السخرية وبنية القصّ في مجموعة أضغاث ربيع للكاتب عبدالرحيم سليلي
السخرية وبنية القصّ في مجموعة
أضغاث ربيع للكاتب عبدالرحيم سليلي
عادل ضرغام
في المجموعة القصصية (أضغاث ربيع) للكاتب المغربي عبدالرحيم سليلي، هناك عودة لكتابة القصة الطويلة التي تثبت تميزا، وقدرة لافتة في الاشتغال على حركة السرد، وعلى حركة المعنى في تولدها داخل نسق رمزي شفيف يتشكّل بالتدريج، ليصبح ذا مشروعية مكوّنا أفقا للتلقي والقراءة. فالقصر البنائي- بالرغم من مشروعيته- يشير حتما إلى نسق تأملي كاشف عن مساحة من التيبس الكتابي المشدود إلى مناح شعرية، مهمومة بتلخيص التجارب الإنسانية التي تشترك مع منجز آخرين سابقين، في الدوران حول الجاهز، وتأمل فيوضهم للوصول إلى أمثولات، يكيّفها القصر، ويجعلها داخل حيز اليقين دون مساءلة.
القصص في هذه المجموعة لا تخلو من امتداد وحركة وانتقال ونمو، بعيدا عن اللقطة المعرفية التأملية الساكنة، وهذا ينبهنا إلى بكارة وفوران الطرح وقيمته الفنية، وينبهنا أيضا إلى جدارة المشروع الكتابي، وإن كان قيد التشكّل والبناء. فهي قصص نابعة من التأمل والمقاربة للواقع الفردي، وللواقع العربي في بعض البلدان دون إشارة واضحة مباشرة في النص، هناك فقط بعض الإحالات المكانية مثل (سفح سنجار)، ليتوجه القارئ إلى مكان محدد ذي خصوصية، أو إلى تناول (القات) الذي يحدد مكانا معلوما للجميع. وكل هذه التأملات تشير إلى عمق أزمة الوجود العربي، وإلى السياق المضطرب الذي يعيش فيه الإنسان العربي، فمعظم الأمكنة خاضعة للصراع والتحزّب المذهبي والأيديولوجي. وهذه المقاربة تحتاج إلى كثير من الوعي بالصراع بمكوناته وجذوره للوصول إلى بنية فنية قادرة على حمل مساحات من السخرية السوداء التي تطال كل التكوينات المذهبية، وكذلك الأشكال الرسمية للحكم.
فالتوجه في كل القصص- خاصة في الجزئين الأوليين- لا يخلو من إطار نقدي لكل السياقات المهيمنة في البلدان العربية، خاصة البلدان التي فقدت تصالحها مع تاريخها القديم، أو فقدت قدرتها للاستجابة نحو تعدد نسيجها، أو مع هويتها، من خلال العماء الذي يمعن البعض في تشييده، فتبدو الحركة أو التوجه دائرة في فضاء منبت لا أساس له. ففي كل فترة هناك بداية من الصفر، تنتهج هدم الماضي بدلا من الوعي به وفق لحظة حداثية تسلط الضوء على فجواته وظلماته. تبدو البلدان العربية في الجزء الأول (نيران شقيقة) موضوعة في بؤرة الاهتمام للتأمل والمقاربة، وإن أبرقت بعض القصص إلى رؤية وجودية عامة، ترتبط بطبيعة الحياة القائمة على الاختلاف، وإسدال الحواجز والسياجات بين الأعراق.
في قصص هذه المجموعة يجد القارئ نفسه أمام رؤية نافذة لا ينقصها الوعي، أو الحصر لمآلات بعض البلدان العربية في عمومها، أو للبلد أو للسياق الذي ينتمي إليه خاصة في الجزء الثاني (حديث الرمضاء)، أو للذات الفردية في الجزء الثالث (شظايا غرام)، بوصفها نمطا بتعبير لوكاتش، يكشف عن كثيرين مشابهين له، يتحركون في إطاره وإشكالياته. وقد تُبنى القصص في هذه المجموعة على ثقافة ممتدة بالسياقات الآنية، وعلى وعي بأساطير عديدة، وقد تستمدّ وجودها من خبر بسيط نشر في صحيفة أو موقع، ولكن الكاتب- لقدرته الفنية- يحيل هذا الخبر أو النثار الواقعي البسيط إلى سرد مملوء بالعوالم الخيالية، ويغيّب بسبب هذه المقدرة الفنية هذه الخطية الواقعية البسيطة، لتصبح القصة بناء متعدد الطبقات والدلالات.
