عادل ضرغام

سردية الذات وبنية السؤال في ديوان الوقت خارج الوحدة للشاعرة نجاة علي

غلاف كتاب سردية الذات وبنية السؤال في ديوان  الوقت خارج الوحدة للشاعرة نجاة علي
سردية الذات وبنية السؤال في ديوان الوقت خارج الوحدة للشاعرة نجاة علي عادل ضرغام في ديوان (الوقت خارج الوحدة) للشاعرة نجاة علي يجد القارئ نفسه أمام نصوص شعرية مهمومة بذات متجذرة في ماضيها تتأمله، في سياق حاضر خال من التعلق بالأمل والانتظار. فالنصوص ترصد ركاما هائلا من الذكريات المتعلقة بمنطلقات خاصة، تحاول الانعتاق منها، ومن سلطة متخيلها المثالي، لتفضي كل هذه المحاولات إلى حالة من حالات الثبات بين ماض تحاول التعاظم على هطوله والانفكاك من قيوده، وحاضر فقدت اللهفة والقدرة على التوجه نحوه. يبدو ذلك التوزّع بين الاثنين واضحا وملتبسا في الآن ذاته، خاصة حين نعاين عنوان الديوان، وتوزّع تلقينا له بمعاينة مساحات الانسجام بعد التغلب على الوحدة، أم بمعاينة مساحات التفكك والانفصال بعد الاكتمال والانسجام. في الحال الأولى يبدو الأمر مرتبطا ببناء انسجام تدريجي للتعاظم على الوحدة التي تعني مقاربة الحياة بشكل مفرد ووحيد، وفي الأخرى تأتي النصوص مرتبطة بمعاينة التفكك والانفصال بعد الوحدة التي تأخذ هنا شكل التوحد والانسجام. معاينة النصوص تضع المتلقي في هذا الالتباس حول دال (الوحدة)، ولكن الأمر لا يخلو من مرشدات ومسوغات للاختيار أو للانحياز لحال دون أخرى، خاصة حين نعاين مساحات الانفصال العديدة في النصوص الشعرية، ورصدها لحالات عديدة تشكل اكتمالا سابقا بداية من الطفولة في مقابل الوعي المنفتح على الزمن، ومرورا بالأب والبحّار أو البحّارة اللذين يشكلان نسقين متوازيين في بناء نصوص الديوان، وانتهاء يالثورة وصورة الذات المتخيلة في الزمن القادم، فقد تجلى شكلهما – في منطق النص- مسخا يباين المستوى النمطي المثالي. تتجلى الأنماط السابقة في مستوى المتخيل في شكل خاص، وفي مستواها الواقعي تتجلى في شكل مغاير. فالنصوص كلها معنية برصد خاص لحال التفكك والانفصال، بعد الوحدة أو التوحّد التي تعطي هنا الاتحاد والاندماج، وإن كانت الحال الأولى ليست بعيدة، لأن الذات في كل مقارباتها لحال التفكك أو الانفصال تبني على مسافات متباعدة جزءا من انسجامها الذاتي، واكتمالها المرتبط بعدم الحاجة إلى آخرين لكي يشكلوا هذا الاكتمال، فهي نصوص لمعاينة الفقد بعد الاكتساب، والنقصان بعد الاكتمال، وفي كل ذلك تبني قشرتها الناعمة، وشرنقتها التي تبدد كل مساحات الاتصال بالآخرين. تتميّز لغة نصوص الديوان بالبساطة، لكنها البساطة المكتنزة بالمجازات التي تنفتح على رموز وإحالات، فهي لغة- على بساطتها- ممسوسة بتجارب ممتدة تتشابك بالتكرار وبالنهايات المتشابهة، فنجاة علي في هذا الديوان لا تصنع تميّزها من المجازات أو الاستعارات الخارقة للنسق، ولكنها تتوسل للوصول إلى ذلك من بساطة النص الشعري ولغته المشدودين إلى تجارب متداخلة شديدة التعقيد. فاللغة بسيطة، لكنها تحدث نقلا وارتحالات بين المنطقي وغير المنطقي، بين الواقعي والخيالي، فهناك نصوص عديدة تنطلق من محدد واقعي أو حقيقي أو جملة تقريرية، ولكن