة بدلالات لا تفي بالكشف عن حالتها الغريبة التي تحتاج مساءلة مستمرة، ومقاربة مغايرة. رصد الذات وحضور النسق القارئ للديوان يدرك أن إشكاليات الذات- بالرغم من خصوصيتها- لا تنفصل عن خصوصيات النوع البيولوجي أو النسق الأنثوي، فهناك رصد للذات في أزمتها، وهناك رصد للنسق في سياق وضعيته وتأطيره في إطارات خاصة، في ظل حضور النسق المهيمن المقابل. ففي نص (ثقب في الحائط) نجد أن هناك رصدا للنسق النسوي، من خلال الكشف عن المستور والمخبوء الذي لا يظهر بشكل مباشر، ولكنه يتجلى من خلال إشارات خافتة تحتاج إلى التجميع، ووضعها في بؤرة الاهتمام والتركيز، منها قمصان الأطفال الخالية من الضحكات، وهي إشارة أولى للتعبير عن الأزمة التي تتجلى في سياق بصري بعيدا عن الصوت والشكوى، وتكتمل حدود الصمت من خلال المراقبة والملاحظة لنسق عام لا ينفصل عن الذات (والثوب المجعّد لربة البيت- يكشف جراحا مبطّنة- وعلى يديها آثار حرب- بدأت ولم تنته بعد). فالأزمة المرتبطة بالنسق لا تتجلى في صوت زاعق، ولكن من خلال مراقبة صامتة، والصمت دال حاضر بقوة في النصوص، وكأنه إصغاء بصري لتجعيدة الثوب، وللآثار البادية على اليدين. يؤسس النص مقاربته من فعل المراقبة الصامتة للشريحة بشكل عام، يعاين الموت البطيء داخلهن، نتيجة لغياب النسق المقابل في صناعته فخاخ الاصطياد. ولكنهن لا يأخذن اتجاها مشابها لاتجاه الرجل، فبابهن مغلق أمام القتلة، وأصحاب الدين، وبائعي الضرائب الذين لم يستطيعوا دخول البيت لعدم وجود ثقب في الجدار(وهي استعارة دائمة الحضور ومتعددة الدلالة في النصوص)، لكنها تتمحوّر حول التباين مع سلوك النسق الذكوري المقبل، أو التباين مع حال الخراب والغرق الموجودين. يوجّه الانضمام داخل هذا التوجه الصامت نحو الموت البطيء المشوب بالغفران، بوصفه استراتيجية ذاتية للتعامل مع سلوك النسق الذكوري. وهذا يفسّر حضور الإلماح إلى خيارات أخرى لشاعرات سابقات، لم تتم الإشارة إليهن بشكل مباشر، وإنما من خلال إيماءات تجعلنا وجها لوجه أمام خيارات الانسحاب المتاحة (لم تملأ جيوبها بالحجارة بغية النجاة) أو (لم تضع رأسها في فرن- طائعة). فالذات المرتبطة بنسق أو مجموع تعاين خيارات أو توجهات سابقة، فرصد أو مقاربة العالم لا تنفصل عن توجهات مختزنة داخل الذهن، خاصة في ظل تشابه الظروف و تكرارها، ولكن خيار الانتحار بوصفه رد فعل على انفتاح النسق الذكوري، وسلوكه في صناعة فخاخ الصيد خارج الإطار، ليس مطروحا في سياق منطق النص، فالنص يؤسس للتسليم، وللتيبس الجزئي المستمر، والموت البطيء الذي يصل إلى نهايته دون صوت أو صراخ أو جلبة. ونتيجة لهذا الرصد الثنائي في بعض النصوص الشعرية، للذات وللأفق النسوي العام، كثيرا ما يتمّ الرصد من خلال المراقبة للشريحة أو المجموع، وتغدو الذات داخل دائرة الرصد وخارجها في آن، لأنها تقوم بفعل المراقبة وهي تسيّج مساحة للانفصال دفعا للتحيّز. يتجلى ذلك واضحا حين نتوقف أمام نص (ما الذي بقي منهم؟)