السخرية من الوجود الجزئي إلى الإطار
السخرية في الكتابة الأدبية فعل من أفعال الانتقاص والتشويه، فالسخرية تفتت اليقين والشعور بالنصاعة ومشروعية التوجه، وتفكك الأسانيد التي يستند إليها ويتحرّك في إطارها أصحاب المذاهب، محاولين إسدال نوع من الارتفاع والاختلاف عن الجميع. فهي باب لإعادة النظر، وإعادة مقاربة سلوك الأفراد أو الجماعات، وإعادة تأمل الخطابات التي يتوسّل بها كل فريق. يتوفّر في قصص المجموعة توجه لافت للنظر قائم على السخرية، حيث تصبح جوهر النفس الكتابي المسيطر على قصص الجزء الأول، أو تصبح الجذع المغذّي للكتابة القصصية. ففي هذا الجزء تأخذ الكتابة محتمية بالسخرية شكلا نقديا، لا يتورّط بالكشف المباشر عن وجهة نظره، ولكن هذا التوجه ينقل إلى القارئ بالتدريج مساحة من الشك في الخطابات الراسخة، وهي خطابات يؤمن بها أصحابها المنتمون إلى توجه أيديولوجي ما، وحين يأتي الشك ماثلا في خطابات هؤلاء المنتمين، تصبح السخرية حاضرة، ولها دور في زلزلة اليقين.
السخرية في قصص الجزء الأول لا تتوجه في ظل حالة التفتت إلى اتجاه دون آخر، بل تشكل سياقا عاما للرؤية، فهناك سخرية من ممثلي السلطة، وذلك من خلال الجملة التي تحضر بشكل دوري على لسان الضابط في قصة (أضغاث ربيع)، في وصفه لحال الثورة وأثر الثوار (السماء توشك أن تقع على الأرض)، بل تصل السخرية باتجاه ممثلي السلطة مداها في اتهام ماسح الأحذية البسيط، ووضعه داخل حيز المساءلة بوصفه المسئول من خلال اتصاله بجهات خارجية عن قيام الثورة، فهذا يشكل نمطا جاهزا وتفسيرا مؤسسا، يجلبان السخرية السوداء، في ظل تهافت أصحاب السلطة للتعاظم على الجهل وغياب المعرفة.
السخرية في القصة السابقة لا تقف عند حدود السلطة وخطابها، بل هي انتقاص لكل أشكال النزاع، حتى فصيل الثوار. يتجلى هذا في البداية من عنوان القصة (أضغاث ربيع)، وفي متنها النصي من خلال الإشارات إلى بعض الشخصيات التي كانت سببا في اشتعال الربيع العربي، مثل الإشارة إلى البوعزيزي (ألم يعد انتحار بائع مخمور كافيا لإسقاط ديكتاتور على عرشه، حجزه لنفسه بالدم والحديد) في رد الضابط على تصغير ماسح الأحذية لنفسه. ومن ذلك تأخذ السخرية مداها من التخيل أو بنية الحلم، لأننا نكتشف في النهاية أن القصة تدور في إطار حلمي، أو في إطار به نوع من التغييب من خلال المخدّر، فقول الضابط لماسح الأحذية أثناء التحقيق بوجود شبيه له، تولّى رئاسة دولة من دول الثقل السياسي والثقافي والحضاري، يفتح عمل المخيلة، ومن خلالها تتشكل مساحات السخرية، في تعامل هذا الرئيس مع الفصائل البشرية لشعبه، مثل النساء التقدميات، أو مثل الجالسين على المقاهي في انتظار تغيير النظام.
