عادل ضرغام

كوش كو للكاتب

غلاف كتاب كوش كو للكاتب
متعة السرد الكلاسيكي: خطاب السيرة الغيرية المتخيلة من الواقع إلى الرمز في رواية كوش كو للكاتب ولاء كمال عادل ضرغام في روايته (كوش كو) يقدم الكاتب ولاء كمال خطابا روائيا عن المهمش المزدوج، أو المهمش القابع داخل دوائر عديدة تبعده عن صدارة المشهد أو وضوح الوجود داخل الصورة، وكأنه من خلال هذا الخطاب التصاعدي النامي زمنيا المستند إلى الغياب، يؤسس سيرة فردية لشخص عادي، لكنه يخلخلها من سياقها العادي، لتصبح ذات حضور وفاعلية في كل مكان تحلّ به. فمن خلال قصة (كوش كو) الشاب أو الطفل النوبي الذي ينقل للعمل في فندق (شبرد) مساعدا لخاله ولرفيقه (خولي)، يؤسس النص الروائي وجودا مغايرا، من خلال الصحوة والوعي بالهوية للمصريين في الفترة الزمنية من بداية القرن العشرين إلى الحرب العالمية الثانية. يبدو ذلك واضحا من خلال عقد اتصالات ربما تكون متعمدة ومتخيلة مع نجوم كل المجالات في النصف الأول من القرن العشرين، وكأنها خطاب إنصاف ومراجعة للهامش المهم والحيوي لكل هذه النجوم التي أسست ملامح الوجود الخاص بالهوية، بداية من سعد زغلول وطه حسين وتوفيق الحكيم والريحاني، ومرورا بأعلام السياسة والفن في العالم مثل كتشنر وأجاثا كريستتي وشارل شبلن وآخرين، وانتهاء بالمجرمين مثل ريا وسكينة. ففي حضور هذه الشخصيات تتكوّن مساحة الاتصال التي لا تخلو من فاعلية هذا المهمش في شرقيته ونوبيته من جانب، وفي كونه خادما من جانب آخر. الخطاب الروائي يؤسس لهذا المهمش وجودا لافتا مزحزحا الصورة المؤسسة بفعل الخطاب الاستعماري واستمرارية التراتب الطبقي، وأثرهما على الوعي والعقل. فالرواية يمكن أن تعد خطابا ضد النمطية، وضد الإهمال، فكلّ الأعلام الذين قابلهم لم يرصدوا فيما كتبوا وجوده وتأثيره في حياتهم، وكأنه- بالرغم من الفاعلية- لا يعدو أن يكون خادما عاديا، فحظّه منهم جميعا كان الإهمال، فالرواية تنحو منحى منصفا في إثبات هذا الوجود وتلك الفاعلية، في كونها تتوقف عند الهامش/ الشعب في حدود سيرة كاشفة عن الوجود الخفي المؤثر في كل الشخصيات الأخرى. وحضور الشخصيات على هذا النحو المتعمد- بكونها فضاء جانبيا للشخص المهمش الذي يحتل صدارة الحكي والاهتمام- لا يخلو من قصدية، وقد يحرّك فعل التأويل من وجود مادي إلى وجود فكري يرتبط بالروح الوثّابة للمصريين. يجد القارئ لهذه الروح صدى في حركات الأفراد والنماذج المسرود عنها بشكل جانبي في ظلّ هيمنة وحضور المهمش، على نحو ما يمكن أن نرى في إصرار طه حسين، وفي توجه وتأملات توفيق الحكيم، ومراجعات سعد زغلول لوجوده الجزئي داخل الوجود الأكبر، وآليات ارتباطه بمصر والمصريين من نظرة أحادية مقدسة، إلى نظرة منفتحة على المراجعة، وفي هزائم وانتصارات الريحاني المستمرة دون تسليم أو فقد للأمل، بالإضافة إلى صور عديدة للمصريين الذين صنعوا المغايرة وملامح الروح والهوية المعاصرة في النصف الأول من القرن العشرين. الرواية هنا تزحزح التراتب عامدة، فتحيل المتن هامشا والهامش متنا، لترصد بشكل خاص الروح الوثابة الناهضة للمصريين، وقدرتها على تاطير هوية معاصرة بدأت مع ثورة 1919، في