عادل ضرغام

جدارية السيرة وتراتب أجزائها في ديوان مدينون لك أيها اليأس للشاعرة مروة أبوضيف

غلاف كتاب  جدارية السيرة وتراتب أجزائها   في ديوان مدينون لك أيها اليأس للشاعرة مروة أبوضيف
جدارية السيرة وتراتب أجزائها في ديوان مدينون لك أيها اليأس للشاعرة مروة أبوضيف عادل ضرغام في ديوان (مدينون لك أيها اليأس) للشاعرة المصرية مروة أبوضيف ثمة استصحاب دائم للخراب الداخلي، والالتفات إلى الماضي، وكأن هناك رعاية واستئناسا خاصين به، وهناك في الوقت ذاته ترقب خفي للقادم، وإن كانت النصوص كلها تلحّ على قيمة الانعتاق من الأمل والقادم، والسير في مساحة ثابتة كاشفة عن الحركة في ظل القصور الذاتي في المساحة الرمادية التي تتكشف بعد التجارب الكبرى والانتباه إلى مآلاتها الكاشفة عن الخيبة والخواء. في الديوان غياب كامل للعناوين، واستبدالها بالأرقام، وهذا مؤشر لافت في تلقي العمل، لأن غياب العنوان إشارة للانفتاح على عوالم النص دون مرشدات سابقة، فالعنوان يصنع فضاء فيه نوع من الجاهزية، ويصنع في الوقت ذاته أفقا- ولو محدودا- للتأويل. فغياب العنونة فيه الكثير من حرية التلقي والمواجهة بالنسبة للقارئ، وفيه شيء آخر، يمكن أن نسميه انتعاشا متواليا لحالة نصية متشابكة. الديوان أشبه باللوحات الفنية التي تختلف فيما بينها، لكنها في النهاية تتلاحم بانشدادها إلى جذر معرفي، فالقارئ في هذا الديوان أمام جدارية متوالية كاشفة عن حالات متشابهة ومتلاحمة للوجود الإنساني. وهذا يفرض تلقيا مختلفا، يحتفي بالتجاوب والتداخل أكثر من احتفائه بالاختلاف والتنافر، فالنصوص المتوالية الموزعة إلى أرقام بدلا من العنوان، نصوص نامية لتقديم سيرة للهشاشة والانزواء داخل الخراب الداخلي والتشظي، لذات منغرسة ومتجذرة في هذه المساحة، تدرّب نفسها على الانعتاق. والجدارية- لأتها متعلقة بجذر معرفي مشدود لذات لا تكفّ عن طرح الأسئلة الوجودية- لا تسلم من التداخل والتجاوب والتكرار. والجدارية النصية- نظرا لطبيعتها- لا تتمدد متتابعة وفق خط وحيد، أو أفق دلالي واحد متنام، بل تظل مشدودة لتكرارات وتجاوبات جزئية كاشفة عن الحال النامية، وقد يشعر القارئ أن هناك تكرارا أو ثباتا للحالة أو للجزئية السيرية، لكنه يكتشف أن هذا التمدد الكاشف عن تكرار حزم دلالية ما، تمدد ينبع من طبيعة الحالة الشعرية التي تتأبى عن التجلي بشكل نهائي من دفقة واحدة، فالأمر يحتاج إلى محاولات عديدة، وكل محاولة- وإن انتمت إلى جذر معرفي أو إلى حالة تمثل جزءا من الجدارية أو الجداريات- تضيف جزءا أو تمددا، قد يكون مكمّلا أو كاشفا أو مفضيا إلى نمو خاص. القارئ لهذا الديوان يجد نفسه أمام لوحات نثرية، كل لوحة تحمل رقما، وله الحق في أن يدخل إلى الديوان من أية لوحة دون ترتيب معين، فهي نصوص نثرية لها أرقام، أشبه باللوحات المعلقة داخل معرض للفن التشكيلي، فالأرقام هنا لا تُحمل هنا على الترتيب، بقدر ما تحمل على التحديد. فالنصوص أو اللوحات يمكن إدراجها داخل دائرة الانفصال والاتصال في آن، وكل نص قائم بذاته، لكنه من خلال التجاور الجزئي، او التجاور الكلي، يفقد جزءا من ذاتيته وفرديته، ويصبح جزءا داخل السيرة الجدارية، تستلهم