وفي بعص الأحيان تتولّد السخرية من الكلمات البسيطة التي تحمل متخيلا جاهزا لدى المتلقي، مثل التشبّه ببعض القادة السابقين في مساحة تخيّل نفسه رئيسا، فنراه يقول على الدستور الذي ينتوي تجهيزه (سأحرص على أن يكون لونه أخضر). أو يتجلى في استخدام ألفاظ ومفاهيم مبهمة تجريدية، تظلّ بعيدة عن عقل ووعي ماسح الأحذية، ويتمّ تداولها أثناء التحقيق بينه وبين الضابط، فيرد عليه كاشفا مساحة من الغياب والاضطراب التواصلي بعيدا عن إدراكه العقلي (أية مناشير، ومن تقصد بأذناب الإمبريالية، وطغمة الحكم الفاسدة، وعذارى النظام). فكلمات مثل الإمبريالية وطغمة الحكم وعذارى النظام، تكشف عن الغياب، وعن نتوء وخلل في سياق الحوار بين الضابط وماسح الأحذية، لأنها تمثل بسلوكها نسقا جاهزا للاتهام. والسخرية هنا تعرّي السلطة- أية سلطة- تنتهج هذا النهج للتغطية على جهلها في بحثها عن مذنب يسد منفذا فارغا.
في القصة التالية (رمال حارقة) نجدها تأخذ منطقا نقديا من خلال الاتكاء على السخرية لفصيل التشكيلات الدينية التي نشأت في العقود الأخيرة، من خلال توالدها الداخلي وتناسلها إلى فرق عديدة، وذلك بالاعتمادعلى خطابات بعض المنتمين إليها، فيتكوّم الشك حولها من خلال وسائل عديدة. يتمثل أولها في العبث بالأسماء للانتقاص منها، وتعرية أصحابها داخل نسقها الأيديولوجي، فحين يقول واحد منهم واصفا القائد (بأبي حمارة الدهشقي)، أو (الجنرال المفخخ)، فهو يؤسس لسخرية الانتقاص، في الكشف عن التدثر بالديني للوصول إلى السياسي بوصفه هدفا أساسيا. وهناك سخرية الفعل، فهناك حكايات جزئية كثيرة، تمارس الكثير من السخرية للوصول إلى فعل التعرية لهذه الفصائل التي تحتمي بالدين، مثل حكاية المرأة الكردية التي تمّ أسرها وقتل مرافقها، أو حكاية الرجل السجين الذي أعلنوا وفاته، لكي يتناوبوا الاعتداء على زوجته الأجنبية.
ومن أشكال السخرية نوع آخر يتشكل من الحوار بين المنتمين إلى هذا التنظيم، فيأتي حوارهم كاشفا عن التململ، أو عدم اليقين بما يقوله الإمام. يتجلى ذلك في الحوار الدائر بين البطل (أبي كلثوم) و(الوهراني): (نحن في الجنة يارفيق! لكن أين بقية الجماعة؟- ربما ما زالوا أحياء- أو ربما هم في النار)، ويختم الحوار بقوله (لا تقم بأية حركة، قد تمرّ المقاتلة من جديد، فتفقد أعضاء أخرى من جسدك، ويتعذّر عليك التحليق في الفردوس). وتتجلى السخرية الحوارية في قول الوهراني (أيها القائد إنني أحترق- كفّ عن الشكوى أنت على مشارف جهنم يا بطل- أنا شهيد والشهيد لا يدخل النار- ههههه لقد نلت الشهادة بالمقلوب، أتعتقد أنك تجاهد، وأنت تقتل أناسا يصيحون بالشهادة؟).
تؤسس بعض القصص شكلا من أشكال السخرية، يمكن أن نطلق عليه سخرية الإطار، حيث تتحرّك القصة في بناء فكرتها الساخرة في استنادها إلى نموذج شائع، يتمّ نقله وتحويله إلى لحظة آنية معاصرة. في قصة (نوستاليجا) تتحقق السخرية السوداء اللاذعة من خلال استحضار (دون كيخوته) بطل سرفانتس، حيث تحضر شهوته في إصلاح العالم التي تستدعي السخرية حتما. ولكن هذا المشهد في بداية القصة والكاشف عن مرحلة عمرية يتمّ استدعاؤها في لحظة آنية، تمارس البنية السردية عليه نوعا من النقل والتحوير، لكي يبدأ تفعيله في نسق جديد، وتعاد في ظل ذلك مقاربة فكرة الوطن، ودور الخطابات الرسمية في التمسك بحدوده، أو يتحوّل إلى فكرة غير واضحة شبيهة بمرآة مغطاة بالتراب.
