عادل ضرغام

استعارة الجنوسة وانقطاعات النسقية في رواية التاريخ السرّي المعلن لآدم حوّاء للكاتب التشادي روزي جدي

غلاف كتاب استعارة الجنوسة وانقطاعات النسقية في رواية التاريخ السرّي المعلن لآدم حوّاء للكاتب التشادي روزي جدي
استعارة الجنوسة وانقطاعات النسقية في رواية التاريخ السرّي المعلن لآدم حوّاء للكاتب التشادي روزي جدي عادل ضرغام في روايته (التاريخ السرّي المعلن لآدم حوّاء) يقدم الكاتب التشادي روزي جدّي قراءة متأنية لمجموعة السياقات السياسية والاجتماعية التي مرت بها تشاد بداية من الاستقلال عن فرنسا، ومرورا بالثورات، خاصة ثورة (فورلينا)، وانتهاء بالعلل الثابتة التي تمتد وكأنها أصبحت جزءا من الهوية التشادية المنفتحة على الخلاف والصراع، والانضواء داخل ظلّ أفكار قديمة بالية تتصل بالأبوة والذكورة. وفي ظلّ معاينة البناء الروائي ومنحاه الفكري، هناك مداخل عديدة لمقاربة العمل، منها ما يرتبط بالثورة غير المكتملة، وأثر عدم الاكتمال على نزفها الدائم، ومنها ارتباط الرواية بأدب ما بعد الاستعمار، ومنها ما يرتبط بغياب النماذج المشكلة لصيرورة الهوية. فالثورة إذا لم تكتمل تحدث انقطاعا مع التاريخ القديم، وتخسر رهانا بالتوافق مع هذا التاريخ. هي رواية الثورة غير المكتملة التي تتجاذبها أطراف وانتماءات عديدة، وهي- أيضا- رواية الماضي، وأثره الممتد في الحاضر، فالماضي في هذه الرواية يستمر فاعلا في شدّ الشخصيات نحو خيارات وتوجهات معينة، انطلاقا من التكرار الدوري للأحداث وللعلل الثابتة. فالرواية تعيدنا إلى مساحة زمنية (السبعينيات من القرن الماضي)، حيث كانت الانقلابات العسكرية شائعة في القارة الأفريقية، وتكشف عن دور التكوين القبلي والعرقي في وجودها، بالإضافة إلى الأيديولوجيات الدينية. تدخلنا الرواية إلى شكل استعماري جديد، مما يجعلها وثيقة الصلة بأدب ما بعد الاستعمار، والإشارة إلى غياب النخبة الفاعلة، لتوزّعها بين يساري وديني، ولانتماءاتها العرقية بين مسلمين ومسيحيين ووثنيين. فهناك إشارات كثيرة في هذا النص الروائي إلى فاعلية وحضور الأثر الفرنسي في التوجيه والاختيار والمساندة للدكتاتوريات بالرغم من الاستقلال. وتشير الرواية إلى وجه جديد من وجوه الاستعمار، حيث يتأسس وجود الاستعمار على دسّ وكلاء قريبين من دائرة الحكم، في سياق انتماء آخر، لكنه لا يختلف في نتيجته عن الاستعمار القديم، فيتجلى دائما احتياج للآخر لمواصلة الحركة، اعتمادا على بثّ الفرقة، وتأجيج الصراع، ذلك الصراع الممتد منذ القدم إلى اللحظة الآنية. الرواية من خلال خطاباتها العديدة، وأصواتها السردية، وسياقيها الزمنيين القديم والآني، تمثل بحثا عن هوية غائبة، أو في طريقها إلى الغياب، بفعل المتغيرات المستمرة التي تحيل كل شيء إلى مقابله أو نقيضه، مما يفضي في النهاية إلى نوع من الهجنة أو الخنوثة الواضحة في العنوان، وهي خنوثة يمكن أن تكون استعارة دالة على مساحات الفقد، لغياب النموذج المتسق مع النسقية الممتدة التي لا تخرق ماضيا أو تاريخا، وتعتمد على نمو تدريجي. في سبيل ذلك نجد هناك مقارنة واضحة قائمة على التقابل الحاد بين رجال وأبطال ثورة (فرولينا)، من خلال ممثل لها في لحظة سابقة (الآباء)، والنماذج الموازية