الشعر والسرد
تداخل الشعري والسردي بين التفصيلات والوصول إلى الهدف
في الشعر والسرد
للناقد سامي سليمان
عادل ضرغام
في كتابه (الشعر والسرد-تأويل نظري ومداخل تأويلية) ينطلق سامي سليمان من رؤية حداثية محملّة بعدد خاص من النظريات، لمقاربة مساحات التداخل بين الشعري والسردي قي منجز النقاد والبلاغيين والفلاسفة في لحظتين زمنيتين، فيهما الكثير من الخصوصية، من خلال العصور الوسيطة أو القروسطية، ومنجز الإحيائيين في بداية العصر الحديث مع تفتح الوجهة نحو الآخر، ونقل ما لديه بشكل أقرب إلى الصحة والصواب. وقد ظل سامي سليمان وفيا لمساحة اشتغاله التي أسس وجوده فيها من خلال أعماله المتتابعة، وهي فترة ترتبط بنهايات القرن الثامن عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر. تشكل هذه الفترة مساحة الصحو في كل مجالات الإبداع الأدبي، وبداية تشكّل مؤسسة الأنواع الأدبية في الأدب العربي.
قد يبتعد سامي سليمان عن هذه المساحة الزمنية، ولكن يظل لهذا التكوين العلمي أثر في الحركة والتوجه، وربما في الرؤية في أحيان ليست قليلة. وهذا يثبت أن التكوين في سنوات التأسيس الأولى، يمكن أن يمنح أي باحث مساحة للحركة دون ادعاءات زائفة نراها للبعض. وأعتقد أن كل منجز سامي سليمان عبارة عن أفكار ولدت وتكوّنت أمشاجها في ظل هذه الفترة. يعيد كتاب (الشعر والسرد) مساءلة المتفق حوله من أفكار، مارست تأثيرا وتغييبا لوجود ما، مثل مقولة (الشعر ديوان العرب). الكتاب يعيد طرح التساؤل حول مشروعيتها، وحول دورها في تغييب ظواهر موجودة بفعل الهيمنة الثقافية التي توجدها هذه المقولة، ومن ثم يحاول البحث عن الغائب، وتجلية وجوده. وفي كل ذلك لا يكفّ عن الإشارة إلى جهود سابقة تشكل مقاربة قرائية للموضوع، فهناك إشارة لشكري عياد وأحمد درويش وسعاد المانع وآخرين.
توجهنا العناوين وأشكال التبويب في المدخل النظري والفصول إلى أن مقاربة الأنواع في التراث العربي، وخاصة الفترة القروسطية، مقاربة تنطلق من لحظة آنية، مملوءة بإجراءات منهجية جديدة، فنظرة فاحصة، إلى فكرة التراتب، وإلى المتن والهامش فيما يخص الأنواع الأدبية تثبت مشروعية هذا الفهم، فالحاضر هنا يرفد الماضي من خلال نظرة نقدية فاحصة، ولكن هذه النظرة النقدية تستحضر دائما سياق الإنتاج، فهي بالرغم من توجهها الحداثي المشدود بشكل ما إلى التفكيك، لا تتنصل منه أو تثور عليه، فهي واعية بسياقه، هي فقط تحاول الكشف عن المخبوء والمضمر. يقيم الكتاب استراتيجيته في مقاربة مساحات التداخل على قيمتي المشابهة والاختلاف في مقاربة مصطلح، أو التجاوب في طريقة المعالجة، وربما يظهر في حركية المقاربة لمصطلح (الاقتصاص) نوع من النمو التدريجي لدى البلاغيين والرواة من جانب، ولدى الفلاسفة من جانب آخر. وتنتقل المقاربة خطوة أخرى، حين يتعلق الأمر بملامح نظرية، تمّ نقلها، واستيعابها إلى حد ما على يد بعض الإحيائيين.