فالسخرية التي تمثل إطارا مرجعيا، من خلال طفلين يقومان بدوري (دون كيخوته) و(سانشو) وشهوة الأول في إصلاح إعوجاج العالم، في أداء مسرحي في بداية القصة، حين ينصت إليهما الجد بطل القصة، تشتغل القصة عليها، وتحولها إلى خطاب سلطة، يتمّ الاشتغال عليه في وسائل الإعلام، فإذا كان خطاب (دون كيخوته) يثير السخرية من خلال الشك في قدرته على الفعل، فإن الخطاب الرسمي السلطوي، لا يخلو من رنين صوتي أجوف، لكن دون وجود أرضية حقيقية، وإذا كانت السخرية في رواية سرفانتس تتولّد من السياق الحضاري الذي ألفت فيه، فإن السخرية هنا جاءت نامية في إطارها، من خلال المقارنة بين خطاب السلطة الرسمي في وسائل الإعلام، وخطاب الآخرين (الأم وشقيق بطل القصة) اللذين يعاينان الواقع، ويعيشان فيه بعيدا عن خطاب السلطة الزائف الإشهاري المعلن.
الفجوة كبيرة بين الخطابين في التعبير عن الواقع، فخطاب السلطة يشير إلى استثمارات بملايين الدراهم، وخطاب الأم والشقيق يشير إلى نقيض ذلك. والبطل ينحاز إلى خطاب السلطة، فيتولد لديه يقين بالإصلاح، لأن ذلك يقوّي رغبته بالعودة إلى وطنه والتخلص من الاغتراب، فهو شبيه بدون كيخوته في الإطار المثالي المبني على السخرية، ولهذا نراه يشك في خطاب والدته وأخيه، حيث أخبراه (عن قحط كبير ضرب معظم ربوع البلد، وعن أفعال الحكومة التي رفعت الدعم عن كل المواد، ولم تزد في الأجور).
لكن هذا اليقين بخطاب السلطة يبدأ في التلاشي تدريجيا، بداية من تأثير الخطاب المملوء بالسخرية من صديقه (عسّو) الذي بعد أن أنصت إلى كلامه الكاشف عن اليقين التام ينصحه (أن يزور طبيبه، قبل الذهاب إلى العمل، قد تكون النوبة قد عاودته). النص هنا يؤكد على النزوع نحو السخرية، وكأن خطاب عسّو يورّط ويجذّر السخرية- كما ورطها خطاب دون كيخوته في بداية النص- داخل مدار الانتقاص، ويدخلها ويموضعها في إطار خطاب الكذب، ويعري النصاعة الزائفة. ويأتي خطاب الآخر المغاير ليضيف جزئية أخرى لنمو الشك في خطاب السلطة، فالعجوز الأجنبي الذي تعوّد البطل على الحديث معه في المترو، يملك قدرة على تمثيل الآخرين، ومن ثم فإن جملة العجوز تؤسس تباينا كاشفا لخطاب السلطة، وتعرية لمصداقيته، فحين يقول له (قال لي أحد المغاربة إنكم تثقبون خرم الإبرة في الصين) تصبح السخرية حاضرة بين خطابين، وتضع خطاب السلطة موضع المساءلة.
إن خطاب الآخر المغاير في مقابل خطاب السلطة يؤسس شكّا كبيرا لدى البطل، ولكن هذا الشك يصبح فاعلا إذا أضيفت إليه تمثيلات تقوم بها وسائط أخرى تتحد في الرؤية مع السابق، مثل تمثيلات الأفلام الوثائقية التي تقدم تعرية بها الكثير من العنف، من خلال الصور الحية المنقولة من أماكن يعرفها سلفا. فالتمثيلات سواء تجلت في أفلام وثائقية أو حوارات مشابهة، توجه القارئ نحو السطر الأخير من القصة، للإشارة إلى مفهوم جديد للوطن، بدأ في التشكل بعيدا عن النوستاليجا والحنين السابقين في الإحساس بالدفء، والبحث عن الفردوس المفقود، حيث تقول القصة في آخر سطر (أقفل الخط دون أن تدمع عيناه، من يومها لم يتوجه قط إلى وكالة تحويل الأموال). فهناك في ظل هذه النهاية وجود، له كينونته المغلقة ومركزه الخاص، يشيّد وطنه بداخله، ويغض الطرف، ويصمّ الأذن عن نداءات الحنين، وكل ذلك راجع إلى السخرية التي تجعلنا نعاين أية فكرة من خلال تعريتها من الداخل.