لها في اللحظة الآنية (الأبناء)، لكي يقف القارئ على مساحات الاختلاف بين عصر وعصر. فمع رجال الثورة هناك حضور (للذكورة) الواضحة الخالصة التي تتجاوب مع نسقية قديمة وأعراف جاهزة. أما مع أبطال اللحظة الآنية- باستثناء السارد الابن- فهناك مساحة واسعة للهجنة، أو للخنوثة، للإشارة إلى حالة انفصال وانقطاع عن الماضي التاريخي النسقي، ولكنها بالرغم من رصد الاختلافات الجوهرية بين الجانبين في نصاعة الذكورة وهجنة الخنوثة، ترصد مساحة من التشابه، يمكن أن تكون ملمحا أقرب إلى جزء من الهوية، يتمثل في الصراع الدائم. تعدد الخطابات وانقطاعات النسقية في رواية مهمومة برصد الانقطاعات والفقدان من هوية جاهزة بين زمنين، زمن الأب وزمن الابن، نجد أن الخطابات المكوّنة للنص الروائي لا ترتبط بالتجاوب بقدر ارتباطها بالتنافر والتقابل والمحو التدريجي للمستقر، فكأن كل خطاب من الخطابات الثلاثة يقابل الآخر، ويحاول محوّه أو التقليل من حضوره. تستند الرواية إلى آلية تعدد الأصوات، فهناك صوت الابن (يسكو) وهو الصوت الأكثر هيمنة وحضورا، حيث يمثل الصوت الزمني المعاصر المراقب لكل التفسخات والانقطاعات، من خلال علاقاته بأصدقاء محددين بالمدينة أو العاصمة بعد انتقاله إليها من البادية. وبجوار الصوت السردي السابق، وداخل المساحة الزمنية ذاتها، صوت سردي آخر، يمثل مساحة الابتعاد، ويتجلّى في مذكرات آدم حواء، ذلك الشخص الذي يشكل حدود الاستعارة في انفتاحها على الذات الجمعية، ومدى قدرتها على الفعل، وعلى الوطن، وعلى فكرة الثورة ذاتها. هناك أيضا الصوت المقابل الذي يتمثل في صوت الأب- والد السارد الأول- (حاميدي يسكو)، وخطابه السردي مرتبط بلحظة ماضية، تتحدد بالنصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، ويركز على ثورة (فرولينا)، وأسباب قدومه وانسحابه وعودته إلى قريته في البادية، وانعزاله بعيدا عن الزعيم حسين حبري الذي عقد صلحا مع الحاكم، ويركز- كذلك- على أسباب فشلها وعدم اكتمالها. الفارق الزمني بين خطاب الأب ورسائله من جانب، وخطابي الابن وآدم حوّاء في مذكراته مهم، لأن هذا الفارق يمثل مساحة لقياس الاختلاف في التوجه، على مستوى الأفراد وعلاقاتهم، وعلى مستوى الثورة، وعلى مستوى النصاعة في قيم الذكورة والأنوثة، والتوزّع في انتماءات الثوّار والفصائل بين الشيوعية والانتماءات الدينية الإسلامية. ما يقدمه الصوت السردي (صوت الأب) من رسائل- نظرا لطبيعة المرسل وطبيعة المرسل إليه- أقرب إلى شيء من النصيحة، وتقديم المعرفة، بوصفه حارس النمط أو النسق، راصدا من خلال التجربة مجموعة من المتغيرات الجديدة، كما في قوله عن الصداقة في اللحظة الآنية (الصداقة بذاتها لم تعد كما كانت، في هذا الزمن باتت مثل العلاقات العابرة، مجرد مرحلة من تبادل المصالح، ثمّ ينطفىء كل شيء). خطاب الأب حاميدي يسكو- وهو يشكل الخطاب النسقي الموروث- يتجلى من خلال ضمير المتكلم في انفتاحه على الماضي، وعلى لحظة زمنية كانت الثورات عديدة ضد الحاكم (تمبلباي) صنيعة واختيار الفرنسيين. وهذا الصوت السردي- في توجهه نحو الابن يسكو الذي ينتمي إلى لحظة مغايرة زمنيا، ويتجلى في شكل رسائل- لا يقوم بالحكي أو السرد فقط، ولكن تتداخل مع هذا الحكي