إحالات هذا الواقعي أو اكتمال الجملة التقريرية، لا تبقي على هذا المحدد، بل تجعله أداة لصناعة المتخيل الباطني الأكثر غورا وخفاء. سردية الذات: تكرار الصور وتجاوب النصوص قراءة الديوان تكشف للقارئ مشروعية اكتشاف سردية ذاتية، لها خصوصية في غربتها وحزنها، ووحدتها في مقاربة الحياة، وفي انتقاء النماذج أو الشريحة التي تقاربها وترتبط بها، فاختيار (البحّارة) ضمن سياق المقاربة اختيار له مشروعيته في استمرارهم جزءا من المخيلة الذاتية، وفي ذلك اختيار للعابر واللحظي، ولكن هؤلاء البحارة المرتبطين بالعابر واللحظي يظل لهم تأثير لافت، فالحديث الذي يأخذ منطلقا عاما في كل حركة في نص (البحّارة) يتسرّب من العمومية إلى الذاتية، فالتحذير أو الدعوة بالمقاطعة لم تكن لهدف عام، وإنما لهدف ذاتي يتجذّر في كل الصور الجزئية التي ولّد ألمها الخاص هذا التحذير العام (أبصرت دمائي على أطراف أصابعهم). البحّارة أصبحوا عنوانا على هذا العابر، وأصبحت صورهم تتمدد من خلال هذا (البحّار) المفرد إلى البحّارة بصيغة الجمع، فكل تكرار للارتباط بالعابر إحياء للسابق وإنعاش للحظته الأولى الفريدة، وكل ندبة أو بقعة حول القلب تحدث اتساعا حول الأولى. فالصرخة الجمعية في بداية النص تعود في تعليلها إلى مدى ذاتي، يفتح عمل المخيلة لقراءة باطنية للذات قائمة على الفعل وتكراره، حيث يبدأ مفردا، وينتهي فيشكل مجموعات تتداخل بفعل الذاكرة المنفتحة على الماضي. النصوص في هذا الديوان منفتحة على بعضها البعض، تتطابق وتقدم إكمالا لعناصر ناقصة من الحكاية، فهناك ثمة تماس وتداخل بين بين نصي (البحّارة) و(الخذلان) في التأكيد على سردية ذات مملوءة بالخذلان والفقد، يتجلى ذلك في نص (الخذلان) حين نقرأ (حين تردد اسمي بخذلان- لذا سأقنع نفسي-بأنك لست سوى- بحّار بائس- لا وطن يحن إليه)، فالتحذير الذي وجدناه عاما في نص (البحّارة)، نجد هنا تبريرا أو إكمالا له، فالبحّار عابر، لا يمارس حياته على وتيرة ثابتة ونسق دائم، فهو دائم الحركة والتحوّل، ومقاربته للحياة ليست بالضرورة قائمة على التنظيم أو المنطق، بل قائمة على الاحتماء بالعابر، واهتبال اللحظي، ومن ثم سنلمح شيئا من صفات البحار في نصوص أخرى، دون أن يتمّ الإشارة إلى مساحات تطابق بشكل مباشر. في نص (الغريب) يجد القارئ تشابهات وتوازيات بين صورة الغريب والبحار، فالغريب في منطق النص مرتبط بالعابر، والانقتاح على الأمكنة، فلا يملك مكانا محددا ينتمي إليه، ففي قوله (هذا الغريب التائه- في بلاد الله- التي تزداد وحشة- يفتّش له عن وطن- بحجم غيابه- بحجم موته البطيء) هناك تأسيس لمساحات التطابق بينهما، فالاغتراب حالة تجمع القسيمين، ففي نص (كافكا) تظهر مساحات اغتراب مساوية وموازية لاغتراب البحار أو الغريب. في الديوان نصوص كثيرة تتكامل فيما بينها للكشف عن ذات بسرديتها الخاصة من خلال التكرار والتشابك والتداخل. وإذا كان البحار يمثل النسق الأول الفاعل في نصوص الديوان بمركزيته وأشكال تكراره، فإن هناك نسقا آخر، ربما يكون دلالة على هذا المنحى، خاصة أن له دورا وتشكلا في كتابات سابقة، يتمثل في صورة الأب التي جاءت في دفقات