، حيث تأتي صفة الرمادي في بداية النص سمة كاشفة لأفراد عديدين، فالرماد يمثل نصف حياة أشرفت على الموت، يتحرّك أصحابها أو الذين يتسمون بها- أي الرمادي- في إطار انعتاقهم من سلطة المتخيل، فقد تولّد لديهم بفعل التجربة والتكرار يقين أن الحياة أو منطق الحياة لن يسمح كثيرا بتحقيق المتخيل، ومن ثم تتشكل لهم سمات محددة، أهمها نفض اليد من قيمة المجموع، والنزوع إلى الوحدة المفضية للتوحد، والتخلص من التمسك من أن تتغيّر حالهم إلى الأفضل، فهم يعيشون وفق منطق القصور الذاتي، ولم يعودوا مشغولين بالنزال مع الحياة لإسدال منطلقاتهم، والانتصار لأنفسهم، بل يسيرون خفافا منعتقين من التعلق بالغد، يقول النص (كانوا عجولين- خفيف حملهم- تركوا صراخهم على الحافة- وحين سقطوا- لم يسمع صوت الارتطام). يعاين القارئ الطبيعة الخاصة للشريحة المحددة، حيث تتشكل إطاراتها من الرماد والعجلة والخفة والصمت والتيبس داخل الوحدة، ويتجرعون اليأس بسبب البون الشاسع بين المتخيل الجزئي وما يجدونه واقعا فعليا، فنراهم على حدّ تعبير النص الشعري يمدّدون أية لحظة انتشاء إلى أقصاها، بوصفها حالة من حالات الأبدية الجزئية، فهم لإحساسهم بانعتاقهم الجزئي أو اللحظي (يخشون العودة إلى البيت). التعبير عن النسق أو الشريحة التي تنتمي إليها تتولّد في بعض الأحيان في النص الشعري من صياغة مغايرة من خلال ضمير الغياب، حيث تصبح الذات والنسق داخل حيز المراقبة والمقاربة. في نص (يحسبونها جسدا) هناك تقابلات وتوازيات بين الجسد والجثة بالرغم من وجود فروقات كثيرة وثيقة الصلة بالمنحى الذي يمرّره النص، فالجسد علامة صحة وحياة، والجثة إشارة للموت وبداية التحلل. وهناك تصوير للرغبة التي تتحوّل إلى تفاحة ثالثة بجوار تفاحتي الصدر، وفي ظل ذلك يمكن أن نعيد قراءة النص انطلاقا من العنوان والفروق بين الجسد والجثة، ومن ارتباط هذا النص بنصوص أخرى في الديوان، مثل نص (تعلّم كيف تموت)، ففي النصين إبدالات بين الحياة والقبر من جانب، والجسد والجثة من جانب آخر، فكأن الحياة وفق هذا التصوّر بالنسبة للذين يرهقهم الحب شبه قبر ممتد، يجهز للقبر القادم الذي يتنظرهن، يقول النص (هذه البيوت الضيقة- هذه العزلة الخانقة- هذا الحجر البطيء- كلها تجارب- تحت وطأة الإكراه- كي نتعلم أخيرا- كيف ننام في حفرة تحت الأرض). تكشف نصوص أخرى في الديوان عن علاقة ملتبسة بالجسد، كما في نص (كلمات خضراء)، حيث يتحوّل إلى شيء تقوم باجتثاثه وتقطيعه، ورميه قطعة قطعة إلى قطط شاردة، وفي ذلك ارتباط وانشداد إلى الشبيه في الاغتراب والتشظي من جانب، ومن جانب آخر يتساوق مع التحلل التدريجي، والتسليم الهادئ، للوصول إلى النهاية والعدم أو الموت الصامت. ففي نص (أغنية للتعاسة) هناك جنوح لتأسيس خصوصية ذاتية، ترتبط بالسمات الظاهرة المسدلة عليها، بداية من العدمية، ومرورا بالهوس والاكتئاب، وانتهاء بالتمسك بالنشوة المختلسة، ومحاولة استبقائها، بوصفها ملامح لاستيلاد أبدية جزئية في مقابل الواقعي. فالفرح أو النشوة المختلسة تتجاوب مع وجه الذات المقموع تحت سطوة الواقعي المهيمن، وحين تغيب تلك النشوة تفقد اتصالها الطبيعي بالعالم، فتنطوي على وحدتها، وذوبانها التدريجي نحو الموت، دون