محاولات للفهم والتفسير، وهو فهم وتفسير ينتميان إلى لحظة آنية، تعيد قراءة الأحداث. من خلال الخطاب يؤسس لنفسه وجودا فاعلا في الثورة بجوار(حسين حبري)، بعد مقتل (إبراهيم أباتشا)، قائد ثورة فرولينا الأول، مشير إلى الخلافات الإثنية والعرقية المؤثرة. خطاب الأب السردي يستند إلى الحكي في النص الروائي لإعادة قراءة الماضي في إطار لحظة مغايرة، ولتنبيه الابن دائما بحدود النمط، وبهوية تمت صناعتها، هوية ترتبط بالبادية، فمن وجهة نظره، أن ابنه وهو على مشارف الانتقال إلى العاصمة (أنجمينا) عليه ألا ينساها، أو يتنصل منها، فالحكي هنا وسيلة من وسائل التذكر والتثبيت والاستيفاء داخل حدود النمط المتبع الموروث. فهذا الخطاب لا يخلو- بالرغم من كونه رسائل توجيهية أو تحذيرية للابن- من محاولة إعادة الفهم، أو التأويل للسلوك والخيارات، ولهذا سيجد القارئ أن خطابه السردي مملوء بإشارات معرفية فكرية، لا ترتبط بحدث محدد بقدر ارتباطها بتجارب عامة منفتحة على الحياة والكون والوجود، مثل قوله (حين تنتفي أسباب الثورة، تموت أو تأكل ابناءها). ولخطاب الأب تجلّ آخر، يقرّبه من قوة المثل أو الحكمة، فهذا الخطاب لا يكتفي بالورود في الصوت السردي المباشر للأب، بل في أحيان ليست قليلة يتجلى في سياق خطاب الابن وصوته السردي، في إطار الخطاب المحكي الذي يمارس بحضوره محكيا دورا إضافيا. فهذا الخطاب لا يقنع بالإخبار، بل تجاوز ذلك إلى حدود الأسئلة الوجودية، وإعادة النظر والتأويل، فيكتسب هذا الخطاب بعدا تداوليا، فيصبح أقرب إلى النسق أو النمط الذي يجب السير وفق مرتكزاته، لأنه مؤسس وفق رؤية أو هوية ممتدة زمنيا، فنراه في بعض الأحيان موجها أو زاجرا أو دافعا للابن إلى خيار محدد. إن خطاب الأب لن يتم الشعور بقيمته إلا في معاينته بحضور خطاب مغاير، خطاب متفلت من سطوة النسق واستمراره، وهو الخطاب الذي يشكله صوت آدم حوّاء في النص الروائي. ولكن يجب أن يكون هناك خطاب منفتح على الخطابين، أو على علاقة وثيقة بهما، تجذّره داخل موقعية تمكنه من معاينة مشروعية خطاب الأب، ورغبته الدائمة في الفاعلية والسيطرة، وتأمل مجمل المتغيرات في خطاب آدم حوّاء الذي ينفتح على هجنة أو خنوثة واضحة حتى في الاسم. هذه الموقعية القائمة على الصداقة والمصاحبة تمكّنه من أن يقوم بنفسه- وهذا توجيه مقصود- بمعاينة خنوثة آدم حواء، ومعاينة تجاور الذكوري والأنثوي. وهذا يشير إلى دلالته الرمزية بوصفه النمط المعاين لتحولات الذات الجمعية من الفاعلية إلى السكون، من ذكورة ناصعة التحديد، إلى هجنة تتشكل من خلال صديقين، هما (آدم حوّاء) و(حمودي)، ووجوده معهما صديقا لا ينفي وجوده النسقي، ولكن في الوقت ذاته يشير إلى مساحة من التحوّل، وإلى مساحة من عزلة النمطي أو النسقي، تبعده عن الفاعلية والتأثير. صوت الابن (يسكو) المهموم بصداقاته الآنية، لحظة إقامته في العاصمة (أنجمينا) للدراسة، صوت ينتمي إلى لحظة مغايرة عن الماضي، تتشكل حدود سرده بهؤلاء الأصدقاء الذين ينتمون إلى اللحظة ذاتها، وهم (حمودي، وآدم حوّاء، وعليو)، وينضم إليهم في جزئيات أخيرة من النص الروائي (جميلة) ابنة الرئيس التي قد تأخذ بعدا دلاليا أكبر لتوزّع الرغبة في الارتباط بها بين يسكو وآدم حوّاء، أي