عادل ضرغام

السير المتوازية والمتتابعة من الأزمة إلى التعافي في رواية جزء ناقص من الحكاية للكاتبة رشا عدلي

غلاف كتاب السير المتوازية والمتتابعة من الأزمة إلى التعافي في رواية جزء ناقص من الحكاية للكاتبة رشا عدلي
السير المتوازية والمتتابعة من الأزمة إلى التعافي في رواية جزء ناقص من الحكاية للكاتبة رشا عدلي عادل ضرغام في روايتها (جزء ناقص من الحكاية) تشتغل الكاتبة المصرية رشا عدلي على ثيمة النقصان المرتبطة بالحياة والحكايات، فالنقصان له وهجه وسطوته ولمعانه، سواء أكان نقصانا بالغياب أو عدم المعرفة، أو بالتواري والخفاء نظرا لطبيعته. فالنقصان لا يتجلى على هيئة واحدة، فيمكن أن يكون وجوديا للعوالم الميتافيزيقية التي لا ندركها، ويمكن أن يكون بشريا لغياب المعرفة والاطلاع، ويمكن أن يكون مخفيا لطبيعته الداخلية العنيدة، ولا توجد قدرة لاكتشافه والوصول إليه بالرغم من المحاولة، فالحقيقة الغائبة غير المعلنة نقصان، وعدم الوصول لتفسير سلوك ما نقصان. في كثير من الأحيان يجد بعض البشر أنفسهم في غرف مظلمة يصنعونها لذواتهم، ويعيشون فيها كأنهم مسجونون داخل واقع فردي، وعليهم للخروج من هذا الظلام أن يبدعوا في إيجاد منافذ أو كوى للتحرر والخروج والانعتاق. في هذه الرواية هناك رصد لمجموعة من السير أو النماذج البشرية نساء ورجالا، وإن كانت سير النساء تشكل وجودا مهيمنا، ويحاول أصحاب هذه السير الانعتاق من ظلمة عوالمهم، وضغوط الدائرة المطبقة، وفي سبيل ذلك قد يقدمون تفسيرا أو تأويلا لتلك الغرابة أو ذلك الغموض الذي يلازم صاحب أو صاحبة السيرة. في الرواية إعادة كتابة لسيرة فيفيان (ماير) المصورة الشهيرة في القرن العشرين، وهي السيرة الأساسية التي تقدمها بصوتها التي تنمو متوازية معها أو متتابعة السير الأخرى، فهناك سيرة (كوليت) وهي امرأة مصرية إيطالية من جهة الأم، يكشف عنها ويركب جزئياتها ابن أختها أستاذ جراحة التجميل الشهير، وهناك سيرة تتوازى مع سيرة (ماير) وهي سيرة الضابط المصري (سيف القرنفلي) الذي فقد ساقه في حرب 1967، ويقدمها بصوته. في مقابل السير السابقة التي تقوم على التحبيك والتبرير، هناك سيرتان تختلفان في اللحظة الزمنية، سيرة (ناني القرنفلي) ابنة الضابط، وسيرة ابنتها (روان). والسير النسائية- باستبعاد سيرة روان المرتبطة بتتبع سيرة ماير- مشدودة للشبيه والنظير، فالنساء الثلاثة في الرواية- بالرغم من كونهن من عوالم زمنية متوازية أو متتابعة- تتقاطع حيواتهن وتتداخل معرفيا من خلال التشابه في البؤس والوحدة والهشاشة، والحقيقة الداخلية المتوارية، ففي كل السير هناك غموض نابع من غموض الشخصية، وغموض حياتها الذي ينبع من النقصان، فهي شخصيات ضد الوضوح، منفتحة على التواصل روحيا مع الشبيه والنظير، في ارتباط كل واحدة منهن بالتشظي والهامش. في كل السير في النص الروائي هناك تركيز على العقد الأولى في مرحلة الطفولة التي تلازم الشخصيات، وتؤثر على الخيارات وردود الأفعال في الارتباط بالحياة، وهي عقد خفية ليست جلية أو واضحة أو مفهومة، نرى أثرها في السلوك والاختيارات. وهذا العقد تشكل نوعا آخر من النقصان لدى نساء الرواية على اختلاف الأزمنة، بداية