انفتاحها على الهامش الذي يمثل في منطق الرواية الأساس، وعلى الشخصيات التي أعطت لهذه الروح وجودها المغاير. السرد الكلاسيكي وتناسل النماذج البنية النامية الكلاسيكية في السرد الروائي لها دور في إسدال الوعي بالفترات من الناحية السياسية والاجتماعية، وفي ارتباط الشخصيات بهذه السياقات، ودورها في تشكيل الرمز الأثير في نص الرواية بتوجهات فكرية على مسافات متباعدة. وهذا كله وثيق الصلة بالزمن وبنموّه التدريجي، وتأثيره على الفصائل الموجودة. فقد جاءت الرواية دون آليات سردية تعصف بالزمن التراتبي أو المتحرك من البداية إلى لحظة النهاية، لتقديم سيرة لشخص متخيل من (النوبة)، يتحرك في فضاء واقعي، يرتبط بالسياق المصري في هذه المساحة الزمنية بكل هزائمه وتطلعاته وانتصاراته البسيطة. ترصد الرواية في هذا المدى الزمني الدوائر المتداخلة بين العالمي والمحلي، وبين طبقة المحتل والحكّام والشعب. البناء السردي المتنامي يصنع سيرة أقرب النموذج، فتصبح منفتحة على دلالات رمزية نتيجة لفعل التوجيه المستمر، وانفتاحها في علاقاتها وارتباطاتها على شخصيات حقيقية، كانت فاعلة في تحقيق النهضة وصناعة التاريخ. ففي النص الروائي يطالع القارئ سيرة لذات مملوءة بالدهشة في مواجهة عالم ضخم غامض، والدهشة أولى مراتب المعرفة التي ظلّت مفتاحا أساسيا للتشكيل والتكوين والحركة. من خلال هذه السيرة التي تتحوّل إلى نموذج في انشدادها وارتباطها بالنماذج المصرية الفكرية والسياسية، والنماذج غير المصرية، تؤسس الرواية الروح المصرية الجديدة التي تصبح جزءا من هوية صلبة، في صراعها وصمودها ضد المحتل أو المستعمر في سياق يحفل بالتراتب والتباين. فالرواية حين تخترع شخصية، وتجعلها رمزا أو إشارة على فكرة معرفية، تكون دائما موزّعة بين الاستجابة لمتطلبات الرمز والإشارة من جانب، وبين الركون إلى الواقع من جانب آخر. ويستمرّ هذا التوزّع في جزئيات ليست قليلة في النص الروائي، فهناك محاولات لشدّ الرمز إلى الواقع وتذويبه، وذلك من خلال التوجيهات المتعمدة في تشكيله، أو من خلال الشخصيات التي يقابلها، أو من خلال الاستباقات البسيطة التي يشير إليها عرضا لفتح الرواية على التورط والإغواء بالقراءة، وكأنها تجهّز الذهن بالتدريج للقادم. كل هذه الاستباقات تحفّز ذهن القارئ على التساؤل والترقب، وعلى شدّ الرمز المتخيل، ليصبح جزءا من بنية الواقع. ففي لحظة دخوله إلى القاهرة مندهشا بالبنايات العالية، يقول النص الروائي مستبقا لحظة اللقاء في حديقة الأزبكية (وهي الحديقة التي سيقابل فيها المتسكّع الراقد على الدكة بعد وصوله بسنوات) ليظل ذهن القارئ مشغولا بهذه الإشارة، حتى يدرك بعد صفحات عديدة أن المتسكّع نجيب الريحاني. ثمة آليات يستخدمها السرد الكلاسيكي لشدّ الرمز المرتبط بالروح المصرية (كوش كو) إلى الواقع، وكلها آليات تجعله يتحد ويختمر مع نماذجه الفاعلة، فتصبح جزءا منه، ويصبح جزءا منها. فالشخصية النوبية (كوش كو) رمز جامع ينفتح على جزئياته ومكوناته بقصدية، ليشير إلى سموق المرحلة بنماذجها المغايرة في المجالات المختلفة، لأن السرد الكلاسيكي بتمفصلاته المختلفة مهم، للإيحاء