متتالية، وبشكل متوال محسوب. يتمثل الإلحاح على صورة الأب في التأكيد على مشروعية المنحى الذاتي في صناعة سردية، يمكن أن يتمّ تكديسها وجمعها، من خلال صور تتمتع برهافة الفن في الكشف والتعمية في الآن ذاته. في نصوص عديدة تبدو صورة الأب مرتبطة بالخذلان بسبب الانسحاب في منتصف الطريق، على نحو ما يمكن أن نرى في نص (القرينة)، حين يقارب واحدا من البحارة بشكل غير مباشر (الآن تأكدت أنه يشبه أبي- أبي الذي غادرني- في منتصف الطريق- لم يعد لي إذن- في هذه المدينة الموحشة- سواك أيتها القرينة الطيبة)، ويتجاوب هذا الأمر مع الإشارة في نص البعيد إلى الملمح ذاته لصورة الأب، وتداخلها بصورة البحّار (يقولون إنك لا تشبه أبي- في شيء- حتى أفتن بك- لكنني بك فتنت). في نصوص أخرى يجد القارئ صورة الأب في معرض دائم للمحو، فهي لا تقف عند فكرة الخذلان بالانسحاب في منتصف الطريق، بل تتشكل لها أطر خاصة، فالسارد في نص (بصيرة) يتعثر في الطريق إلى قبر الأب، وفي نص (الطريق إلى المقبرة) نجد هذا التوجه يكبر حتى يصل إلى درجة المحو الخاصة بعلامات القبر (لماذا اختار أبوك- هذا المكان البعيد- كي يرقد فيه وحده- وها هم قد محوا اسمه- ونزعوا كل هوية- قد تدلّ عليه). ويبدو أن مساحة وجود البحار تشكل متلازمة مع وجود الأب وصورته، فقد ترد صورة كل منهما منفردة عن الأخرى في بعض النصوص، وفي نصوص أخرى قد يأتيان متلازمين بوصفهما مؤثرين في تشظي الذات، وفقدان الهدوء والانسجام بانسحابهما. في نص (عاطلون عن الحياة) هناك توازيات مجمعة ومتداخلة على مستوى البنية في كل من صورة الأب أو صورة البحارة، فالتكرار في بداية كل سطر كاشف عن توازي الأثر من الأب أو من البحّارة العابرين، ذلك الأثر الذي يحتمّ وجود النهر لإزالة الأثر المتراكم بفعل التذكر. فالجملة التي تتكرر مع كل نسق من النسقين (لا يوجد هنا نهر) تكشف عن توازيهما في إحداث الأثر، ولكن النص الشعري- نظرا لطبيعته الارتحالية بين عالم الواقع والخيال- ينقلنا ببساطته المعهودة إلى عوالم شديدة الارتباط بالذات، فكل أثر لا يمحى يتحوّل إلى بقعة تتسع في الجسد، حول جدران القلب. فالأب والبحارة دائما ما يحضران في لحظات الارتداد والذكرى في غياب نهر لإزالة البقع، وغياب السماء التي لا تستجيب. وهنا نجد صورة الذات جلية في الكشف عن حياة أقرب إلى الموت، لأنها لا تعيش الحياة بمنطقها، ولكن بمنطق التقليد في الضحك والغناء، وكأنهما ضحك وغناء يتمّ إلصاقهما على الوجه دون وجود لنبض حقيقي. وجود هذين المنطلقين في منطق الديوان ونصوصه الشعرية، في تشكيل التشظي والشتات النفسي، لا يعني بالضرورة أن هناك تسليما نهائيا، فهناك دائما مقاومة تتشكل للقدرة على الاستمرار ولو بشكل جزئي، خاصة في ظل نسق يحاول التعاظم للوصول إلى انسجام الثبات أو الترهين اللحظي الآني، فالذات في بعض النصوص تحاول صناعة إطار للاستقواء. يتجلى ذلك في نص (تلك الموسيقى التي تتسلل كالضوء) نجد أن هناك فاعلية لبنية (الفعل) في بداية السطور الشعرية للنص، حيث تؤسس لمساحة من الأستقواء. فالوقوف أمام الأفعال (سأفرح-سأستمع) إلى الموسيقى التي جاءت متواشجة مع الشروق، يمكن