من (فيفيان ماير)، ومرورا (بكوليت)، وانتهاء (بناني القرنفلي) وابنتها (روان). فهذه العقد الخفية المتوارية تمارس أثرها في تكوين هالة من الغموض والغرابة لديهن، ويتولد في إطار هذا الغموض رد فعل مباين يأخذ شكلا مختلفا مع كل واحدة منهن، وهذا يضع نسقية التكرار في التربية والرعاية التي تطبع الحياة في شكل متسلسل متشابه موضع المساءلة، ويكشف عن الأثر السلبي لهذا التوجه. تحبيك السير وضمائر السرد من خلال صورة للفنانة (فيفيان ماير) تجمع بينها وبين الضابط المصري سيف القرنفلي، تراها حفيدته (روان) في معرض من المعارض بأمريكا، تبدأ الرواية نسج خيوطها وتحبيك ارتباطاتها، وهي ارتباطات متخيلة، فمن خلال الصورة السابقة ينفتح خط السرد الأول لتقديم سيرة (فيفيان ماير) في فترة زيارتها لبعض بلدان الشرق، ومنها مصر. وبالتوزاي معها يبدأ خط السرد الثاني الخاص (بسيف القرنفلي) لعرض جزء من حكايته معها في إطار وجهة نظره. ومن خلال صورة التقطتها (لكوليت) من الخلف، يبدأ خط السرد الثالث الخاص بكوليت، ويقدمه ابن أختها طبيب التجميل، ليبعث سيرتها من الغياب، من خلال مرتكزات دالة على الوجود. أما سيرتا (ناني القرنفلي/ انتصار) وابنتها (روان) فهما سيرتان للربط بين الخيوط الثلاثة السابقة، من خلال راو عليم غير مشارك في الحدث. تعتبر سيرة (فيفيان ماير) السيرة الرئيسة، وتقدمها بصوتها من خلال ضمير المتكلم، وتوازيها سيرة (سيف القرنفلي) في اعتمادها على المتكلم، وبينهما سيرة (كوليت)، لأن الصوت السارد- وإن كان متكلما- صوت ابن أختها. ارتبطت فيفيان ماير بالغموض والغرابة في فنها وسيرتها، ولهذا يشعر القارئ أن في النص الروائي إصغاء وإنصاتا لكل الإشارات التي جاءت في سياق التعريف بها، ففي سياق المعلومة التي تداولها كثيرون عن سفرها لمدة عام إلى بلدان عديدة مثل اليمن ومصر والهند، تتوقف رشا عدلي عند هذه المعلومة، وتؤسس علاقة وحكاية لهذه الفنانة بشحصية أخرى في النص الروائي، هي شخصية (سيف القرنفلي) الضابط بالجيش المصري. وتستند إلى هذه الجزئية، لكي تضيف إليها مساحة أكثر إقناعا، وتؤسس لها وجودا مقبولا من الناحية المنطقية من خلال التحبيك السردي اعتمادا على مقولة وردت في أجزاء من سيرتها، في إجابتها عن سؤال يرتبط بغموضها وغرابتها، فأجابت: ربما أعمل جاسوسة. ومن هنا يتوزع النص السردي في تكييف بداية ارتباطهما بين وجهتي نظر: الأولى طبيعية قائمة على الارتباط والمحبة واكتشاف ما شده إليها في خطاب (سيف القرنفلي) السردي، والأخرى متعمدة وقائمة على القصدية لارتباط (ماير) بمؤسسة استخباراتية أمريكية وجهتها لتجنيده. ولكن الرواية لا تقدم ذلك في شكل سردي عادي قائم على التراتب، وإنما من خلال شخصيات وسير تحدث نوعا من التقاطع بين الخطابين، وتجمع بينهما من خلال الحفيدة (روان) التي تعمل في رسالتها عن (فيفيان ماير)، وارتباطها بإشكاليات حياتية بأمها (ناني القرنفلي). الرواية من خلال خطاباتها العديدة عبارة عن حكايات آنية تتقاطع مع حكايات قديمة، فصورة الجد (سيف) مع (فيفيان) التي رأتها الحفيدة، في المعرض الذي أقيم لصورها، تقدم في الفصل الذي تفتتح به الرواية عالمها، ويبدأ القارئ في تلمس حدود البنية القائمة على التفتييت والتقطير والموزعة إلى حكايا متناثرة بين الخطابات العديدة، وعليه بنفسه أن يجمع أجزاءها، لتصبح حكاية أو سيرة شبه كاملة، لا تخلو من نقصان ما. ومن فكرة الجاسوسية تنمّي الرواية تمددا آخر، وثيق الصلة بهذه الوظيفة، وهو تمدد ينطلق مما عرف عن (فيفيان ماير) باستخدام أسماء عديدة لها طوال حياتها، فحين يرى الجد صورته معها وهو يعاني من فقدان الذاكرة الجزئي في دار المسنيين يقول: (مارسيل)، ليظهر للقارئ اسم جديد من الأسماء العديدة التي ارتبطت بها، بالإضافة إلى اسم (سمانزا) الذي أشارت إليه في خطابها السردي. في الرواية هناك خطابات عديدة، وهذه الخطابات العديدة تشير إلى بنية مفتتة لا تخلو من قصدية، ينتج عنها اختلاف في وجهات النظر وزاوية الرؤية. ولكن القارئ يستطيع أن يصنّف أشكال البنى والخطابات إلى نوعين: الأول الخطاب السردي القائم على ضمير المتكلم، ويتوزع في الرواية إلى خطاب (سيف القرنفلي)، وخطاب (فيفيان ماير)، وخطاب ( أمين مخلوف) ابن أخت (كوليت)، والآخر الغياب أو الراوي العليم غير المشارك في النص، ويرتبط بخطابي (ناني القرنفلي)، وابنتها (روان). وإعطاء صيغة التكلّم التعبيرية (لفيفيان ماير)، ربما يكون فيه نوع من القصدية، لأن حياتها بها الكثير من الخفاء والغموض، فالناقد الفني آرثر لوبو يشير في مقالة له في جريدة النيويورك تايمز إلى (أن الحياة الخفية لماير لا تزال مستمرة في أعمالها). فهي في النص الروائي شخصية نسوية رئيسة، أقرب إلى ملهمة، وإلى مدرجة للقياس في ارتباط سير الأخريات بها، من خلال مساحة التشابه في جفاف الروح والوحدة. فإعطاؤها المتكلم معناه مساحة تعبيرية كاشفة، تستند إليها في نفي الغرابة والاختلاف. ففي خطابها التعبيري هناك تأكيد على أن هذه الغرابة في الأطوار والتناقض في الحركة والسلوك شيء طبيعي، يستوي فيه جميع البشر، يتجلى ذلك في قولها (من منا ليس متناقضا؟ من منا ليس بغريب الأطوار؟ فكل منا يحمل بداخله الشيء وضده). الأمر له علاقة بمساحة إصدار الحكم المباشر وسرده، مثل حادثة الاعتداء الجنسي وهي طفلة، أو الإقامة في مأوى المتشردات، أو تخلّي الأم أو الجدة عنها. فالحضور- أو التكلّم هنا- له علاقة بالتفسير والتأويل، ونفي الغرابة والغموض، وله علاقة أيضا بالإجابة عن التساؤلات الخاصة بالتوجه الفني في التقاط الصور، وابتعادها في ذلك التوجه عن المتن متوجهة إلى الهامش البسيط، مثل تصوير شارع، أو حذاء، أو قطة على أريكة، أو طفل، أو ظهر امرأة من الخلف، بالإضافة إلى تبرير السلوك الخاص الذي يوصف دائما بالغامض والغريب في مقاربة الحياة والتعامل مع البشر. وفي خطاب (سيف القرنفلي) يأتي التكلّم هنا منوطا بالوظيفة التي اشتغلت عليها الرواية بمساحة لا تقل- إن لم تزد- عن مساحة (فيفيان ماير)، وربما كشف عن تلك الأهمية الإهداء (إلى كل شهداء الوطن). يتوازى سيف القرنفلي الضابط بالجيش المصري بصوته مع الوطن المهزوم، وعودته إلى الحياة وإلى النصر بعد الهزيمة في حرب 1967. فالاستناد إلى التكلّم له ما يبرره، لأنه ينقل لنا مشاعر وأحاسيس خاصة، لن يستطيع تقديمها إلا صوت عاين ومرّ بهذه التجارب، وبهذه