بين النسقي والمتغير، و(الشين)، و(الكاتب) الذي يتوازى مع صاحب الصوت في الوظيفة التأملية الراصدة لمساحة المتغيرات التي تصيب الشخصية الجمعية. يمثل هذا الصوت مساحة الأعراف بين النسقي أو النمطي الموروث الذي أدركه من أبيه، والمتغير السائل والهجين الذي تظهر تجلياته في سلوك أصدقائه. ولهذا يأتي صوته في بعض الجزئيات كاشفا عن الأزمة الحضارية للبلد المستقل التي ما زالت بحاجة إلى مقاومة حضور المستعمر السابق، في قوله (لن تدخل الديمقراطية إلى دول أفريقيا ما لم يتم التخلص من فرنسا، جمهورية ديجول تخشى الاستقلال التام لهذه البلدان، وتعتقد أن بقاءها هكذا تحت حكومات دكتاتورية وراثية هو الحل الوحيد للحفاظ على مصالحها). يبدو الصوت السردي الخاص بآدم حوّاء الذي جاء في شكل مذكرات صوتيا ذاتيا، ومشدودا- بعيدا عن أفق التأويل الرمزية المرتبطة بالوطن والهوية- إلى إشكاليات شديدة الخصوصية، فهناك حالة من حالات الهجنة أو السيولة في تحديد نوعه، فلديه من الناحية البيولوجية أعضاء للذكورة والأنوثة، مما جعله في مساحة الإقصاء والنبذ من النوعين على حدّ سواء، فدائما يقابله شعور بالكراهية والتقزز، وتولّد لديه إحساس بأن الناس لا يثقون به، فمن وجهة نظره كيف يثقون بشخص غير ناصع أو واضح في التحديد البيولوجي، بالإضافة إلى علاقته المتوترة بأبيه، ولهذا يختار اسم أمه، حين يصبح جنرالا، وحسم نوعه البيولوجي بمساعدة أحد الشيوخ، فيصبح اسمه (الجنرال آدم صندل). انتماء هذا الخطاب إلى آلية المذكرات السردية- بعيدا عن التسجيل اليومي- يموضعه داخل حدود القراءة والتأمل لكل الحوادث والخيارات والتوجهات التي مرّ بها آدم حوّاء في فترته الأولى القائمة على الخوف والقلق والنبذ، أو في فترته التاليه بعد تغلبه على الهجنة البيولوجية. فهذا الخطاب لا يمثل نسقا تعبيريا مباشرا، يتم بشكل لحظي مباشر، لكنه خطاب ممتزج بفعل القراءة والتأويل، لأنه يجمع وعيين: وعي المرور بالتجربة أو الحادثة، والوعي الآني لحظة تسجيل المذكرات. فكتابة المذكرات دائما ما يكتنفها نوع من محاولة الفهم والتفسير، وربما نوع من تفسير السلوك أو الخيار أو التوجه، مثل تبرير خياره أن يكون رجلا، بالرغم من القدرة على التوجه نحو الخيار الأخر. ففي رأيه أن الرجل- ارتباطا بالنسقي والنمطي- مكفول له مساحة من الحرية، في مقابل نوع من التضييق والقهر ضد الأنثى، (فالمرأة في تشاد- في منطق الصوت السردي أو النص الروائي- سجينة في البيت لإرضاء المجتمع، أو تبحث عن حريتها، لتعيش احتقارا وإلغاء في المجتمع). في إطار الجزء السردي الخاص بمذكرات آدم حوّاء، يجد القارئ نفسه أمام خطاب سردي أكثر ثراء ودلالة، لأنه خطاب كاشف عن شخصية لديها إشكاليات عديدة، إشكاليات تجعلها في فترتها الأولى خارج النسقية، من خلال هذا التوزّع والهجنة البيولوجية، لكنه في الفترة التالية يتحوّل- بعد حسم النوع البيولوجي إلى الذكورة- إلى جزء صلب من هذه النسقية، باخنياره للذكورة، وباختياره لمجال العمل، حيث يصبح واحدا من الجنرالات المقربين من السلطة. وهذا يشير إلى جزئية على نحو كبير من الأهمية، تتمثل في طبيعة النظرة إلى القادة العسكريين، فهناك إشارات في النص الروائي تقطع بالتمييز الخاص بهؤلاء في سياق