(فالاستواء) أو(الاتساق) بوصفهما كاشفين عن مساحات التداخل بين السردي والشعري، لدى الرواة والنحاة والبلاغيين، يتساوقان مع (القصص حسنة الاضطراد) لدى الفلاسفة، أو المتأثرين بالفكر اليوناني، مثل ابن رشد وحازم القرطاجني. مقاربة التداخل بين الشعري والسردي في الكتاب لا تقف عند حدود منجز النحاة والبلاغيين والرواة، أو لدى الفلاسفة، ولكن هناك نقلة لافتة تنقل القارئ إلى بدايات النهضة مع الإحيائيين، حيث النظرية الأرسطية للدراما قد نقلت سليمة أو شبه سليمة، ومن ثم تجلّى التعامل معها مختلفا، في تشييد مساحات التداخل، فهناك نوع من النمو والتدقيق. فقد تعرّف النقاد العرب على النظرية والفنون في تجليها الغربي، مثل المسرحية أو القصة أو الرواية، ولم يعد الأمر مرتبطا بقراءة ضالة أو خاطئة، تتعرف على الشبيه، وتعطيه بعض سماته.
مساحات التداخل بين البلاغيين والفلاسفة
يقدم سليمان في هذا الكتاب قراءة تفكيكية للمقولات التي صنعت حاجزا بين القارئ ومنظومة الأنواع الأدبية وتراتبها، وصنعت الحاجز نفسه مع الباحثين والنقاد. وفيه يحاول تأسيس الوجود لهذه الأنواع النثرية بجوار الشعر، فالأمر- في منطق سليمان وأدلته- لم يخلُ من وجود أرضية مناوئة للوجود الشعري المهيمن الذي تؤسسه المقولة، فالنثري متداخل مع الشعري في الأخبار وسرديات الفصائد. فمن خلال تفعيل ثنائية (المتن) و(الهامش)، يوجّه الكتاب النظرة نحو الهامش، من خلال عين راصدة لأشكال وجوده وتجليه، فهناك في المؤلفات الأولى سرديات النص الشعري، وفي العصور الوسطى سرديات الشروح، وهناك الأخبار التاريخية لإثبات مشروعية الشرح والتفسير، أو السرديات الخاصة بتلق سابق، أو بعض الأمثال بسردياتها القديمة أثناء التأويل، وهناك – أيضا- سرديات صغرى خاصة باللفظة أو الكلمة لتوجيه دلالاتها.
من أجل التأسيس لهذا الحضور يعود سليمان إلى معاينة تجليات حضور مصطلح (الاقتصاص) في التراث العربي، بداية من كتاب (قواعد الشعر) لثعلب، ويتوقف عند مقولة دامغة لهذا الحضور والتعاضد بين الشعري والسردي، فيشير إلى مقولته (الشعر أمر، ونهي، وخبر، واستخبار)، ومقولته حول أصول الشعر، حيث يشير إلى أصل منها، يسميه (اقتصاص أخبار). وقد توقف منجز ثعلب عند حدود الإشارة، دون إفاضة في مقاربة التداخل وقيمته، ولكن مع ابن طباطبا العلوي، نجد أن هذا التداخل - في منطق سليمان- يتجلى في إطار توجه عام يرتبط بالجزئيات التي يجب على الشاعر الوعي بها وإتقانها، لكنه ربط وجودها في النص الشعري بالذاتية التعبيرية.
الأمر- أي التداخل- يأخذ مع ابن طباطبا مسارا ناميا، حيث يشير إلى ظاهرة لفتت كثيرين من الدارسين القدماء، حين يشير إلى القلق البنائي أو التركيبي في بعض النماذج والنصوص الشعرية، ويستنتج من هذه النماذج- استنادا إلى الجزئيات أو الحكايات التي يجب على الشاعر الوعي بها- تأويلا يرتبط بالخلل في عملية الاقتصاص، ووجودها في النص الشعري. وفي عودته إلى الحاتمي، في كتابه (حلية المحاضرة)، يتوقف عند مقولته (أوجز شعر يتضمن قصصا)، ومنجزه- أي الحاتمي- لا يزيد عن ذلك. ولكنه يردف ذلك بمنجز أبي هلال العسكري، في حديثه عن التداخل بين الشعري والسردي داخل جلسات السمر، وفي المدونات التاريخية للشعر، أو في تراجم الشعراء. وقيمة منجز العسكري في قضية التداخل ترتبط بتوجهه العام في حديثه عن مصطلحات ثلاث، هي على التوالي (الالتئام) و(المشاكلة) و(حسن الرصف)، لأن هذه المصطلحات تشير إلى بنية شعرية تجمع فنين، وتخفي مساحات التباين أو النتوء، بالإضافة إلى توقفه عند الأخلاق والأمانة في عرض الخبر أو القصة.
ومع ابن أبي الإصبع يتجاوب هذا التداخل في حدود عنايته بنظريته البلاغية بشكل عام، ويأتي الاهتمام باقتصاص الخبر أو القصة داخل هذا التوجه العام. ففي وقوفه أمام مصطلحات مثل (المجاز) و(الإيجاز) و(الاحتراز) مقاربة جادة لآلية التداخل والاقتصاص، وكلها مصطلحات تصب إلى شيء شبيه بتحليلنا المعاصر لتداخل الشعري بالسردي، والإصرار على الإبقاء على الكثافة الشعرية، حتى في ظلّ هذا التداخل، بين السردي النثري بحركيته ونموه، والشعري. فاقتصاص الخبر أو القصة في النص الشعري يجب أن يكون مشمولا ومحتفظا بتحقق الصفات السابقة التي تجليها هذه المصطلحات.
ينتقل سامي سليمان بعد ذلك إلى منحى جديد، يتعلق بمقاربة الفلاسفة أو البلاغيين الذين يحتمون بثقافة يونانية، وفيه يحاول رصد مساحات التداخل في ظل نظرية الدراما الأرسطية، ففي تلخيص كتاب أرسطو لابن رشد اعتمادا على ترجمة متى بن يونس التي يشار إليها دائما إلى كونها حرفية ومشوّهة، يستند إلى هذه النظرية لإقامة مساحات من التفاوض والنقل والتعديل حتى تصبح ملائمة للسياق العربي الذي يخلو من النوع الذي تؤسس عليه النظرية وجودها. فقد حاول – نظرا لوقوف الأنواع في السياق العربي عند الشعر والخطابة والرسائل- أن يغيّر في مساحات اشتغالها، ووجد ضالته في المدح والهجاء.
وفي تأسيس توجهه يشير إلى أن الشاعر يحاكي عادات وأخبارا وقصصا وخرافات. ونقل الأمر بعد ذلك إلى فكرة الأداء، لكي تتناسب مع طبيعة الشعر المسرحي لدى أرسطو، من خلال مقولة (الأخذ بالوجوه). فقد استند ابن رشد إلى أن (العادات والاعتقادات والنظر) أجزاء أساسية لصناعة المديح، ومن خلالها يحيل نظرية أرسطو من أساسها المسرحي إلى سياق غنائي. وهذا توجه يحتم عليه أن يجد مقابلا له في لمنطلقات النظرية في قصيدة المديح، فيتوقف عند (المبدأ- والوسط- والآخر) لكي تمثل محاولة استيفاء للوحدات الثلاث لدى أرسطو. في تحديده لفكرة الأداء، وكون الشاعر مؤديا، يجعل ما يكتبه الشاعر وما يلقيه محاكاة بشكل موسع للعادات والاعتقادات، ويشير في الوقت ذاته إلى قيمة أخرى، أطلق عليها الالتذاذ بالمحاكاة، ويتعامل معها كأنها غريزة طبيعية، وكل ذلك وثيق الصلة بدور القصائد الأخلاقي في التحسين والتقبيح، وشدّ دلالتهما إلى الخوف والرهبة والتطهير لدي أرسطو.
تأتي الجزئية الأخيرة في الكشف عن مساحات التداخل متمثلة في إسهام الإحيائيين، حيث هناك وعي بنظرية الأنواع الأدبية، ووعي خاص بالملاحم الشعرية، ووعي خاص بالإلياذة والأوديسة على أنهما نشيدان شعريان قائمان على مواد سردية. وفي ظل هذا التوجه الإحيائي، والوعي بالنظرية الكلاسيكية، وحضور الخيال العاقل أو المتعقل، يساوي أحد الباحثين (البستاني) بين المؤرخ والشاعر، ومن هنا ينظر إلى أشعار حرب البسوس، وإلى بعض المعلقات على أنها ملاحم عربية. وفي ظل وجود نظرية للأنواع الأدبية، وبتحقيق رؤية موضوعية بعيدا عن حضور الذات، وبالاعتماد على الوصف والمحاكاة يخرج الحمصي كثيرا من المعلقات التي أعدها البستاني ملاحم جاهلية، لأنه وضع شروطا استنادا إلى نظرية المسرح، منها أن يكون راويا لا يجعل نفسه بطلا للملحمة، بالإضافة إلى البعد عن الذات، من خلال تأسيس رؤية موضوعية.