البطولات التي أدت في النهاية إلى فقد ساقه، فالتكلّم آلية ضرورية للكشف عن الباطن الداخلي، وعن المشاعر المتوارية شديدة الخصوصية. وقد تكون ضرورة التكلّم في الخطابين السابقين (ماير- وسيف القرنفلي) وثيقة الصلة بطبيعة شخصية كل منهما، ففي مساحة التحبيك والربط بين الخطابين إشار خطابها إلى كونها مجندة في هيئة أمريكية استخباراتية، وهو ضابط بالجيش المصري، وهذه علاقة أو ارتباط تكتنفه مساحة من الغموض، فانتساب الكلام من خلال فعل التكلّم إليه وإليها، ينفي تلبسات الخطاب المعبر عن الآخر مثل تقنية الغياب، فإشارتها إلى طبيعة المعلومات التي أخذتها منه، على أنها معلومات عامة يعرفها الناس في الشارع، فيها تبرئة من فعل الخيانة المتوقع، ويتساوق معها إشارته إلى وطنيته وأفعال البطولة التي تحمل نفيا أكبر. أما استخدام المتكلم من خلال صوت ابن الأخت أمين مخلوف للتعبير عن سيرة (كوليت) الناقصة، فربما يتمثل ذلك في مساحة إعطاء صوت لنوع من النساء لا يملكن صوتا للتعبير عن أنفسهن. فالنص الروائي يقدمها- سواء في خطاب ابن أختها، أو إشارات ماير في مساحة اللقاء الوحيد بينهما في الحديقة بالقاهرة- في إطار قدرتها على الشعور، ونفي القدرة على التعبير، فإذا كانت (ماير) و(ناني القرنفلي) وجدتا مساحة انتصار في التصوير ووسائل التواصل الحديثة، فإن (كوليت) أقرب إلى شخصية منطوية على ذاتها، تشعر بالوحشة والغربة والوحدة والتشظي، لكنها لا تستطيع الكشف أو التعبير عن ذلك بنفسها. فالمتاح أو المتبقي منها مجموعة ذكريات يختزنها، ويعيد ترتيبها وتصنيفها ابن أختها، ويحاول أن يشكل سيرتها من خلال هذه الذكريات ارتباطا بالمتخيل. التكلّم هنا محاولة اقتراب، لاستعادة سيرة غائبة، ونقشها في الوجود بدلا من التلاشي. يأتي خطابا (ناني القرنفلي) و(روان) ابنتها من خلال الراوي العليم غير المشارك كاشفين عن التقاطع مع السير السابقة، وعن وجود مساحات مقنعة للتحبيك، ولتقديم مساحات من التشابه بين هذه السير، فخطاب (روان) ينتج الخطابات الأخرى، ويؤسس لوجودها مشروعية، وخطاب (ناني) مهم في إسدال مساحة التشابه بينها وبين (كوليت)، يكشف عن ذلك أن جرّاح التجميل يناديها باسم خالته حين زارته في عيادته، يقول النص على لسانه (علمت وقتها مكمن الشبه بينها وبين خالتي، فكل أولئك النساء الوحيدات والمتعبات والخائفات والشريدات يشبهن بعضهن). كل السير بالرغم من الأزمات الحادة تتحرّك نحو التعافي، بداية من (فيفيان ماير)، ومرورا (بسيف القرنفلي)، وانتهاء (بناني) ابنته وحفيدته (روان)، وإن كان التعافي يأخذ شكلا مختلفا مع كل شخصية، فمع الشخصية الأولى أو الرئيسة فيفيان ماير يتحقق التعافي بالتصالح مع الماضي أو التخلص من أثره، خاصة في طبيعة النظرة إلى بعض الشخصيات التي تركت ندوبا وعقدا في طفولتها، مثل الأب والأم والجدة، فرحلة الحياة خلصتها في النهاية من النظرة السلبية تجاه هذا الماضي بشخوصه، بل أصبحت ذاكرتها تستحضر الذكريات المناوئة. ومع شخصية سيف القرنفلي يبدو التعافي متوازيا مع تعافي الوطن، فقد تخلص بعد النصر من عقدة النقصان الجسدي، ولم يعد فقد الساق دافعا للتواري، ومن ثم عقد اتصاله مع الزي العسكري من