الحالة، وتُدرج تساؤلاتها ورمزيتها ونزوعات تكوينها، وتنفتح على أسئلة وجودية وثيقة الصلة بحالة الثبات والانعتاق من التعلق بالقادم، متدثرة في أحيات ليست قليلة بالعودة إلى الماضي وتشكلاته التي لا تخلو من وفرة مساحات السعي ارتباطا بالمتخيل، لكن هذا الماضي يلحّ في نصوص أخرى منهزما أمام الحاضر الآني، ولا يقوم بدوره في خلق دروب ومسارب للاستمرار. الجدارية السيرية في نصوص الديوان يجد القارئ نفسه أمام جدارية نصية، تعترف فيها الذات للآخرين ولنفسها بخيباتها المتراكمة، وكأن في الاعترف بداية للإدراك، وبداية للبحث عن طريق تتحرّر فيه من أزماتها. والنصوص في إفضائها بالصور أو اللوحات المتوالية للسيرة تستند إلى ضمير المتكلم من جانب، وتتأسس في إطار فكرة العرض والكشف، والانفتاح على هشاشة هذه الذات من جانب آخر، فليس هناك مساحة من التواري. تكشف النصوص بلوحاتها المتتابعة عن ذات تعرض بؤسها وتعرّيه، في مواجهة واقع ضخم، لا تتوجه نحو تفصيلاته، بل تعرض له مجتمعا بشكل كلي. يمكن أن نقف عند حدود اللوحة/ النص رقم (4)، لندرك مدى مشروعية التوجه، وأننا أمام جدارية أو لوحات متتابعة، كاشفة عن الداخلي الباطني، ولكن اللوحة لا تحتوي على كتلة فنية وحيدة، فهناك الكثير من الكتل التي تحدث بتجاورها وتجاوبها انفتاحا على الحال الفردية، وهي تتشابك مع كتل أخرى داخل إطار اللوحة. فالكتلة الأولى في اللوحة تقول (حين منحتكم أصابعي/ وضعتموها في مزهرية جميلة/ فرحت وصدقت أنني حديقة)، وهي تمثل بداية الانفتاح على الآخر، في ظلّ وعي مختزن، يؤمن بمشروعية القيم والمثل، وكأنه وجود مثالي أولي قبل الاندماج والنزال. الكتلة الثانية تدخل القارئ مباشرة لفعلي النزال والتجريب، في ظل تداخل بين الذات والعالم على تنوّع جزئياته، فحين يقول نص الكتلة (حين منحتكم ظلّي/ قمتم بسلخه على العتبات/ ومسحتم أحذيتكم/ فظننت أني أضحية مباركة/ وفرحت). فمنح الظل يمثل عطاء، لأنه وجود متخيل لكائن فيزيائي، وحين يتحوّل إلى عتبة تمسح فيها أحذية البشر، يدرك القارئ أن ذلك وجود خاص لتقابل المثالي في اللوحة السابقة مع الواقعي التجريبي في هذه اللوحة. وهذا الواقعي لم يتوقف عند حدود اللوحة الثانية، بل تجلّى في فصائل عديدة، شاهدة على مساحة النزال وقدرته في نفي وهدم كل ما هو مثالي مختزن عن الحياة، ففي لوحات تالية نجد دائما مساحة من العطاء يقابلها سلوك مغاير، من المجموع (ولمّا أعطيتكم قلبي ...)، و(أما سيرتي الذاتية...)، وفيهما يتجلى الفعل العنيف. وإذا كانت هذه اللوحة جزءا من الجدارية السيرية، وبداخلها كتل وأيقونات كاشفة عن عنف الرحلة، فإن الكتلة الأخيرة في النص أكثر وضوحا في الإشارة إلى البون أو المساحة الشاسعة بين البداية تحت سطوة المثال، والبداية في ظل سطوة الواقع، وما تحدثه بالبشر من انحناءات وتحولات تصيب النموذج المثالي المتخيل، خاصة بعد الإشارة إلى الشكل النهائي (البهلوان)، فالمتخيل حين يتطابق مع الذات، لا يخلو من نضارة وحيوية، ولكن (البهلوان) في الأخير إشارة إلى حجم التغيير، يقول النص (تصفيقكم الحاد يا سادة/ جعل من كل هذا شيئا جميلا/ حتى وإن كنتم تقذفون الطماطم الفاسدة/ والحجارة/ وتهتفون بهلوان فاشل). في بعض النصوص، تتحوّل الكتلة النصية إلى لوحة نهائية كاشفة عن المآلات والنهايات الخاصة بالذات، وهي مآلات متخيلة منتظرة، تقدّم شعريا في شكل لوحة مرسومة بدقة، ففي الجدارية رقم (5) يتشكل توقّع المآل أو النهاية للذات من معاينة النماذج التي تبصرها في الواقع، وتتمثل في المشردين في الشوارع الذين لا بيت لهم يأوي عظامهم، يقول النص (وأنا أنزوي تحت أعمدة الإنارة الخافتة/ تخففت كثيرا من الأشياء من حولي/ الجمال/ العمر/ التجربة/ ينكمش الجلد/ يخبئ بين طياته الكثير/ عشّاقا/ أصدقاء/ نجاحات ممكنة). في هذه الكتلة ثمة تشكيل للتحولات العديدة التي لامست الذات في العمر والتجربة والجلد، بوصفها أشياء حسية ملموسة، ولكن اللوحة لم تقف عند حدود الملامح الشكلية، وتحديد مكان التشرد أسفل عمود الإنارة، ففي بقعة لونية/ نصية أخرى يتوجه النص وجهة مغايرة ترتبط بمتغيرات الروح، والإيمان بالقدرة على تحقيق الآمال المطروحة بداية من لحظة الوعي والانتباه، تبدو المتغيرات وثيقة الصلة بالثبات والحركة داخل المكان بالقصور الذاتي، والتخلي عن الغضب معادل التمسك بالأمل والمعافرة من أجل تحقيق الرسالة (صدري الذي كان دائما بحرا/ لم يعد قادرا على الغضب/ لم يعد راغبا فيه). هناك في ظل هذا المآل انعتاق من التصور النموذجي المشدود للأحلام، فالذات بعد فعل التجريب والنزال مع الحياة، وصلت إلى حالة من السكون والراحة بعيدا عن التعلق بالأحلام (والأحلام التي حجبتني كثيرا عن ممارسة الحياة/ صارت وسادة مناسبة/ لنومة هادئة تحت عمود إنارة طيب). وتستمرّ هذه الاستعارات التقابلية الحادة بين التجليات الأولى للمتخيل، والنهاية والمآل، وما يصيبها من تشوهات، في شكل كتل كاشفة عن تناقضات حادة. وفي ظل هذا الصراع الذي يفضي إلى هزيمة ما، وإلى شكل رتيب من الارتباط بالواقع، تنبت أسئلة وجودية كبرى، ترتبط بالحياة، وهذه الأسئلة لا تتولّد في ظل البراح أو في ظل تطابق المتخيل والواقعي، وإنما تظهر- غالبا في سياق البحث عن التفسير- في لحظات الهزيمة والانكفاء. قالترميم الذي تنتظره الذات في النص/ اللوحة رقم (8) يولّد نوعا من الانتظار أو الارتباط بشخص يستطيع ترميم شروخ الجسد والروح، وتتعدد صور وسمات هذا المخلّص الذي يغيّر في حواف الصورة وإطارها، ويحيل الوجود الخاص من وجود شمعي إلى وجود حقيقي، بداية من حبيب منتظر، أو شيخ يجلب اليقين، بإدراكه لهشاشة الذات دون عنف. وفي شكل أخير لمحاولات إسدال خلاص موهوم، يتجلى في الاستقواء الذاتي، يقول النص (لما تسلّق السرطان كتفي/ وقفز مسرعا إلى سرير العائلة/ أسماكا صغيرة ملونة/ ووردا ونعناعا رائعا/ لأغيّر رائحة البيت وأتمسك بالبهجة/ ثم تسلل الموت بخفة). ففي سبيل المواجهة تتعدد وسائل الاستقواء، من خلال تعلّم الرقص والغناء بوصفه سبيلا مقترحا للتغلب على حالي الحزن والهريمة، ولكن كل المحاولات- من خارج الذات أو من داخلها- لا تفلح في زحزحة الحزن أو الخواء، فالهزائم المتكررة تجلب الصمت والسكون. في اللوحات أو الجداريات والنصية النثرية، تتجذّر هذه النهايات والمآلات، والتوسع بها للتأكيد على وجودها وفاعليتها أفقا مطبقا. في اللوحة النصية رقم (15) هناك بداية بطرح سؤال: كيف تعالج اليأس؟ ثم توجه تدريجي لرسم الطريقة أو النسق المتبع مع هذه النتيجة المرتبطة باليأس، ويتوزع التوجه إلى ناحيتين: تتمثل الأولى في الانعتاق من الآمال والأحلام، والإيمان بعدم القدرة على تحقيقها مع كل بداية صباحية، وهو توجه مغاير لحال التعرّف الأولى، فكل الصور في بداية المقطع تؤسس للثبات أو لحركة قائمة على مراقبة القصور والوقوف (كيف تعالج اليأس؟ تبتلع أحلامك كل صباح ...). أما الأخرى فإنها نابعة من ثبات اللحظة الآنية وجفافها، فتتوجه نحو الماضي، لمعاينة التطلعات الأولى، فالذات في ظل ثبات الآني تعاين الماضي بشكل مغاير، فيحلّ الحنين إلى الأشياء، مؤسسا لفعل الاجترار اليومي. وفي سياق هذا القانون القار الذي يحرّك الذات تلقائيا، لكي تتمّ معاينة السياقين في شكل متناقض في آن، تبدو الحياة إمكانية جميلة لشيء لا يتحقق أبدا. فالحياة في لوحة أخرى، أو داخل جدارية مجاورة، تنقل الذات من النقيض إلى النقيض (هذه الحياة مخادعة وماكرة/ والضحكة بإمكانها أن تنقلب عن فورها إلى بكاء/ دون حتى حاجة إلى سبب)، ويتمدد النص/ اللوحة في إطار تلك الثنائية إلى جزئيات متقابلة، تتبدّل الواحدة منهما إلى الأخرى في لحظة ما. فالقيامة أو النهاية تنقضّ في لحظة الطمأنينة، والبراءة الأولى تتحوّل إلى تجاعيد وتشوهات، رسم الزمن والواقع آثارهما عليها، والغناء قد يقطع إلى الأبد، بسبب رصاصة أو حادث أو سرطان. الجدارية النصية لا تصنع فقط بتتابع النصوص أو اللوحات ذات الكتل المتناثرة بداخلها، لكنها في كثير من الأحيان تصنع بالتجاور، حيث لا تكون النقلة واضحة بين نص وآخر، أو بين لوحة وأخرى، ولكن يجد القارئ مجموعة نصوص أو لوحات لتشكيل مساحة من الجدارية السيرية، أو للوعي وتحوله من التهويمي إلى التجريبي. فإذا كان النص السابق يرتبط بالسكون والصمت والقصور الذاتي في الحركة، ففي جدارية تالية أو في نص نثري تال، يكتسب هذا السكون ملمحا يقوّي هذا التوجه ويؤسس له في شكل ليس بعيدا عنه. وبين سطري البداية والنهاية (أعرت وجهي للغريب)، و(لأني سئمت غربتي) تتشكل مساحة التداخل والتماهي بين الذات والغريب المصنوع، للتعبير عن حالها من جانب، ومن جانب آخر لصناعة تماه بينهما في مقابل الأشياء المحيطة التي تمت للتكوين الجديد الذي انتهت إليه الذات بصلة، مثل (بائع الجرائد) أو (أطفال الشوارع). وفي كتلة ثانية داخل اللوحة تتأسس العلاقة والتشابه مع قسيم آخر، يتمثل في المساكين الذين يكثرون من الدعاء له. في نهاية اللوحة من هذه الجدارية تتبدّى مساحات التطابق بين الذات وشبيهها المصنوع الذي يدور في مساحة المتخيل أو المتوقع القادم لنهايتها. فاللوحة- هنا- من خلال عقد التشابه والتماهي تتوقع وتقرأ مستقبلها. فالتخلي عن الوجه القديم، للغريب ليس إلا بروزا ونموا لوجه جديد، ينفر من السابق، ومحاولة لإسدال مشروعية للتطابق، فقد أصبح الوجه والحال تلك شبيها بوجوه المشردين والغرباء، ويفقد مشروعية انتمائه إلى تكوين سابق، أو إلى بهاء لحظة ماضية، تشعرها بغربة راهنة، فتقرر الخروج واللجوء إلى شبيه يتجاوب مع الآني، يقول النص في نهايته (أعرته وجهي، لأني لم أعد أريده/ لأنه