مقارنتهم بضباط الشرطة أو أصحاب المهن الأخرى، تقول الرواية على لسان آدم حوّاء (للبدلة العسكرية في بلادي هيبة لا تملكها أية ملابس أخرى. عندما ارتديتها شعرت بأن شيئا فيّ تغيّر للأبد). تتأكد هذه النظرة من خلال موقف زواجه- وهو موقف مرّ به قبل ذلك والد السارد الأول يسكو، بالرغم من المغايرة في النهايات- من جميلة ابنة الرئيس، حين أقسم أن يزوّجه ابنته، بعد إنقاذه إياه لحظة الانقلاب. ويبدأ التنازع بين الصديقين، يسكو وآدم حوّاء، ويصبح كلاهما داخل النسقية، الأول منهما ساكن غير قادر على الفعل، والآخر يستطيع- انطلاقا من السلطة- أن يسيطر ويسجن جميلة/ المرأة/ الوطن. استعارة الجنوسة وسياق الهجنة تعتمد الرواية في مقاربتها ومحاولة اقترابها من عالم الشخصيات، على قراءة خاصة للتحولات، وإسدال رموز على استعارة أساسية، وهي خنوثة (آدم حوّاء)، لكن الرواية تنقل هذه الاستعارة البيولوجية لشخصية من الشخصيات أو لأكثر من شخصية، إلى مجال أكثر انفتاحا واتساعا، حيث تربطه بتعدد الأيديولوجيات والانتماءات، فيما يخص الثورة والوطن، بالإضافة إلى مكونات الأيديولوجية القبلية، والثنائيات المتصارعة مثل الشمال والجنوب. فاستعارة التوزّع هذه، أو عدم اليقين بالانحياز إلى جانب من الجانبين تمثل محاولة للبحث عن هوية تجمع التعدد تحت مظلة الوحدة، لأنها تظل سواء ارتبط الأمر بالفرد أو بالشخصية الجمعية، أم بالثورة، وتوزعها بين أيديولوجيات عديدة، أو ارتبط بالوطن، وفكرة الصراع الدائم دون الوصول أو العودة إلى شكل هوياتي مستقر، كاشفة عن التأرجح والتوزع، تقول الرواية على لسان آدم حوّاء (لم أملك اليقين أبدا، كم هو صعب العيش في دوامة الشك). في ظل سيادة وهيمنة استعارة السيولة البيولوجية على بعض شخصيات النص الروائي، وتوزّعها بين الذكورة والأنوثة، تكتسب الذكورة وجودا لافتا وقويا في مقابل الأنوثة والإناث ودورهن المحدود. ولكن هذا المعنى المحدود الذي يتجلى في رغبة الشخصية المخنثة (آدم حوّاء) في النص أن تتحوّل إلى ذكر، أو أن تحسم خيارها في أن تصير رجلا في اللقاء الخاص بالشيخ المشعوذ (الزقزاقي) الذي خيّرها بين الخيارين يظلّ معنى محدودا. فهذه الاستعارة تأخذ مدى أوسع حين يرتبط الأمر بتغير حال آدم حوّاء مستقبلا، حيث يتحوّل إلى جنرال من جنرالات الجيش الرسمي، ويصبح مرشحا، لكي يكون وزيرا، وتسند إليه حقيبة وزارية. إن الرواية في جانب من جوانبها تعرّي المجتمعات الذكورية، والمجتمع التشادي على نحو خاص الذي يحتمي بذكورية زائفة، تفصح عند البحث والتدقيق عن امرأة، كانت خنثى في مرحلة سابقة. وربما تكتسب هذه الفكرة نوعا من الصلابة والقوة، وربما نوعا من المشروعية، إذا وجّه المتلقي مساحة من اهتمامه نحو شخصية أخرى قريبة من شخصية (آدم حوّاء)، وهي شخصية (حمودي) التي تمثل الوجه المقابل لشخصية آدم حوّاء، في نزوعها نحو التخلص من ذكوريتها الثابتة حقيقة، ولكن دلالتها التأويلية لا تتنافر مع الشخصية الأولى. فهذه الشخصية- شخصية حمودي- بتوجيهاتها السردية، وإشكالياتها العديدة، بداية من علاقته المضطربة بأبيه، ومرورا برؤيته رجلا يقبّل رجلا، أو رؤيته رؤيا، يتمنى فيها أن يصبح شيئا آخر، تتوجّه توجها خاصا، يتمثل في كونه يريد أن يصبح