خلال ارتدائه، يقول بعد نصر أكتوبر (حملني الناس، وأخذوا يهتفون باسمي... انمحى الماضي... وانمحى الخذلان). أما (ناني) فيتمثل التعافي في الاعتراف بالوجه الآخر من الحقيقة الناقصة، بأنها السبب في فشلها مع زوجها وابنتها. فبعض أنواع التعافي يتمثل في الاعتراف بالحقيقة التي نحاول إبعادها عن الذهن، أو الإقرار بها، حيث تقول في حوارها التلفزيوني (أنا السبب، فبدلا من أن أحسن الحب والمودة واللطف، أحسنت الغضب والمودة والامتعاض). حتى روان- حفيدة سيف وابنة ناني القرنفلي- لم يخل خطابها والسرد المتعلق بها من التخلص من سطوة نسق التربية والنظام، وإذا كانت تتعقب ماير بسبب حبها لها، فإن هناك سببا آخر يتمثل في تعافيها من عقد الطفولة الخاصة بنظام التربية النسقي المتسلسل جيلا وراء جيل. مساحات التشابه الرواية بها قدر كبير من إسدال التشابهات بين النساء اللواتي تتقاطع حكاياتهن وسيرهن، بل يمكن القول أن هناك تحبيكا سرديا يكشف عن التشابهات الخفية المتعلقة بالأرواح الهامشية المأزومة داخليا، هذه الأرواح التي تشكلت وفق سطوة، قد تكون فردا، أو قد تكون السياق العام الذي لا يمنحها وجودا حرّا، بل يمنحها وجودا مجروحا بالنقصان، مثل فقد دفء البيت، فتذهب المرأة في مقاربتها للحياة مسلكا غامضا. فسلوك روان كان رد فعل لقبضة أمها (ناني القرنفلي) القوية، ورغبتها في النظام والترتيب للوصول إلى مساحة الكمال، تقول الرواية (كانت كعادتها ترتدي تشكيلة من الملابس غير المتناسقة، وبألوان مبهرجة، وتترك شعرها (كيرلي) منقوشا، كما لو أنها لم تضع فيه مشطا منذ ميلادها، فمظهرها يوحي بأنها ترتدي أحدث صيحات موضة لم تنتشر بعد). إن ذلك التوجه يمثل خروجا عن النسق، وهذا الخروج لا يختلف عن الصورة المغايرة التي حاولت فيفيان ماير أن تلصقها بذاتها في بحثها عن مغايرة عن المعهود والمقرر، ففي خطابها الروائي هناك إلحاح على توزّع مساحة النظر إليها في سعيها نحو تجذير الاختلاف، فهي لدى البعض (أنثى بمظهر خشن أقرب إلى الذكر)، ولدى آخرين يمكن أن تكون (ذكرا ناعم الملامح يتشبّه بالنساء). وفي الإشارة إلى هذه التشابهات، تختلف- لتعدد الخطابات- مصادر الإشارة إليها، ففي بعض الأحيان تأتي الإشارة إلى التشابه من خطاب سيري للحظة آنية، فبعد دخول ناني القرنفلي مجال التواصل الاجتماعي، وتحوّلها إلى مؤثرة بنشر صورها وفيديوهاتها تشير إلى تشابهها مع فيفيان ماير قائلة (كيف يمكن أن تتلاقى امرأتان في زمنين مختلفين في نقطة ما، حتى إن كان الدافع إلى ذلك مختلفا؟). من هذه الإشارة تصبح مراقبة التحبيكات المشيرة للتشابه محل اهتمام، فمساحات التشابه بين ناني القرنفلي وماير تتمثل في اعتبار التقاط الصورة مساحة للاحتماء والاستقواء، وكأنه فعل اختيار وتثبيت للتغيير الذي تريد كل واحدة منهما الوصول إليه. فالتصوير- بالنسبة لناني القرنفلي التي تمثل لحظة زمنية مغايرة- كان طريقا للخروج من أزمة الهجران، وكأن التصوير سبيل خروج لكل امرأة وحيدة، فهي بعد التعوّد على التصوير في بحثها عن حياة جديدة، شعرت بمساحة تغيير داخلي، ولم تعد تكتفي بابتسامة مصنوعة تسقطها على وجهها. وفي أجزاء من الرواية هناك مساحة لإسدال تشابه