بنية القص والآليات الفنية
تتعدد البنيات الفاعلة في قصص المجموعة، وتتعدد- تبعا لذلك- الآليات الفنية التي تستحضرها هذه البنيات. فالبنية في قصة (أضغاث ربيع) بنية أقرب إلى الحلم، لأنها كتبت تحت تأثير الإفاقة من المخدّر المستخدم في العملية الجراحية بعد أن داست الأقدام بطل القصة ماسح الأحذية أثناء الثورة. وفي هذا الحلم أو في هذه المساحة الخاصة بسريان المخدّر حتى الإفاقة منه، تتداخل العوالم والأزمنة، ويتماس الواقعي والخيالي والفانتازي. فهذه الآلية تعيد تأسيس العوالم النفسية شديدة التعقيد لماسح الأحذية في فرادته وابتعاده عن جانبي السلطة والثوّار، ومن ثم يصبح تمرير السخرية نحو الجانبين مقبولا، وتمرير وجوده حاكما متخيلا له مشروعيته، فالتخدير منفتح على الحلم، وفيه تذويب وإظهار للباطني الغائر داخل النفس الإنسانية.
تتأكد فاعلية الارتداد نحو الماضي ومقارنته بحاضرها في قصة (رمال حارقة)، فالقصة تبدأ من لحظة خاصة يترقب فيها البطل موته وينتظره، ومن خلال آلية الارتداد وتأمل ماضيه يعيدنا إلى سفح (سنجار) وحدود أزمة الأيزيديين فيدخلها إلى بؤرة القص. يقدم لنا السرد ارتدادات سردية، للكشف عن تحوّل البطل من فرد عادي ينتمي إلى الأيزيديين إلى مقاتل إرهابي في تنظيم الدولة الإسلامية، بعد هجوم أفراد التنظيم على عائلته في السفح، وقتلهم أفراد عائلته من الذكور، ولم يتبق سواه ووالدته وأخواته الصبايا.
لا تقوم آلية الارتداد بمفردها في تشكيل وبناء القصة، بل هناك آلية أخرى تتجاوب معها، تتمثل في التقطيع السردي، وهي آلية تقوم على تقديم الحكاية في لوحات سردية اعتمادا على فاعلية الذاكرة في نطاقيها البعيد والقريب. والقصة في ظل ذلك لا تقيم وزنا للزمن الأحادي الممتد، فالقصة في لوحتها الأولى تضع القارئ في إطار سردي آني من خلال سرية قتالية يقودها أبو كلثوم، ومعه الوهراني، وقد تأثرا بقذف مقاتلة مرت عليهما، وأحدثت إصابات بالغة بهما. وفي اللوحة السردية الثانية تتشكل حركة المعنى من خلال الارتداد لتكشف لنا أن قائد السرية أبا كلثوم ينتمي إلى الأيزيديين، وبعد مقتل أهله من الرجال ينضمّ إلى تنظيم الدولة، وتحمله والدته بالرغم من كونها أصبحت محظية الأمير ثأر والده وإخوته.
يظل التناوب السردي بين اللوحات السردية من خلال الارتداد والنمو السردي البطيء في اللحظة الآنية له دوره في تشكيل عالم القصة، وبناء عالمها السردي، حيث يبدو قائما على التوازي المستمر، وكاشفا عن مساحات بين جانبين، يحاول كل واحد منهما القضاء على الآخر، وتعرية هذا التنظيم. يبدو البناء القائم على التوازي مهما في الكشف عن وجهات نظر مختلفة، وعن رغبات ووعي مطمورين بالقوة الغاشمة، فلهذا البناء دور في تفتيت وجهة النظر الأحادية، وتفتيت اليقين الناصع، فنراها تتوزّع إلى صراعات أيديولوجية موغلة، فالأم التي صارت أميرة محظية لم تنس ثأر زوجها وأولادها، والوهراني الذي يقاتل تحت قيادتهم يسخر من تعاليمهم ومعتقداتهم وخطابهم، ويشكك في مشروعيتها بتقديم الوجه المباين.