أنثى، بالرغم من كونه تام الرجولة. فسلوكه- رغبة في كسر الأعراف النسقية والتابو- يمثل حركة ضد السائد، بوصفه يعبر عن شريحة تحمل قلقا في إطار التواصل النسقي القائم على إجلال النموذج، ولا تلقي بالا لكل ذلك. فقد تحوّل إلى كاره للذكورة وخشونتها، يكشف عن ذلك موقفه أثناء فعل التوزّع الذي مرّ آدم حوّاء في لقائه بالشيخ الزقزاقي. فقد أبلغه قبل انحياز آدم حوّاء إلى نوع من النوعين بدفع كل التكاليف المالية لعملية التحويل، لكن حين يختار آدم حوّاء أن يصبح رجلا، يقول حمودي (ياعيب الشوم يا خسارة، المهم عليك أن تعرف أنني لن أدفع تكاليف هذا القرار الجبان). حين يتم توسيع أفق التلقي لاستعارة الهجنة أو القلق البيولوجي، خاصة في ظل استحضار العلاقة المضطربة بالأب مع الشخصيتين التي تشير إلى قلق في النمذجة النسقية، ندرك أن أزمة (آدم حوّاء) أزمة هوية، وأزمة (حمودي) أزمة تتصل بطبيعة النموذج الذي يسير مهتديا على درب حركته. ربما تكون شخصيتا أدم حواء وحمودي- في ظل ذلك الفهم- سببا أساسيا في انفتاح النص الروائي على أدب ما بعد الاستعمار، حيث يشير إلى زوال الاستعمار، وبقاء الأثر، فمن خلال الوكلاء، والتدخلات المباشرة يظل حضور المستعمر فاعلا، حيث يؤسس هذا التدخل نماذج دكتاتورية على شاكلة (تمبلباي)، أو يغيّب فرادتها على شاكلة (حسين حبري) أو غيره من قادة الثورة، حيث غيّبت التشكلات المكانية والانتماءات العرقية انتصار ثورتهم. ةهذا التوجه يعطي مساحة دلالية أخرى لمفهوم الأبوة، وذلك في ظل حضور فكرة الجنرالات المسيطرة دائما في كل فترة، حتى مع وجود الثورات المتتالية والمتكررة، فالأب- والد السارد الأساسي- يمارس نوعا من النمذجة والتوجيه الدائمين لحركة الابن، وكذلك الجنرال والد جميلة، يعطي وجها للأبوة الطاغية في إجبار ابنته على الزواج من آدم حواء في شكله الأول، أو الجنرال آدم صندل في شكله النسقي الأخير، وتوديعه لصورة المخنّث غير المحدد النوع. يحدث هذا الفهم نوعا من الاتحاد بين الأبوة والذكورة من جانب، ونمط الجنرالات العسكرية من جانب آخر، ليبقى أي شيء غيرها داخلا في سياق التوزع والسيولة النوعية والهجنة البيولوجية التي تنتظر دائما نوعا من التحديد أو الصلابة. إن هناك علاقة وثيقة بين توجّه آدم حوّاء في اختياره أن يكون رجلا، وعلاقة لها نوع من المشروعية في تنصّل حمودي من الذكورة، واختياره أن يكون أنثى ضد طبيعته البيولوجية، وبين اللحظة الزمنية المرتبطة بالثورة في بداية سبعينيات القرن الماضي، ومآلات قادتها، وفقدان النماذج التي تحدث التواصل التاريخي للنسق، خاصة النماذج التي تمثل فرادة، ولديها نوع من الإجماع والاتفاق حولها، مثل (إبراهيم أباتشا) قائد الثورة الذي قتل، وانتقلت الثورة بعده إلى شخصيات ليست بالقوة ذاتها مثل الباقلاني وأبي صديق. وبعد مرور عشر سنوات على مقتل أباتشا، وثلاث سنوات على اغتيال الدكتاتور (تمبلباي)، وقع حسين حبري الذي انضم والد السارد إلى الثورة لأجله، اتفاقية مع فيلكس مالوم، على أن يصبح رئيسا للوزراء، ولكن دبّ الخلاف والصراع بينهما بعد شهور قليلة، ليصبح الصراع الفكرة الأكثر تعبيرا عن طبيعة هذا الوجود الممتد. إن استعارة السيولة البيولوجية- أو التوزّع بين النوعين- تأتي