بالسياق، ولانفتاح الأفق الدلالي على تقلبات وتطورات تاريخ محدد وفق تمدد زمني، بداية من الحرب العالمية الأولى، ومرورا بثورة 1919، وانتهاء بالرحب العالمية الثانية، وما يتجاوب معها من أحداث وتطلعات. في صناعة هذا التماهي بين الرمز ومكونات الواقع، تتعدد أشكال التماهي والإيهام، فمن هذه النماذج الواقعية من يقف دوره عند حدود الذكر، فهناك ذكر لشخصيات مثل مصطفى كامل، وكرومر، والورداني قاتل بطرس غالي، وعلي عبدالرازق، وشخصيات فنية، مثل يوسف وهبي. ويؤدي هذا المستوى- بالإضافة إلى المستويات الأخرى- دورا مهما، في توجيه القارئ نحو الروح الجديدة وأشكال تجليها ووجودها، بعيدا عن التفكير في مشروعية حدوثها واقعا، للوصول إلى هوية شبه صلبة، تتكوّن بناء على التعدد الذي يتحرّك أفراده بشكل منفصل، كل واحد في مجاله، لكن كل هذا التعدد يتآزر في النهاية حول فكرة وهوية مصرية تتشكل من مناح مختلفة. أما الشكل الثاني لهذا التماهي فيتمثل في حضور نماذج بثقلها الحيوي في النص الروائي، وهذه النماذج في إطار هذا الشكل لا تتجلى على هيئة أو مساحة واحدة، منها نماذج يتوجّه إليها السرد بشكل يقف عند حدود المراقبة، فنراها مهزومة، لأنها تنتمي إلى لحظة ماضية، مثل (عرابي)، لكنها تظلّ ضرورية للإيحاء بمرحلة، وللإشارة إلى تناسل النماذج من بعضها البعض. النماذج الأكثر حضورا تتمثل في النماذج الآنية، وتشكل نوعا من المصاحبة التي تصل إلى الاتحاد مع الرمز (كوش كو)، وتخلق حالة من الوجود المتوازي المستمر في النص الروائي، مثل طه حسين، وسعد زغلول، ونجيب الريحاني، وتوفيق الحكيم، وأجاثا كريستي بوصفها الوجه المقبول للآخر في اتحادها بالرمز بعيدا عن نعرات التراتب الاستعمارية. وفي إسدال مساحات الترابط بين الشخصية الرمز/ كوش كو وهذه النماذج، هناك توجيهات سردية تجعل الترابط به نوع من المنطقية. ففي عقد مساحة الارتباط مع شخصية طه حسين، يأتي الارتباط مبررا بوجود (خولي) زميل خال (كوش كو) في فندق شبرد، وانتماؤه إلى المنيا بلد العميد يقلل من مساحة الإكراهات السردية، ويجعل النص الروائي وشخصيته الرئيسة منفتحين على أهم شخصية تأثيرا في النصف الأول من القرن العشرين. فطه حسين- وهو في مثل سن كوش كو- يمثل وجودا موازيا طوال النص الروائي، متبادلا التأثير مع الشخصية/ الرمز من خلال الأخذ والعطاء. إن الروح التي يشكلها الرمز، ويشير إليها في مجمل توجهاته وانعطافاته، لا تتشكل- فقط- من جزئيات وثقافات محلية، يحملها أو يؤسسها مفكرون مختصون، مثل طه حسين أو علي عبدالرازق، لكنها منفتحة على الآخر المغاير الذي اشتغلت الرواية بشكل فني على تشكيل فئاته وأصنافه. فانفتاح وارتباط الشخصية الرمز على شحصية أجاثا كريستي أثناء إقامتها مع أمها وابنتها في فندق شبرد، يتابعه القارئ في تشكيل محدد، لا يخلو من توجيه سردي خاص، لإسدال مشروعية لآخر مغاير. فالاخر الذي تمثله- ويشكل جزءا من الأنا بكل ما توحيه من رموز ودلالات- هو الآخر القريب من الروح الإنسانية، ويكون بابا على المعرفة المغايرة التي تكمل نقص الأنا، وتؤثر في تكوينها، فمن خلال هذا الصنف أو الفئة يكتمل جزء من الروح النامية للأنا الرامزة، فإذا