في كل أشكال التداخل السابقة بين الشعري والسردي، سواء في العصور الوسيطة، أو في بداية العصر الحديث مع الإحيائيين، يظل السؤال حاضرا حول طبيعة هذا الحضور، فهناك فرق واضح بين حضور الإشارة أو الإحالة إلى القصصي أو الخبري، وبين التحقق العيني. فالنوع الأول معرفي معلوماتي، والثاني مكون بنيوي، يحدث أشكالا عديدة من التفاوض للتجذير لوجوده. وهذا يجعلنا نشير إلى أن الحالات التي تكشف عن التداخل النوعي- بالرغم من أن سليمان قارب الموضوع مقاربة جادة، تتناول انطلاقا من حدبه على موضوعة كل أشكال الاتصال أو شبهة الاتصال والتداخل- قليلة، فبعد استبعاد الإشارات البسيطة مثل إشارات ثعلب أو الحاتمي، تأتي إضافة مهمة لابن طباطبا العلوي.
إن إشارة ابن طباطبا إلى أن الاقتصاص أو الارتباط بشيء جاهز يؤثر على لغة الشعر وعلى طريقة تأويله إشارة مهمة، خاصة أن تأويله للأمر يجعله في إطار التأثير السلبي. ربما تكون هذه أول إشارة جادة كاشفة عن التداخل بين فنين، لكل واحد منهما أسس بنائية مغايرة، أو عنصر مهيمن يباين الآخر، ولكن حجج ابن طباطبا كانت حججا مرتبطة بالبلاغة العربية، في بحثها عن (استواء الكلام)، أو (الاتساق) بين السردي والشعري. وقد فرّق حازم القرطاجني في كتابه أثناء تعرضه للاقتصاص بين الإحالة، أي ذكر علم أو حادثة أو قصة في نص شعري، وكل ذلك يدور داخل فكرة التوظيف أو الذكر، أو الإشارة المعلوماتية أو المعرفية، وبين الاقتصاص الصريح، والأخير يدخلنا في إطار التداخل البنيوي الذي يشير إلى تداخل بنيات متباينة، أو عناصر مهيمنة لفنين في آن.
وهذا التفريق يجعلنا نتوقف عتد بعض مساحات التداخل، من خلال إشارات توقف عندها سليمان، منها فكرة (الإيجاز) عند ابن أبي الإصبع، فهي فكرة على نحو كبير من الأهمية، لأنها عند التحقيق تشير إلى كثافة الشعر، فاقتصاص القصة أو الخبر أو الخرافة، يجب- من وجهة نظره- ألا تصيب النص الشعري بالترهل، خاصة في ظلّ تعالقها وارتباطها بالمجاز، وثيق الصلة بكل شعر. أما الملاحظة الثانية فهي ترتبط بمحاولات التفاوض مع النظرية الأرسطية عند ابن رشد. ففي غياب الفن الخاص بهذه النظرية في السياق العربي، حوّل ابن رشد الشاعر إلى مؤد، وكأنه في عمل مسرحي، بعيدا عن البنية النصية والوزن. والتداخل هنا- أيضا- بين الفنين غير موجود، بل هو تداخل أقرب إلى صورة الشاعر الشعبي الذي تتساوق معه فكرى (الأخذ بالوجوه)، وارتباط ذلك بصورة الخطيب.
أما الجزئية الثالثة فتتمثل في إشارة أبي هلال العسكري، في حديثه عن المجالس الخاصة بالسمر، والتحرّك والانتقال من الشعري إلى السردي، واعتبار ذلك تداخلا في هذه المجالس، وفي المدونات التاريخية للشعر، وفي تراجم الشعراء. والتداخل هنا- أيضا- ليس نصيا، بل يمثل في الغالب ممارسة ثقافية أو اجتماعية، لأنه تداخل، يحفظ لكل فن ولكل قسيم منهما وجوده المستقل. ويمكن في هذا السياق التوقف بشكل عام عند فكرة الإشارة أو الإحالة التي ترتبط بتوظيف قصة أو حكاية، في مقابل إدخال هذه الحكاية ببنيتها داخل بنية النص الشعري. ففي الحال الأخيرة هناك وجود لعناصر مهيمنة متقابلة، تفترض جدلا وتفاوضا، ومساحة من التوازن الكاشف عن وجود جدلي للسردي داخل الشعري، فتفصح عن صياغة بنائية فنية، تجعل من التداخل والتماهي وجودا جوهريا، لا يكفّ عن الإشارة إلى المكونات النوعية المتصارعة.