تلقيه بشكل خاص من خلال تأمل الأفعال التي وردت في الجزء الأول، فأفعال مثل (سأجمع- وأكتب- أحدثكم- أشير) كلها أفعال كاشفة عن القدرة من جهة أولى، وعلى المواجهة من جهة أخرى. فالخسارات وأسراب اليأس والوحدة، وكل حكايات الماضي الهاطل، تحتاج إلى مواجهة وإلى زحزحة من ثباتها وكمونها، ومع فعلي المواجهة والزحزحة يبدأ الضوء في الظهور من خلال صوت الموسيقى، لصناعة استقواء لحظي أني قادر على التغيير، وعلى منح الذات مساحة للحركة، ولو حركة جزئية للاستمرار. فالذات في غربتها ووحدتها وعزلتها لا تستمر هكذا دائما، ومن هنا جاء التوسل بالأفعال المتوالية في بداية كل سطر شعري، لتوليد الموسيقى، وتشكيلها كيانا فاعلا يسهم في تغيير حال الذات. تأمل نصوص الديوان وفق هذا التوجه الخاص بالاندحار في وجود مقاومة تساعد على الاستمرار في نسق الثبات المشدود إلى القصور الذاتي، يؤسس مساحة استباقية لسردية الذات، فإذا كانت كل نصوص الديوان تتراوح في حركتها في التأسيس للماضي والحاضر، فإن هناك إشارات أو صورا يمكن اعتبارهما استباقية للقادم، أي نلمح بها ما يشير إلى النبوءة، خاصة في ظل مقارنة مؤسسة على التشابه بين البحار والأب، وبين الذات الساردة والأم. فقد يقف القارئ طويلا لمعاينة النص الأخير الذي جاء في شكل كتابي مغاير للنصوص السابقة، من خلال تمددات في الكتابة السطرية. وسوف يكشف التأمل الكثير من مساحات التماهي بين الذات الساردة والأم. ولكنّ هناك أوصافا محددة وصورا خاصة سوف ترد في النص الأخير، تجعلنا نعيد النظر في أجزاء من النصوص السابقة، أو على الأقل نعيد وصفها، أو الوقوف عندها وفق منطق فيه الكثير من الاستباق أو توقع وتخيل القادم. وصف (المومياء) في النص الأخير يعيدنا بشكل أو بآخر إلى تأمل جزء ورد في نهاية نص (عاطلون عن الحياة)، حيث يقول (هنا فقط ما يدلّ على أنني إحدى المومياوات- التي استيقظت فجأة- وسط الأحياء- فجربت أن تقلّد أصواتهم في الضحك والغناء)، فهذا الوصف يؤسس للنهاية المتوقعة، وهي نهاية تستند إلى شبيه مماثل في وضع المراقبة، يتمثل في صورة الأم التي يأتي رصدها منفتحا على رصد الذات، بل يمكن الإشارة إلى وجود تماه بين الصورتين. ويمكن في ذلك الإطار الاعتماد على صور أو أوصاف لازمت حضورهما، مثل وصف (الكراهية)، فالكراهية في منطق واحد من النصوص بداية الانعتاق من أثر حضور البحار، وفي هذا النص الخاص بمساحات التماهي بين الأم والذات الساردة، المسمّى (جولات خاسرة) يرتبط بالشفاء والانعتاق فالنص بقول في نهايته، وكأنه يشكل انعتاقا (ولا يمكنني سوى أن أقف عاريا من كل شيء، مكتفيا بأن أرعى الكراهية التي نمت في أحشائي في غفلة مني). فصورة المومياء والمسخ- كما في قصيدة كافكا- والكراهية في النص الأخير، وفي نصوص الديوان تجعلنا نشير إلى سطوة النسق، وتحققه في جولات متتالية تتشابه في النهايات والمآلات. في نصوص الديوان هناك صور تتكرر كثيرا، وهذا التكرار كاشف عن سردية ذاتية تحتمي بتكرار المتخيل، وبوسع أي قارئ للديوان أن يعاين الصور التي تلح كثيرا في نصوصه، مثل الصورة المعلقة على الحائط المتهدم، أو صورة البقع التي تنمو وتكبر، وتغطي