صار يلطمني كلما رآني في المرآة/ لأنه يبصق على ظلي كلما لمحه/ ولأني سئمت غربتي). الجدارية وتراتبية التجاوب يأتي غياب العنوان وإحلال الرقم مكانه، وثيق الصلة بالرؤية والتصور للعالم، رؤية تحدث ميوعة ومرونة لافتة للحدود الفاصلة بين النصوص، فهناك حركة دائمة، لا تبقي على حال ثابتة، فالواقع سريع التحوّل، والنصوص تشير إلى ذات اختارت عزلتها ويأسها، تنتابها دائما حالات واسترجاعات متناقضة، لأسباب لا تتجلى بشكل مباشر، نظرا لطبيعة النص الشعري. فالنصوص في غياب العنوان- حيث يضع شبهة الحد الفاصل وشبهة تحديد التوجه القرائي- تغطّي في عطائها الدلالي مساحة من الفيض الذي يجاوز الحدود، ويطفو فوقها، وتصبح النصوص سيمفونية حزينة ممتدة في ترجيعاتها الصوتية لآهات وأحزان ذات تحبسها وتختزنها. في إطار هذه البنية المنفتحة التي لا تقيم وزنا كاملا للحدود، يظل السؤال حاضرا عن طبيعة الترتيب الخاص بالنصوص النثرية أو الجداريات واللوحات المعروضة المتلاصقة، فوقها أرقام للتصنيف والتعداد. الجداريات النصية الشعرية لا تخضع لترتيب، وكأننا أمام سبب ونتيجة، أو حالة آنية لها أسبابها، ومحاولاتها للخروج، فالفن له طرقه الخاصة التي لا تخضع لترتيب نسقي نهائي. في بعض الأحيان يبدأ تشكيل الجدارية محتميا بالنتيجة، أو بالحال الآنية التي انتهت إليها الذات، في تنضيد سيرتها أو جداريتها الخاصة. وبعدها- أي بعد البوح التلقائي بالحال الآنية- تنتبه إلى أسباب الوصول إليها، فالسكون أو الثبات الكاشف عن حركة شبيهة بالقصور الذاتي، لا فاعلية فيها للذات، بالإضافة إلى الانعتاق من التمسك بالأمل التي رأينا صداها في اللوحات الأولى للجدارية، تبدو حالة لا تخلو من راهنية، مشدودة إلى أسباب شديدة التعقيد، ويبدأ الكشف عنها تدريجيا في النص/ اللوحة (19)، وسوف تخايل القارئ- في محاولته تلمّس هذه الأسباب- كلمة (الفراق) في السطر الثاني (قلت لي إنك تحب الفراق أكثر)، وتصبح بابا جاهزا، ليس للدخول إلى هذه اللوحة الجدارية فقط، بل لإعادة النظر إلى مجمل الجداريات أو اللوحات السابقة، ومحاولة إعادة تأملها، في ظل اكتشافات دلالية، توجّه نحو فهم قائم على التبرير الخاص للحالة. فالثبات أو السكون الذي رأى القارئ ملامحه في الجداريات الأولى نابع من الفراق الذي يجذّر الذات في مساحة الوقوف، والارتباط بها واستحلابها، فتتم عملية الاستعادة بشكل دوري خيالا، وكأنه- في تقابل مع الوقوف الآني والفعلي- بنية مؤسسة للحياة ولبثّ نوع من الاستمرارية فيها، فالحياة في ظل الفراق- واستمراره بشكل متوال كأنه تطابق في المآل- ليست إلا إيغالا في التمسك بالخسارات، والوقوف عندها. الفراق في منطق النص الشعري أو الجدارية (هي اللحظة الوحيدة التي أتوقف فيها حقيقة/ عن الأمل/ عن الانتظار/ هي اللحظة الوحيدة التي أنشغل فيها حقّا/ بالحياة/ وأنا على وشك خسارتها). الجداريات – بالرغم من هذا التوزّع أو التناثر لنصوصها- تحتوي أو تخلق بعضا من التتابع للحكاية أو للسيرة، وإن كان تتابعا يخلقه ويثبت ملامحه التأويل، فالدخول من الآني الذي يرافقه- بالضرورة- التوجه نحو الماضي لمعاينة لحظات خاصة، يتبعه- وكأن ذلك شيء ضروري ومتطلب من متطلبات