إشارة أو جلبة كاشفة عن الأزمة الذاتية (من عساه أن يحب امرأة بهذا القبح- تأكل يدها حتى لا تلوّح لأحد عند الغرق). لقد تجاوب مع التوجه السابق الخاص بالتسليم والاستمرار بالقصور الذاتي، للوصول إلى مرحلة التيبس، والانعتاق من الأشياء والآمال وسلطة القادم، توجه آخر يأخذ في النصوص الشعرية مدى واسعا، في إطار محاولة فكّ الارتباط مع الوعي والإدراك السائدين، لكي تصل الذات إلى وعي متواز مع حالة الانعتاق والتصالح مع الواقع انطلاقا من اليأس بعيدا عن الصراع والصراخ، وعي بعيد عن الارتباط بالأشياء دون شعور بالدين أو الاستدانة لارتباطات سابقة. ففي نص (الزرقة لا تعني شيئا للبحر) هناك محاولة لفك الارتباط بين الزرقة والبحر، وذلك ليس شيئا بسيطا، لأن في ذلك زلزلة لدلالات البحر المعهودة والمستقرة، وكذلك فك الارتباط بين الوردة الحمراء، وما تشير إليه من دلالات مثل الحب والقوة والشدة، وكذلك بين الماء والصحراء. ففي هذا النص يشعر القارئ بمحاولة محو هذا الارتباط المؤسس الأصيل. فهذه الارتباطات- في منطق النص الشعري- تمثل أقنعة، ومعها تأخذ المفردات دلالات جاهزة شبيهة بالتورّم، بفعل الوعي الشعري والإضافات المتتابعة، فكأن ذلك محاولة للانفلات من مسّ السابقين، للوصول إلى مواجهة عارية، تتجاوب مع حالة الانعزال عن الحياة وما توحي به من تواصل مع البشر والأشياء. ويتجاوب مع حالة المواجهة العارية مع الوجود والألفاظ الدالة على الأشياء، توجه جديد يعود بالذات الشاعرة إلى الفطرة الأولى المأخوذة بحياة البداوة، فيعتمد النص على مقارنة لافتة بين حياتين، مع الانحياز للبداوة في مقابل المدن والحضر. فالنص الشعري (أوهام المدينة) يؤسس بنيته على نسق التقابل المستمر بين جزئيات مرتبطة بالبداوة مثل زهرة (الديس) وشجرة (الطلح)، و(النخيل)، و(ناي الراعي)، و(أثر النباح على الرمل)، و(خط المواويل على الرمل) في مقابل (زهرة الجرانيوم)، و(نباتات الزينة)، و(رسائل الواتساب). والمقابلة في النص الشعري لا تقف عند حدود وشكل المقابلة التقليديين بين جانبين عاديين، بل مقابلة بين إطارين أو تصورين أو نمطين للحياة، الأولى حياة البداوة، والأخرى حياة المدن في تصور أولي، ولكنّ هناك تصورا ثانيا يتمثل في الفارق بين الجمال الشكلي والتنظيم دون روح، والجمال العفوي الطبيعي، فالأول يجعل إدراكنا للوجود مشدودا للجاهز والنمطي البرّاق بالتنظيم، والأخير يجعل إدراكنا للعالم مشدودا للجمال الخفي الذي يتبدى في أشياء روحية غير منظّمة، تتعلق بالقديم وحضوره المختلف. الجسد وقمع الأبوة في نصوص الديوان الشعرية هناك انفتاح على جزئيات معرفية لافتة، تتجلى بمنطلقات خاصة، أهمها الجسد وإطاراته الخاصة، حيث تجلى في المعاينة المشوبة بالخوف والاستغراب. فقد كشفت النصوص عن هذه العلاقة الملتبسة بالجسد، فمع مرحلة النمو وظهور العلامات الدالة على النوع البيولوجي والشريحة يتولّد نوع من الخوف المرضي، يؤسس لنسق وطبيعة العلاقات مع الآخر على الطرف المقابل، ويظل ذلك مؤثرا. وبالرغم من مرور السنوات يظل الخوف حاضرا. قياس التحولات يتجلى