في بعض القصص يلمح القارئ حضورا للعجائبي، وهو حضور ليس عاريا من الدلالة أو الوظيفة السردية، ففي كثير من الحالات يبدو العجائبي مهما للكشف عن طبيعة الشخصية التي تعاني هزائم داخلية على مستويات عديدة، فالعجائبي في بعض القصص أقرب إلى حلم اليقظة الذي يكفل للذات القدرة على الاستمرار في ارتباطها بواقع مأزوم. يتجلى ذلك في قصة (يوم العمر)، حيث يجد القارئ شخصية البطل متجذّرة في إطار بنائي خاص في ارتباطه بالقسيم الأنثوي، أو في ارتباطه بالآخر في عمومه وتنوّعه، يقول النص واصفا البطل وتشكيله الذي لا يخلو من منحى عجائبي (وحين يحسّ نظرات الريبة الجبانة تتوجّه إليه من تحت جفون مواربة، ينمو له ريش كثيف، فيفرد جناحيه، ويحلّق عبر النافذة المفتوحة، يطير وسط فضاء غائب عن وعيه).
فالعجائبي في هذه القصة لا يخرق مواضعة واقعية، بل يجعل الواقعي يتجلى في شكل أكثر اتساقا، لارتباط هذه الآلية بطبيعة الشخصية حيث تأخذ الحياة من أيسر جوانبها، دون محاولة للتصادم أو قدرة على الفعل، فتحتمي في سبيل ذلك بالعجائبي المنفتح على الحلم والحرية، في سياق علاقته المضطربة بالأنثى. فالعجائبي في هذه القصة وثيق الصلة بالحلم، يحضر في لحظات الفرح، ويغيب ويثقل حضوره في لحظات اشتباه الطريق. الكاتب لديه قدرة لافتة في خلق سردية متجاوبة العناصر، سواء في اعتماده على العجائبي، وجعله وثيق الصلة بشخصية البطل المسرود عنها، أو في اعتماده على الوصف الكاشف عن القادم. فالوصف في القصص ليس سمة جمالية تزينية، بل هو عملية شديدة الارتباط بالقصة وبنائها، وبالرؤية الأيديولوجية التي يطرحها السرد.
في قصة (عملية طرح) تبدأ القصة بهذا الوصف (عبر آب المضارب بفيالق غباره، وضحكات شموسه التي تصرّ على تحرير السماء من كل محتل، حتى لو كان مجرد هبة ضباب عابر، وجاء أيلول ليريح عورته على الواحات والتلال المجاورة)، فالوصف هنا قبل بداية السرد- وهو وصف ينمّ عن الكشف وظهور الرؤية وزوال الغيوم من خلال الحركة من شهر إلى آخر يليه- يتساوق مع عملية الوعي التي يدركها الطفل، ومع المعرفة الحقيقية التي يحصل عليها في النهاية، وهي معرفة تكذّب الخطاب المتفق حوله وعليه بين الأم والمحيطين بها، في كون الطفل نتاج عملية اعتداء واغتصاب من قوى خارجية قتلت الجد، وأبوه في ظل ذلك واحد من هؤلاء القتلة المغتصبين. الوصف يشير مبدئيا إلى هذا الوصول الكاشف للطفل في نهاية القصة.
الوصف في قصص المجموعة يأتي غالبا في الفقرة الأولى من القصة، سواء في قصص الجزء الأول أو الأخير، فيكون هاديا وموجّها لعملية التلقي، فحين يقرأ القارئ الجملة الوصفية الأولى في قصة (أحضان دافئة) (كان الوقت مبكرا ذاك الصباح، السماء بين الرمادي والأزرق، وقرص الشمس يناور باستماتة، كي يطلّ من سردابه الكبير. بضعة طيور مشاغبة تملأ الجوار شقشقة) يدرك أنها بداية هادية وموجهة لمجمل التغييرات التي سوف تأتي في القصة، وأنها توجه حركة المعنى والتأويل التي تتكوّن بالتدريج، في حسم المرأة توزعها واختيارها الذي يتجلى في نهاية القصة، من خلال الجوار الذي يشغله الفتي أو الشاب القادم من القرية. وربما تجعلنا قدرة الكاتب في استخدام الوصف الكاشف عن حركة المعنى في النص، نعاين التصديرات النصية التي يضعها قبل الأجزاء والقصص المفردة.