التوزّع بين التفصيلات والوصول للهدف
القارئ للكتاب يدرك أنه أمام باحث من نوع خاص، تحركه المسئولية في الوقوف طويلا أمام مشروعه، فله- فضلا عن قدرته اللافتة في الاستنباط والتحليل- وعي بالسياقات الماضية، سواء أكانت سياقات مرتبطة بالأطر الفكرية وأنساقها، أو بالأنواع والأشكال الشعرية، بالإضافة إلى قدرة كبيرة على الرصد، والانتقال من جزئية إلى جزئية بشكل متنام، حتى يشعر القارئ أنه أمام بناء متسق الأجزاء، بالرغم من أن هناك شعورا يتولّد بالتدريج أن هذه الدراسات كتبت على فترات متباعدة. وهذا الشعور يحتم إعادة النظر في هذه الفصول، ومدى علاقاتها بالفصل الأخير الخاص بمقاربة قصيدة (جدارية) لمحمود درويش، بوصفها حالة دالة وشديدة الخصوصية في التعبير عن مساحة خاصة من التوزان بين السردي والشعري، فما هو شعري في ارتباطه بقيم الاكتناز والثبات لا يطغى على ما هو سردي، وما هو سردي في انشداده إلى الحركة والانتقال والنمو، لا يؤثر على كثافة الشعري.
عند معاينة الفصل الأخير الخاص بقراءة جدارية درويش، تتولّد أسئلة خاصة بعلاقة هذا الجزء بالفصول السابقة الخاصة بمحاولات إثبات التداخل، سواء كان ذلك في العصر الوسيط مع البلاغيين والنحاة، أو مع الفلاسفة المتأثرين بالفكر اليوناني، مثل ابن رشد وحازم القرطاجني، أو من خلال نقلة زمنية أخرى مع الإحيائيين، فهل أراد سامي سليمان أن يقدم لنا تطبيقا عمليا لآلية التداخل، أم أراد بهذا الجزء أن يجيب عن سؤال له قيمته يرتبط بالهدف من الدراسات أو الفصول التي سبقت مقاربة نص محمود درويش؟. أعتقد أن الفصل الأخير يأتي وكأنه هدف لكل التفصيلات السابقة، بعيدا عن قيمتها في ذاتها، بوصفها دراسات منفصلة، تحدد هدفها في حدود الدراسة النظرية القائمة على المعاينة والقراءة والاستنباط.
ولكن الأمر على النحو السابق، كان بحاجة ضرورية إلى دراسة لحظة زمنية أخرى في مقاربة الظاهرة، لحظة زمنية لها خصوصية، تؤسس لهذا التداخل، وتوجه العمل، نحو استراتيجية أساسية لموضوع التداخل والتماهي بين الشعري والسردي، وهو استراتيجية تكييف وجود العناصر المهيمنة لكل نوع أو فن من النوعين المتداخلين. إن النقلة من الإحيائيين إلى محمود درويش، كانت تستدعي وقوفا لازما من الناحية النظرية ومقارباتها التطبيقية أمام لحظة زمنية أخرى، تفنن أصحابها في مقاربة هذا التداخل، وربما يتحدد ذلك بشكل دقيق في مساحة تلقي الشعر الحر وقصيدة النثر، لأن هذين النوعين يمثلان أول وجود حقيقي لهذه الظاهرة، لأن جزئية التداخل بين الشعري والسردي منطلق أساسي من منطلقاتهما النوعية.
الوقوف امام الدراسات التي قاربت إشكاليات التداخل بين الشعري والسردي في قصيدة التفعيلة أو في قصيدة النثر، يمثل ضرورة ملحة، لأنها أدخلت مقاربة الظاهرة في إشكاليات التوطين، وهي الإشكاليات الحقيقية للظاهرة، بعيدا عن البحث عن مجرد الوجود. يشكل منجز سامي سليمان في هذا الكتاب حالة انتباه دائم، للوقوف أمام كل بادرة أو ظاهرة قد تلوح في الأفق أثناء القراءة أو المعاينة أو المقاربة، ويشعر القارئ بحالة من اليقظة الدائمة التي لا تهدأ. يكشف عن ذلك مجموعة التعقيبات التي يقدمها للقارئ مع كل جزئية، في إطار لا يخلو من العلمية والاتزان، فمع كل حالة له إسهام أو رؤية خاصة به، قد تمتد وتتحوّل إلى نقاط عديدة متجاوبة ومتساندة.