السيرة وتفسير انعطافاتها- وقوف عند معاينة الكائن (الحب) الذي ولد وترعرع، ومات في النهاية في الجدارية رقم (32)، ويتمدد التوجه ذاته في الجدارية النصية رقم (33)، حيث يؤسس النص وجوده اللافت بين الحال الأولى للشعور بالحب وميلاده، وما يوجده ويشيعه من موسيقى وجمال متناغمين مع الحياة، والحال الأخيرة، وما توجبه من صديد وعويل وصراخ، وكلها نزوعات تعبر وتكشف عن صعوبة الرحلة المهلكة. وقد عرض النص أو الجدارية للحالين، مؤسسا براءة وانسجاما للأولى، وإلى تنبّه وتساؤل واندهاش للأخيرة، في ظل مقابلة تأسيسية بين الجنة والجحيم، ففي الأولى انسجام واكتمال، وفي الأخير تشظ وهشاشة واهنة. في نصوص جداريات الديوان هناك حالات ليست قليلة يشعر القارئ فيها أن هناك إصرارا بفعل التجاوب والتكرار، للإشارة إلى الأفكار التي تتناسل فيما بينها لإيجاد أو تشكيل قراءة للحالة. ففي نص الجدارية رقم (37) هناك استناد- مع كثير من المغايرة والتهويم، كما رأينا في النصين (32) و(33)- إلى نصوص من شعر التفعيلة المعاصر، وخاصة إلى نصّي صلاح عبدالصبور (العائد) و(طفل)، لتشكيل منحوتات متشابهة ومتغايرة في آن، متشابهة في التوجه المعرفي العام، ومتغايرة في الدرجة والحدة. ففي النص يدرك القارئ أنه أمام قسيمين متقابلين، يقوم أحدهما بامتلاك حركة السرد وتجلية المعنى، ليقدم تمثيلا للذات وللآخر المقابل في الآن نفسه، فنجد تمثيلا للحظة النهاية، لحظة دفن الكائن وتلاشيه. ويظلّ السؤال عن شعور الآخر (إن كان قد حزن بالفعل) سبيلا للرصد، وللتوزّع بين الشك واليقين، فبينهما إشارة إلى المؤقت والعابر والراحل، لتظل لحظة الموت/ موت الحب، أو لحظة النهاية وثيقة الصلة بالذات، في قول النص (أنا رأيت ذراعه تسقط من تلقاء نفسه/ ولما حاولت ردّها له/ انقلبت عن فورها/ مروحة من ريش بين أصابعي/ والدم الذي سال تخثّر في لحظة/ لكني أظن أنه قد حزن بالفعل). التكرار القائم على التجاوب والنمو والتوليد الخاص بمسارب جديدة للفكرة في فن الرسم أو الجداريات أو في النصوص الشعرية جزء من طبيعة هذه الفنون، لأن هناك جذرا معرفيا يظل حاضرا وفاعلا بصورة ما في معظم النصوص أو الجداريات. فالقصيدة النثرية- أو اللوحة- متفردة في بنيتها، وذات كينونة خاصة من جانب، لكنها من جانب آخر تظل منفتحة على سابق أو لاحق، أو على جزئيات العمل بوصفه كيانا واحدا كاشفا ومشكّلا حالة وجودية معرفية، حتى لو تولّد ذلك في إطار التأويل. النصوص النثرية المتوالية في الديوان لا تفتح الباب لتكرار، ولكن تشكل حزما دلالية مرتبطة بحالة معرفية، تتشكل في كل مرة بشكل مختلف في لوحات العرض النصية، وكأنها تمثل إشارات رابطة للوعي بالحالة وتمددها، وأشكال وجودها وتجليها، فحين تقول اللوحة النثرية رقم (22) (نخطو خطوة واحدة باتجاه الحياة/ حيث الماضي الذي أحببناه صغارا/ والشمس التي لا تزال تشبه رسمنا في الفصل/ حين كنتُ (أمل)/ وكان أخي (عمر)/ وقتها.. كان اليأس يربّي الكوابيس في سرير طفولتي) فالقارئ بشيء من التذكر للنصوص السابقة يشعر أن هناك نوعا من الترابط بين هذه الجدارية وجداريات سابقة، تستند إلى الماضي، وبدايات الطفولة والانعتاق من المعرفة. ولكن