في نص (بورتريه لامرأة خائفة) بداية من ظهور الأعراض (حين خالف جسدي وصايا الطفولة)، ويكوّم النص بالتدريج من خلال بنيته مظاهر التحوّل، ويكشف عن أثر هذه العلاقة الملتبسة بالجسد، في السطور الأخيرة من النص، وبعد مرور سنوات عديدة (كلما قابلني الحب- يهزّ الهلع قلبي- كأنما في الخارج ذئب يعوي- وفي الداخل أرانب صغيرة تركت وحيدة). فتنضيد التقابلات بين (الذئاب- والأرانب)، و(الداخل- والخارج) كاشف عن الخوف والهلع، وكاشف أيضا عن ذات مكتفية بذاتها، تقاوم الانفتاح على الآخر، والارتباط به، لأنها تعوّدت من البداية على الاكتفاء الذاتي والتقوقع. إن أزمة الجسد تأتي في نصوص المجموعة مرتبطة بالعنف الأبوي، ليس العنف بمعناه البسيط المعهود، ولكن العنف الذي يحدد ويشكل النمط الذي يجب على الذات أو الذوات التي تنضوي في كنفه، أن تتشكل في إطاره، فهو عنف أقرب إلى الابتسار نحو الجاهز العرفي، أو عنف يفرض محددات السلوك والحركة. وهناك نصوص وإشارات كثيرة تكشف عن كثافة ذلك الحضور في الديوان، فإذا كانت هناك علاقة ملتبسة بين الذات وجسدها، فإن هذا الالتباس يظل حاضرا في علاقة الذات بالأب، من خلال صور العنف في التنميط والتشكيل وفق رؤيته ونموذجه الجاهز وأعرافه التي يتحرّك في إطارها، بعيدا عما تقتضيه سنها، وبعيدا عن التجلي أو التمدد أو التكوّن الحر. في نص (استنكار أخطأ توقيته) نجد أول تجل واضحا للفاعلية الخاصة بالأبوة، من خلال صورة (الدمية) التي تشكلها وتحدد مسارب حركتها الأيدي الخشنة (إنني كائن خفيف- وكل هذا الألم الذي تستلذونه- ليس سوى نشارة لدمية خشبية- تستنكر ماضيها في الوقت الخطأ). النص يمثل سيرة مرتبطة باللحظة الآنية، ومن ثم فهي تتشكل وفق ارتدادات كثيرة للماضي، ارتدادات مشفوعة بالقراءة والتفسير وفق لحظة مغايرة، حيث تشير إلى ندوب الذات التي لا تمحى، بل تترك أثرها في الحركة والتوجه، وفي الثبات بسبب ميراث قديم من الخوف. فالعنف في التطويع والتشكيل وفق رغبة الأبوة بحدث نوعا من الابتسار للنمو والتشكل الطبيعي، حيث يبطل عمل أو وجود مقترحات عديدة للتكوين (لأشبه رغبة أبي- خذلت كل النساء اللائي كنت سأكونهن). فالصورة التي يشكلها وينمطها الأب تمارس دورها في قمع صور عديدة للذات كان يمكن أن تكون مقترجة للتحقق. ولا يتركنا النص الشعري دون إلماحات لطبيعة التكوين وأساليب التنميط، ولكن كل ذلك يتمّ بشكل غير مباشر، بل من خلال إيماءات تقف عند حدود الإشارة، مثل (القبل لا أعرف عنها شيئا- كيف بوسع قبلة أن تجاور كدمة على الخدّ)، أو مثل إشارة أخرى تطل بعد سطور في النص الشعري (مدينون للموت- كلما خرجنا لنحتفل- يذكرنا برؤوسنا المعلقة- في سقف البيت). رصد الماضي أو مرحلة الطفولة على نحو خاص تطلّ من النصوص الشعرية من لحظة آنية، فيأتي فعل التذكر كأنه إعادة تشكيل وإنشاء، ويتولّد في إطار هذه الإعادة محاولة قراءة وتفسير للماضي والحاضر في آن. وهذا ربما يكون مولدا من غرابة الحركة والتوجه الآنيين، تأثرا بالتكوين والتنميط القديم للذات. وهذا لا يتمّ بسهولة ويسر، وإنما يتجلى من خلال محاولة