مشدودة لغياب النماذج الفاعلة التي تجعل مجرد الأمل في زوال هذا الشكل الرازح للصراع مطروحا للتحقيق. ويتوزّع رد فعل الشخصيات إلى فصائل عديدة، منها الانضمام إلى هذا الشكل الرازح المهيمن، ليصبح جزءا منه، على نحو ما فعل (آدم حوّاء)، أو إلى التنصّل منه، ومحاولة محوّه، ومحو ما يرتبط به مثل الذكورة، مثل توجه وسلوك (حمودي)، أو من خلال الانعزال كما فعل السارد الأساسي سيرا على خطوات أبيه، لأن هذا الخيار الأخير يحقق ابتعادا عن الدخول في الصراع من جانب، ومن جانب آخر يبقى المشروعية في التخلص حاضرة حتى لو حلما أو أملا بعيد التحقق. فهؤلاء الشباب الأربعة تجمعهم صداقة ومحبة، ولكن بالرغم من هذه الصداقة والمحبة تأتي مآلاتهم في النهاية مرتبطة بهوية جماعية قائمة على الصراع والتناحر، فيقضي آدم حوّاء على الكثيرين منهم بالقتل، لأن واحدا منهم أفشى سرّه بكونه خنثى سابقا إلى الكاتب. تأمل المآلات أو الحالة العامة للشخصيات الأربعة، بالإضافة إلى الخامس (الشين) الذي ينتمي إلى قرية البطل نفسها، واتجاهات وانحرافات بعضهم أو معظمهم، يشير إلى غياب النموذج الذي يحمل وجودا نسقيا مستمرا، وهذا يوجّه نحو منطلق أساسي من منطلقات الرواية، يتمثل في رصد النتائج، فالرواية لا تعنى فقط بالثورة، وبأسباب فشلها، وإنما تسرد لنا بشكل غير مباشر أثر أو نتيجة هذا الفشل مع الأجيال التالية. فوجود المخنّث، والمذكر الذي يتنصل من الذكورة، ويتحوّل إلى أنثى، أو إلى وسيط بين الرجال والنساء، يشير إلى زلزلة واهتزاز للنمط، وإلى حالة من حالات التيه، ينقطع فيها الحاضر عن الماضي، تقول الرواية على لسان يسكو (كنت هناك في الصحراء، في ذلك المكان الذي يولد فيه الأطفال رجالا، ويعاملونهم كذلك منذ أول خطوة يخطوها الطفل خارج بيته، ما الذي أتي بي إلى هنا، حيث يعجز المرء عن التفريق بين الرجال والنساء). ترصد الرواية الانحرافات التي تبعد- باستثناء البطل الابن يسكو- الجميع عن فاعلية التتالي والتكرار والنمو الذي لا يخرق مواضعة قديمة داخل إطار أو نسقية جاهزة. ولكن هذه النسقية الجاهزة التي تبقي على مشروعية وجودها بالانعزال، لا تتحرّك في أفق سهل، فهناك امتداد وتكرار للحالة الاستعمارية في شكل جديد، وهناك مساحات للتشابه بين الماضي والحاضر أقرب للاكتمال والتطابق، خاصة حين نقارن بين الدور الذي لعبته فرنسا، الوجه الواضح للاستعمار، والوجود الإسرائيلي المتخفّي في صورة إمام مسجد مسلم، ودوره الخاص، وفاعليته في الارتباط بالسلطة، ودوائر صنع القرار، فكلاهما يقوم بالدور نفسه، بالرغم من اختلاف الوسيلة وأداة التنفيذ، في تثبيت الدكتاتوريات الحاكمة، واستمرار فكرة الصراع. إن الرواية- باعتمادها على استعارة الخنوثة أو الهجنة- يمكن اعتبارها رواية البحث عن العناصر الجوهرية في الهوية، بعد أن غيّبها، وأبعدها عن الظهور والتجلي الفاعل ذلك الصراع الأبدي الذي تؤسس له أطراف كثيرة، وظهر واضحا في اللحظة الزمنية الأولى الخاصة بالأب، وكذلك في اللحظة الزمنية التالية الخاصة بالابن، بشكل أكثر سفورا ووضوحا، فأزمة (آدم حوّاء)، و(حمودي)- وكلاهما يشير إلى الوطن في تجليه الأكبر- أزمة هوية في الأساس، تحتاج من لديه القدرة لإعادة وصلها بتاريخها القديم.