القلب، كما في قصيدة (القرينة)، أو في قصيدة (عاطلون عن الحياة)، أو في نص (كافكا)، حيث يقول (وظلت لوحة كافكا- في الحائط المقابل- نبوءة تخبرها- بأن وجودها صار مسخا- وأن ما حسبته حبيبا- صار بقعة داكنة في القلب). وفي نصوص أخرى نجد أن هناك تناظرا في الاستراتيجيات البنائية بين بعض النصوص، يتجلى هذا التناظر في الوقوف عند نهاية نصيّ (وحدك في نهاية الممر)، و(كافكا)، حيث تأتي نهاية النص الأول في قوله (وأن ما كنت تحسبه يقينا- صار نكتة تثير الضحك)، وجاءت نهاية النص الآخر في قوله (وأن ما حسبته حبيبا- صار بقعة داكنة في القلب). البساطة وبنية التساؤل يجد القارئ لنصوص الديوان مساحة لافتة من البساطة، فليس هناك مجازات خارقة للنسق في النصوص، هناك حالة سردية تكتفي بالمفارقات البنائية المرتبطة بالنزوع إلى طرح التساؤل أو الأسئلة. ولكن نصوص الديوان – بالرغم من هذه البساطة- تشتغل على مناح فكرية، حتى لو كانت هذه المناحي لا يتم التوجه إليها بشكل مباشر، بل تأتي بشكل متوار. في نص (مرآة) ثمة اشتغال على الحقيقي والزائف، ومن خلال هذا الاشتغال يتمّ إسدال مساحة من الشكوك حول الدلالات المستقرة لكلمات مثل (الراهبة) و(القديس)، وما يقابلهما من دلالات متناقضة، فكأن جدار المرآة مساحة لخلخلة هذه الدلالات، ويؤسس أيضا حركة دائمة ومساءلة مستمرة لطبيعة العلاقة بين الإنسان وظله، أو بين الإنسان والشاعر، أو بين الجسد وطيفه غير الحقيقي أو الواقعي. فالتناقض الحاد بين (الفضيحة) عند صديقها المغربي، والحكايات الملفقة عن الراهبة التي تسكنها، يتأسس في إطار تناقض من نوع ثان يتمثل في المقابلة بين الشعر والقديسين، وفي وجود إحالة إلى الشياطين بورودها التراثي في تفسير الشعر، أو في تفسير اختلاف الشعراء عن البشر العاديين. فالمرآة وسيلة لمعاينة الصراع بين الواقعي والخيالي، والفيزيائي الملموس والخفي غير الملموس، وفي سبيل ذلك تحدث زلزلة لمفاهيم جاهزة مثل (القداسة) و(الرهبنة)، في ظل فاعلية القرين. فالشعرية في هذا الديوان وإن كانت تبدو بسيطة، فهي في شكل من أشكال التلقي يجب الانتباه إلى دلالات معرفية، وتجارب مختزنة، تلحّ في شكل إشارات تحتاج للتفكيك، وإعادة التركيب من جديد. وتأمل نصوص الديوان بوصفه كتلة واحدة يكشف عن أن ثمة صورا دائمة الارتحال والتمدد بعيدا عن واقعيتها، أو عن الجزء الأول من الجملة، ليتحول الجزء المتبقي إلى متخيل باطني أكثر غورا، فحين يقول النص الشعري في نص (البعيد) (غرفتك ضيقة فعلا- لن تتسع لظلي حين أمده بالليل) يدرك القارئ أن النص ينطلق من محدد واقعي، في شكل جزء من الجملة، ولكن الجزء المكمل من الجملة لا يحافظ على واقعيتها، بل يجعلها أداة طيعة لصناعة المتخيل. ويجد نفسه أمام ثنائيات، يتشكل الأول في حدود الثبات، ويتشكل الآخر في حدود الحركة الدائبة أو اللاهثة، وهذه الحركة ترتبط بالمتخيل الذي يغيّر في طبيعة الأشياء، فالحجرة الضيقة يتأسس في إطارها الظل الذي يتعاظم على محدوديته، ليأخذ شكله ليلا، ويتحرك ويكبر. ونجد في النص ذاته النوم في مقابل المحيط المشتعل، وكل قسيم منهما يقابل طرفي ثنائية، الطرف الأول مشدود للثبات، والآخر