تتأسس بنية بعض القصص على نحو مباشر في تعالقها بالنثار الواقعي، مما يفقدها بعض فنيتها. ففي قصة (حرب اليمامة)، لن يلاحظ القارئ سوى رصد ذاتي من خلال ضمير المتكلم في عنايته بالتحولات والتقاطعات بين الرسمي والنظامي من جانب، والكيانات التي تتشكل على الهامش من جانب آخر، وتحوّلها بفعل التفتيت والتوالد الداخلي إلى فصائل عديدة، هذه الفصائل بتعددها في مقابل الرسمي تأخذ منه جزءا من نظاميته ورسميته، فهي صراعات داخلية منقسمة على ذاتها، ولهذا وضعها الكاتب داخل عنوان أكبر (نيران شقيقة). فعلى مدار القصة يصبح هذا الجندي داخل السياق الرسمي مرة، وفي لحظة أخرى- نتيجة لمتغيرات الانقسام والتوالد الذاتي- نجده خارجه، ويتكرّر ذلك التحوّل مرات عديدة، ليكتشف القارئ في نهاية القصة أن هذين العدوين اللذين يتغير شكل وجودهما بين داخل النظام وخارجه يمثلان شيئا واحدا بالرغم من المسميات الكثيرة مثل (جيش الرب)، أو (جيش القعقاع). فالصراع بين الرسمي والكيانات المناوئة على الهامش جزء من منطلقات المجموعة، خاصة في الجزء الأول، لكنها لا تنتصر لفصيل دون آخر، بل تضعها داخل مجال السخرية والانتقاص نظرا للوعي الغائب.
وإذا كانت القصة السابقة تحيلنا إلى معرفة سياسية، فإن هناك قصصا أخرى تستند إلى ثقافة ذات خصوصية، فهي ليست ثقافة عادية، بل تشكل نوعا من المعرفة، فالحديث عن قبائل (التبو) في قصة (طريق الفردوس)، وصراعها المستمر مع الطوارق، تعيدنا إلى الصراع في الصحراء الأفريقية التي تضمّ ليبيا وتشاد وبلدانا أخرى. فالصحراء في الجزء الثاني الذي يحتوي على قصتي (السياج) و(طريق الفردوس) مكان له فاعلية، سواء في تأجيج الصراع واستمراره، أو في القدرة على تشكيل هوية مغلقة ثابتة لا سبيل للانفكاك منها. فالتكرار الدوري لشكل السياج من خطين ملونين بين الأطراف التي تنتمي لأصل واحد، إلى سياج من الحطب أو القصب، إلى سياج من الطين الراكز القوي، إلى سياج من بناء بارتفاعات مختلفة، يشير إلى هوية انفصالية انعزالية تبتعد عامدة عن التجاوب والاكتمال، ربما يكشف عن تلك الخصوصية احتراق الكتب الصفراء للجد الأكبر (المبروك). فالكتب تحمل إشارة إلى المعرفة والتاريخ، واحتراقها يشير إلى أنها- أي هذه القبائل- خسرت لقاءها مع تاريخها، ولم تؤسس وجودها بناء على معرفة حقيقية، ولهذا ظلت – وستستمر- رهينة محبسها الانفصالي، فهي تشكل أفقا للسياجات التي تغلق أفق الضوء ونوافذه. وفي قصة (طريق الفردوس) تتكسّر كل المحاولات التي يقوم بها البطل الذي ينتمي إلى قبائل التبو، للخروج من الأفق المغلق للهوية الضاغطة، فكلما فُتح باب أمام عينيه، وجد انسدادا يعود لأسباب خاصة وثيقة الصلة به وبسياقه. فالقصتان في الجزء الثاني تشكلان فضاء مغلقا بالثبات، يشير إلى خصوصية وإشكاليات عديدة لقبائل الصحراء.