كان طه حسين يمثل عرّابا للمعرفة الشرقية والعربية، فإن أجاثا كريستي- بعيدا عن عنجهية التراتب البيضاء- تمثل المعرفة الأخرى الأجنبية المتمثلة في أشعار ملتون، ومسرح شكسبير، وروايات ديكنز، وبرونتي، بوصفها- أي هذه المعرفة- جزءا مكملا لحدود الأنا، ولروحها الموزّعة بين هذين التوجهين. يجمع النص الروائي كل هذه الأعلام من مجالات مختلفة، وتأتي في شكل طبقات متناسلة من بعضها البعض، فكل علم في مجاله يفضي إلى شبيه أو نظير، مع وجود مساحة اختلاف في التوجه داخل الإطار العام. ويشكل هذا التناسل جزءا من متعة السرد الكلاسيكي، ودوره في تشكيل الطبقات المعرفية المتتابعة، فعرابي يشكل طبقة تردفها طبقة سعد زغلول، ومصطفى كامل يتلوه محمد فريد وآخرون، ويتكرر الأمر ذاته في الإطار الأدبي والفكري من طه حسين إلى علي عبدالرازق إلى توفيق الحكيم، وفي المجال المسرحي الريحاني وبديع خيري ويوسف وهبي على اختلاف درجة الحضور والفاعلية. إن رصد هذه النماذج الموجودة فعلا في الإطار الزمني للنص الروائي والواقعي بهذا الترتيب الذي لا يخلو من قصدية وتعمد، يوجّه نحو إعادة النظر مرة أخرى في التأويل والتلقي، في ظلّ جدل الحركة والفاعلية من البطل، فهناك رحلة إلى أمريكا الجنوبية مع الريحاني وفرقته، ورحلة أخرى مع الفريق القومي لكرة القدم 1934 إلى إيطاليا، ورحلة أخرى إلى دورة الألعاب الأولمبية 1936 بألمانيا، وحديث موسّع عن البطل المصري الذي حاز الميدالية الذهبية، وقال له هتلر (كنت أتمنى أن تكون ألمانيا)، بالإضافة إلى المشاركة الفاعلة في ثورة 1919، كل ذلك يوجه نحو تلق جديد، لا ينفصل عن السابق، لكنه يصنع له مشروعية وتمددا. التأمل يوجهنا نحو حالة من التوازي والاتحاد بين النماذج وشخصية البطل النوبي الذي يفقد في ظل ذلك الفهم وجوده الحقيقي وإطاره الواقعي بالرغم من الاشتغال بشكل فني لافت على صناعة السياقات، والوعي الخاص بها في كل مجال. ففي كل بلد يتوجه إليه، هناك وعي ينبني على المعرفة الجادة بالتاريخ وتحولاته. فالبطل الحاضر في كل هذه المناسبات يمكن- ارتفاعا بالشخصية الواقعية إلى مساحة الرمز- أن يتحلل في سديم يرتبط بمراقبة هذه الروح الجديدة التي يمكن للجميع أن يشعر بها في أي مجال من المجالات، خاصة أن الأعلام أو النماذج الذين تعامل معهم، مثل طه حسين وأجاثا كريستي وتوفيق الحكيم، وكتبوا جميعا سيرا ذاتية لأنفسهم بشكل مباشر أو غير مباشر، لم يشيروا من قريب أو بعيد إليه أو إلى دوره، فقد أراد الكاتب من خلال هذا الرمز الإمساك بالروح. ويمكن- أيضا- أن تتحوّل كل التوجيهات السردية لبناء أو تأسيس ارتباط بين البطل النوبي والنماذج المصرية أو النماذج الأوربية المنفتحة على الإنساني في مداه الرحب، مثل أجاثا كريستي، إلى جزئيات أو أدوات سردية، يتم عرضها، والتأكد من مشروعيتها، بعيدا عن الإكراهات السردية، للوصول إلى الهدف الخاص بالانحياز إلى الروح المصرية في تلك الفترة، وقدرتها الفاعلة في تشكيل النماذج البشرية. فالتبئير على هذه المساحة الزمنية، يؤسس لها انحيازا خاصا، ويجعلها عند التأمل الجاد مختلفة عن السابق واللاحق في آن. الهامش والخطاب المضاد القارئ للرواية يدرك أن هناك اشتغالا من البداية على مقاومة خطاب استعماري، تكيّف النص الروائي في حركته وتشكله البنائي، وذلك من خلال تنضيد خطاب التراتب العرقي، فضلا عن التراتب الطبقي، بالإضافة إلى طبيعة النظرة من كل قسيم إلى الآخر. فاختيار شخصية (النوبي) كوش كو ورفاقه العاملين في فندق (شبرد)، لتحريكها من شخصية واقعية، لتصبح إشارة أو رمزا على الروح المصرية الوثّابة في بدايات القرن الماضي، اختيار في حدّ ذاته لا يخلو من توجيه، لأنه يحيل فكرة التراتب الطبقي إلى فكرة غائرة في الذهنية، حتى داخل المصريين أنفسهم، فحين يقول الخال قبل انتقال كوش كو إلى مصر (اشبع من أمك وأخواتك، ثم ودّعهن. لن تراهن بعد الآن، حتى يأذن ربك، والسيد ستيفنسون) ندرك طبيعة النظرة المؤسسة على التراتب، وعلى إسدال القداسة على الآخر المستعمر في الخطاب الظاهري الذي لم يكشف عن توجه مناهض من الخال إلا في مرحلة تالية من النص الروائي. وتزداد مساحة التأكيد على هذا التراتب بين كوش كو وغيره من الفتيان في مثل عمره بفعل المقارنة في فضاء العمل والمراقبة، فهو منذور للعمل في هذه السن الصغيرة (أدرك منذ وقت مبكر أنه ليس مثلهم، أنه ليس هنا ليمرح، هو ليس أبيض ليمرح، وليس معوّج اللسان، وبشعر منسدل النعومة كي يمرح). فالسمة اللونية هي أولى سمات التراتب، فاللون الأسود مشدود لسياق الخدم والأعمال الدونية في مقابل لون البشرة الأبيض. ويتأسس التراتب أيضا بين الأماكن، فهناك فارق بين القاهرة الأوربية حيث القصر وحديقة الأزبكية والفندق الذي يعمل به، والقاهرة العتيقة التي خبرها في صحبته لطه حسين إلى الأزهر، وكأنهما تمثلان في منطق الرواية تنازعا في التكوين بين الماضي والمستقبل. يبدو الفارق واضحا في قول النص الروائي (في حين لا يزال السقاؤون يحملون قرب المياه على ظهورهم في شرق العاصمة، تتمتع أحياء القاهرة المستعمرة بشبكة حديثة من المياه والصرف، تضمن وصول الماء الفاتر). اختيار الشريحة الخاصة بالنوبيين، واختيار نموذج منهم، يكون مدارا لحركة الرواية، اختيار له ما يبرره، لأنه من ناحية أولى يمثل خطابا ضد التهميش المضاعف، ومن ناحية أخرى لأنه يمثل سباحة ضد السائد الذي يستند إليه الآخرون في إثارة نعرات لديهم ضد فكرة الوطن، مستغلين كونهم شريحة عانت طويلا من التهميش، ليس من الاستعماريين فحسب، ولكن من بعض المصريين، فهم يعانون تهميشا مزدوجا، يتجلى ذلك في قول (خولي) صديق الخال في فندق شيرد، وكأنه خطاب مناوئ للجاهز (نظرة المصريين والأجانب المتعالية والمهمشة للسفرجي، ذلك الوهم بأننا لا حول لنا ولا قوة، مجموعة من البربر السذج... هذا يا كوش سلاحك الفتّاك، ما يحاول الانجليز زرعه في أذهاننا أننا غير مصريين، هو ما زاد إيماننا بما تقوم به، هذه بلادنا، ولن يسلب أي من كان هذا منا). لم يتوقف النص الروائي عند مساحات التراتب بين المصريين، إلا من خلال إشارات خافتة، لكنه أسس خطابا مضادا لكل الأجانب الذين يحملون وجها استعماريا قبيحا، يقوم على تراتب الأعراق والأجناس. وربما يأتي في مقدمة هؤلاء الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت المعروف (بتيدي) الذي