لكن هذا التوجه في المقاربة من خلال التمسك بالانتباه الدائم واليقظة، ربما يؤدي إلى الوقوف طويلا أمام جزئيات بسيطة لا تستدعي هذا الاحتشاد، والدخول في تفصيلات، قد لا نحتاج إليها كثيرا. فحالتا الانتباه الدائم واليقظة حالتان جيدتان في العموم، لكنهما قد تبعدان الباحث عن فكرة الانتقاء، والإمساك بالخيط الفاعل في المقاربة النقدية، حيث يبدو الإمساك به كفيلا بجمع الجزئيات المجهرية التي نعطيها مساحة مساوية للعنصر الفاعل، ونعطيها أيضا مساحة لا تستحقها من الجهد، فتناول كل شيء أو كل الخيوط في المقاربة النقدية، يصنع مساحة واسعة، ويصبح الخروج منها برؤية موحّدة شيئا صعبا.
وقد تجلى الإمساك بكل الخيوط في الفصول الأولى في وجود آلية متكررة، ترتبط بكثرة العناوينن، وكثيرة التفصيلات. ففي الفصول الأولى هناك تقسيم للظاهرة إلى جزئيات صغيرة، وهي طريقة في المقاربة- على جدواها- قد تدفع إلى الاهتمام والارتباط بالتفاصيل غير المجدية، والإصرار على تعقبها، وتحدث- نتيجة لذلك- نوعا من البعد عن الهدف، أو تجعله محدودا غير واضح الملامح. هذا التوجه يولد سعيا قويا نحو نوى صغيرة، دون تنبه أن الوقوف عند التفصيلات ليس هدفا، ولم يكن مقصودا لذاته، وإنما لصناعة هدف. في المدخل على سبيل المثال في العنوان رقم (3)، نتوقف أمام هذا العنوان (رفعة وضعية الشعر في التنظير الأوربي)، لندرك أن الموجود تحت العنوان أكثر ارتباطا بالشعر العربي، وليس بالأوربي، هناك فقط إشارتان نحو فكرة الهيمنة، وإبعاد سارتر للشعر عن ميدان الالتزام، وهما إشارتان يمكن تمريرهما بشكل جزئي وبسيط داخل الحديث عن الشعر العربي وتراتبه، وهو مناط الاهتمام، دون الحاجة إلى مثل هذا العنوان.
وقد أدى ذلك- أيضا- إلى أن المقاربة في الفصول النظرية الأولى، لم تتوقف بشيء من التفصيل امام مساحات التوطين أو التداخل بين الشعري والسردي، ربما بسبب أن اللحظات الزمنية التي اشتغل عليها الكتاب، لم يكن هناك وجود حقيقي لهذا التوطين والتجذير للوجود الثنائي المزدوج في النص الشعري. ولكن حتى في سياق الإشارات التي تجلّت عن بعض البلاغيين والفلاسفة مشيرة إلى إشكاليات هذا التداخل، لم يتم التوقف عندها وقوفا خاصا. فكما أشرنا سابقا كان هناك إشارات وحضور لمصطلحات تستدعي التوقف الطويل أمامها، لأنها تحرك مقاربة الظاهرة من إثبات الوجود إلى معاينة ومساءلة هذا الوجود، في ارتباطه بإشكاليات التداخل، وتوطين العناصر المرتبطة بفن آخر.
فالوقوف الخاص أمام مصطلحات مثل (الإيجاز) عند ابن أبي الإصبع، أو (استواء الكلام)، أو (الاتساق) عند ابن طباطبا، أو (الالتئام) و(المشاكلة) و(حسن الرصف) عند العسكري، أو(القصص حسنة الاضطراد) عند الفلاسفة، كان يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية، ويدخل المقاربة في صلب الموضوع الخاص بعنوان الكتاب، لأن هذا الوقوف يحرّك السردي من إثبات الوجود إلى الفاعلية، فيحيله إلى جزء بنيوي يمارس نوعا من التفاوض مع الشعري، ويمكّن لنفسه وجودا خاصا، أو مكوّنا من مكونات البنية الشعرية. الاهتمام بهذه الجزئيات بشكل خاص سيؤدي حتما دوره في الانفتاح على المقاربات الحداثية المرتبطة بقصيدتي التفعيلة والنثر.