الإمساك بالإيماءات أو الندوب المستمرة، من خلال حركة دائبة للتفسير والتأويل، ولهذا جاء النص مبنيّا داخل شكل المقطوعات الذي يوحي بالانفصال، ولا يكف في الوقت ذاته عن الإشارة إلى الاتصال بين إيماءات ومعضلات التكوين واللحظة الآنية، حيث تلح الذات على الإشارة إلى الوجود المرتفع عن سياقها الطبيعي المنمط. وفي ظل الفهم السابق يمكن تفسير الصور التي تشكّل نتيجة طبيعية لهذا التكوين المبتسر الخارج عن سياقه الذي يكشف عن ملامح تشكيل تأسس بالقوة والعنف، في مقابل التجلي الطبيعي المختزن والمقموع. يتجلى ذلك في صور عديدة كاشفة عن الصراع أو العراك الداخلي، مثل رأب الصدع بين جبلين، أو الشفقة على المكان المظلم (إشارة إلى الوجود الباطني الخفي)، أو حركة المروحة في غرفة ميّت، أو تفكيك الضغينة، كما يفكك جندي للغم. وكلها صور جزئية ترتبط بالتبئير على الوجود المقموع في مقابل الوجود المهيمن، فالوجود المقموع أو الصور العديدة للذات التي أبعدها التنميط تطل دائما بحثا عن تجل، ومن هنا يحدث الصراع الداخلي غير المرئي. ولكن الصورة الأخيرة تأتي لتكشف سبب هذا التوزّع أو الصراع، أو الحركة الزائدة عن الحد، فقد ختم النص بقوله (لقد أفسد الشعر هويتي- أنا الغراب الذي دفن صاحبه وضلّ- طريق العودة إلى البيت). ففي هذا الجزء الأخير تتأسس مشروعية للفهم السابق، فهناك ثنائيات متوازية: الغراب المدفون في مقابل الغراب الذي قام بعملية الدفن، وقابيل في مقابل هابيل اللذين يأتيان بوصفهما خلفية دالة، والتكوين المبتسر بفعل الأب، والتكوين أو التكوينات المختزنة المقموعة المولودة في كل لحظة شعرية، وكل قسيم من هذه التوازيات، لا يتمّ له وجود كامل أو شبه كامل إلا بغياب الآخر، ليبقى الشعر في منطق النصوص الصورة الغائرة، وكل محاولة من حركاتنا التي تنتهك نمطا أو عرفا، لا تمثل سوى محاولة للإمساك به، للوصول إلى حالة إبداعية فريدة، حتى لو تجاوب مع هذا الوصول خروج عن الشخصية التي يؤسسها العرف أو النمط، وهي النموذج الذي يتكفل الأب أو الأبوة باستمراره. الأبوة في تصورها الواسع، لا تقف عند حدود الشخص المعهود والمتجسد، كما تجلى في بعض النصوص بشكل لافت، فالأبوة في مجمل نصوص الديوان لا تقف عند عنف التشكيل الجاهز المنمط القائم على الأعراف، حيث يلحّ الأب حاضرا من خلال قيامه بدور خاص، بوصفه الشخص الذي تترك له حراسة النمط واستمراره فاعلا، بل تتوجّه الأبوة في بعض النصوص إلى أب غير حي، يتمثل في مجموعة الأعراف والآليات المرتبطة بثقافة محددة، وهي تمارس دورها وفق التحديدات الجاهزة المستقرة لكل نسق أو قسيم، وخاصة نسق المرأة، فتجد نفسها داخل هذا النمط متجذرة فيه بعيدا عن توقها الطبيعي. ففي نص (كأن العالم تنقصه امرأة) تتجلى مجموعة من الأعراف التنميطية الخانقة، بداية من الميلاد، وتظل الذات أو صوت الساردة على امتداد النص الشعري يعاني من هذا التكبيل المقيّد لحرية النشوء الطبيعي دون محددات جاهزة. ويكشف النص الشعري في نهايته، بعد تقديم مجموعة من الآليات التنميطية المشكلة للنسق الأنثوي- حتى لا يتم خروجها عن النسق