أنهى فترة رئاسته قبل وصوله إلى مصر بعام. فقد أتاحت مرافقة كوش له بتكليف من إدارة الفندق في الإطار الظاهري، لإتقانه اللغة الانجليزية، وبإيعاز- بشكل خفي- من جماعته النوبية السرية (جسخنما) لمناهضة الاستعمار. يحقق حضور روزفلت في النص هذه النظرة التراتبية من البداية بين مصر وأفريقيا، وهذا كاشف من البداية عن طبيعة الذهنية القادرة على التمثيل والترتيب الهرمي للبشر، في معاداة للمنطق الإنساني، فهو يقول عن غذائه الأول في مصر بعد عودته من رحلة صيده في أفريقيا (من المنعش أن نقتبس روحا من المدنية، بعد كل هذه الشهور في الأحراش، إنه شعور رائع بالتأكيد). فهو يتعامل معهم وكأنهم غير موجودين، أو فراغ غير محسوس، يبدو ذلك واضحا في حديث كوش عن نفسه، محدثا نوعا من التداخل أو الشد والجذب بين الوجود العيني الواقعي، والوجود الرمزي للشخصية التي تستحيل روحا رامزة كاشفة عن المتغيرات التي لحقت بالأفراد العاديين والمهمشين، وأصبحت جزءا من السياق العام. يقوم الخطاب الهامشي المناهض في النص الروائي على تقويض وتفتيت خطاب الاستعمار الذي يتكفل به كثير من الأجانب بداية من (روزفلت)، ومرورا (بكتشنر)، وانتهاء بالطبيب وعالم الطبيعة (بلاكويل). فخطاب روزفلت الذي توزع دون فارق كبير بين لقائه بالخديوي أو في الجامعة الأهلية خطاب استعماري، يحاول فيه مساعدة أبناء عمومته الانجليز المحتلين، في جزئيات محددة، وهي على الرتيب: انفصال السودان عن مصر، ومدّ امتياز قناة السويس، وتفتيت الهوية المصرية بإحداث نزاع بين المسلمين والمسيحيين، بالإضافة إلى تغذية الهويات ولأقليات في تهيئة نوع آخر من الصراع. الخطاب كاشف- أيضا- عن تحيزاته ضد المصريين، ولا يخلو من عنصرية ترتبط بالتوجه الاستعماري، وحتمية استمرار وجوده. وهذا كله يقابله خطاب مضاد يؤسس له، ويحركه من البداية الشخصية الهامشية (كوش كو)، من خلال اتصاله بالجمعية السرية للنوبيين، وانفتاح نشاطها على حركات التحرر الأخرى. ليس المقصود بالخطاب المضاد هنا محور الحديث القائم من جانب على الإغواء والتوريط نحو الانفصال، أو على الفهم والتحايل والخروج من الشرك على الجانب الآخر، مثل كل الحوارات بين هذه الشخصيات الأجنبية وكوش كو، وهي حوارات كاشفة عن الفهم الدقيق الذي يؤدي إلى صدمة الآخر، وإنما المقصود الفعل أو القدرة عليه، والحركة في مقابل اليقين بفقدان القدرة والثبات، وكل هذا يحفل به النص الروائي. وفي بعض الأحيان نجد أن من يقوم بتقويض هذ الخطاب شخصية أخرى جانبية، إمعانا في إسدال روح عامة ولدت في هذه المساحة الزمنية. فالرد على فرية التنوير الاستعماري للبلد المستعمَر تأتي على لسان الطبيب المصري الذي يمثل وجوده توجيها سرديا لعقد الارتباط بين (كوش كو) و(توفيق الحكيم) صاحب (عودة الروح). فحين يقول الطبيب للضابط المرافق للجرحى بالمستشفى المقام في شبرد أثناء الحرب العالمية الأولى (إنك لم تجدنا نرتع في الأحراش، لقد أتيتم ولدينا جيش ومصانع ودار أوبرا، وقناة بحرية ومعاهد ومدارس) ندرك أن إسناد هذا التوجه إليه، به نوع من تقوية مساحة التأويل، وإثبات مشروعية له، فالروح الجديدة أو التحول الفكري في ذلك السياق