وأعتقد أن حالة ابن رشد وقدرته على بناء تصوّر شبه محكم لنظرية الدراما الأرسطية، بالرغم من اعتماده على ترجمة غير كاملة، ولا تخلو من الحرفية والتشويه للمترجم السرياني متّى بن يونس، كان تحتاج إلى وقفة طويلة، خاصة في ظلّ إشارته إلى مصطلحين، واختراعهما اختراعا، وهما (القصص الشعري) و(الأشعار القصصية). وفي ظني أن تأويل هذا الأمر- هو تأويل توقف عنده سليمان- يرتبط بوعيه بنظرية الأنواع في العصور الوسيطة، بالإضافة إلى الانفتاح- ربما- على ترجمات أخرى. ولكن التبرير- فيما أعتقد بالإضافة إلى التبرير السابق- يتمثل في قدرة ابن رشد من خلال وعيه غير الكامل بالموضوع أو بالنظرية، على تقديم قراءة ضالة أو خاطئة بتحديد هارولد بلوم، حيث يحدس بشيء، لا يعيه وعيا تاما، ويؤسس له اكتمالا لافتا، ففي بعض الأحيان تتشكل مساحات الإضافة من الوعي الناقص أو غير الكامل بالظاهرة.
وهذا التأويل الخاص بقدرة ابن رشد على بناء تصوّر محكم لنظرية أرسطو، يذكرنا بالحال نفسها، في بداية النصف الأول من القرن العشرين، أو قبل ذلك بقليل، حيث توزّع المتلقون لقصيدة النثر- مع عدم وضوحها وضوحا تاما- بين مصطلحين، هما (النثر الشعري) و(الشعر النثري). فتوجه ابن رشد في استخدام هذين المصطلحين (القصص الشعري) و(الأشعار القصصية)، لا يخلو- وإن كان يستخدمهما في الإشارة إلى الأشعار التي تستلهم القصص المقدسة عن الأمم السابقة- من أهمية، لأنه يسهم في عملية التفاوض المستمر، لإسدال ملامح النظرية الأرسطية في الأدب العربي.
أما الجزئية الأخيرة الخاصة ببنية هذا الكتاب وآليات ومنهجية اشتغاله، فتتمثل في الجزء الأخير الخاص بمقاربة نص محمود درويش (جدارية)، وهي جزئية مرتبطة بالكتاب، في استخدام عناوين كثيرة، ولكن العناوين هنا تعتبر مداخل عديدة للقراءة، فهي تمثل طرقا عديدة للوصول إلى الهدف. والمتأمل للقراءة - على جدواها وقيمتها من خلال الجهد المبذول في ظل هذه التعدد- يدرك أنها لا تتوجه نحو تلق خاص يؤسس لنفسه بالتماسك التدريجي. فالتعدد في مداخل المقاربة مهم خاصة في النصوص الشعرية، ولكن اختيار الخيط الفاعل الذي يلضم هذه الجزئيات له أهمية أكبر. ففي مقاربة نص محمود درويش هناك خطوط عديدة لمعاينة النص، ومحاولة الاقتراب منه، لكن المقاربة لم تتوقف عند واحد منها بوصفه خيارا أخيرا للبناء والإتمام والإكمال، فكل جزئية في إطار ذلك التعدد صالحة، ولكنها في النهاية غير تامة، وغير منجزة بشكل نهائي. فالمقاربة النقدية- في ظني- قائمة على الوصول إلى العنصر الفاعل في النص الأدبي، والاتكاء عليه لإتمام عملية المقاربة، وإذا كان الاختيار صحيحا أو شبه صحيح، سيكون هذا الخيط أو المدخل قادرا على جمع كل الخيوط الأخرى. وفي ظل ذلك أعتقد أن نص محمود درويش- وهو تلق لحظة صدور الديوان- أقرب إلى محاولة صناعة وصياغة تواز بين الزمن والروح والإله، فإذا كان الزمن أبديا، وفي تجل ما إلهيا، فإن الروح أيضا ليست بعيدة عن هذا المنحى. وهذا الفهم يدخل بنا إلى فكرة التناسخ أو الاستمرار الدوري للروح، ومن هنا تتجلى الجدارية بكونها إثباتا لحالة أو لطبقة، سبقتها طبقات، وسوف تتلوها طبقات أخرى، وأشكال عديدة، يمكن للروح أن تتلبس بها، وقد عدد أشكالها وأصنافها النص الشعري.