خاص بين ناني القرنفلي وفيفيان ماير، لا يقف عند حدود الاستقواء والتعافي بالتصوير، وكأنه فعل من أفعال المقاومة ضد خشونة العالم، بل في الارتباط بمؤسسة أو وكالة تفرض عليهما العمل. ففيان ماير عملت مع المنظمة الاستخباراتية في بداية شبابها، في مقابل وقوع ناني في سياق سطوة الوكالة الإعلامية العالمية المهمومة بتقديم صورة نسقية جاهزة عن المرأة العربية. فكلتاهما- ماير وناني- تقوم بعملها وهي فاقدة الإرادة، وتحت سطوة نسق أكبر، يوجّه ويشكل الحدود والأطر، فالمنظمة الأولى تجعل ماير جاسوسة، والوكالة العالمية بالنسبة لناني أشبه بالإطار القامع الذي يعطي لنفسه الحق في تمثيل الآخر داخل حدود القوة والمعرفة، وكلتاهما تعرضت للانبهار بالشخص الذي أدخلها المجال، فماير ارتبطت بالرجل الأمريكي ذي النياشين القائد في حرب اليمن، وناني بمهاب. بالإضافة إلى أن مساحة العمل بالنسبة لهما كانت الشرق الأوسط، وليس لكليهما حق الاعتذار أو الاعتراض. ثمة مساحة أخرى من مساحات التشابه يسدلها النص بين شخصيتي (فيفيان ماير) و(كوليت)، ولا تتمثل مساحة التشابه في البؤس الروحي في مواجهة العالم الضخم بروح متشظية بها الكثير من الهشاشة، وإنما في طبيعة الكشف عن سيرة كل واحدة منهما. فالمعروف تاريخيا أن الشخص الذي قام بالكشف عن كنوز ماير شخص يسمّى جون مالوف (في اللهجة الأمريكية)، أو معلوف بالعربية. والرواية هنا تخلق لهذه السيرة الخاصة (بكوليت)- وهي شخصية مغيبة بالنسيان أو التعمد، لأنها بهروبها واختفائها سببت لأهلها بالأسكندرية الفضيحة- مقابلا وراويا خاصا يعيد كتابة سيرتها الغريبة الشبيهة بسيرة فيفيان ماير، وتكشف عن اسمه بطريقة خافتة ومرة وحيدة، حين قال عامل الفندق في باريس لجرّاح التجميل المصري الشهير (أتمنى لك إقامة سعيدة مستر أمين مخلوف). فالرواية لم تكتف بخلق راو نظير لكتابة سيرة كوليت، ارتباطا بمكتشف كنوز فيفيان ماير، ولكنها أضافت- فوق ذلك- التشابه الصيغي بين (معلوف) و(مخلوف)، فإذا كان الأول كشف عن كنوز ماير في التصوير، وفي فن تصوير الشوارع والمهمشين، فإن الأخير أسهم في الكشف عن حياة غائبة، خضعت صاحبته للتشوه النفسي ذاته، وللغرابة والغموض والحدة ذاتها من الحياة والواقع. وتزداد الغرابة حدة حين يقرأ أستاذ التجميل أسفل دولابه في الفندق الفرنسي التاريخي أثناء مشاركته في مؤتمر عن الجديد في جراحة التجميل، عبارة منحوتة (كوليت كانت هنا). إن ما قام به كل واحد منهما هو إعادة اكتشاف القيمة، وإعادة تشكيل السيرة، من خلال السماح للبشر بالتعرف على فن الأولى، وخلق أو إعادة خلق سيرة كانت غائبة. تحاول الرواية في تحبيكها للسير العديدة، أن تؤسس تشابها تاما أو تشابها أقرب إلى التمام بين (فيفيان ماير) و(كوليت)، يكشف عن ذلك التشابهات الخاصة بالنشأة والرعاية، فمع فيفيان ماير هناك من الطفولة فقد لدفء البيت، وحضور للملجأ، ومأوى المتشردات، ورفض قاطع للأسر البديلة، ومع كوليت هناك التعليم الداخلي في الطفولة والأبوان على قيد الحياة، مما ولّد لديهما وحدة ومساحة واسعة من الغربة، مع نظرة متشككة دائما تجاه العالم. فالتشابه في محطات السيرة الذاتية يشير إلى تشابه في