مستقبلا، وتخطيها للحدود المرسومة- عن أن ذلك لا يعدّ نموّا طبيعيا، بل يمثل نموّا وتوجها مفروضين على إرادة الذات، يقول النص (نامي فغدا أنت امرأة- منذ ذلك الوقت- امتنعت عن النمو). ما يمارسه الأب من تأثير بوصفه حارس النمط، وما يوجده النسق الثقافي أو العرفي من حدود له دور لافت، خاصة إذا كان ذلك يتم في مساحة عمرية محددة، هي فترة اكتساب المعرفة والوعي بالعالم. فكل ذلك له تأثير على رؤية العالم ومقاربته والارتباط به، فهناك فعل (الخوف) المتولد من الماضي، ويظل له حضور وتأثير في اللحظة الآنية. ففي نص (جرح في ركبة بيت) يصبح الخوف ميثاقا أبديا للحركة في التعرّف على العالم ومقاربته، حتى بعد مرور السنوات، ويظلّ حاضرا بأثره في اغتراب الذات عن محيطها. فالخروج عن محددات السلوك القويم يستدعي عقابا متواترا، سواء كما أشار النص الشعري في رفع صوت أغنية (حليم)، أو في ارتداء ملابس خارجة عن المقبول، أو رؤية العالم من ثقب فردي، به مسحة من خصوصية وتفرّد بعيدا عن مقاربة ورؤية المجموع، فكأن ذلك في منطق الأبوة بمفهومها الواسع خروج عن المتواتر والمستقر. فانتيجة المتولّدة بسبب كل ذلك تتمثل في استفحال فزّاعة الخوف، حتى بعد النمو، فحين يقول النص الشعري (هكذا يكبر الخوف- تصبح بيته المهجور- يطل من نوافذك- عيناه حمراوان- كجرح يتدفق من جلد الظلام- ويتمدد كل ليلة في أطرافك الناقصة) يدرك القارئ أن تهديدات الأبوة (قطع الأطراف التي تتجلى في الذهن ناقصة) تظلّ حاضرة بوصفها تمثيلا لدال الخوف من العقاب، وتظل فاعلة في فقدان البوصلة والطريق والتوجّه، لأن هناك عراكا داخليا بين ما تريده الذات لتحقيق حريتها بالانعتاق، وما تأسس داخلها من أوامر وشروط للقبول والسلوك القويم، فتبدو الذات متجذرة داخل الوقوف والثبات. وفي ظل ذلك الفهم يأتي اهتمامها في النص الأخير من الديوان مرتبطا بالصفر الذي يمثل عراء، ومساحة وقوف وبلبلة وانطواء، واختيارا للكمون، فالصفر في النص الشعري (بقعة عمياء يتخبّط فيها الأمل-لمعة الوعي في بطء البديهة- نية المسافر قبل بدء الطريق- الصفر بؤبؤا عينيك الضيقتين- حين غادرتا إلى البعيد- الصفر التواء ضلعين في صدري- يئنّان حين أضاعا- دورهما في العناق) الصفر هنا يمثل الحياة بعيدا عن التورّط، الحياة من أيسر جوانبها دون صراع، الصفر يمثل انتشاء بلحظة الوقوف أو الثبات أو العدم، وكأن الذات الساردة تعتبر الحياة وجودا مؤجلا، لصور تختزنها في حدود بؤبؤي عينيها، لكنها بسبب التكبيل القديم، والكبت الأبوي وفاعلية الأعراف المسيّجة للحركة، لا تتحرّك باتجاهها للوصول إلى تحقيقها، فقط تكتفي بتأملها في أسى شفيف، فالصفر فوق كل ذلك- ونتيجة له- يمثل غيابا للقدرة على الحركة أو الفعل، وغيابا لبراح الاختيار، وحضورا للتوزّع الذي يفضي إلى الثبات، والسبب يعود إلى وجود ذاتين: إحداهما مؤسسة ومسيّجة بالحركة داخل المجموع والسياق، والأخرى يتأسس وجودها في انفلاتات إبداعية داخل راهن خيالي، تسيطر فيه سيطرة جزئية، لكنها سريعا ما تعود مقهورة مقموعة داخل حدود النمط بصلابته، وداخل عنف الأعراف.