لم يكن نزوعا فرديا، بل يتجلى وجودا جماعيا من جميع الجهات والفئات. أما مع شخصية (كتشنر) فإن الخطاب الاستعماري لا يخرج عن المحددات السابقة في خطاب روزفلت، ربما يزيد عنه في إسدال فارق بين البشر في تراتبهم، ففي تمثيله للأعراق الأخرى يضعهم في مقام العبودية، ويشير النص الروائي إلى وجود شخصين يرافقانه أقرب عبدين. ويأتي استخدامه للفظة (زنجي) الذي يطلقه على (كوش) إشارة إلى القوة التي تمنح بعض البشر قدرة على التمثيل والتصنيف لكل المغايرين حسب لون البشرة قربا أو بعدا من البياض، وفي الكشف عن إصراره على إثبات الفاعلية والتأثير في تطوير الآخرين، فبعد أن يرى التكوين والتشكيل الخاص للبطل يقول (هذا ما يمكننا تحقيقه إذا ثابرنا في جهودنا في هذه البلاد). وفي خطابه نوع من التجاوب مع خطاب (روزفلت) في انفتاحه على محاولة تفتيت الهوية المصرية، وتقوية وتعزيز الجانب الانفصالي لدى بعض الأقليات، وذلك من خلال الأسئلة التي يطرحها على البطل الذي يعارضه بالرغم من التراتب بإجابات صادمة، تجعله يفقد هدوءه واتزانه، يتجلى ذلك في سؤالين على الترتيب: (أخبرني يا بني.. أي البلاد أحب إليك مصر أم النوبة؟)، وقوله (ماذا لو أصبحت ملكا كوشيا على مملكة النوبة، واستعدتم أمجاد الماضي... وتتمتع أنت وبنو جنسك بالاستقلال ألا يسعدك هذا؟. فهو هنا ينطلق من قيمة اسم (كوش) ودلالته في التراث النوبي، وممالكه القديمة، لاستمالته إلى هذا التوجه القائم على التفتيت الهوياتي. ولكن هناك في النص الروائي مساحة أكبر في هذه النظرة العنصرية، مساحات تتماس مع دراسات أدب ما بعد الاستعمار كما أسس لها إدوارد سعيد في تناوله للروايات العالمية، وتتمثل في الأثر المتبقي الذي يتركه الاستعمار، وهو أثر ممتد لأنه يسكن الروح ويهشمها، وتظل مظاهره حاضرة. وهذه المرحلة تمثل المرحلة القصوى في الخطاب الاستعماري، من خلال الطبيب وعالم الطبيعة (بلاكويل) الذي يرتبط بصلة قرابة مع داروين مؤلف كتاب (أصل الأنواع). ففي هذه المرحلة أو ذلك الخطاب، يأتي البشر الذين ينتمون إلى العرق الأسود، وكأنهم وجود زائد، يجب التخلص منه، أو على الأقل يجب إنهاء أو إنهاك القدرات الإنجابية لأصحابه. فأصحاب العرق الأسود في خطابه السردي أشبه بحيوانات التجارب، وسوف تظل الجملة التي قالها كتشنر لصديقه الطبيب عن كوش ذات صدى يلحّ على ذهنه، وكأنها أثر يثقل الروح، في قوله (إن كوش سيكون مفيدا له في أبحاثه). وسوف يتجاوب مع هذا المنطق حضور خطابات (لجالتون) حول الانتخاب العرقي، والإخصاء القسري الذي استخدمته الولايات المتحدة في فترة ما، وذلك تطبيقا ليقينيات تراتبية، يحاول الطبيب إثباتها بالتحليل والبحث، للوصول إلى نتيجة تتعلق بالعرق الأفريقي، أو غير الأوربي، وإلصاق به تهمة الضعف العقلي والتأخر الذهني. إن التعقيم الذي مارسه الطبيب ضد (كوش كو) بمساعدة العبدين، لا يمكن تلقيه على أنه فعل حقيقي بشكل نهائي، وإنما يمكن اعتباره- في وجه من وجوههه الدلالية- إشارة إلى الأثر المتبقي الذي تركه الاستعمار في كل فرد، وفي كل روح لهذه الشعوب بعد أن نالت استقلالها، وهو أثر يعرقل الحركة لفترات طويلة، حتى تتعافى الروح.