النتائج والخيارات على مستوى الارتباط بالعالم والحياة، فكل واحدة منهما عاشت فترة في إطار نظام داخلي بارد، ولّد لديهما شعورا بالخذلان والتخلي، والحرمان من دفء البيت، وأصّل لإحساس العزلة والوحدة والنبذ. لم تتوقف الرواية في إسدال وتحبيك التشابه بين الشخصيات النسائية وسيرها عند تشابه العوالم وأثرها النفسي، ولكنها أسست لهذا التشابه في الصفات الشكلية، وطريقة السير والحركة، والغريب أن هذه الأوصاف المتشابهة والمتداخلة بينهن تتجلى في خطابات مختلفة، فابن الأخت يقول عن خالته كوليت (كانت لديها طريقة سير مميزة، إذ تمشي ببطء فيتمايل نصفها الأسفل قليلا، بينما نصفها الأعلى ثابت لا يتحرّك، وذراعاها تبقيان ملتصقتين بجسدها)، ويتساوق ذلك مع وصف فيفيان ماير لكوليت حين التقتها مصادفة بحديقة في القاهرة. توجهنا الرواية انطلاقا من عقد التشابهات في أكثر من جهة، وأكثر من سيرة من سير النساء اللواتي جئن في أزمنة مختلفة، إلى أن هناك إطارا عاما يجمعهن في البؤس والوحدة والهشاشة، وطبيعة النظرة إلى الحياة، وإلى البشر بشكل عام. فالرواية- بالرغم من خيالية الربط والتحبيك- توجهنا نحو قراءة باطنية لهذا الصنف من النساء الوحيدات اللواتي يشعرن بالإقصاء والنبذ والهجر، فالسمات تكاد تكون واحدة، حتى في ظلّ المساحة الزمنية الطويلة التي تفصل بينهن، فكوليت على سبيل المثال تعبر عن لحظة زمنية سابقة، وناني القرنفلي تعبر عن لحظة زمنية آنية، ولكن خطاب جرّاح التجميل يراهما متشابهتين، ففي معرض فيفيان ماير الذي أقيم في باريس، يبصر صورة خالته، ويبصر ناني القرنفلي المعروفة بفيديوهاتها الشهيرة تنظر إلى الصورة ذاتها وتتأملها، يقول (كان أمامي امرأتان توليان لي ظهريهما، المرأة التي في الصورة، والمرأة التي تتأملها، وبالرغم من أنني لم أر وجه المرأة، ولكنني شعرت أنهما متشابهتان، هناك شيء ما بها، شيء يجمعهما). في رواية (جزء ناقص من الحكاية) هناك اشتغال لافت على أفكار معرفية، تتصل بالنقصان الذي يولّد الاهتمام والارتباط الخاص بين البشر. وهناك بنية قائمة على التفتيت، مشدودة إلى تحبيك خاص لكل سيرة، وإلى خطوات أو مرتكزات سردية لكل امرأة، تجعل الفعل أو السلوك مبررا، ويمكن التوقف عند الجزئيات الخاصة بسيرة (كوليت)، لندرك أن التحبيك الخاص بهذه السيرة من خلال الخطابين الخاصين بها، به شيء من القصدية والتشويق، في تغييب جزئيات، كان وجودها يحرّك هذه السيرة من مساحة النقصان إلى مساحة التمام. وعدم الوصول إلى التمام جزء من طبيعة هذه السيرة، أو جزء من طبيعة كل السير، فسيرة كوليت سيرة مجزأة قائمة على التذكر الفردي الذي يتقاطع مع إشارات فيفيان ماير عنها، ويستقوي حضوره بصورتها التي التقطتها لها في الحديقة. ولكن هناك جزئية اشتغلت عليها الرواية بتحبيك خاص متعمد، لتجعل هذه السيرة الخاصة بها متجذرة في مساحة النقصان الذي يغذيه التخييل. فالرواية تشتغل في ظل ذلك على تغييب الارتباط الحتمي بين كوليت التي نقشت هذه العبارة (كوليت كانت هنا) أسفل دولاب الفندق الفرنسي، وكوليت الخالة الفعلية من خلال حرق أرشيف الفندق، وعدم التأكد من التطابق، لكي تظل كل السير متأرجحة بين التمام والنقصان.