مشدود للحركة، ويتمدد ذلك التناقض بين الصورة المعلقة الساكنة الواقعية في مقابل المتاهة والكلام. وانفتاح نصوص الديوان على مناح معرفية متوارية تحت ظل البساطة، يعقد نوعا من الصلات والتجاوبات بين النصوص، وكأن في هذه التجاوبات إكمالا لسردية لا تكتمل أو تأخذ شكلها الأقرب للاكتمال إلا في وجود تعالقات مع نصوص أخرى، تعالقات تشكل طريقا للتأويل، ففي نص (مرآة) السابق، لا يمكن أن نمنع اللارتباطات التي تتولّد مع نص آخر، وهو نص (القرينة)، خاصة في ظل تشابهات الصور المجهرية، وإشاراتها التي تشير إلى هذا التعالق، فحين يقول النص (كأنها مرآة روحي المنكسرة- أتأمل على سطحها- البقع التي تغطي القلب- لسنا بحاجة إلى لغة-حين نتحدث معا- فالروح ترسل إشاراتها- وتتكفل بكل شيء) ندرك أن وجود التشبيه هنا (كأنها مرآة) يعيد المتلقي إلى نص (مرأة)، وتتأكد مشروعية التلقي في وجود ذاتين بينهما مساحات اتصال كما في هذا النص، ومساحات اختلاف وتنافر، كما رأينا في النص السابق، فالمساحات الخاصة بالتطابق والتوحد هنا ترتبط بالبقع التي تغطي القلب، وهي مساحة من مساحات الهزيمة التي تقرّب بين الذات والقرين، أو بين الإنسان والشاعر، فحالة أو كثرة الطرق في الصراع مع الحياة والعالم، تؤسس لمدى التوحّد بين المختلفين والمتنافرين. يجد القارئ في نصوص الديوان- انطلاقا من فكرة البساطة واللغة الخادعة ببساطتها- منطلقا مهما يتشكل في إطار فكرة التساؤل أو السؤال. فالسؤال بنية حاضرة في نصوص الديوان، وقد يأتي طلبا للمعرفة، أو لإزالة غموض في منحاه العام، لكنه في النصوص الشعرية يأتي للكشف عن التناقض الشكلي أو المفارقة، ولكن مراجعة هذا التناقض تجعلنا نعيد قراءة النص مرة أخرى وفق استراتيجية محددة داخل نسق خاص. وهذا التوجه في مقاربة السؤال وثيق الصلة ببساطة اللغة الشعرية ومداها الدلالي المتّسع. في نص (محمد محمود) هناك اندياحات زمانية ومكانية في قوله (هنا البيت وليس ميدان التحرير- وغرفة نومي لم تكن يوما- شارع محمد محمود- من أين يأتي الغاز إذن؟) يدرك القارئ أن هذا التساؤل الذي تكرّر مرة أخرى (منتظرة عودة صديقتي الوحيدة- من قصر الدوبارة- لأسألها من أين يأتي كل هذا الغاز؟) وثيق الصلة بمحاولة المعرفة من جانب، والإشارة إلى تلك الرائحة التي لازمت عددا أو قطاعا عريضا من المصريين في فترة الثورة، تتمثل في رائحة الموت والقهر، واستمرت تلك الرائحة في تعاظمها على الزمن. ولكن النص لا يمكن تلقيه نظرا للفجوات الزمنية والارتحالات المكانية إلا في إطار حلم، يجدل فيه الزمن جديلة خاصة، حيث يوجد هناك استعادة لمشاهد دافقة الدلالة على أيام الثورة، من خلال صور تكشف عن ذلك، بالإضافة إلى عنوان النص الذي يضع المتلقي داخل هذا الأفق، ويحدد كيفية تلقيه، وطبيعة النظر إلى السؤال المتكرّر داخل أجزاء النص عن الرائحة التي تستمر- وكأنها رائحة باطنية ذاتية الحضور- إلى اللحظة الآنية، أي بعد مرور سنوات طويلة على الثورة. في بعض النصوص الأخرى يتحوّل التساؤل أو السؤال إلى آلية من آليات الاستقواء ضد الهزيمة والتشظي، ولا يمكن الوصول إلى ذلك إلا في ظل استحضار التوازيات بين نسق الأب