الترابط بين هذه الجداريات أو النصوص النثرية ليس ترابطا ينم عن تطابق، فهناك دائما مساحة اختلاف، أو مساحة ولادة جديدة، تشتغل فيها النصوص على إعادة معاينة فكرة، لتفريغها من محتواها السابق، وفق اكتشاف باطني جديد، يتمّ استيلاده بالتدريج. الجديد في هذه الجدارية عن الجداريات السابقة، يتمثل في كونها تحرّر المعنى السابق، وتغيّر في ملامحه، وتوسّع دلالته، وذلك من خلال الاشتغال على فكرة الماضي نفسها، وتحديده في الجداريات السابقة على مساحة زمنية للطفولة. فالماضي في هذه الجدارية ليس ماضيا محددا في إشارته إلى الطفولة وانعتاقها، فالماضي كل بداية تستطيع فيها الذات الخروج من سياجها المفروض في ارتباطها بالعالم، وفتح نافذة جديدة للحركة، وهنا تبدأ دلالة الماضي في الاتساع. الماضي هنا مرتكزات كل بداية، تناوشها القدرة على التعافي والدخول في معترك الحياة والارتباط بها، لأن تكرار الفعل ونتيجته يحميان الذات من الانتكاسات والانفجارات المتوالية، ويجعلانها تتشكل في مساحة رمادية، تشير إلى السكون والوجود في الآن ذاته، بفعل اليأس والانعتاق من القدرة على التأثير أو الفعل. الماضي في نصوص الديوان- بالرغم من حالات التكرار والعودة إليه- لا يتجلى في هيئة واحدة، ولكن في أكثر من هيئة، تمارس فيها النصوص أو الجداريات نوعا من التوسيع، أو نوعا من النفي والتحرير، لإضافة دلالة قائمة على التناقض والتباين مع كل ما سبق. فالماضي في الجدارية رقم (26) لا يتجلى بوصفه- كما في الجداريات الأولى- مساحة للاستقواء، أو لتفعيل القدرة على الاستمرار في مناوشة الحياة، ومقاومة جهامة الآني، بالرغم من الهزيمة والسكون، بل نراه يتجلى في شكل مباين في تعلّقه وتشابهه مع الآني بكل ثقله. الماضي في ظل هذه التوجه، لا يرفد الحاضر بأسباب الاستمرار لنصاعته وجماله، بل نجد- على العكس- الحاضر أو الآني المقبض، يمارس تأثيره، ويرفد الماضي بأشياء من صفاته، يقول النص (وأنا أرمم أشيائي القديمة/ لأعيد الدفء إلى حياتي الحالية/ اكتشفت أني اعتدت البرد أكثر/ أن كل ابتسامة قديمة أرممها/ تمتدّ كنصل/ وتجرح جزءا من يدي). الماضي الذي كان يشكل مرفأ في لوحات جدارية سابقة، لم يعد قادرا على إسدال مساحة من الاستمرار والاستقواء، فالحاضر- على حد تعبير النص الشعري- أصبح أسماك قرش مفترسة، تبتلع المحاولات الناتئة التي تصنعها الروح، لإعادة الاتصال بالماضي، والإبقاء على نصاعته، ومن ثم يحلّ نوع من التطابق بين ماضي الذات وحاضرها، فكلاهما تحوّل إلى وجه للآخر، متحد به، وكاشف عنه. تامل النصوص الشعرية في التحامها المتوالي، يثبت حركة بنائية للجداريات النصية، قد تقوم على التجاور المكاني، أو على التجاور الموضوعي المعرفي، على نحو ما يمكن أن نرى في الوقوف عند فكرة الفراق، في الجدارية رقم (19)، بوصفه سببا أو مكونا أساسيا للحالة الآنية، حيث يتجلّى فعلا الصعود والهبوط مذاكرة يومية واستعادة للفراق، ويتجاوب مع هذا الأفق الدلالي (تربية الجمال الخائن) في الجدارية رقم (31). يمكن بقليل من التروي معاينة كثير من التداخلات القائمة على التجاوب أو التنافر في تعالقها مع أفكار شائكة تتصل بالأب أو الأم أو المرض والوحدة.