والبحار من جانب، والتوازيات بين الحياة في وجود البحار العابر واللحظي في نصوص الديوان، والموت في ابتعاده في محاولة التخلص منه من جانب آخر. لأن هذه التوازيات تعدّل في فعل التساؤل المستمر، وفي وظيفته، وتحوله من وسيلة للمعرفة إلى وسيلة للاستقواء. فقراءة السطر الأول في نص (هذا العدم لا يثير رهبتي) ربما يكون ذا فاعلية في فرض مشروعية لوظيفة الاستقواء الخاصة بالسؤال أو التساؤل، ففي بداية النص يقول (لن انشغل بطيفك الذي مرّ- سريعا من هنا- رغم أنني فعلت ما يكفي- لتنظيف البيت من الأشباح)، فهذه السطور تشير إلى الوجود بالقوة، أو الوجود في ظل التعاظم والمقاومة والتعافي، من خلال التوسل بالأفعال مع ببداية كل توجه (سأنتشي بالقسوة)، و(أتسلى بتمزيق القصائد)، و(سأبتهج)، وكلها أفعال وتوجهات لا تخلو من قصدية المحو، فالعدم المتخلّف بعد الرحيل، يجعل التساؤل داخل حدود النص مرتبطا بوظيفة جديدة له مبنية على الاستقواء في السطر الأخير (هل تعرف أن هذا العدم لا يثير رهبتي حقّا؟). في نص (بنيامين) يأتي التساؤل معبرا عن المفارقة والتناقض بين المنطق الواقعي، والمنطق الداخلي الكاشف عن غربة الشتات الروحي. ففي مقابل الانفتاح والانعتاق من العرق بوصفه محددا أوليا، ومن المكان بوصفه محددا ثانيا، وهما محددان أو توجهان يجعلان الهوية الإنسانية حاضرة، بعيدا عن الانحياز إلى العرق والمكان، يأتي الإحساس بالضيق والشتات حاضرا في النص (هجر اسم بلاده- لئلا يعرف هويته أحد- وفرّ من بلد إلى بلد- ليغلق وراءه كل أبواب الحنين- لكن لماذا صارت بلاد الله- ضيقة عليه؟). فالتساؤل في النص أقرب إلى آلية فنية لإحداث المفارقة، ورصد المآلات الغريبة للحياة، فالمفارقة التي تقوم بعملها في إعادة قراءة النص، ربما تمثل الوظيفة الأكثر حضورا في نصوص الديوان، خاصة حين تكون هذه المفارقة بين نسقي الواقعي والمتخيل، الواقعي الخاص بالانفصال والمتخيل الذي ما زال مشدودا لانسجام سابق، ففي نص (الغريب) هناك تأسيس صورة خاصة للغريب تتماس وتنفتح على صورة البحار، وهي صورة مرتبطة باستحالة استمرار الانسجام أو الاكتمال، يأتي التساؤل معبرا عن الدهشة، من توقع الذات ولو خيالا مساحة من مساحات الاكتمال السابقة في قول النص (لماذا تقضي ليلتها إذن- في انتظار أن يتسلل- إلى غرفتها- لينام على صدرها- كطفل صغير- هدّه التعب- هدّه الحنين؟). التساؤل إشارة إلى التناقض، خاصة حين يتعلّق الأمر بأسئلة قلقة للقارئ، فالديوان منفتح على أماكن عديدة، مثل (واشنطن)، و(بروكلين)، و(سياتل)، وعلى أسماء تشير إلى اختلافات جوهرية دينية وثقافية، وهذا التعدد يجعل الديوان مرتبطا في جانب من جوانبه بأسئلة تتعلّق بالاختلاف الديني أو المذهبي، خاصة لدى الشخصيات المنفتحة على الآخر المغاير، هي أسئلة تتعلّق بالقدرة على تجاوز الديني أو المذهبي، على نحو ما نجد في نص (دانيال)، فكل الصور الجزئية التي استعصت على النسيان، وقاومت الزمن تثبت متانة الارتباط بين الحبيبين، لأنها متعلقة بزمن الطفولة والنقش، ولكن اللقطة الأخيرة التي لا تخلو من مباشرة، تكشف عن نهاية مقهورة، وتمدد لحالات التشظي إلى مآلاتها الأخيرة.